الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

في هذا القسم

 

 

عودة

 

 

قـراءة في خطـة شـارون المعدلـة

11/7/2004

 

أقرت الحكومة الصهيونية خطة شارون المعدلة للفصل الأحادي بتاريخ 12/6/2004م، وذلك في ظل تفاعلات سياسية صهيونية حادة، داخل الليكود والحكومة الصهيونية، أدت إلى إقالة وزراء حزب الاتحاد الوطني واستقالة وزيرين آخرين من حزب المفدال الصهيوني المتدين.

 

خطة شارون المعدلة تنص على تقسيم الانسحاب المحتمل من القطاع لأربع مراحل، على أن يتم التصويت لإقرار كل مرحلة على حدة في الحكومة الصهيونية، وتبدأ أول مرحلة في مارس/2005م، على أ، تكتمل مراحل إخلاء ما يتقرر إخلاؤه في نهاية 2005م.    

 

وتنص الخطة المقرة إضافة إلى ما تقدم على:

1. ضم مناطق من الضفة الغربية إلى الكيان الصهيوني تتضمن كتلاً استيطانية، حواجز مدنية، مناطق أمنية، وأماكن للكيان الصهيوني فيها مصالح أخرى (حسب نص الخطة).  

2. الاحتفاظ بمحور فيلادلفيا الحدودي بين قطاع غزة ومصر، مع احتمال دراسة إخلاؤه وفق شروط محددة منها التعاون المصري في خلق ترتيبات أمنية مشتركة.  

3. الاحتفاظ بالسيطرة الجوية والبحرية لقطاع غزة بعد الانسحاب. 

4. جيش الاحتلال سيواصل عملياته العسكرية في القطاع بعد الانسحاب تحت ذرائع أمنية سواء لأغراض وقائية أم لمواجهة المقاومة الماثلة. 

5. العمل على توسيع محور فيلادلفيا بما يعنيه ذلك من هدم لمئات البيوت حول المحور. 

 

الخطة والخروج من المأزق:

طرح شارون خطته في ضوء فشل خياره العسكري في إجهاض المقاومة ووقف الانتفاضة، فقد تلاشت وعوده بإنهائها في مائة يوم، وذهبت حملاته العسكرية الشاملة أدراج الرياح، بما أوصله إلى قناعة بوجوب اتخاذ سبيل آخر لتحقيق هدفه، بحيث يجمع بين الخطوات السياسية والإجراءات الميدانية، الأمر الذي يشكل ضغطاً مزدوجاً لوقف الانتفاضة. 

 

كما تأتي الخطة في ظل تبلور فكرة الكيانية الفلسطينية، وأصبحت حقيقة واقعة سياسياً، تنتظر التجسيد على الأرض، بل إن حقيقة أن الخروج من المأزق الصهيوني يتطلب التخلي عن جزء من أرض فلسطين للفلسطينيين ليقيموا عليها دولة لهم، أصبحت أمراً واقعاً في السياسة الصهيونية لدى اليسار واليمين.

 

ولما كانت أيديولوجيا الليكود ترتكز إلى رفض قيام تلك الدولة غربي نهر الأردن، وقرار مركز الليكود بتاريخ 13/5/2002م، يرفض حل الدولتين على أرض فلسطين، فإن شارون يحاول التوفيق بين متطلبات الأيديولوجيا وضرورات الخروج من المأزق القائم لدى الكيان الصهيوني.

 

وفي سبيل ذلك انبرى لتحديد شكل وملامح وصلاحيات وحدود ذلك الكيان الفلسطيني، بالانسجام مع رؤيته القائمة على أن قطاع غزة وبعض كانتونات الضفة الغربية هي الدولة الفلسطينية، بحيث تكون دولة على السكان لا سيادة لها على الأرض، بمعنى آخر مسمى دولة دون جوهر حقيقي، أي كيان غير قابل للحياة، مجرد من السيادة، من الأرض الزراعية، من المياه، من الاتصال بالخارج، الأمر الذي قام بتحديده عبر الجدار الفاصل، الذي يمكن اعتباره العنصر الرئيس في الخطة، والوحيد القائم على الأرض، وكل البنود الأخرى في الخطة لا تزال وعوداً على ورق ليس أكثر.

