التحليل السياسي
وقف إطلاق النار في فلسطين
وتداعياته على الصراع العربي
ـ الصهيوني
13/ 10/ 2001
كانت تفجيرات نيويورك وواشنطن التي وقعت في 11/ 9/ 2001 بمثابة
الصفعة والإهانة لكرامة الدولة التي تعتبر نفسها الشرطي والزعيم
على العالم ، حيث أصابت التفجيرات أماكن تمثل رمز القوة والهيمنة
والغطرسة الأمريكية ، فسقط برجي مبنى التجارة العالمية رمز القوة
الاقتصادية ، ودمر جزء من مبنى وزارة الدفاع الأمريكية رمز القوة
العسكرية ، وعاشت الأجهزة الأمنية والاستخبارية أسوأ لحظاتها
متجرعة مرارة الفشل والهزيمة ، كما عاش وتذوق الشعب الأمريكي طعم
الخوف والفزع .
كل ذلك دفع الإدارة الأمريكية المصدومة إلى الإسراع بالتفكير في
كيفية حفظ ماء وجه دولتها العظمى ولرد الاعتبار لكرامتها . وفي ظل
عدم توفر الأدلة الواضحة والكافية لإدانة المنفذ والذي سمي
اصطلاحاً بـ " الإرهاب " عملت الدبلوماسية الأمريكية على الترويج
لمخططاتها الرامية للنيل منه عبر تشكيل تحالف دولي ضد (الإرهاب) .
ولتهيأة الأجواء لنجاح الضربات الأمريكية لأفغانستان التي اتهمت
بإيواء بن لادن بعد أن وجهت له أصابع الاتهام ، عمدت الإدارة
الأمريكية إلى تحقيق وقف لإطلاق النار في فلسطين..
وهدفت الولايات المتحدة من وراء ذلك إلى رفع الحرج عن الدول
العربية والإسلامية عند انضمامها أو دعمها للتحالف الدولي الجديد
ضد الإرهاب لأن في استمرار الانتفاضة إدانة لأمريكا ولمن ينضم
لحلفها ، كما أن وقف إطلاق النار يُؤمل منه التقليل من رد فعل
الشارع العربي والإسلامي عند استهداف أي بلد مسلم أو عربي . ولذلك
مارست الإدارة الأمريكية ضغوطاً كبيرة ومتواصلة على الأطراف
المعنية لوقف إطلاق النار.
وقف إطلاق النار ومواقف الأطراف المعنية :
أولاً : السلطة الفلسطينية :
سارعت السلطة الفلسطينية إلى الاستجابة للضغط الدولي الذي مارسته
الدبلوماسية الأمريكية ، وأعلنت عن موافقتها للالتقاء بوزير خارجية
العدو الصهيوني "بيريز" للبحث في وقف إطلاق النار ، وتم اللقاء في
26/ 9/ 2001 في مطار عزة الدولي ، وأعلن عن وقف إطلاق النار من طرف
الجانب الفلسطيني (السلطة الفلسطينية) ، في مقابل تعهد وزير
الخارجية الصهيوني "بيريز" باتخاذ خطوات للتخفيف من الحصار الشامل
المضروب على الضفة الغربية وقطاع غزة ، وتبع هذا اللقاء لقاءات
أمنية في 28/ 9/ 2001 . وأكدت السلطة على لسان أكثر من مسئول وكان
أخرها على لسان عرفات في رده على أسئلة الصحافيين أثناء زيارته
لمقر جامعة الدول العربية في 8/ 10/ 2001 بأن " كل من يخترق وقف
إطلاق النار سنعتقله صغيراً كان أم كبيراً ويجب احترام القرارات
التي تتخذها السلطة الفلسطينية " . والغريب في الأمر أن هذه
المواقف والتصريحات تأتي بعد وأثناء تواصل اعتداءات جيش الاحتلال
واستمراره في سياسته القمعية بتوجيه شارون . فقد بلغ عدد الشهداء
أكثر من ثلاثين شهيداً والجرحى بالعشرات واقتحام المناطق التابعة
للسلطة ما زال واقعاً ، حيث تم اقتحام وتدمير مناطق في "رفح" وما
زال جيش الاحتلال يتمركز في أحياء الخليل ، وفي الاتجاه الآخر
أقدمت السلطة الفلسطينية على اعتقال أحد مسئولي حركة "حماس" في
طولكرم ، وأحد نشطاء الجهاد الإسلامي في مدينة نابلس ، وبلغ تحرك
السلطة الفلسطينية أوجه في هذا الاتجاه حيث أقدمت عناصرها الأمنية
على إطلاق النار على مسيرة طلابية في 8/ 10/ 2001 خرجت من الجامعة
الإسلامية في غزة تندد بالهجوم الأمريكي على أفغانستان مما أسفر عن
استشهاد اثنين وإصابة أكثر من خمسين فلسطينياً أعقبه غضب جماهيري
من أسلوب السلطة تداعى إلى تحطيم ستة مراكز تابعة للسلطة .
