|
دبلوماسية الإذلال الأميركية بعد قمتي شرم
الشيخ والعقبة .. هل تنجح؟
25/ 6/
2003
شهدت
المنطقة العربية في الآونة الأخيرة حركة دبلوماسية دؤوبة، مشكلة
حالة من الضغط المتواصل والمتصاعد على المقاومة الفلسطينية، بهدف
وقفها "نهائياًً" لإتاحة الفرصة أمام خارطة الطريق التي شكلت
التحرك السياسي الأبرز لإدارة جورج بوش بعد نجاحها في احتلال
العراق.
فانعقدت
قمتي شرم الشيخ والعقبة (3-4حزيران/ يونيو2003) بحضور الرئيس
الأمريكي القادم من قمتي سان بطرسبورغ، وإيفيان اللتين تناولتا
مسألة "الإرهاب" في العالم. وكذلك تركز جدول الأعمال في قمتي شرم
الشيخ والعقبة على محاربة ما يسمى بـ"الإرهاب في المنطقة (المقاومة
الفلسطينية) وكيفية البدء بتنفيذ خارطة الطريق المبنية على التصور
الأمريكي لحل الصراع العربي ـ الصهيوني.
وتلا ذلك
زيارة رئيس المخابرات المصرية (عمر سليمان) (11/6/2003) ومن ثم
نائبه اللواء (محمود البحيري) ـ أثناء التصعيد الصهيوني المحموم ضد
حركة حماس ـ وبحثا مع السلطة الفلسطينية ، وقوى المقاومة في غزة في
صيغة تؤدي إلى تهدئة لإتاحة الفرصة للمساعي السياسية.
وعقب ذلك
قام وزير الخارجية الأمريكي "كولن باول" (20/6/2003) بزيارة ل"تل
أبيب" وغزة لإعطاء دفعة جديدة لخارطة الطريق المتعثرة منذ البدء ،
ومشدداً أثناء لقائه مع أبو مازن على ضرورة محاربة حركة حماس
والقوى الفلسطينية المقاومة متذرعاً بأنها (حماس) عدو للسلام!
ومعرباً في
نفس الوقت تفهمه لدواعي استمرار شارون في انتهاجه سياسة الاغتيالات
بحق الفلسطينيين الذي يشكلون ـ حسب زعم باول ـ تهديداً لأمن الكيان
الصهيوني!
خلفيات انعقاد قمتي شرم الشيخ والعقبة
والتحركات السياسية بعدهما
رغم ان
قمتي شرم الشيخ والعقبة كانتا قمتين متواضعتين مقارنة بقمتي "سان
بطرسبرغ" و "إيفيان" إلا أنهما شهدتا اهتماماً عالمياً وتركيزاً
إعلامياً كبيراً لما لهما من نتائج ذات انعكاس إقليمي ودولي يمس
بالدرجة الأولى السياسة الخارجية الجديدة للولايات المتحدة
الأمريكية وكذلك مستقبل الكيان الصهيوني والمنطقة العربية ذات
الأهمية الاستثنائية بالنسبة لواشنطن.
وقبل
الحديث عن التحركات السياسية الأخيرة الهادفة لوقف المقاومة
الفلسطينية وتطبيق خطة الطريق فلا بد من مناقشة خلفيات هاتين
القمتين من خلال النقاط التالية:
- من
الواضح تماماً أن توقيت عقد قمتي شرم الشيخ والعقبة للإيذان ببدء
تنفيذ خارطة الطريق مرتبط بانتصار الولايات المتحدة الأمريكية
عسكرياً على العراق واحتلاله، بمعنى أن واشنطن تتطلع لاستغلال
تداعيات الحرب على العراق للمضي قدماً في إعادة رسم خارطة الشرق
الأوسط، فالمنطقة العربية تشهد حالة تمزق وتشتت للمنظومة العربية
كما تسودها حالة ترقب وحذر من المستقبل الأمر الذي تعمل الولايات
المتحدة الأمريكية والكيان الصهيوني على استغلاله لوقف المقاومة
الفلسطينية وانتفاضة الأقصى تحت ذريعة الحرب على "الإرهاب" عدو
السلام.
