الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

في هذا القسم

 

 

عودة

 

استحداث منصب رئيس وزراء في السلطة الفلسطينية

 

بين المصلحة الوطنية والشروط الصهيونية

 

تحليل سياسي20/ 3/ 2003

 

في الوقت الذي يصعد فيه الاحتلال الصهيوني لعدوانه على الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة ومستهدفاً لرموز وكوادر المقاومة والتي كان آخرها اغتيال القائد في حركة "حماس" الدكتور إبراهيم المقادمة، فقد انشغلت السلطة الفلسطينية بقضية استحداث منصب رئيس الوزراء وصلاحياته في محاولة للتساوق مع تداعيات الحرب المحتملة على العراق.

 

فعلى إيقاع طبول الحرب التي تدق ضد العراق وفي ظل اشتداد حملة الإرهاب الصهيوني ضد الشعب الفلسطيني، أعلن ياسر عرفات في خطابه أمام المجلس المركزي الفلسطيني بتاريخ (8/ 3/ 2003) قبوله استحداث منصب رئيس للوزراء وترشيحه لمحمود عباس (أبو مازن) لهذا المنصب. وعليه وافق المجلس المركزي على هذا الأمر، ومن ثم أحيل الموضوع إلى المجلس التشريعي (برلمان السلطة الفلسطينية) الذي أجرى بدوره تعديلات على نص القانون الأساس أقرت استحداث منصب رئيس للوزراء، وأعطته صلاحيات تنفيذية (في القراءة الأولى والثانية) كانت سابقاً من صلاحيات رئيس السلطة الفلسطينية.

 

وفي القراءة الثالثة والنهائية (18/3/2003م) أعيد التصويت بالأغلبية على التعديلات السابقة (القراءة الأولى والثانية) مع رفض البرلمان الفلسطيني التعديل الذي أدخله ياسر عرفات على نص القانون المعدل الرامي لإلزام رئيس الوزراء بالعودة إليه عند رغبته بالإقدام على إقالة أي وزير أو إجراء أي تعديل وزاري، وتم التصويت بالأغلبية على إبقاء هذا الأجراء من صلاحيات رئيس الوزراء.

 

خلفيات ودوافع استحداث منصب رئيس وزراء

جاءت موافقة ياسر عرفات على استحداث هذا المنصب من خلال بيان أصدره في الأسبوع الثاني من شهر شباط/ فبراير 2003 بعد أن شهد مقر المقاطعة في رام الله زيارات متعددة ومكثفة كان أهمها زيارة ثلاثة مندوبين من الرباعية (مبعوث الأمم المتحدة تيريه لارسن، ومبعوث الاتحاد الأوروبي ميغال موراتينوس، والمبعوث الروسي أندريه فيدوفين) والتقائهم بياسر عرفات قبيل إصدار البيان، هذا بالإضافة إلى رسالة أمريكية وصلت ياسر عرفات تطالبه التعجيل في الإعلان عن استحداث منصب رئيس الوزراء والإسراع في اتخاذ الإجراءات اللازمة لذلك، مما يشير إلى أن هذه الموافقة جاءت بضغط خارجي وخاصة من الرباعية لا سيما وأن ياسر عرفات أعلن سابقاًَ وفي أكثر من موقف بأنه لن يقوم بتعيين رئيس للوزراء إلا بعد أن تقام الدولة الفلسطينية ومحذراً في ذات الوقت من الاستجابة لأي ضغط خارجي أو اعتبارات أجنبية.

ومن الواضح أن ضغط الرباعية لاستحداث هذا المنصب وفي هذا الوقت بالذات ينسجم مع مطلب صهيوني أصر عليه شارون وحكومته السابقة (الليكود والعمل)، والحالية اليمينية، وكذلك الإدارة الأمريكية بقيادة بوش الابن يدفعهم في ذلك:· محاولة نزع أكبر قدر من الصلاحيات التنفيذية من قبضة ياسر عرفات، وإبقائه رئيساً فخرياً أو دون صلاحيات أساسية، بعد أن أصبح شخصاً غير مرغوب فيه – ولكن لا يمكن الاستغناء عنه في الوقت الحاضر لعدم تهيؤ البديل المناسب - من الكيان الصهيوني والولايات المتحدة الأمريكية، اللتان تعتبرانه مقصراً وغير كفؤٍ في مواجهة المقاومة وإجهاض الانتفاضة التي أصبحت تشكل تهديداً لمستقبل الكيان الصهيوني في المنطقة، وتكشف الانحياز الأمريكي للاحتلال والإرهاب الصهيوني أمام الرأي العام العالمي وتزيل الستار عن النوايا الأمريكية والصهيونية المبيتة للهيمنة على المنطقة العربية وثرواتها بدءاً من غزو العراق لتعزيز استفرادها بالعالم كقوة أعظم وقطب أوحد.