مبررات موقف السلطة الفلسطينية :
ترى السلطة الفلسطينية في استجابتها للضغوط الأمريكية ، مدخلاً
لاتقاء الغضب الأمريكي ، ولعدم وصفها بالإرهاب .
كما تعتبر أن موقفها المستجيب للضغط الأمريكي سيساعد في تحسين
صورتها الدولية ولكسب الرأي العام الدولي .
وأن في ذلك تنفيساً لمحاولات شارون وحكومته من استغلال الظرف
الدولي لصالح إجراءاته القمعية .
كما أن وقف إطلاق النار بمثابة نقله يبحث عنها بعض من هم في السلطة
ـ ممن لا يؤمنون بخيار المقاومة كخيار استراتيجي ـ من أجل إعادة
نهج أوسلو وخيار التفاوض .
ترى السلطة في إصرارها على وقف إطلاق النار أملاً في استثمار ما
صرح به الرئيس الأمريكي جورج بوش خلال حديثه مع الصحافيين من أن
"إقامة الدولة الفلسطينية هو جزء من الرؤيا السياسية الأمريكية" .
ثانياً : الموقف الصهيوني :
موقف شارون وعموم حكومته اليمينية لا يرى في وقف إطلاق النار
تحقيقاً لطموحاتهم ولمخططاتهم ، ولذلك كانت مواقف شارون معارضة
لاجتماع بيريز ـ عرفات ، ولكن بعد الضغط الأمريكي المتواصل
والاتصالات المكثفة التي قام بها "كولن باول" وزير الخارجية
الأمريكي ، اضطر شارون للموافقة على اللقاء لإرضاء القيادة
الأمريكية ، وللحفاظ على ائتلاف حكومته خشية من انسحاب بيريز ،
ولكنه من جانب آخر أعطى الضوء الأخضر لجيشه للاستمرار في سياسته
القمعية وتجسد ذلك في الممارسة الفورية حيث تم اقتحام "رفح" في أقل
من 24ساعة من اللقاء والاتفاق على وقف إطلاق النار . ويهدف شارون
من عدم الموافقة على وقف إطلاق النار ، أو استمراره في عمليات
إطلاق النار والقصف والقتل المستمر برغم الاتفاق المعلن إلى تحقيق
عدة أهداف :
شارون يريد حسم المعركة بالقوة ، وليس ضمن اتفاق وذلك حتى لا يحسب
الأمر أنه خضوع للمقاومة الفلسطينية .
من جانب آخر ، شارون يعيش مأزقاً داخلياً أمام ناخبيه ، فهو يريد
أن يحقق ما وعدهم إياه من إخماد نار الانتفاضة وإرضاخ الجانب
الفلسطيني لجميع شروطه ، وعودة الأمور دون سابق عهدها قبل
الانتفاضة حيث يرى شارون أن حكومة باراك كانت متهاونه مع
الفلسطينيين .
