|
التسوية... بين خطة شارون وضمانات بوش
تتويجاً
لمفاوضات ومشاورات حثيثة وممتدة، تبادل خلالها الصهاينة والإدارة
الأمريكية الصياغات والمشاريع، قام رئيس الحكومة الصهيوني بزيارته
العاشرة إلى الولايات المتحدة. في ظل استنفار أمني غير مسبوق.
وملاحقات قانونية تهدد مستقبله السياسي الشخصي، وفي ظل الانقسام
الحاد داخل الليكود حول خطة الفصل الأحادي التي طرحها شارون.
وفي
المقابل فإن الإدارة الأمريكية تستقبل شارون وهي تعيش مأزقاً
عسكرياً وسياسياً في العراق، ينعكس بصورة أو بأخرى على الوضع
الاقتصادي وعلى مصير الرئيس الأمريكي في عام الانتخابات الرئاسية
الأمريكية خاصة بعد اتضاح كذب دعاوى الحرب على العراق، بما يزيد من
حاجة بوش وإدارته للصوت اليهودي، وحاجتها إلى أي انجاز سياسي
خارجي، بحثت عنه في السودان ولم يتحقق بعد، فوجدت شيئاً من ضالتها
في مشروع شارون للانسحاب من القطاع في إطار مشروع للفصل الأحادي.
في ضوء هذه
الظروف ومعطيات عقد شارون لقاءه مع بوش بتاريخ 14/4/2004 ، وخرج
كلاهما للصحافة ليعلن كل منهما على الملأ مجموعة من الالتزامات
والاشتراطات نوجزها فيما يلي:
إعـلان
شـارون:
1.
الانسحاب من قطاع غزة وتفكيك المستوطنات
والمنشآت العسكرية فيه، مع الاحتفاظ بالسيطرة على محور فيلادلفيا،
والموانئ والمعابر البرية والجوية والبحرية.
2.
تفكيك أربع مستوطنات معزولة في شمال الضفة
الغربية حول نابلس وجنين.
3.
استكمال الجدار الفاصل وفقاً للخطة التي أقرتها
الحكومة الصهيونية.
4.
الخطة ليست جزءاً من خارطة الطريق، ولكنها لا
تتعارض معها، مع التأكيد على أن الحكومة الصهيونية ملتزمة بخارطة
الطريق حسبما أقرتها تلك الحكومة (بالتحفظات الأربعة عشر)
إعـلان
بـوش:
1.
التزام الولايات المتحدة بأمن الكيان الصهيوني،
والحفاظ على جودة تفوقه النوعي العسكري.
2.
الالتزام بوحدانية خطة خارطة الطريق، ومنع طرح
أية مشاريع أو خطط أخرى.
3.
لا مفاوضات قبل وقف المقاومة ضد الصهاينة،
وقيام قيادة جديدة للسلطة.
4.
الاعتراف بحق العدو في العدوان، على المناطق
التي سيتم إخلاءها، إذا ما اقتضت الحاجة.
5.
الحكومة الصهيونية لن تطالب في المستقبل
بالانسحاب إلى خط وقف إطلاق النار لعام 1949 (الخط الأخضر)، وأن
يأخذ رسم الحدود في إطار الحل الدائم بالحسبان "الواقع الديمغرافي"
الناشئ في الأراضي الفلسطينية (الكتل الاستيطانية الكبرى)
6.
اللاجئون يستوعبون في الدولة الفلسطينية، ولا
يمكنهم العودة إلى ديارهم التي هجروا منها في فلسطين المحتلة عام
1948م
وقد شكلت
الضمانات الأمريكية دعماً سياسياً غير مسبوق لبرنامج ورؤية شارون
وعدوانه على الشعب الفلسطيني، اعتبره بعض المراقبين تراجعاً
أمريكياً خطيراً عن السياسات التقليدية للولايات المتحدة في الصراع
العربي الصهيوني إزاء بعض قضايا الحل النهائي (الحدود، اللاجئين،
المستوطنات)، كما شكلت نوعاً من الرافعة الداخلية لشارون، المهدد
قضائياً، والذي يواجه تحديات كبيرة داخل حزبه ومعسكر اليمين
الصهيوني المعارض لخطة الانسحاب من غزة وتفكيك مستوطناتها.
