الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

في هذا القسم

 

 

عودة

 

 

سياسات شارون إلى أين؟

 

أتم ارييل شارون رئيس وزراء العدو ثلاث سنوات متربعاً على قمة الهرم السياسي في الكيان الصهيوني، فقد انتخب لهذا المنصب مطلع عام 2001م، وقام بتعزيز موقعه عبر انتخابات مبكرة مطلع عام 2003م، حيث اكتسح اليمين الصهيوني أغلبية مقاعد الكنيست وحصل الليكود على 40 مقعداً بدلاً من 19 مقعداً في الكنيست السابق.

 

حرص شارون منذ انتخابه رئيساً للوزراء على تشكيل حكومة ائتلافية موسعة مع حزب العمل، وقد شكل له ذلك سياج أمان وغطاء سياسياً لسياساته القمعية طوال فترة ولايته الأولى،  إلى أن انسحب حزب العمل من الحكومة الصهيونية فقام شارون بالدعوة إلى انتخابات مبكرة عززت مواقعه السياسية والبرلمانية.

 

واثر تولي عمرام ميتسناع زعامة حزب العمل، ورفضه دخول الحزب في ائتلاف مع الليكود، قام شارون بتشكيل حكومة تضم الليكود وأحزاب اليمين المتطرف إضافة إلى حزب شينوي العلماني الغربي، وبرغم هوية حكومته الحالية فإن سياسات شارون لم يطرأ عليها تطورات دراماتيكية تذكر، إذ لم تكن سياساته في ظل الائتلاف السابق مع العمل اقل يمينية من الحكومة الحالية.

 

نجح شارون في العودة إلى صدارة الساحة السياسية الصهيونية – رغم سجله السابق – تحت شعار "الأمن والسلام" وهو الشعار المركزي لأي حملة انتخابية لأي من الأحزاب أو المرشحين الصهاينة، بل إنه وعد ناخبيه ان يجلب لهم الأمن خلال مائة يوم، بيد أن مئات الأيام مرت دون تحقيقه لشعاراته التي وعد بها، بل إن سنوات حكمه يمكن اعتبارها الأسوأ على صعيد الكيان الصهيوني من حيث الأمن والاقتصاد، وبالرغم من ذلك فقد ظل يتمتع بدعم سياسي وجماهيري يتيح له الاستمرار في الحكم.

 

وقد ساعد شارون في تحقيق ذلك عدد من العوامل أهمها:

1- حالة القلق الأمني التي يعيشها المجتمع الصهيوني، والتي تتصاعد بتصاعد المقاومة في العمق الصهيوني، ومعلوم أن الصهاينة يثقون في قدرة اليمين على معالجة ملف الأمن أكثر من اليسار.

2- غياب البديل السياسي على الساحة الصهيونية، فاليسار وحزب العمل في حالة تراجع وتنازع منذ سنوات، ولذلك فهو غير قادر على المبادرة الجادة التي تشكل البديل المحتمل لحكومة الليكود.

3- استمرار الدعم الأمريكي للسياسة العدوانية الصهيونية وتصاعدها بعد أحداث 11 سبتمبر، واحتلال العراق، ونجاح شارون في الظهور كحليف قوي للولايات المتحدة الأمريكية فيما يسمى "الحرب على الإرهاب".

4- قدرة شارون على  نسج تحالفات سياسية، استطاع من خلالها استغلال رغبة قادة اليمين واليسار في الاستمرار في المشاركة بالحكم، بما شكل له السياج والحماية، فإن أراد الجنوح إلى اليسار وجد المساندة من حزب العمل، وان استمر في سياساته اليمينية فسيظل يحظى بتأييد اليمين، وفي كلا الحالتين يستطيع الحصول على أغلبية مريحة في الكنيست.

5- شخصية شارون ورغم أنها مثيرة للجدل في السياسة الصهيونية إلا أن المجتمع الصهيوني يعتبره أفضل الخيارات المتاحة لديه، إذا ما قورن بمنافسه نتنياهو في اليمين أو بيريز في اليسار، كما انه يعتبر واحداً من بقايا جيل التأسيس للكيان الصهيوني، في الوقت الذي غابت فيه الشخصيات الصهيونية ذات الخبرة والتجربة، ومن ثم فإنه يعتبر رصيداً وطلقة أخيرة لدى المجتمع الصهيوني، الذي تغلب عليه الميول اليمينية خلال هذه المرحلة.

 

برنامج شارون وشعاراته:

وصل شارون إلى قمة الهرم السياسي الصهيوني في انتخابات عام 2001 رافعاً شعارات ثلاثة:

  • الأمن  والسلام للصهاينة.

  • تعليم أجيال الصهاينة حب الأرض.

  • جلب مليون مهاجر صهيوني إلى فلسطين.

 

وقد فاز ببرنامجه المعلن هذا على منافسه العمالي "ايهود باراك" وإثر توليه إدارة الشأن الصهيوني، طرح مجموعة من الشعارات التفصيلية التكتيكية في سياق رؤيته الأيديولوجية والسياسية أهمها:

  • لا تفاوض تحت النار، ولا مكافأة للإرهاب.