- تعلم
الولايات المتحدة الأمريكية أنها بحاجة "لأصدقاء" يشاركونها
الاهتمام بمحاربة ما يسمى بـ "الإرهاب" (المقاومة الفلسطينية)
لكونها غير قادرة لوحدها على الاضطلاع بهذه المهمة ولقناعتها بعجز
الكيان الصهيوني عن وقف أو القضاء على المقاومة الفلسطينية . ومن
جانب آخر فإن مشاركة الدول العربية لها في هذه المهمة إنما يضفي
الشرعية على ما تقوم به ولذلك سعت الولايات المتحدة الأمريكية على
استبعاد كل من سوريا ولبنان عن القمتين وممارسة ضغوط شديدة عليهما
لتغيير موقفهما من خارطة الطريق لتخرج بموقف منسجم مع ما تصبو إليه
من استهداف للمقاومة الفلسطينية دون تعكير للأجواء.
- من
ناحية أخرى ترى الولايات المتحدة الأمريكية في هاتين القمتين
محاولة لتحسين صورتها في العالم الذي يتهمها بالانحياز للكيان
الصهيوني ولمصالحها على حساب حق الشعب الفلسطيني، ولذلك فهي تطمح
من خلال الصخب الإعلامي والحركة الدبلوماسية الدؤوبة أن تظهر بمظهر
الحريص على لعب دور "فاعل" في حل الصراع العربي – الصهيوني مما
يخفف عنها الضغط من الاتحاد الأوروبي بهذا الخصوص ومن ثم استثمار
ذلك في تحسين العلاقة بينها وبين الاتحاد وردم الهوة الناتجة على
اثر الخلاف حول غزو العراق.
- وبيت
القصيد أن الولايات المتحدة الأمريكية تقدر بأن الكيان الصهيوني
يعاني من أزمات حقيقية تهدد مستقبل وجوده بفعل الانتفاضة
الفلسطينية التي تستنزفه ولذلك فهي كما الكيان الصهيوني حريصان على
إيجاد مخرج ووسيلة إنقاذ لهذا الكيان من خلال تفعيل معظم الأطراف
في المنطقة بمن فيهم الطرف الفلسطيني (أبو مازن وحكومته) للقضاء
على الانتفاضة والمقاومة والبدء بتنفيذ خارطة الطريق. وفي هذا
الصدد أشار شارون في خطابه في قمة العقبة إلى "مكافحة الإرهاب
(المقاومة) حتى هزيمته الأخيرة" وإقامة دولة فلسطينية "ستساعد على
إحلال الأمن والرفاهية على المدى البعيد لإسرائيل كدولة يهودية".
المواقف بعد قمتي شرم الشيخ والعقبة
بمتابعة
أجواء القمتين وللتحركات السياسية بعدهما، نخلص إلى عدة استنتاجات
في المواقف أبرزها :
·
الموقف الفلسطيني :
1.
موقف أبو مازن (رئيس الوزراء الفلسطيني)
تمثل موقف
أبو مازن في خطابه في العقبة مركزاً على ضرورة وقف المقاومة التي
وصفها بالإرهاب، قائلاً: "هدفنا واضح وسنطبقه بحزم وبلا هوادة،
نهاية كاملة للعنف والإرهاب".
وما زاد من
تدهور الموقف الفلسطيني الرسمي، أن أبو مازن تجاهل ذكر الثوابت
والحقوق الوطنية الفلسطينية في خطابه (حق العودة، القدس، إزالة
المستوطنات، السيادة..) مركزاً في ذات الوقف على عذابات اليهود عبر
التاريخ!
وبعد
العقبة شهدت "تل أبيب"، و"إيرز" شمال قطاع غزة عدة اجتماعات أمنية
بين محمد دحلان (وزير دولة للشؤون الداخلية) وبين الطرف الصهيوني
للبحث في كيفية تنفيذ الاستحقاقات الأمنية في خارطة الطريق في
الوقت الذي سعى فيه أبو مازن لتبرير ما سماه "سوء فهم" لخطابه في
العقبة، ومن ثم ممارسة ضغوط ـ بمساعدة مصرية ـ على المقاومة
الفلسطينية من أجل وقفها كلية. مما يثير الشك والريبة في حقيقة
مواقف أبو مازن وما قد تحمل أجندته الخاصة في المستقبل القريب،
خاصة وأن الشعب الفلسطيني ما زال يتعرض لأبشع أنواع الإرهاب
الصهيوني المتواصل والذي ازداد عنفواناً بعد قمة العقبة آخذاً
"شرعية" ما دامت المقاومة في نظر أبو مازن وبعض الحكومات العربية
"إرهاباً" يجب محاربته.