 

·   التمهيد لبروز شخصية قيادية بديلة عن ياسر عرفات، مقبولة صهيونياً ودولياً، يؤمل منها القدرة على اتخاذ إجراءات عملية لوقف المقاومة والانتفاضة كمدخل لعودة مسار التسوية بشروط صهيونية أكثر إجحافاً وبسقف فلسطيني أقل انخفاضاً من السابق ومن ثم تصفية القضية الفلسطينية.

 

 وهذا ما يفسر ترحيب الكيان الصهيوني والرئيس الأمريكي بوش بهذا الاستحداث لمنصب رئيس الوزراء ويفسر أيضاً حرص الرئيس الأمريكي وإصراره في      خطابه (14/ 3/ 2003) على ضرورة إعطاء منصب رئيس الوزراء صلاحيات كبيرة و اشتراطه وقف المقاومة والانتفاضة قبل التقدم بخارجة الطريق إلى الأطراف المعنية واستئناف المسار التفاوضي .

 

دوافع قبول ياسر عرفات استحداث هذا المنصب

جاء موقف عرفات مستجيباً للضغوط والمطالب الخارجية (الصهاينة والأمريكان بالدرجة الأولى) من استحداث منصب رئيس للوزراء كثمن يدفعه مقدماً خوفاً من استحقاقات ما بعد ضرب العراق ونجاح الولايات المتحدة في تحقيق أهدافها في المنطقة. فياسر عرفات يدرك أن الإدارة الأمريكية بقيادة بوش الابن والكيان الصهيوني لا يريدانه على سدة السلطة الفلسطينية وأنهما ينتظران الفرصة السانحة لإقصائه، والإتيان ببديل أكثر طواعية, وأكثر استجابة للشروط الصهيونية .

ولذلك أقدم عرفات على هذا التنازل استرضاءً للولايات المتحدة والكيان الصهيوني على أمل أن يبقى على رأس السلطة الفلسطينية ممسكاً بزمام الأمور وبالصلاحيات الأساسية .


 

لماذا اختير أبو مازن لشغل منصب رئيس الوزراء

كان متوقعاً من ياسر عرفات أن يعمل على تعيين شخصٍ آخر غير أبو مازن لهذا المنصب ـ مثل سلام فياض وزير المالية الحالي، أو منيب المصري الملياردير الفلسطيني ـ  خوفاً من أن يتحول أبو مازن (الشخصية الأبرز بعد عرفات) إلى منافس حقيقي له .

 

وهنا يمكن ملاحظة عدة عوامل دفعت عرفات للموافقة على شخص أبو مازن، ومنها :

 

1. أن ياسر عرفات تعرض لضغط أمريكي مباشر مطالباً إياه الاختيار بين شخص أبو مازن أو سلام فياض .

2. وما رجح كفة أبو مازن أكثر من الآخرين، أن قطاعاً من حركة فتح ـ وخاصة المستوزرين وبعض القيادات الأمنية ـ دفعت لاختيار أبو مازن كرئيس للوزراء لضمان حضور وثقل حركة فتح في السلطة التنفيذية.

3. رضا الصهاينة والأمريكان عن شخص أبو مازن كونه يتزعم المطالبة بوقف عسكرة الانتفاضة. فعلى إثر ترشيح محمود عباس (أبو مازن) لهذا المنصب قال الوزير الصهيوني مئير شيتريت عنه: "هو أحد الشخصيات الفلسطينية التي يمكن "لإسرائيل" أن تعتبرها شريكاً للسلام" مشيداً بما وصفه تنصله من "الإرهاب" الفلسطيني (المقاومة)، وتصريحاته العلنية في أكثر من مناسبة ضد عسكرة الانتفاضة.

4. هذا بالإضافة لاعتبار محمود عباس مهندساً لاتفاقات أوسلو، وهو المرشح لمتابعة هذا الدور مستقبلاً مع الطرف الصهيوني والرباعية.