  • دعوا الجيش ينتصر. (الحسم العسكري).

  • لا تفاوض قبل إصلاح السلطة. (عزل عرفات، تعيين رئيس وزراء بصلاحيات واسعة).

 

وكان آخر خططه وطروحاته السياسية ما أعلن عنه في مؤتمر هرتسيليا بتاريخ 18/12/2003م، والتي أطلق عليها خطة الفصل الأحادي، والتي الحق بها مؤخراً إمكانية الانسحاب من قطاع غزة وأهم ملامح هذه الخطة ما يلي:

1- استكمال المراحل المتبقية للجدار في جنوب الضفة الغربية والقدس وغور الأردن.

2- القيام بعملية إخلاء لمستوطنات قطاع غزة وإعادة انتشار الجيش في الضفة وإخلاء مستوطنات غير مأهولة أو معزولة يصعب الدفاع عنها.

3- اعتبار أن ما داخل الجدار يشكل الكيان الفلسطيني السياسي المؤقت.

4- القيام بضم عدد من المستوطنات في غلاف القدس والمستوطنات القريبة من الخط الأخضر إلى دولة الكيان الصهيوني وتوسيع أخرى لاستيعاب مستوطني القطاع في حال إخلائهم.

 

سياسات شارون...النتائج والمآلات

إن أية عملية لتقييم أداء شارون على سدة الحكم لا بد أن تقيم ما أنجزه على صعيد الشعارات والأهداف التي رفعها منذ تسلمه لرئاسة وزراء العدو، فرغم ما اقترفه من جرائم ومجازر، ورغم ما يملكه من آلة حرب هائلة، ورغم الأغلبية البرلمانية الكبيرة في الكنيست، التي تدعم سياساته وتطلق يده في كل الاتجاهات، ورغم حملاته العسكرية، وإعادة احتلاله للضفة بكاملها، وتكرار عمليات السور الواقي وما شابهها، فإنه لم يستطع أن يحقق الأمن للصهاينة، ولا تزال العمليات الاستشهادية تضرب العمق الصهيوني رغم احتلال مدن الضفة الغربية كافة، والاقتحامات اليومية للمدن والقرى، فبلغت حصيلة قتلى الصهاينة قرابة (1000) قتيل وآلاف الجرحى.

 

 لقد ثبت فشل خيار شارون العسكري في فرض الهزيمة على الشعب الفلسطيني، بل إن الوعي بجدوى المقاومة قد تعزز وتكرس في الوعي والوجدان الفلسطيني، فاضطر شارون للبحث في خيارات أخرى، لعله يستطيع تحقيق ما لم يحقق بآلته العسكرية العاتية، وبدلاً من شعاراته "لا تفاوض تحت النار" و "لا مكافأة للإرهاب" ها هو ذا يستعد للهروب من قطاع غزة، تحت وطأة عمليات المقاومة، وإذا به يعلن ضمناً أن الجيش الصهيوني لن ينتصر في هذه المعركة، وأن عليه الهروب كما هرب سلفه باراك من الجنوب اللبناني.

 

أما على صعيد سياساته إزاء السلطة الفلسطينية وعرفات، فقد وصلت إلى فشل ذريع، فعرفات لا يزال يمسك بمراكز القرار السياسي والمالي  والأمني في السلطة، خاصة بعد استقالة أبو مازن وتعيين قريع بديلا له، وقد اسهم شارون بصورة مباشرة ومنهجية في إسقاط أبو مازن، بل إن سياسة محاصرة عرفات في مقره أسهمت هي الأخرى في المحافظة على ما تبقى من رمزية عرفات لدى الشارع الفلسطيني، كما فشل في تسويق رؤيته إزاء عرفات على الصعيد الدولي وخاصة لدى الأوروبيين، واضطر للتراجع عن قرارات حكومية بطرد عرفات ولم تعد المسألة مطروحة على جدول الأعمال الصهيوني، رغم استمرار العمليات الاستشهادية، الأمر الذي يعني هزيمة وفشلاً لشارون على صعيد شعار "إصلاح السلطة" كمدخل للحل والتسوية.

 

أما على صعيد الهجرة والاستيطان، فإن تراجعاً هائلاً اعتراها، حيث بلغت معدلات الهجرة اليهودية للعام 2003م حدها الأدنى منذ قيام الكيان الصهيوني، وفي المقابل تزايدت معدلات الهجرة المعاكسة، حيث هاجر 170 ألف صهيوني إلى الخارج في الشهرين الأول والثاني من عام 2004م هجرة عكسية لا سباب أمنية واقتصادية فرضتها المقاومة. فاضطر شارون للعودة إلى خيار تهجير يهود الفلاشا لتعويض النقص القائم، وهي شريحة غير مرغوب فيها، في مجتمع صهيوني ذي طابع غربي عنصري.