وفي خضم
هذه المواقف بدا موقف ياسر عرفات متحفظاً على قمة شرم الشيخ
والعقبة معلقاً على ذلك (5/6/2003) بأنه لم ير شيئاً ملموساً على
الأرض من طرف الكيان الصهيوني . في إشارة دالة على قلقه وامتعاضه
من استبعاده عن قمتي شرم الشيخ والعقبة، ومحاولة شطبه من المعادلة
السياسية الفلسطينية.
2.
موقف الشعب الفلسطيني وقوى المقاومة:
عم استياء
عام في الشارع الفلسطيني في الداخل والخارج من خطاب أبو مازن
وتدهور موقف السلطة الفلسطينية إلى حد كبير . ولذلك عبرت جميع
القوى الفلسطينية ("حماس"، الجهاد، كتائب شهداء الأقصى، الشعبية،
الديمقراطية والقوى الأخرى) عن رفضها الصريح لما جاء في قمتي شرم
الشيخ والعقبة معتبرة ذلك تخلٍ عن حقوق وثوابت الشعب الفلسطيني،
ومعتبرين أن أبو مازن تنكر لحق الشعب الفلسطيني في مقاومة الاحتلال
وتأكد هذا الموقف خلال اجتماع لجنة المتابعة العليا للقوى الوطنية
والإسلامية في غزة.
وفي الوقت
الذي تصر فيه قوى المقاومة الفلسطينية على التمسك بالثوابت
الوطنية، وبمبدئية المقاومة كحق شرعي لها ما دام الاحتلال قائماً،
فقد شهدت الساحة الفلسطينية حوارات حول موضوع الهدنة الذي تصر
السلطة الفلسطينية وبعض الأطراف العربية عليه لتمرير خارطة الطريق
ولإعطاء الفرصة لتحقيق مطلب الدولة الفلسطينية . ومع إبداء القوى
الفلسطينية تشككها في جدوى هذه الهدنة والتزام الطرف الصهيوني
بشروطها (وقف التوغلات والاغتيالات وإطلاق سراح المعتقلين ) ،
فإنها تتجه نحو إبداء الاستعداد للتعامل مع هذا المطلب طالما لا
يضر بحق الشعب الفلسطيني في المقاومة ولنزع الذرائع من الكيان
الصهيوني من الاستمرار في العدوان على الشعب الفلسطيني ولإتاحة
الفرصة أمام مختلف قوى الشعب الفلسطيني للحوار حول استراتيجية
المقاومة ووسائلها وآلياتها ومحاولة التوصل إلى برنامج وطني
فلسطيني موحد على قاعدة مقاومة الاحتلال حتى دحره عن الأرض المحتلة
.
ومع ذلك
فان فرص نجاح هذه الهدنة في حال تمت تبدو ضعيفة لأن سياسية شارون
مبنية على إلحاق الهزيمة بالشعب الفلسطيني، ونزع مكامن القوة فيه
وليس تهيئة الأجواء لتسوية سياسية مهما كانت هزيلة كخطة الطريق ،
ذلك أن (شارون) ما زال يطالب بإنهاء المقاومة وبناها التحتية
نهائياً دون تقديم أي استحقاق جوهري يؤدي إلى زوال الاحتلال.
·
الموقف العربي المتمثل في القمة:
1.
الموقف العربي (مصر، السعودية، البحرين،
الأردن) المتمثل في القمة:
بدا واضحاً
أن معظم الدول العربية المتمثلة في قمة شرم الشيخ قد استجابت
للضغوط الأمريكية المركزة على إنهاء الانتفاضة والمقاومة
الفلسطينية . وفي هذا السياق جاء خطاب الرئيس مبارك الذي شدد على
“محاربة الإرهاب ونبذ التطرف والعنف في أي شكل كان ومن أي مصدر
بصرف النظر عن التبريرات والدوافع" ومن البديهي أن المقصود
بالإرهاب والتطرف والعنف يشمل المقاومة الفلسطينية للاحتلال وما
يؤكد ذلك ما ذهب إليه خطاب مبارك بالقول: "سوف نتأكد من أن
مساعدتنا للفلسطينيين سوف توجه فقط إلى السلطة الفلسطينية".