 

تأثير منصب رئيس الوزراء على توازنات القوى في السلطة

إن عملية استحداث منصب رئيس وزراء فلسطيني، ومن ثم ترشيح محمود عباس لهذا المنصب، أدى لبروز حالة تجاذب قوى داخل السلطة الفلسطينية وحركة فتح.

 

فياسر عرفات من جهة يحرص قدر الامكان – ويؤيده في ذلك قطاع لا بأس به داخل حركة فتح– على إبقاء مركزية ومرجعية القرار بيده وعدم إتاحة المجال لأبي مازن لأن ينافسه على صلاحياته و مرجعيته ، خاصة وأن أبا مازن يحظى بدعم واضح من الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الصهيوني اللتان تحرصان على إيجاد البديل لعرفات.

 

ومن هنا حرص عرفات على تعديل القانون الأساس قبل القراءة الثالثة بجعل نفسه رئيس السلطة التنفيذية وتعيين نائبين لرئيس الوزراء حرصاً منه على مرجعيته وتأثيره المباشر في القرار.

 

وفي المقابل نجح مؤيدو أبو مازن في المجلس التشريعي بإلغاء التعديل المقترح من عرفات والذي نص على: "رجوع رئيس الوزراء لرئيس السلطة الفلسطينية عند إقالته لأي وزير أو إجراء أي تعديل وزاري"، ولكن جرى التوافق  - عبر مذكرة تلحق بالقانون الأساس وليست نصاً فيه - على عرض رئيس الوزراء لتشكيل حكومته على عرفات قبل التصويت عليها في المجلس التشريعي.

 

 ومن المتوقع أن تحاول الإدارة الأمريكية والكيان الصهيوني إبراز شخص أبو مازن (رئيس الوزراء) من خلال التعامل السياسي المباشر معه، وفي هذا الاتجاه فقد أعلنت مصادر في الإدارة الأمريكية عن إمكانية مقابلة الرئيس بوش لإبي مازن بعد تعيينه – في الوقت الذي يرفض فيه استقبال عرفات في واشنطن – مما يعني تسويق أبو مازن دولياً كشخصية مركزية بديلة عن عرفات، كما أن أبو مازن سيتعزز موقعه على حساب عرفات من خلال إشرافه على أموال السلطة الفلسطينية التي يديرها الآن وزير المالية سلام فياض – المرضي عنه أمريكياً وصهيونياً -  والمرشح إبقاءه كوزير للمالية في حكومة أبو مازن المزمع تشكيلها .

 

ولكن رغم التجاذبات الراهنة بين الأطراف في السلطة ومحاولات الإدارة الأمريكية والكيان الصهيوني تحجيم ياسر عرفات تمهيداً لإقصائه إلا أنه من المرجح أن يبقى عرفات(في المدى القصير) الشخصية الأساسية والمرجعية الأولى في السلطة الفلسطينية رغم تعيين أبو مازن كرئيس للسلطة الفلسطينية، ويساعده في ذلك عدة أمور منها :

 

·   أن القانون الأساسي في السلطة الفلسطينية والذي جرى تعديله حالياً يجعل من ياسر عرفات مرجعية أساسية للسلطة التنفيذية، ويمنحه سلطة السياسة الخارجية ويبقيه القائد الأعلى للقوات الفلسطينية.

·   كما أن عرفات برغم كل الانتقادات الموجهة له ما زال يحظى بتأييد واسع لدى حركة فتح، في ظل عدم وجود شخصية تنافسه لحد الآن وسيبقى الأمر مرهونا بمدى نجاح صعود أبو مازن كمنافس حقيقي له.

 

أثر استحداث منصب رئيس الوزراء على برنامج المقاومة

لا شك أن خطوة كهذه لها ارتباط وثيق بما تشهده المنطقة العربية من تطورات، وهي تدخل ضمن إعادة ترتيب المنطقة وتهدئة الساحة الفلسطينية تهيئة لأجواء ضرب العراق وغزو واستهداف المنطقة العربية هذا من جانب، أما من جانب آخر فإنها على علاقة بما تشهده الضفة الغربية وقطاع غزة من تصعيد وإرهاب صهيوني خطير يهدف لوقف المقاومة وإجهاض الانتفاضة، حيث يسعى شارون لإيجاد شريك له يعينه في تحقيق هذا الهدف ترويجاً لاستئناف مسيرة التسوية التي تشكل قارب نجاة لمن رهنوا أنفسهم لها واعتبروها خياراً يتيماً لهم رغم ثبات فشلها، الأمر الذي يعني أن الأولوية الأولى المطلوبة من أبو مازن ـ أو أي شخص آخر مكانه ـ هي العمل بجد واجتهاد على وقف المقاومة الفلسطينية ووقف عسكرتها كمدخل وأولوية أمنية لإفساح المجال لعودة الطرف الفلسطيني (الذي حرق سفنه وألقى سلاحه) إلى طاولة المفاوضات أمام شارون المدجج بالسلاح والمنتشي بشعور النصر والسطوة، والدخول في دوامة مشاريع التسوية من جديد والمنطقة مقبلة على استحقاقات كبيرة في ظل تداعيات غزو العراق.

