تهديدات
شارون للسلطة الفلسطينية بين
الإعلام والواقع
5/8/2001م
منذ انطلاقة انتفاضة
الأقصى في 28/9/2000م، انشغل الصهاينة في
التفكير في الخطط والبرامج والآليات
التي يمكن بها مواجهة تصاعد
الانتفاضة والمقاومة الفلسطينية.
وكان الموقف من السلطة الفلسطينية
ورئيسها ياسر عرفات من أكثر القضايا
التي شغلت وتشغل الشارع السياسي
الصهيوني الذي أصابه الهلع من
استمرار عمليات المقاومة.
موقف
شارون من السلطة الفلسطينية
على الرغم من أن حكومة
باراك تحاشت إطلاق الأوصاف
والتقييمات على السلطة الفلسطينية
وفضلت استمرار التفاوض معها في ظل
الانتفاضة، إلا أن شارون وحكومته
كان لهما رأي آخر تمثل باعتبار
السلطة الفلسطينية "كيان إرهابي"
مفضلين خوض مفاوضات تعالج الجانب
الأمني دون السياسي على اعتبار أنه
لا يمكن خوض هذه الأخيرة قبل (تأهيل)
السلطة سياسياً وتخليها عن (العنف)
كوسيلة للمفاوضات.
وكان لابد لشارون الذي وعد
شعبه بتحقيق الأمن خلال مائة يوم من
تسلمه رئاسة الوزراء أن يجد عنواناً
يلقي عليه بلائمة إدارة الانتفاضة
وعمليات المقاومة، لاسيما وأن
برنامجه الذي طرحه للمفاوضات
السياسية مع السلطة لم يكن يتوقع له
النجاح لأنه يعرض تطبيقاً متدرجاً
ومحدوداً للقضايا الانتقالية وعلى
الأخص مرحلة إعادة الانتشار الثالثة
مع تأجيل قضيتي اللاجئين والقدس في
مفاوضات الحل النهائي إلى أجل غير
معلوم.
وطالما أن السلطة
الفلسطينية لن تستطيع القبول
ببرنامج شارون هذا لأن سقفه أقل
بكثير من السقف الذي عرضه عليه باراك
في السابق، فقد آثر شارون أن يوجه
جهوده السياسية والإعلامية للهجوم
على السلطة واتهامها برعاية ما يسمى
بـ (الإرهاب) والتقاعس عن أداء دورها
الأمني المناط بها وفقاً لاتفاقات
أوسلو، وذلك حتى يضع الكرة في ملعب
السلطة ويركز الأنظار على القضية
الأمنية باعتبارها المدخل الوحيد
لانطلاق المفاوضات السياسية. وقد
أطلق شارون وحكومته وقوات جيشه
العديد من الأوصاف على السلطة
ورئيسها بدءاً باعتبارها أنها لم
تعد (شريكة) في عملية التسوية،
ومروراً باتهام عرفات بـ (الكذب) و(الخداع)
و (دعم الإرهاب وتشجيعه) وتشبيهه بـ (بن
لادن) وانتهاءً باعتبار إيجابيات
غياب عرفات عن الساحة أكثر من
سلبياتها بالنسبة للكيان الصهيوني.
حقيقة
تهديدات شارون للسلطة
وأما التعبير الصريح
والواضح عن خطط عملية لجيش الاحتلال
للقضاء على السلطة الفلسطينية
وتدميرها، فقد أخرجته حكومة
الاحتلال من جعبتها بعد تصاعد
عمليات المقاومة وفشل ما يسمى بـ (اتفاقات
وقف إطلاق النار) التي تمت برعاية
أمريكية في الحد من هذه العمليات
وظهور عجز السلطة الفلسطينية عن
القيام بالدور الأمني لصالح
الصهاينة.
ولكن السؤال المطروح هنا،
هو مدى جدية تهديدات حكومة شارون،
وهل تعبر عن تحذيرات حقيقية أم أنها
مجرد تسريبات إعلامية مقصودة بهدف
الضغط على السلطة الفلسطينية ؟
لابد من الإشارة أولاً إلى
موقف حكومة شارون من العملية
السياسية أدى إلى توقف كامل
للمفاوضات السياسية والتركيز على
المفاوضات الأمنية التي لم تخرج
وثيقة (تينت) عن إطارها، وهذا بالضبط
ما تريده حكومة شارون بهدف صرف
الأنظار عن تعنتها وتصلبها ، وتركيز
الانتباه العالمي على قضية الوضع
الأمني والمطالبات الصهيونية بوقف
الانتفاضة والمقاومة. ولا شك أن
تركيبة الحكومة الصهيونية التي تميل
نحو اليمين المتشدد عززت من هذا
التوجه خصوصاً وأن وزراء حزب العمل
وعلى رأسهم بيريز قبلوا على أنفسهم
أن يكونوا منفذين لسياسات شارون في
محاولة منهم للحفاظ على ما تبقى لهم
من شعبية بعد خسارتهم في انتخابات
الكنيست الأخيرة.