وفي هذا
السياق فقد أوفدت مصر كلاً من عمر سليمان (رئيس المخابرات) ومن ثم
نائبه (البحيري) إلى غزة لممارسة دور الوساطة بين أبو مازن
والمقاومة للحصول على موافقتها للتهدئة والهدنة لإعطاء فرصة لخارطة
الطريق والتسوية السياسية.
ومن جانب
آخر فقد بدا الموقف السعودي متحفظاً على بعض مقررات شرم الشيخ
الأمر الذي انعكس على تأجيل موعد انعقاد القمة لمدة ساعتين لبروز
خلافات حادة في كواليس ما قبل القمة أمام الصحفيين. حيث رفض
السعوديون أي صورة من صور التطبيع مع الكيان الصهيوني ـ وهو مطلب
أمريكي ملح ـ طالما بقيت الأراضي العربية محتلة. كذلك تجنب
السعوديون وصف المقاومة الفلسطينية بالإرهاب، على الرغم من حجم
الضغوط الأمريكية التي مورست عليهم.
2.
الموقف السوري
كان من
الواضح أن عدم دعوة سوريا ولبنان للحضور إلى قمة شرم الشيخ شاهد
على عدم تساوق هاتان الدولتان مع التصور الأمريكي للمنطقة وأنهما
قد يشكلان حالة ممانعة معكرة لصفاء الأجواء في قمة شرم الشيخ ولذلك
حرصت الولايات المتحدة الأمريكية على عدم دعوتهما للحضور.
وفي
المقابل فقد أبدت سوريا رغبتها وارتياحها في عدم حضور القمة وأبدت
موقفاً حيادياً من خارطة الطريق وذلك كما جاء على لسان المتحدثة
باسم وزارة الخارجية السورية بثينة شعبان: "إن دمشق لم تتوقع أن
تدعى إلى قمة شرم الشيخ ولم ترغب بذلك" وقالت: "إن قمة شرم الشيخ
ركزت على خارطة الطريق وقد أعلنت سوريا أن خارطة الطريق شأن
فلسطيني – إسرائيلي".
كما شددت
كل من سوريا ولبنان على عودة اللاجئين وضرورة الحل الشامل على أساس
الشرعية الدولية في إشارة إلى تحفظات ضمنية على الطريقة التي تدار
بها المفاوضات.
ورغم ذلك
فقد استمرت الولايات المتحدة في ممارسة ضغطها الدبلوماسي الشديد
على دمشق. فقد اعتبر "كولن باول" أثناء لقائه مع شارون في "تل
أبيب" (20/6/2003) "أن التدابير التي اتخذتها سوريا ضد الفصائل
الفلسطينية "غير كافية على الإطلاق" محذراً أن ذلك ستكون له عواقب
وخيمة على العلاقات بين دمشق وواشنطن" وأن واشنطن مع المجتمع
الدولي سوف يمارسون ضغطاً شديداً على سوريا، هذا في نفس الوقت الذي
يستعد فيه الكونغرس الأمريكي لمناقشة قانون "محاسبة سوريا"، مما
يعني زيادة حجم الضغط الدبلوماسي، واحتمالية الشروع في حصار
اقتصادي على سوريا نتيجة لموقفها القومي والوطني من حقوق الشعب
الفلسطيني وحقها في الجولان المحتل.
حصاد قمتي شرم الشيخ والعقبة
أدت
القمتين وما بعدهما من تحركات سياسية إلى العديد من النتائج
المباشرة وإلى نتائج محتملة الوقوع مستقبلاً ومرتبطة بتطورات
الأحداث على الساحة الفلسطينية على وجه الخصوص، ومن هذه النتائج
نذكر ما يلي:
· ازدياد
التمزق العربي وتعزيز انهيار المنظومة العربية، فقمتي شرم الشيخ
والعقبة عززتا المواقف الفردية للدول العربية على حساب المواقف
الجماعية العربية المتحدة مسبقاً الرافضة لمساواة المقاومة
الفلسطينية للاحتلال بالإرهاب، والتي يمكن أن تتخذ لاحقاً من خلال
الاجتماعات العربية الموسعة ومن خلال القمم لجامعة الدول العربية.