كما أن شارون يرى في عمليات نيويورك وواشنطن ، فرصة سانحة له لقمع
الشعب الفلسطيني والإطاحة به وبإرادته المقاومة حتى لا تقوم له
قائمة ، ولذلك يقوم الساسة الصهاينة والإعلام الصهيوني بالترويج
لخلط الأوراق ولجعل المقاومة في فلسطين إرهاباً وعلى العالم
محاربته .
كما أن شارون يرى في العنف فرصته للاستمرار في نشر سرطان الاستيطان
في الضفة الغربية ، إرضاءاً لليمين المتطرف .
ووقف إطلاق النار معناه أن على شارون أن يقدم مشروعاً للتسوية
السياسية أو أن يعود إلى اتفاقيات أوسلو ـ على إجحافها وإهدارها
لحقوق الشعب الفلسطيني ـ ، وشارون لا يملك مشروعاً للتسوية
السياسية
موقف الجناح الآخر في حكومة شارون المتمثل في "بيريز" وزير
الخارجية يدعوا إلى وقف إطلاق النار والعودة إلى الحوار بين
الأطراف وذلك لعدة أسباب منها :
يرى " بيريز " أن وقف إطلاق النار هو مقدمة لوقف الانتفاضة ، دون
مقابل ، فالاتفاق بينه وبين عرفات كان على اتخاذ خطوات للتخفيف من
الحصار مقابل وقف " العنف الفلسطيني " كما يصفه بيريز .
في موقفه هذا يعتقد "بيريز" أنه يخدم الصديق الأمريكي ، أملاً منه
في أن تكون المقاومة الفلسطينية هي الرأس القادم بعد أفغانستان
وباشتراك أمريكي مباشر .
كما أن بيريز يعتقد أن في اتفاق وقف إطلاق النار سيعمل على شرخ
الوحدة الوطنية الفلسطينية من خلال الإملاءات الأمنية المطلوبة من
السلطة الفلسطينية وأولها لائحة اعتقال لـ (108) من رجالات
المقاومة .
إضافة إلى أن بيريز مهندس عملية السلام (أوسلو) لا يريد لتلك
العملية الفناء ، ويرى الظرف الدولي مناسباً لمحاولة إحيائها
لابتزاز عرفات والضغط عليه في حال توقفت الانتفاضة .
ثالثاً : حركات المقاومة الفلسطينية والشارع الفلسطيني ووقف إطلاق
النار :
عبرت الفصائل الفلسطينية وعلى رأسها حركة حماس عن رفضها لوقف إطلاق
النار، واعتبرت أن وقف إطلاق النار يعني وقف الانتفاضة وهدراً لكل
التضحيات الفلسطينية التي قدمت من أجل تحرير فلسطين ، واعتبرت أن
ذلك يصب في خدمة ومصلحة العدو الصهيوني الذي عجز أمام المقاومة
الفلسطينية ، وأن وقف الانتفاضة يعني قبول الاحتلال وممارساته ،
ولكن اللافت للانتباه هو تحول موقف حركة فتح التي أعلنت لجنتها
المركزية عن تأييدها لوقف إطلاق النار ودعت للالتزام به . إلا أن
هذا الموقف لم يترجم عملياً بشكل كامل وإن لوحظ انخفاضاً حاداً في
العمليات التي تنفذها التنظيمات العسكرية لفتح كماً وكيفاً .