أما موقف شارون وحكومته من
السلطة الفلسطينية فهو لا يرى فيها (شريكاً)
حقيقياً على خلاف حكومة باراك التي
حافظت على المفاوضات السياسية معها
حتى آخر لحظات مكوثها في الحكم ، فلا
يزال شارون يحتفظ بنظرته القديمة عن
م.ت.ف منذ أيام حرب بيروت ويرفض
تغييرها، إضافة إلى تلاقي هذا
الموقف مع مواقف الأحزاب الدينية
المتشددة في الحكومة الصهيونية.
وحتى في الحالات التي وافقه فيها
شارون على خوض مفاوضات على المستوى
السياسي مع السلطة الفلسطينية، فإنه
كان يهدف إلى استغلال وزير خارجيته
شمعون بيريز في جر السلطة
الفلسطينية للقبول بمطالبه
الأمنية، إضافة إلى المحافظة على
استمرار الائتلاف الحكومي القائم
وعدم المجازفة بخسارته في حالة
تجاهل اقتراحات بيريز المستمرة
للالتقاء مع عرفات. وفضلاً عن ذلك،
فإن استمرار بيريز كوزير لخارجية
العدو يساهم كثيراً في تخفيف حدة
الانتقادات الدولية لها، إذ يستطيع
بيريز تسويق سياسات حكومة اليمين من
خلال قدراته الإعلامية الخاصة
والمكانة التي يحظى بها في الغرب كـ (رجل
سلام) !!
وتعزز موقف شارون من السلطة
الفلسطينية من خلال تقديرات الأجهزة
الأمنية الصهيونية وعلى الأخص جهاز
الاستخبارات العسكرية والتي اعتبرت
رئيس السلطة الفلسطينية مسؤولاً
بشكل مباشر عن تصعيد عمليات
المقاومة ضد الاحتلال وأنه يتعمد غض
الطرف أو حتى إعطاء تعليمات غير
مباشرة للعمليات لتنظيم فتح
وللتنظيمات الأخرى، وإن اضطلاعه
بهذا الدور يجعل استمرار وجوده على
راس السلطة الفلسطينية خطر على
الكيان الصهيوني لاسيما وأنه يمسك – حسب هذه
التقديرات –
بكل مفاصل الحكم في المناطق الواقع
تحت سيطرته. أما تقديرات جهاز
الاستخبارات الداخلية (الشاباك) فقد
اختلفت منذ فترة مع تقديرات
الاستخبارات العسكرية، حيث رأت أن
سيطرة عرفات على زمام الأمور ليست
مطلقة وأنه يبذل جهوداً لوقف
الانتفاضة ولكن الأجواء الداخلية
والظروف السياسية لا تساعده، ولكن
المفاجأة كانت بنشر تقديرات جديدة
لـ(الشاباك) كانت قد أعدت في شهر
تشرين أول (أكتوبر) الماضي تقول بأن
غياب عرفات عن الساحة نفعه أكثر من
ضرره بالنسبة للكيان الصهيوني، حيث
نقلت الصحف العبرية في 6/7/2001م تفاصيل
قالت أن الوثيقة ناقشتها تتضمن
الأسباب التي تدعو إلى اعتبار عرفات
عاملاً مساعداً لحل النزاع التاريخي
والأسباب التي تجعله يشكل حاجزاً
أمام إحراز هذا الحل. والمثير
للانتباه أن الوثيقة وضعت خمسة
أسباب للإبقاء على عرفات فيما وضعت 17
سبباً للتخلص منه! ومن أهم الأسباب
التي استدعت الاحتفاظ بعرفات : كونه
يشكل (مرجعية عليا للفلسطينيين )و (باستطاعته
اتخاذ قرارات صعبة والوقوف أمام
سيطرة الإسلاميين) ، و (بدونه ستسود
الفوضى) .