· تعزيز
حالة الانقسام في القيادة الفلسطينية (السلطة) ومحاولة لضرب الوحدة
الوطنية الفلسطينية. فعدم دعوة عرفات لأي من القمتين واستبداله
بأبي مازن (رئيس وزراء) يؤكد على نية وعزيمة الولايات المتحدة
الأمريكية والكيان الصهيوني على ممارسة أعلى درجات العزلة لعرفات
وشطبه من المعادلة الفلسطينية وتقديم البديل عنه (أبو مازن) مما قد
يؤدي إلى ازدياد حدة ا لتنافس والصراع على الصلاحيات بين الرجلين،
، ومن جانب آخر فإن خطاب أبو مازن بما حمل من تنازلات مبالغ فيها
أدى لانقسام الشارع الفلسطيني – وإن كان بأغلبه مؤيداً للمقاومة –
والخطورة تكمن في قيام أبو مازن باتخاذ خطوات عملية لوقف المقاومة
– بناء على التزاماته في العقبة – والاعتداء على التشكيلات
العسكرية المقاومة في محالة لتفكيكها، الأمر الذي قد ينذر بفتنة في
الصف الوطني تكون ضحيتها الوحدة الوطنية والشعب الفلسطيني.
· ما
اتخذ من مواقف في قمتي شرم الشيخ والعقبة وما بعدهما من تحركات
دبلوماسية زاد من حجم الضغوط (أمريكياً وعربياً وفلسطينياً) على
حركة "حماس" تحديداً، فأصبحت في مهداف الضغوط من قبل الولايات
المتحدة الأمريكية التي اعتبرتها "عدو السلام" ويجب محاربتها فيما
استحث جورج بوش العالم للتشدد مع "حماس"، ومن جانب آخر فإن الاتحاد
الأوروبي (قمة وزراء الخارجية في لوكسمبورغ بتاريخ 15/6/2003م وقمة
الرؤساء في سالونيك بتاريخ 20/6/2003م) وضع جناحها العسكري على
قائمة الإرهاب وحذر جناحها السياسي من الاستمرار في المقاومة
ومطالبة الحركة بإعطاء فرصة لخارطة الطريق، هذا ناهيك عن الضغوط
العربية والفلسطينية (السلطة الفلسطينية) الأمر الذي أكسب حركة
"حماس" مصداقية عالية لدى الشعب الفلسطيني الذي يرى فيها المدافع
الأول عن الثوابت والحقوق الفلسطينية، وجعلها الرقم الصعب في
المعادلة السياسية الفلسطينية.
إلا أن
خطورة هذه الضغوط والتحركات ضد الحركة أنها تحاول أن تظهرها
(والمقاومة عموماً) كأنها المعوق للسلام في المنطقة بما يستتبعه
ذلك من استهداف الحركة على جميع المستويات وتوفير الغطاء اللازم
لحكومة شارون لتوسيع الحرب ضد الحركة لتشمل جناحها السياسي وتحريض
الدول العربية للتضيق على الحركة سياسياً واقتصادياً والعمل في
إطار تجفيف الينابيع المالية للحركة . كما أن هذه التحركات تحاول
التغطية على العقبة الحقيقية المتمثلة في عجز خارطة الطريق ومشاريع
التسوية من أن تقدم حلولاً عادلة وحقيقية للصراع العربي – الصهيوني
. وفي المحصلة تريد الولايات المتحدة الأميركية إضفاء الشرعية على
تصرفات الاحتلال وقمعه للشعب الفلسطيني، وإدانة المقاومين الذين
يدافعون عن أنفسهم ورفع الغطاء الشرعي الدولي والعربي عنهم ضمن
المسعى الأميركي الشامل لضرب القوى التي تشكل تهديداً مباشراً أو
حتى غير مباشر لمصالحها في المنطقة .
· إن
قمتي شرم الشيخ والعقبة عززتا من دور الولايات المتحدة الأمريكية
المتفرد بالمنطقة وذلك من خلال استبعاد أهم مؤسسة عالمية من الحضور
وهي الأمم المتحدة ومن خلال تجاهل ما يحدث في العراق على يد
الاحتلال الأمريكي وعدم ذكر العراق في الخطاب العربي على لسان
مبارك فضلاً عن عدم ذكره في خطاب بوش، الأمر الذي يعني تشجيعاً
للولايات المتحدة الأمريكية وربيبتها إسرائيل للمضي قدماً في إعادة
رسم الخارطة السياسية للمنطقة العربية بمباركة وكلاء عرب محليين
وإقليميين.