وكان للمقاومة الفلسطينية التساؤل الذي لم تجد له السلطة
الفلسطينية جواباً مقنعاً ، وهو ما الثمن الذي سيجنيه الفلسطينيون
من وقف الانتفاضة بعد تقديم أكثر من (700) شهيد ، وعشرات الألوف من
الجرحى ؟ هل هو إرضاء الولايات المتحدة التي لا تألوا جهداً في دعم
وتأييد الكيان الصهيوني على حساب حقوق الشعب الفلسطيني؟! ولكن وقف
إطلاق النار لم يكن ليصمد على أرض الواقع . فقد أقدم جيش الاحتلال
بعد ساعات من الاجتماع على مهاجمة منطقة "رفح" ليلاً بدباباته
وآلته العسكرية مما أوقع العديد من الشهداء والجرحى في صفوف الشعب
الفلسطيني ، وبعد أيام معدودة هاجم الاحتلال أحياء مدينة " الخليل
" ، وقد تجاوز عدد الشهداء في الأسبوع الأول بعد إعلان وقف إطلاق
النار الثلاثين شهيداً فلسطينياً
وفي مواجهة الاحتلال واعتداءاته قام مجاهدوا الانتفاضة بعمليات
جريئة ، فقد هاجم مجاهدان من الجناح العسكري لحركة "حماس" مستوطنة
" إيلي سيناي " في شمال قطاع غزة وأوقعا ثلاثة قتلى وأربعة عشرة
جريحاً .
وتبعها عملية العفولة التي أسفرت عن مقتل وجرح عشرين صهيونياً. مما
اعتبر انهياراً لاتفاقية وقف إطلاق النار التي لم تبدأ أو لم تر
النور .
ولكن برغم ذلك فإن السلطة الفلسطينية هددت المقاومين الفلسطينيين
الذين يدافعون عن شعبهم في وجه الآلة العسكرية الصهيونية بأنها
ستتخذ في حقهم إجراءات صارمة إن لم يلتزموا وقف إطلاق النار ،
وبعثت السلطة برسالة إلى المقاومين وفصائل المقاومة عندما أقدمت
على اعتقال بعضاً منهم .
أما الشارع الفلسطيني ، فكان له موقف واضح من اتفاقية وقف إطلاق
النار وعبر عن هذا الموقف برفضه واستيائه من تصرف السلطة ، ولعل
حادثة "رفح" عبرت عن موقف شديد اللهجة من تصرف السلطة على ذلك
المنحى ؛ ففي أقل من 48 ساعة على إعلان وقف إطلاق النار خرج أهالي
رفح في وجه عناصر الأمن الذين أرسلتهم أجهزة السلطة للحيلولة دون
تصدي المقاومة لهجوم جيش الاحتلال على رفح في 27/ 9/ 2001 ، مما
دفع الأهالي إلى إحراق مركزين لأجهزة أمن السلطة الفلسطينية
ومواجهة عناصر الأمن . وفي حادثة أخرى منفصلة ، أقدمت أجهزة أمن
السلطة الفلسطينية على الوقوف بوجه مسيرة لطلبة الجامعة الإسلامية
في مدينة غزة في محاولة لمنعها بالقوة ، فأسفر ذلك عن استشهاد
مواطنين وإصابة أكثر من خمسين آخرين على إثر إطلاق الرصاص الحي
وقنابل الغاز على المتظاهرين الذين يعبرون سلمياً عن احتجاجهم على
الاعتداء الأمريكي على أفغانستان ، فأقدم الطلبة والأهالي بتحطيم
ستة مراكز أمنية وأخرى تابعة للسلطة في تعبير عن سخط الشارع من
مواقف السلطة الفلسطينية . هذه المواقف الجماهيرية إنما تعبر عن
البون الشاسع بين رغبات وطموحات الشعب الفلسطيني وقواه المقاومة
الراغبة والمؤمنة بمواصلة المقاومة بنسبة تزيد عن الـ (70%) حسب
استطلاعات الرأي ، وبين مواقف وسياسية السلطة الأخيرة التي بدأت
تنصاع لإملاءات الإدارة الأمريكية من وقف للانتفاضة ووقف كل مظاهر
التعبير عن رفض الاحتلال في فلسطين .