 

الخطة واستمرار الخداع

صممت الخطة بكل تفاصيلها لتخدم رؤية شارون للحل النهائي ابتداء، فكان الانسحاب المحتمل من القطاع الرشوة لتمريرها على مختلف الأصعدة، غير أن الخطة المعدلة جعلت من ذلك الانسحاب أمراً منوطاً بالتفاعلات الداخلية في الحكومة الصهيونية، فقد تم ربط أية مرحلة من مراحله بتصويت جديد في الحكومة، بما يعنيه ذلك من إمكانية تمريرها وإقرارها أم لا، فهو عملياً لم يعط أي تعهد بالانسحاب، وإنما أقرت حكومته إعلاناً للنوايا وخطة تتحدث عن احتمال الانسحاب من قطاع غزة.  

 

وقد أجل شارون التصويت على المرحلة الأولى للانسحاب إلى مارس/2005م، أي بعد تسعة أشهر من إقرار الخطة المعدلة، الأمر الذي يفتح أبواب الخيارات المختلفة على مصراعيها، ويتيح لشارون هامشاً للمناورة لاستنفاد أهدافه من الخطة، بما في ذلك استكمال الجدار الفاصل، وفي حال عدم تحقيق تلك الأهداف سيجد الطريقة للخداع والتملص من استحقاقات خطته، التي ألزم نفسه سياسياً بها.   

 

الخطة والضمانات الأمريكية:   

لا يمكن الإحاطة بخطة شارون دون ربطها بالضمانات الأمريكية التي أعلن عنها بوش بتاريخ 14/4/2004م، والتي تعتبر الانسحاب إلى حدود 1967 أمراً غير واقعي، وأن حق العودة محصور في الدولة الفلسطينية، وأن يهودية الكيان الصهيوني أمر لا نقاش حوله، وأن أي حل لابد أن يراعي ذلك، كما يجب أن يأخذ بالاعتبار التغييرات الديمغرافية الناشئة في ظل التجمعات الاستيطانية الكبرى في الضفة.  

 

وبذلك فقد حصل شارون على تعهدات أمريكية، أصبحت فيما بعد قانوناً نافذاً، ملزماً للإدارات الأمريكية القادمة، تحدد ملامح الحل النهائي وفقاً لرؤية شارون، وبذلك فإن شارون تلقى ثمن الانسحاب من غزة، دون أن ينسحب من شبر واحد، وقد أصبح وعد بوش قانوناً نافذاً في الكونغرس بأغلبية ساحقة 407 مقابل 9، ولم يبق سوى إقراره من مجلس الشيوخ، وهو الإجراء الذي لن يتأخر طويلاً.  

 

لقد عمل شارون على ضمان التعهدات الأمريكية تلك قبل عرض خطته على حزبه أو على حكومته، باعتبار أن الإدارة الأمريكية بيدها مفاتيح الحل، وأن الإدارة في ظل المأزق في العراق والحملة الرئاسية هي في أضعف حالاتها أمام اللوبي الصهيوني، فاستغل شارون الفرصة لفرض رؤيته للحل النهائي، وبذلك أنهى أي دور أمريكي للوساطة، وحوله إلى دور ضاغط على الطرف الفلسطيني والعربي لتنفيذ رؤية شارون.   

 

الخطة في السياق الإقليمي:   

تقوم رؤية شارون في خطته على نفي الشريك الفلسطيني، بمعنى عدم وجود طرف فلسطيني يقبل برؤية شارون للحل، ومن ثم سعى لخلق مثل هذا الشريك عبر ما أطلق عليه إصلاح السلطة وعزل عرفات، فلما لم ينجح في ذلك، لجأ إلى نفي وجود الشريك الفلسطيني واستبداله بالشريك العربي.  

 

فلجأ إلى بعض الدول العربية لتقوم بدور تأهيل ذلك الشريك، أو أن تحل محله، ومن هنا بدأ السعي الأمريكي بالتزامن مع طرح الخطة للضغط على أطراف عربية للقيام بذلك الدور، وقد أكد باول في مؤتمر التجارة العالمية الذي انعقد في الأردن وكذلك كونداليزا رايس في جنيف في ذات الفترة، أن خطة شارون وحدها المطروحة على الطاولة، وأن على الأطراف العربية والفلسطينية العمل في إطارها لإخراجها إلى حيز الوجود.  

 

وقد عملت بعض الدول على محاولة رفع سقف دورها، من دور أمني محدود لتأهيل الأجهزة الأمنية والشريك الفلسطيني، إلى إعادة العملية السلمية إلى مسارها، بيد أن شارون عاد وأكد بأن هذا الدور سيظل محصوراً بالحدود التي يحددها في سياق خطته، وأنه لن يقوم بأية خطوة سياسية أخرى لخمسين عاماً قادمة.   