فقد استطاع
شارون أن ينهي رسمياً خارطة الطريق، وأن يجر الإدارة الأمريكية
لتبني موقفه، واعتبار الانسحاب المحتمل من غزة خطوة على طريق تنفيذ
خارطة الطريق، وانتزع موقفاً أمريكياً رسمياً متطابقاً مع رؤيته
حول قضايا الحل النهائي، وبذلك يسعى لفرض الحل الذي يريد من طرف
واحد بدعم أمريكي، كما استطاع إبعاد شبح الضغوط الدولية عليه
لاستئناف المفاوضات مع السلطة، في ظل الاتفاق مع إدارة بوش بعدم
وجود شريك للتسوية في الجانب الفلسطيني.
التسـوية وخطـة شـارون بـوش
تفرض خطة
شارون للفصل وضمانات بوش، واقعاً جديداً على الصعيد الميداني
والسياسي، ويتركز تأثيرها بصورة مباشرة على ما يسمى "مسيرة
التسوية"، إذ إن الخطة وضماناتها موجهة لضرب أسس عملية التسوية،
والتي تتمثل في المبادئ والأسس التالية:
1.
الاعتراف المتبادل بين الكيان الصهيوني ومنظمة التحرير الفلسطينية.
2.
مرجعية القرارات الدولية ذات الصلة (رغم الاختلاف على التفسير)
3. الحل
السلمي التفاوضي بين الطرفين وسيلة حل الصراع
4.
الولايات المتحدة الوسيط والراعي الأساسي للتسوية في المنطقة
5. مبدأ
الأرض مقابل السلام
بلا شك فإن
هذه الأسس تحمل في ثناياها بذور فشل برنامج التسوية، حيث تقوم على
أساس من الظلم وإقرار العدوان الصهيوني القائم في فلسطين، فقد تم
شطب معظم الحقوق الفلسطينية (78% من الأرض) قبل الشروع في التفاوض،
وفوق ذلك تم انتهاك هذه الأسس الظالمة وتفريغها من مضمونها، من
خلال التكتيكات التفاوضية التي أصبحت أساساً لتنفيذ مشروع التسوية،
فقد تم القفز عن القضايا الجوهرية في الصراع (القدس، اللاجئون،
الحدود، المستوطنات، الأسرى... وغيرها) إلى مراحل لاحقة يتحكم فيها
تقلب السياسات الصهيونية والناخب الصهيوني.
فتحولت
المرحلية والتدرج في التفاوض والتنفيذ سيفاً مسلطاً على رقاب
السلطة وقيادة م.ت.ف، الأمر الذي جعل من الأمن الصهيوني صاحب
الأولوية والمعيار الوحيد الذي تقوم عليه التسوية، دون اعتبار أمن
الوطن والمواطن الفلسطيني.
كما أن
الطرفين لم يحددا مسبقاً الهدف من عملية التسوية (إقامة دولتين)،
بل بقي الهدف مفتوحاً وقابلاً للتفاوض، ولما قامت إدارة بوش
بتجديده في خارطة الطريق، ظل مبهماً غير محدد سواء على صعيد الحدود
أو السيادة وهي قضايا مركزية في مفهوم أية دولة تقوم على الأرض.
ورغم كل
العيوب التي تكشفت خلال حقبة أسلو، وفي ظل انتفاضة الأقصى، فإن
مسيرة التسوية بركائزها العرجاء، قد وصلت إلى نهايتها الرسمية بعد
إعلان ضمانات بوش، بعد أن كانت قد بلغت نهايتها الفعلية على الأرض،
وذلك من خلال:
1. إفساح
المجال وإضفاء الشرعية على الحل المفروض، عبر إجراءات أحادية
الجانب تشكل واقعاً ميدانياً وسياسياً، تحميه الإدارة الأمريكية في
مختلف المحافل الدولية، بل تعمل على تسويقه بديلاً لمبادرات سابقة،
وهذا الأمر يعني تجاوز ما يسمى بالشريك الفلسطيني، وعودة عملية عن
الاعتراف به ممثلاً للفلسطينيين في العملية التفاوضية التي بدأت في
مدريد.