وقف إطلاق النار بين النجاح والفشل :
فرص النجاح :
تكمن فرص نجاح وقف إطلاق النار في حرص واتجاه الإدارة الأمريكية
على وقف إطلاق النار تهيأة للأجواء الدولية ولكسبها لصالح حملتها
ضد أفغانستان وحركة طالبان ، وما تعتبره ظاهرة الإرهاب في العالم ،
ولذلك فهي تمارس ضغطاً متواصلاً على الأطراف المعنية لوقف إطلاق
النار في فلسطين .
كما أن السلطة الفلسطينية عبرت من خلال موقفها الرسمي المعلن ومن
خلال إجراءاتها على الأرض عن رضوخها للضغط الأمريكي لوقف إطلاق
النار ولمنع المجاهدين والمقاومين حتى من الدفاع عن الشعب
الفلسطيني في وجه اعتداءات جيش الاحتلال المتكررة والمستمرة ، ظناً
من أنها ـ أي السلطة الفلسطينية ـ سوف تحقق مكاسب سياسية في ظل
عودة مسار التسوية وفي ظل تصريح الرئيس "بوش الابن" للصحفيين من أن
إقامة الدولة الفلسطينية موجودة في الرؤيا السياسية الأمريكية لحل
مشكلة الشرق الأوسط !
فرص الفشل :
في مقابل الضغوط السابقة الذكر ، يقف الشعب الفلسطيني رافضاً
لمحاولات وقف إطلاق النار المجحف والمضيّع لتضحياته ولحقوقه
الوطنية التي آمن بها ، وبالمقاومة كخيار وحيد لعودتها . كما تقف
الفصائل الفلسطينية وعلى رأسها حركة المقاومة الإسلامية "حماس" مع
خيار الشعب الفلسطيني في استمرار المقاومة حتى دحر الاحتلال
الصهيوني ، الذي بوجوده على أرض فلسطين ، وباستمراره وإصراره ،
وإصرار حكومته على مواصلة قمع وإرهاب الشعب الفلسطيني (إرهاب
الدولة) إنما يدفع بقوة لاستمرار إطلاق النار ومواصلة المقاومة
دفاعاً عن الشعب الفلسطيني وعن حقوقه المغتصبة .
بالإضافة إلى ذلك ، فإن حملة الولايات المتحدة وحربها ضد أفعانستان
وحركة طالبان والإرهاب ـ كما تدعي الولايات المتحدة ـ وغض البصر عن
الإرهاب الصهيوني ، بل دعمه ، إنما يؤجج حركة المقاومة في فلسطين ،
لأن الاحتلال هو أبشع أشكال الإرهاب الذي يجب محاربته واجتثاثه من
جذوره .
التداعيات المحتملة لوقف إطلاق النار :
في ظل هذه المعطيات ، فإن وقف إطلاق النار ـ كما اصطلح على تسميته
، برغم أن الشعب الفلسطيني هو الضحية ـ ستكون له آثار سيئة وسلبية
على القضية الفلسطينية والمنطقة العربية والإسلامية وذلك أن :
أن وقف " إطلاق النار " يعني بالدرجة الأولى وقف للانتفاضة
الفلسطينية بعد هذا الحجم الكبير من التضحيات والشهداء دون ثمن ،
وقبول للاحتلال وشروطه وإملاءاته ، فهل الثمن هو ما ورد على لسان
جورج بوش من أن إقامة الدولة الفلسطينية تقع ضمن رؤيته للسلام في
المنطقة ؟ فهذا التصريح ليس بالأمر الجديد فالبحث في إقامة الدولة
الفلسطينية ورد ضمن تصاريح ومشاريع تسوية سياسية قدمت كأوراق من
قبل من سبقوا بوش وكان آخرها ، مفاوضات كامب ديفيد السابقة
لانتفاضة الأقصى ! ولكن السؤال الذي يفرض نفسه ما هو الضامن لهذه
التصريحات الشفهية ، وما هو حدود وشكل هذه الدولة ، وكيف سيتم
الوصول إليها في خضم الزحام من الأحداث الدولية التي تشغل الساسة
الأمريكان؟! فجورج بوش لا يخفى على أحد أنه نأى بنفسه عن التدخل
في الأحداث التي تدور على أرض فلسطين ، بل أعطى الضوء الأخضر
لشارون لتصفية انتفاضة الأقصى حتى يتم إذلال الشعب الفلسطيني تحت
الشروط الشارونية .