 

فشارون الذي طرح خطته للحيلولة دون العودة إلى مائدة التفاوض، ولذلك نفى وجود الشريك، لن يقوم بذلك بعد الانسحاب –إذا ما تم-، فهو يريد أن يكون القطاع أول المطاف وآخره، بل والاستفادة من ذلك الانسحاب المحتل في تثبيت الجدار والاستيطان في الضفة الغربية.  

 

لقد حاول شارون تجنيد الجهد الإقليمي لمصلحة خطته، لتحقيق ما لم يستطع تحقيقه رغم كل إجراءات القمع التي مارسها طيلة أربعة سنوات من الانتفاضة، وفي ظل الضغط الأمريكي المتزايد، فوافقت بعض الدول للعب دور أمني في الضفة والقطاع، وبحسب الرؤية والشروط الشارونية، الأمر الذي يخلط الأوراق في الساحة، ويفتح الباب أمام تطورات غير مرغوب فيها في ظل ضمانات عربية بإنجاح أهداف الخطة عبر التزامات أمنية عربية للاحتلال بعد الانسحاب.

 

الخطة والوضع الفلسطيني:

رغم أن خطة شارون أحادية الجانب، وتفترض عدم وجود شريك فلسطيني، وهنا شبه إجماع فلسطيني على إبقائها كذلك، دون إعطاء شارون أية التزامات أو ثمن أمني أو سياسي مقابل الانسحاب المحتمل من غزة، إلا أن أطرافاً فلسطينية تنظر إلى ما يجري باعتباره فرصة لها لاستعادة سلطتها ونفوذها المفقود، وتحاول تجيير الخطة والوضع الدولي والإقليمي لخدمة مصالحها الخاصة، الأمر الذي سيؤدي إلى إرباك الساحة الفلسطينية، ويعيد طرح مشكل الوضع الفلسطيني الداخلي من جديد، ويهدد الوحدة الوطنية والحقوق الفلسطينية في ظل الخشية من تفتيت الشعب والقضية، إذا ما تم تحييد قطاع غزة كما حيدت أجزاء من الشعب الفلسطيني لأسباب وظروف مختلفة.    

 

استدراك وخلاصة

يحاول شارون عبر خطته للفصل بإجراءاتها المختلفة، وسياقاتها الدولية والإقليمية، إيقاف المقاومة وإنهاء الصراع وفق رؤيته للحل، أو على الأقل الخروج من المأزق وفرض تسوية مؤقتة طويلة الأمد، تمتد لعشرين سنة قادمة، يكون خلالها قد فرض الوقائع الميدانية والسياسية التي يريد حسب مصلحة الكيان الصهيوني.  

 

تلك هي الخطة ولكنها ليست قدراً، بل إن صمود شعبنا ووعيه، والشعور بالمسؤولية والوعي العربي، يمكن أن يحول تلك الخطة إلى إنجاز للشعب الفلسطيني، وذلك عبر ضمان دعم واستمرار المقاومة، التي ما كان لشارون أن ينسحب من أية بقعة لولاها، والعمل على البناء على ذلك الإنجاز لاستكمال التحرير لبقية أرض فلسطين.

 

من الخطير أن تتساوق أية أطراف عربية مع رؤية شارون، فذلك مخالف للمصالح القطرية والقومية لتلك الدول، كما يناقض المصلحة الوطنية الفلسطينية، فلا يجوز السماح لشارون بتصدير مأزقه إلى الجانب الفلسطيني أو العربي، فقد أعلن أن انسحابه أحادي الجانب فليبق كذلك، ومحظور وطنياً وقومياً أن ندفع له ثمناً مقابل عدوانه واحتلاله.  

 

إن الدور العربي في القضية الفلسطينية دور حتمي وضروري، ولكن في سياق دعم نضال ومقاومة الشعب الفلسطيني، وليس في سياق خطة شارون واستراتيجيته، الأمر الذي يقتضي مزيداً من الوعي والحوار والتنسيق المتبادل للحيلولة دون انجرار أي طرف عربي أو فلسطيني لمآرب شارون ومخططاته، لضمان الاستفادة من الانسحاب المزمع من القطاع، دون أن يدفع الشعب الفلسطيني الثمن في الضفة والقدس وباقي أرض فلسطين، وللحيلولة دون تحييد قطاع غزة من الصراع، فوحدة الشعب والقضية يجب أن تكون لها الأولوية على أية مصالح قطرية أو فئوية أخرى.