أما أهم الأسباب التي
تستدعي التخلص منه فهي: أنه (زعيم
خطير) و (لا يتمتع بالمصداقية
الكافية) أمام الصهاينة، و (يمكن أن
يقود المنطقة إلى شفا الهاوية ويهدد
بانهيار العلاقات مع مصر والأردن
ويعرض استقرار هاتين الدولتين للخطر)
، وأنه لا زال يعتمد (الإرهاب) كوسيلة
لتحقيق أهدافه وأنه( لا زالت ليست
لديه رغبة في تقديم تنازلات في
مواضيع مركزية) ..
ولا يبدو أن هذه التقديرات
باتت تقتصر على الأجهزة الأمنية
واليمين الصهيوني المتشدد، فقد
اعترف باراك في مؤتمر له في جامعة تل
أبيب نقلتها عنها صحيفة (معاريف)
الصهيونية بتاريخ 11/7/2001م أن "مسيرة
أوسلو انهارت" وأن عرفات "هو
المسؤول عن انهيار مسيرة أوسلو"،
وعبر عن تأييده لسياسات حكومة شارون
قائلاً "أنا أتفق مع مبادئ العمل
التي يقودها شارون وبن اليعزر" ،
وفي مقابلة أخرى نشرتها صحيفتي "نيوزويك"
و "واشنطن بوست" بتاريخ 15/7/2001م،
أيد باراك مجدداً سياسة حكومة شارون
وإمكانية تنفيذ عملية برية واسعة ضد
السلطة الفلسطينية، ولكنه اقترح "ألا
تتم هذه العملية إلا كخيار أخير وبعد
أن تتلقى إسرائيل الدعم الدولي لذلك".
أما على صعيد المزاج الشعبي
الصهيوني فقد أظهر استطلاع أجراه
معهد غالوب ونشرته صحيفة معاريف في
20/7/2001م، أن 55% من الصهاينة راضون عن
أداء رئيس الوزراء الصهيوني ارييل
شارون بشكل عام.
ويتضح من السياق السابق أن
السمة الأوضح التي تهيمن على موقف
الشارع والأحزاب الصهيونية هي سمة
التشدد والرغبة في توجيه ضربات قوية
للسلطة الفلسطينية، وهذا وفر ويوفر
أرضية خصبة لحكومة شارون للاستمرار
في مخططات التصعيد والعدوان على
الشعب الفلسطيني. ولذلك فإن تسريب
مخططات جيش الاحتلال إلى الصحافة لا
يمكن اعتباره مجرد بالونات اختبار
للسلطة الفلسطينية، فهي تعبر عن
مخططات حقيقية يجري دراستها بجدية،
بل وحتى تنفيذ أجزاء منها على الأرض.
الحرب
على الشعب الفلسطيني …
إلى أي مدى؟
إلا أنه تجدر ملاحظة أن
هناك فرقاً بين استمرار حكومة شارون
في توجيه ضربات قوية تشمل كوادر
الانتفاضة والمقاومة ومقرات بعض
الأجهزة الأمنية الفلسطينية وبين شن
حرب شاملة تهدف إلى تدمير السلطة
الفلسطينية وإنهائها، فهذا التوجه
الأخير تحكمه عدة اعتبارات لدى
الصهاينة أهمها:
مدى فاعلية وجدوى هذا
الإجراء في القضاء على المقاومة
الفلسطينية، وهل سيترتب عليه استلام
السلطة من قبل قوى أكثر اقتراباً من
الصهاينة وتجاوباً مع مطالبهم ؟ وهل
ستستطيع السلطة الجديدة أو قيادتها
الجديدة على الأقل الإمساك بزمام
الأمور وتجاوز النزاعات التي ستحصل
داخل تنظيم فتح نفسه وبين تنظيم فتح
والقوى الأمنية، وبين هذه القوى
نفسها ؟ وما هو تأثير ذلك على
الانتفاضة والمقاومة؟!
هل سيحظى هذا القرار
بموافقة أمريكية في ظل التقدير بأنه
لا يمكن تنفيذه بدون ضوء أخضر
أمريكي؟!