ليس من تفسير لهذا الإعلان في هذا الوقت بالذات إلا وقف الانتفاضة
، والتغرير بالبعض ومنهم السلطة الفلسطينية...، ليتسنى للولايات
المتحدة كسب تأييد العرب والمسلمين وتغطية مخططها لضرب أفغانستان
، ومن ثم تنفيذ أجندتها الخفية التي تلوح بها من حين لأخر والتي قد
تضم العديد من الدول العربية مثل العراق، سوريا، لينان… ، والحركات
المقاومة للاحتلال مثل حماس ، الجهاد ، حزب الله … . كما أن في وقف
الانتفاضة محاولة للتخفيف من حدة رفض الشعوب العربية والإسلامية
للسلوك الأمريكي الحالي من الانتقام والذي سيطال الشعب الفلسطيني
لاحقاً وكما كان سابقاً .
كما أن إصرار السلطة الفلسطينية على وقف إطلاق النار ، واتخاذها
لإجراءات على الأرض سيؤدي إلى طعن وتفتيت وشرخ الوحدة الوطنية
الفلسطينية التي تجسدت خلال الانتفاضة ، وسيضع السلطة في دائرة
بعيدة عن طموح وآمال الشعب الفلسطيني الذي يصر على الانتفاضة والذي
يرى أن أحداث نيويورك وواشنطن لا علاقة له بها ، وليس عليه أن يقدم
رأسه ورأس قضيته ثمناً لرضا الولايات المتحدة والكيان الصهيوني
أساس مشكلته التي يعاني منها . فالممارسة الأمريكية والصهيونية
أثبتت أنها في بوتقة واحدة في اتجاه مضاد ومعاد لحقوق الشعب
الفلسطيني وبالتالي فمن الخطأ الجسيم أن تقع السلطة في حبال الشرك
والتغرير الأمريكي ـ بعد التجارب السابقة ـ ومن ثم خروجها خاسرة
وقد أغرقت شعبها وضيعت حقوقه .
هذه التداعيات توجب على السلطة الفلسطينية أن تعيد حساباتها وأن
تصطف إلى جانب شعبها وإرادته المعلنة ، وألا ترضخ للضغوط الأمريكية
، كما أن على الحكومات العربية أن تتداعى للدفاع عن حقوق الشعب
الفلسطيني وللدفاع عن المنطقة العربية والإسلامية المستهدفة من
خلال اتخاذ مواقف جماعية أكثر جرأة ، وأن تعين الشعب الفلسطيني على
الاستمرار في انتفاضته لأن في ذلك كشف لزيف ادعاءات الولايات
المتحدة التي تدعي غير الحقيقة وترتكز في سياستها الحالية على
الشبهة دون الدليل ، مما قد يكرر الأمر مع أكثر من دولة مستهدفة
أمريكياً وصهيونياً ، ويصبح لزاماً على الدول العربية والإسلامية
التأييد بناءاً على شبهات سياسية . كما أن دعم الانتفاضة سيقوض
المشروع الصهيوني للهيمنة على المنطقة ، وسيفوت الفرصة عليها .
كما أن التفريق بين المقاومة والإرهاب من الأمور اللازمة التأكيد
كما أعلن عنه في الاجتماع الوزاري عام 1998، حتى لا يسمح لخلط
الأوراق وقلب البديهيات والحقائق .
|