2. إنهاء
فرص التفاوض وذلك من خلال اشتراطات تعجيزية يكون فيها شارون الحكم
والقاضي، حيث تعهد بوش ألا تمارس أية ضغوط على الحكومة الصهيونية
للعودة للتفاوض قبل إنهاء المقاومة واستبدال عرفات بقيادة ترضي
شارون وحكومته، الأمر الذي يعني وقف التفاوض على المزاج الصهيوني،
الأمر الذي سيؤدي تأجيله لسنوات قادمة، خاصة إذا ما أخذنا
بالاعتبار أن شارون يرفض التفاوض باعتبار أن التفاوض سيطرح على
الطاولة العودة إلى حدود 1967 وسيضعه أمام حلول مرفوضة لديه
سياسياً وأيديولوجياً وأمنياً.
3. إعلان
بوش في الواقع يمهد لشرعية أمريكية صهيونية تشكل مرجعية للتسوية
بديلاً عما يسمى بالشرعية الدولية، فقد تجاوز بتصريحاته مرجعية
القرارات 242،338،194،181، وغيرها وأصبحت مرجعية الواقع الاحتلالي
القائم هي الأساس التفاوضي، وعلى الطرف الفلسطيني والعربي الخضوع
لهذه المرجعية الجديدة، إن أرادوا أن يحققوا شيئاً مما يرغبون،
وبذلك تنهار أسس وقواعد عملية التسوية وما يسمى بمرجعية مدريد،
ويحل محلها المرجعية الجديدة المتمثلة فيما يتفق عليه بين شارون
وبوش ويكون وحده المطروح على الطاولة والساحة السياسية للتسوية.
4. ما تم
إعلانه ينهي قاعدة التسوية القائمة على "الأرض مقابل السلام"، ويضع
حداً لإمكانية قيام دولة فلسطينية، فقد وضع شارون حدود الدولة
الفلسطينية عبر الجدار الفاصل، وعمل من خلاله على حشر الوجود
الفلسطيني فيما مساحته 42% من مساحة الضفة، وعمل الجدار على تقسيم
هذه المساحة إلى ثلاث كانتونات واحد في الشمال يضم (نابلس، جنين،
طولكرم) وآخر في الجنوب يضم (الخليل، بيت لحم) وثالث في الوسط ويضم
رام الله وقراها، وقد أقر بوش هذه الرؤية، رغم أنه اشترط أن تكون
غير دائمة.
5. لقد
وضع شارون وبوش ملامح الحل النهائي حسب المعايير والاشتراطات
الصهيونية، بما يعني أنه فيما لو عقدت مفاوضات للحل النهائي (وهو
أمر مستبعد) فلن يجد الطرف الفلسطيني ما يفاوض حوله، سوى إقرار
الواقع القائم وتقديم المزيد من التنازلات، فقد اعتبر بوش خط
الرابع من حزيران 1967 غير مقدس، وأكد على ضرورة اعتبار الواقع
الديمغرافي القائم (المستوطنات الكبرى)، وشطب حق العودة، وبذلك
أفرغ عملية التفاوض المحتملة على هذه القضايا من مضمونها، عبر تبني
كامل ومعلن لرؤية شارون حول الحل، وهو بذلك تجاوز ما ورد في
اتفاقات أوسلو بأن الاتفاقات المرحلية الانتقالية يجب ألا تخل أو
تحجف بقضايا الحل النهائي والدائم.
بـين حقائـق التسـوية والواجـبات الوطـنية
لقد أظهرت
خطة شارون والتزامات بوش جملة من الحقائق الهامة ينبغي التوقف
عندها، وبناء خيارات الشعب الفلسطيني الوطنية بالاستفادة منها،
وأبرز هذه الحقائق:
1. إن
العلاقة بين الكيان الصهيوني والولايات المتحدة الأمريكية تتجاوز
حالة التحالف الاستراتيجي إلى مستوى العلاقة العضوية شبه
الاندماجية، وموقف بوش الأخير ليس شاذاً عن هذا السياق، بل هو
استمرار له وتعبير عنه، وأية إدارة سابقة أو لاحقة لن تخرج عن جوهر
هذا الموقف ومضامينه، ومن ثم فإن المراهنة على تغيير الإدارة
الحالية لن يؤدي إلى شيء.
2. عملية
التسوية قامت على أسس خاطئة، أظهرتها جلياً التطورات الأخيرة، ومن
ثم فهي ليست تحولاً جذرياً في السياسات، وإنما إظهار وكشف ما كان
مستتراً خلال عقد من التفاوض.