هل تنجح التحركات الدبلوماسية في إنفاذ خارطة
الطريق
من الواضح
أن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي يمارسان ضغطاً شديداً على
الأطراف لإنفاذ خارطة الطريق والشروع في تطبيقها . فالحرص الأمريكي
على إنجاح الخارطة متأتي من حرصه على إعطاء الإدارة الأمريكية
"مصداقية" دولية بعد أن احتلت العراق. ولإعادة شيء من "توازنها"
المفقود في التعاطي مع القضايا الدولية.
كذلك
فالطرف الأوروبي معني بالدفع الأمريكي حفاظاً على لعب دور ولو
ثانوي بعد أن خسر جولة العراق مع الولايات المتحدة.
ولذلك فقد
تكتسب خارطة الطريق قوة دفع أمريكية أوروبية مما يجعلها تحقق بعض
التقدم في الفترة القادمة.
ولكن من المشكوك فيه أن يستمر هذا التقدم في
المستقبل وذلك لعدة أسباب:
- عدم
قناعة شارون وتشكيلته الحكومية بمسار "السلام"، فأول مسمار صهيوني
وضع في خاصرة خارطة الطريق تثمل في (14) تحفظاً على الخارطة أقرتها
الولايات المتحدة الأمريكية من خارج نص الاتفاقية ووعدت بتنفيذها
وأخذها بعين الاعتبار.
كما أن
استمرار شارون بنفس منهجيته التي يؤمن بها وهو استمرار القمع
والاغتيال والتدمير كأفضل وسيلة لإنهاء المقاومة ومن ثم الوصول إلى
السلام الشاروني سيبرز الدور السلبي الذي باتت تلعبه حكومة ابومازن
ويظهرها على أنها أداة أمنية بيد شارون ، ويعزز بالتالي من خيار
المقاومة الشكل الأفضل للدفاع عن النفس لدى الشعب الفلسطيني وقواه
الحية. وهذا سيضع خارطة الطريق أمام مجموعة من العراقيل التي تعيق
تنفيذها.
- الرفض
الفلسطيني الشعبي لهذه الخطة وهو الذي عبرت عنه معظم شرائح الشارع
الفلسطيني في الداخل والشتات وكان أصدق وأقوى تعبير هو استمرار
المقاومة ردا ًعلى الاحتلال وممارساته وتجلت في أوجز صورة تمثيلية
لإرادة الشعب الفلسطيني في عملية "إيرز" (شمالي قطاع غزة )
الثلاثية ("حماس"، الجهاد، فتح) ضد جنود الاحتلال.
- وما يزيد
من ضعف فرص نجاح خارطة الطريق ومقررات شرم الشيخ والعقبة، أن
الإدارة الأمريكية بقيادة بوش الراعي الأول الأساس لعملية التسوية
السياسية لن يكون قادراً على متابعة التسوية السياسية بعد عدة اشهر
أو بدءاً من الربع الأخير لهذا العام وذلك لانشغال بوش والإدارة
الأمريكية بحملة الانتخابات الرئاسية وبالتالي سيحاول شارون تعزيز
خياره العسكري والأمني لمجابهة المقاومة وانتفاضة الشعب الفلسطيني
كأولوية على أي خيار آخر.
- ولعل
السبب الهام في إعاقة مشروع التسوية أن خارطة الطريق ومقررات
القمتين إنما بنيت على أساس الانتصار الأمريكي وعلى أساس مبدأ
القوة وليس العدل والإنصاف، وأن كل المواقف العربية وكذلك مواقف
السلطة الفلسطينية بغض النظر عن الشخص الذي يمثلها إنما اتخذت على
أساس الهزيمة النفسية أمام الانتصار الأمريكي المادي الأمر الذي لا
يرضي أي صاحب حق مطالب بحقه ومدافع عنه. وما الشعب الفلسطيني إلا
خير مثال وشاهد على ذلك، فلم يفت في عضده خمس وخمسون عاماً من
المعاناة والتضحيات وما زال صلباً وبإرادة وعزيمة أقوى من ذي قبل،
لأنه يدرك أنه لا يضيع حق ما دام وراءه مطالب وأن إرادة الشعوب
غلابة على إرادة كل محتل وغاصب مهما اختلت موازين القوى ومهما
تغطرس المحتل وفي التاريخ عبرة.
|