 

 وعلى صعيد شعاره "ارض "إسرائيل" الكاملة" و "تعليم أجيال اليهود حب الأرض" وشعاره " نتساريم مثل تل أبيب" فقد تلقت ضربة قوية فها هو شارون أبو الاستيطان يطرح إمكانية تفكيك مستوطنات وإخلاء أخرى، الأمر الذي يعتبر تراجعاً على صعيد أيديولوجيا اليمين الصهيوني، وعلى صعيد عقيدة شارون الشخصية، حتى لو افترضنا أنها اطروحات نظرية لن ترى النور في ارض الواقع، فإن شارون بذلك قد كسر إجماع اليمين الصهيوني إزاء دعم الاستيطان، ورفض التنازل عن أراضٍ للشعب الفلسطيني، أو قيام دولة فلسطينية غرب نهر الأردن "حسب قرار مركز الليكود مايو/ 2002م".

 

لقد استطاع شارون خلال ثلاث سنوات من الحكم أن يناور ويراوغ ويتهرب من أي استحقاق سياسي، واستطاع أن يزيد من معاناة الشعب الفلسطيني وان يضاعف من قوافل الشهداء، ويوسع السجون والمعتقلات، لكن برنامجه الأمني في الحقيقة وصل إلى طريق مسدود واصبح يدور في حلقة مفرغة، حيث فشل في إحداث أي اختراق جوهري لمصلحة الكيان الصهيوني، وغدا في مأزق سياسي وجنائي يصعب الخروج منه، كما فشل في استغلال التحول الاستراتيجي المحتمل في المنطقة بعد غزو العراق واحتلاله.

 

 هذا العجز عن المبادرة واقتناص الفرص والظروف المواتية،  أفسح المجال لليسار الصهيوني أن يحاول ملء الفراغ السياسي الناجم عن تردد شارون وشلل خياراته السياسية، فجاءت مبادرة جنيف، ومبادرة نسيبة – ايلون، ومبادرة حزب العمل، وغيرها من المبادرات لتضع شارون أمام حقيقة فشل سياساته، وضرورة أن يغير من مساره ولو على الصعيد اللفظي الإعلامي.

 

لقد اتسمت سياسات شارون واليمين الصهيوني بالسطحية وقصر النظر، ولا تزال ملامح هذه السياسة قائمة، فخطة الفصل الأحادي، والتي يحاول شارون تسويقها باعتبارها الحل السحري للمأزق الصهيوني لن تؤدي سوى إلى تعميق هذا المأزق، حتى وإن استطاع شارون إقناع أمريكا والعالم بخطته، فلن يتغير الواقع ما دام الشعب الفلسطيني يرفض صيغة الحل المفروض، بل إن من شأن تنفيذ خطة شارون للفصل وتفكيك بعض مستوطنات القطاع، أن تعزز الوعي والثقة بالمقاومة لدى الشعب الفلسطيني، الأمر الذي سيؤدي إلى استمرار المأزق الصهيوني في جوانبه الأمنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، كما يزيد من مأزق شارون الشخصي والسياسي إزاء حلفائه في الحكومة، وأعضاء حزبه والمستوطنين،  بما قد يؤدي إلى نهاية حياته السياسية بصورة أو بأخرى.

 

إن محاولة شارون لتعزيز الاستيطان في الضفة الغربية تحت شعار "الضفة مقابل غزة"، بهدف استرضاء اليمين الاستيطاني والخروج من المأزق القائم، وحفاظاً على ما تبقى من أيديولوجية الاستيطان، تكرار لذات الخطأ والوهم الذي وقع فيه مناحيم بيغن، حين تصور أن الانسحاب من سيناء وتفكيك مستوطناتها، سيؤدي إلى إطلاق يده في الضفة وغزة، معتبراً أن الشعب الفلسطيني سيقنع بحكم ذاتي للسكان دون الأرض، بما يتيح له الاحتفاظ بما يسمى أرض إسرائيل الكاملة.

 

ذات الوهم لدى الصهاينة لا يزال قائماً، بأن الشعب الفلسطيني لا ينتمي لأرضه، ولا تربطه بها عقيدة وتاريخ ووشائج يحول دون التنازل عنها، الأمر الذي يوهم الصهاينة أن بإمكانهم خداع هذا الشعب أو إجباره على التخلي عن أرضه بضغط الأمر الواقع، فلا يزال شارون واليمين يعلقون الآمال على إمكانية فرض صيغة الحل على الشعب الفلسطيني، رغم فشل كل المحاولات لتحقيق ذلك في الماضي، وحتمية فشلها في الحاضر والمستقبل، ولكنهم على ما يبدو يصرون على تكرار الفشل بمختلف الصور.

 

لن يحقق شارون بسياساته هذه سوى إزاحة مرحلية للمشكلات الداخلية، والاستحقاقات السياسية، وسيضطر في النهاية إلى الاعتراف بفشل سياساته، أمام تصميم وإرادة الشعب الفلسطيني على استمرار مقاومته ورفضه للاحتلال، مهما اختلفت صورته أو ضاقت مساحته، وسيجبر شارون والصهاينة عموماً على إدراك حقائق التاريخ والسنن الكونية التي تؤكد استحالة استمرار الاحتلال أو هزيمة شعب يسعى لنيل الحرية والاستقلال، ولن يحول دون ذلك تملص ومراوغة ومشاريع تكتيكية قصيرة النظر.

 

15/3/2004م