ماذا ستكون ردود الفعل
العربية، وهل سيؤدي ذلك إلى دخول
الصهاينة في معارك مع دول عربية
مجاورة؟ وهل ستدخل إيران ساحة
المعركة أم لا؟ وماذا سيكون تأثير كل
ذلك على معاهدات السلام المبرمة مع
بعض الدول العربية؟
كيف ستكون طبيعة ردود الفعل
الدولية، وهل ستؤدي إلى تدويل
الصراع أم تتمكن الولايات المتحدة
الأمريكية من تحجيم ردود الفعل
الأوروبية؟
وإذا كان تقرير (الشاباك)
رجح أنه بعد إسقاط سلطة عرفات سيتم
استلام السلطة من قبل قوى علمانية
ومقربة من الصهاينة إلا أنه لم يجب
على سؤال يتعلق بالموقف الأمريكي
الذي لا يبدو أنه على استعداد للقبول
بخطة قد تعرض أمن المنطقة كلها للخطر
وستؤدي إلى ضعضعة الهيمنة الأمريكية
على المنطقة وإضعاف نفوذ الدول
العربية المقربة من أمريكا هذا إن لم
يؤد أيضاً إلى دخول بعض هذه الدول
الحرب وإسقاط معاهدات السلام التي
تقيمها بعض الدول العربية مع الكيان
الصهيوني تحت وطأة الضغوط الشعبية
وإمكانية دخول بعض الدول العربية
وعلى الأخص (سوريا ومصر والعراق) على
خط المواجهة .
أما
التطورات داخل الأرض المحتلة
واحتمال توسع نطاق المواجهة مع قوات
الاحتلال وإيقاع خسائر كبيرة في
صفوفه فهو اعتبار يدفع حكومة العدو
إلى تفضيل اتجاه إبقاء الوضع الحالي
على ما هو عليه مع تشديد الضربات ضد
الشعب الفلسطيني وإلحاق أضرار ببعض
البنى التحتية للسلطة الفلسطينية
وعلى الأخص بعض قوات الشرطة
الفلسطينية المتهمة بالمشاركة أو
دعم عمليات المقاومة ضد الكيان
الصهيوني .
ونظراً لأن تداعيات عملية
إنهاء السلطة ستكون كبيرة ومتشعبة،
فإن حكومة شارون أبدت تردداً كبيراً
في اعتماد الخطة التي قالت صحيفة الـ(فورين
ريبورت) في 12/7/2001م أن جيش الاحتلال
قدمها لها في الآونة الأخيرة بشن
عملية شاملة ضد السلطة الفلسطينية .
وتشير التطورات الأخيرة
المتمثلة باغتيال مجموعة كبيرة من
ناشطي الانتفاضة والمقاومة وتوسيع
نطاق الاغتيالات ليشمل شخصيات
سياسية من (حماس) كما حصل في مدينة
نابلس من اغتيال لقياديين بارزين في
حماس (جمال منصور وجمال سليم) إلى أن
شارون قد يكون لجأ إلى استبدال خطة
إنهاء السلطة الفلسطينية بخطة تصعيد
شاملة ولكنها متدرجة ضد الشعب
الفلسطيني بكافة قواه إضافة إلى
السلطة الفلسطينية، وذلك بهدف دفع
السلطة الفلسطينية إلى الاستسلام
وإضعاف قدرات تنظيمات المقاومة
وإنهاكها وتعبيد الطريق للسلطة
الفلسطينية للقبول بإملاءات وشروط
الاحتلال.
وتستطيع حكومة شارون من
خلال مرحلة عملياتها ضد الفلسطينيين
أن تقلل من ردود الفعل السلبية ضد
عملياتها الوحشية من قبل المجتمع
الدولي وبالتالي مساعدة الإدارة
الأميركية على الاستمرار في تأمين
غطاء سياسي مناسب لذلك والحيلولة
دون نجاح الأوروبيين في أية مبادرات
لإدانة هذه العمليات أو اتخاذ
قرارات ضدها في مجلس الأمن . وقد أظهر
الموقف الأميركي تردداً كبيراً في
إدانة عملية نابلس الأخيرة الأمر
الذي يشير إلى أن هذه العمليات قد
تكون قد حظيت بضوء أخضر أميركي .
إضافة إلى ما سبق ، فإن
تقسيط الإجراءات العدوانية
الصهيونية ضد الشعب الفلسطيني من
شأنه أن يطيل عمر حكومة الائتلاف
الصهيونية ، ذلك أن قيام شارون بشن
حرب شاملة ضد الفلسطينيين وتدمير
السلطة الفلسطينية في ظل معارضة
بيريز ورفاقه من حزب العمل لعملية من
هذا النوع قد يؤدي إلى انفراط عقد
الحكومة التي يبدي الطرفان ( الليكود
والعمل ) حرصاً كبيراً على استمرارها
في هذه المرحلة وقد حاول بيريز
بالفعل ثني حكومة شارون عن تنفيذ خطة
إنهاء السلطة الفلسطينية واستعان
بذلك بتقرير قدمته وزارة (الخارجية)
اعتبر فيه أن عرفات يبذل فعلاً
جهوداً حقيقية لوقف الانتفاضة، إلا
أن نجاحه في مسعاه يستدعي قيام
الحكومة الصهيونية بمبادرات سياسية
تهدف إلى استعادة المفاوضات وتنفيذ
المرحلة الثالثة من إعادة الانتشار
وإذا كان شارون رفض مناقشة هذا
التقرير تحت حجة تأثيره السلبي على
موقف الحكومة من السلطة الفلسطينية
إلا أنه ربما يكون قد اقتنع بتأجيل
تنفيذ خطة الجيش أو تعديل برنامجه
الزمني.