 

ورغم أن هذا الأمر سيشكل عامل ضغط إضافي على المقاومة علاوة على ما تتعرض له من ضغوط ميدانية ودولية، فإنه لن يعيد الشعب الفلسطيني إلى ما كان عليه قبل انتفاضة الأقصى، ولن يطفئ جذوة المقاومة التي انطلقت وحثت المسير تجاه دحر الاحتلال والتخلص منه بلا رجعة، وما يؤكد على هذا التوجه ما يلي:

 

-   أن الشعب الفلسطيني مصر على مواصلة المقاومة حتى دحر الاحتلال، وإن من ينادون بوقف المقاومة، هم قلة تنطق بلسان مصالحها ومصالح بعض القوى الخارجية (الولايات المتحدة الأمريكية، والكيان الصهيوني)، وخير شاهد على ذلك أن استطلاع الرأي الأخير الذي أجرته جامعة بير زيت الأسبوع الماضي أكد أن 35% من الشعب الفلسطيني يؤيد الحركات الإسلامية وعلى رأسها حركة "حماس" – التي تقود خط المقاومة -، وأن 30% من الشعب الفلسطيني يؤيد التيار العلماني واليسار، هذا إذا علمنا أن قطاعاً كبيراً من التيار الأخير تؤيد المقاومة وتمارسه على الأرض مثل شهداء الأقصى والجبهة الشعبية.

-   المقاومة الفلسطينية أثبتت أنها قادرة على الاستمرار في برنامجها على الرغم من صعوبة الظروف الميدانية وعدم توفر الظروف الإقليمية المناسبة، فعملية حيفا الاستشهادية واقتحام مستوطنة كريات أربع في الخليل لكتائب القسام شاهدان على حيوية ومرونة المقاومة الفلسطينية وقدرتها على التأقلم والمواصلة رغم كل الضغوط التي تمارس عليها ذلك.

-   أجهزة السلطة الفلسطينية شبه منهارة بفعل العدوان الصهيوني المتواصل، هذا بالإضافة إلى عدم وجود سلطة مركزية قوية لإدارة الأمور بالإضافة لوجود حالة تنافسية داخل السلطة وحركة فتح، وتحول قطاع من حركة فتح لصالح برنامج المقاومة، مما يعيق المخطط الصهيوني الرامي لإجهاض الانتفاضة، وكسر إرادة الشعب الفلسطيني الذي يرى خلاصه في المقاومة.3

-   أن أحد أسباب نجاح رئيس الوزراء المعين في مهامه وخاصة الأمنية (وقف المقاومة وإجهاض الانتفاضة) مرتبط ارتباطاً وثيقاً بقدرته على إدارة الشؤون العامة للشعب الفلسطيني، وهذا الأمر من الصعوبة بمكان لأن الصهاينة دمروا معظم البنى التحتية الخدماتية والمؤسساتية، وما زالوا مقتنعين بالإجراءات الأمنية والعسكرية (مواصلة القتل والاغتيالات، والتدمير والحصار...) كأولوية على الإجراءات السياسية وكمدخل ضروري – حسب قناعة شارون وحكومته اليمينية – لعودة مسار التسوية، مما يفشل مهام رئيس الوزراء الفلسطيني وخاصة الجانب الأمني منها.

كل ذلك يجعل صوت الشعب الفلسطيني المقاوم أعلى من أي صوت آخر ويجعل رادته عصية على الكسر خاصة وأنه يدرك أن المقاومة هي خياره الوحيد القادر على إنقاذه ورفعه إلى مصاف الأمم التي نالت حريتها بدمها ولحمها وحق لها أن تعيش بكرامة وأن تحقق لذاتها المكانة والرفعة بين الأمم.