3. ما
حققه شارون في زيارته لأمريكا موضع إجماع صهيوني من اليمين
واليسار، وستبني عليه أية حكومة صهيونية قادمة، فهو يعبر عن جوهر
المشروع الصهيوني، الذي ينفي وجود الشعب الفلسطيني سياسياً
ومعنوياً، ويحاول ذلك مادياً، وما طرحه حزب العمل بهذا الخصوص ليس
أفضل مما يطرحه شارون، وبالتالي فإن المراهنة على الإطاحة بشارون
والليكود لن تؤدي بالتسوية إلى إقامة دولة فلسطينية ذات سيادة في
الضفة والقطاع كما يرجو أنصار التسوية في الساحة الفلسطينية.
4. لقد
تحولت التسوية إلى عملية متشابكة ومستمرة من الإملاءات الصهيونية
على الطرف الفلسطيني الذي لا يجد بداً من التساوق معها وتبنيها،
وتقرير ميتشل وتوصيات تينت وخارطة الطريق ليس سوى شواهد على ذلك،
وهي مشاريع صهيونية معنى ومبنى، ولا يزال معسكر التسوية الفلسطيني
يصر ويتغنى بخارطة الطريق، رغم أنها تعبر عن رؤية شارون، وتضع
الوضع الداخلي الفلسطيني وحقوق الشعب الفلسطيني تحت رحمة إرادة
المحتل، وموازين القوى وما تفرضه على طاولة التفاوض من تنازلات.
هذه
الحقائق الماثلة تظهر جلياً الحاجة لمواجهة التحديات التي تفرضها
في مواجهة الشعب الفلسطيني، ميدانياً وسياسياً، وذلك من خلال تحمل
المسؤوليات الوطنية الضرورية في هذه المرحلة والمتمثلة في:
1. وقف
التعويل على دور أمريكي فاعل ومحايد في الصراع مع العدو، والتعامل
مع الإدارة الأمريكية باعتبارها طرفاً في العدوان.
2. التوقف
عن المراهنة على برنامج التسوية، والإعلان الفوري أن ما جرى قد
أنهى أية فرصة للتسوية السياسية مع الاحتلال الصهيوني، وأن السلطة
و م.ت.ف لن تشارك مجدداً في المفاوضات أو أية التزامات متعلقة
بالتسوية.
3.
الإعلان عن العودة إلى خيار الصمود والمقاومة في مواجهة العدوان
الصهيوني.
4.
الاستعداد لإعادة الصراع إلى جوهره وحقيقته، عبر إمكانية حل
السلطة، التي يحرص شارون على بقائها ولو رمزياً، لستر عورة
الاحتلال الجاثم على صدر شعبنا، دون أن يدفع أي ثمن لهذا الاحتلال
سياسياً أو اقتصادياً.
5. التوجه
الفوري ودون إبطاء لتوسيع المشاركة السياسية في القرار الفلسطيني،
على قاعدة وأسس برنامج الصمود والمقاومة، وإنهاء حالة التفرد
القائمة، وامتلاك الشجاعة الضرورية للاعتراف بفشل مشروع أوسلو
والتسوية، والعمل على صياغة برنامج سياسي جماعي تشارك فيه مختلف
القوى الفاعلة على الساحة الفلسطينية.
خـتامـاً:
فقد وصلت
التسوية إلى نهاياتها الحتمية، وأصبح التوحد على برنامج المقاومة
في الساحة الفلسطينية ضرورة وحتمية، فإرادة الشعوب في الصمود
والتحرر لا تكسرها وعود وضمانات، ولا يمكن لأية إجراءات لفرض حل
على الشعب الفلسطيني أن تنجح في تحقيق مآربها، ما دامت الجماهير
صامدة محتضنة المقاومة، ولذلك فإن الشعب الفلسطيني لا تعوزه
الخيارات ولم يصل إلى طريق مسدود في سعيه نحو الحرية والكرامة
والاستقلال، فقط مسيرة التسوية وصلت إلى ذلك، أما القضية والأهداف
الوطنية الفلسطينية فقد حققت الكثير من الإنجازات، وكل الإرهاصات
والدلائل تؤكد أنها قادرة على اختراع المعجزات، وتحقيق الإنجازات،
بفضل التضحيات والدماء والصبر المتواصل.
5/2004
|