ولكن السؤال الذي يبقى
مطروحاً هو : ماذا ستكون ردة الفعل
الصهيونية على عمليات استشهادية
كبيرة قد تنفذ في الأيام أو القادمة
؟
هناك بعض التقديرات تقول أن
شارون سينتهز الفرصة لشن عدوانه
الشامل على السلطة والشعب الفلسطيني
وسيتجاهل الاعتبارات الكثيرة التي
أوردناها أعلاه . ولكن لا يوجد
الكثير من المؤشرات التي تدعم هذا
التوقع باستثناء طبيعة شارون
المعروفة التي يرى البعض أنها لم
تتغير منذ العام 1982 . وعلى الرغم من
ذلك ، فإن انعكاسات العملية الشاملة
تظل كبيرة وتحمل في طياتها آثار
سلبية على العدو تجعل شارون وغيره
يفكر في عواقبها كثيراً قبل الإقدام
عليها .
في
مواجهة حكومة شارون وتصعيدها
أبدت السلطة الفلسطينية
موقفاً متردداً تجاه شارون على
الرغم من قناعتها بأنها لن تستطيع
الحصول منه على مكاسب سياسة، وسعيها
المستمر لإسقاطه ودفع الشارع
الصهيوني لانتخاب زعيم أقل تشدداً
منه. ويبدو أن الضغوط الأمنية
والعسكرية إضافة إلى الديبلوماسية
منها ساهمت في إضعاف موقف السلطة
الفلسطينية في مواجهة الغطرسة
والعدوان الصهيوني، وأدى ذلك إلى
عدم وجود برنامج سياسي موحد لكافة
قوى الشعب الفلسطيني يترافق مع
الوحدة الميدانية على الأرض والتي
تحققت بالإجماع في برنامج المقاومة
ودعمه. ومما عزز هذا الضعف، فشل
الدول العربية في التوحد على
استراتيجية للتعامل مع الكيان
الصهيوني ولدعم الشعب الفلسطيني
ومقاومته، وربما مارست بعض الدول
العربية ضغوطات على السلطة
الفلسطينية للقبول بمقترحات (تينت)
والقبول بشروط ما يسمى بـ(وقف إطلاق
النار).
وفي المقابل شهدت الساحة
الفلسطينية توحداً غير مسبوق على
برنامج المقاومة وتمثل ذلك على
الأرض بتصعيد العمليات العسكرية ضد
المستوطنين الصهاينة وتزايد عمليات
التفجير لأهداف صهيونية داخل
الأراضي المحتلة عام 1967م وفي العمق
الصهيوني. ودخول التنظيمات
الفلسطينية الفاعلة على ساحة هذه
العمليات وعلى الأخص تنظيمي فتح
والجبهة الشعبية إضافة إلى كل من
حماس والجهاد الإسلامي الأمر الذي
يعكس تحولاً كبيراً باتجاه خيار
المقاومة عبرت عنه الجماهير الغضبة
في قطاع غزة على إقدام بعض قوات
الأمن الفلسطيني بإطلاق الرصاص على
المجاهدين أثناء عودتهم من عمليات
إطلاق قذائف الهاون على المستوطنات
الصهيونية القريبة من غزة.
ولذلك فإن لجوء حكومة العدو
إلى تصعيد وتيرة الحرب على الشعب
الفلسطيني لا يتوقع له أن يضع حداً
للمقاومة الفلسطينية . وحتى في حالة
انشغال بعض الأطراف الفلسطينية
بنفسها في حالة تغييب قادة السلطة
الفلسطينية، فإن هذا لن يؤثر على
المدى البعيد على استمرار المقاومة،
بل وربما سيؤدي إلى تصاعدها وتطورها
بعد استتباب الأمور،
وذلك أن أي قيادة فلسطينية قادمة
لن تستطيع التصدي لإرادة المقاومة
المتجذرة في الشعب الفلسطيني.
|