الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

في هذا القسم

 

 

عودة

 

 

صراع فتح... الخلفيات والدلالات

10/8/2004م

 

عادت صراعات وتناقضات السلطة وحركة "فتح" للظهور مجدداً، حاملة معها نذر فوضى, وصراع دموي، من الصعب قصر تفاعلاته وآثاره على صعيد فصيل واحد، إذ إن مآلات هذا الصراع ستنعكس حتماً على مجمل الساحة الفلسطينية. سواء لجهة الفوضى المصاحبة وآثارها المادية والمعنوية، أم لجهة التوجهات والسياسات التي ستعتمدها، والتحالفات التي ترتكز إليها، تلك الجهة الغالبة وتأثير ذلك على حركات المقاومة، والسلم الاجتماعي والسياسي الفلسطيني.

 

اندلعت شرارة الأحداث الأخيرة، باختطاف كتائب شهداء جنين، لقائد الشرطة الفلسطينية "غازي الجبالي"، وتوالت إثر ذلك عمليات الاختطاف والتي شملت بعض الأجانب والمسؤولين في السلطة، كما جرت سيطرة وإحراق للعديد من مراكز الأجهزة الأمنية، ورموز السلطة، في قطاع غزة.

 

ترافق مع ذلك سلسلة استقالات قدمها قادة الأجهزة الأمنية ورئيس وزراء السلطة "أبو علاء قريع"، وتم إجراء سلسلة من الإقالات والتعيينات لمسؤولي الأجهزة، الأمر الذي أثار تفاعلات، وردود فعل رافضة لحركة التدوير في المناصب بين قادة الأجهزة، وقد كان تعيين اللواء "موسى عرفات" قائداً للأمن الوطني في القطاع الأكثر إثارة جدلاً، وترتب على ذلك مزيد من الاضطرابات والمشاكل.

 

وما لبثت الأحداث أن انتقلت من قطاع غزة إلى بعض مدن الضفة الغربية، فقد استُهدف الوزير السابق "نبيل عمرو" في رام الله، وتم خطف أجانب وفلسطينيين في نابلس، وجرى إحراق مقر للاستخبارات وآخر للمحافظة في مدينة جنين، الأمر الذي يعمم الظاهرة ويعمق المأزق، ويشير إلى علاقة أكيدة بين الأحداث في الضفة والقطاع.

 

لقد بدا جلياً أن الأحداث في قطاع غزة، تقف خلفها أطراف في حركة فتح والسلطة، لتحقيق مطالب خاصة بها، وأخرى لأطراف خارجية لدى رئيس السلطة ياسر عرفات، وقد أخذت هذه الأطراف في بلورة تيار يقوده عملياً محمد دحلان، وأداته التنفيذية سمير المشهراوي ومجموعات الأمن الوقائي، ويغطيه سياسياً محمود عباس ونبيل عمرو، ويسانده تنظيمياً عبد العزيز شاهين وحسين الشيخ، مقابل معسكر عرفات، المتمثل في أعضاء مركزية فتح، ورؤساء الأجهزة الأمنية، ورغم ذلك فإن هذين المعسكرين في حالة تشكل واصطفاف دائمين، والولاءات فيهما متحركة ومتداخلة، ويصعب التنبؤ بها، فلعبة السلطة والمال لها قوانينها وفعلها الخاص في الساحة الفلسطينية، وبالأخص داخل السلطة وحركة فتح.

 

توقيت الأحداث:

عند استعراض مطالب الحارجين على عرفات، نجد أنها مطالب قديمة، فالفساد وغياب الديمقراطية في فتح والمنظمة، ليست وليدة اللحظة، بل ترافقت مع مسيرة الثورة والسلطة منذ نشأتها، وقد كان هؤلاء جزءاً من هذا السياق الفاسد الشمولي، وعملوا في إطاره بانسجام مع هذه المنظومة، فلماذا اختاروا هذا التوقيت بالذات؟

 

لقد اندلعت الأحداث بعد عاملين أساسيين هما:

1.  المطالبة المصرية عبر اللواء عمر سليمان، لعرفات بالتنازل عن سلطاته الأمنية بعد توحيد الأجهزة، وتسليمها إلى رئيس وزراء ووزير داخلية مفوض.      

2.    تصريحات رود لارسن في مجلس الأمن، حول فشل عرفات، وانفراط عقد السلطة.

 

وكما هو معلوم فإن مصير عرفات السياسي يتحدد بالعوامل الدولية والإقليمية والفلسطينية، فالعامل الأمريكي الصهيوني قد أعلن منذ سنوات حصار وعزل عرفات، وقد عبر بوش في خطابه الشهير (رؤية بوش) (6/2002م) عن هذا الاتجاه، بينما بقيت أوروبا والأمم المتحدة تتعامل مع عرفات باعتباره المشكلة والحل، فلما جاءت تصريحات لارسن الذي يمثل الأمين العام للأمم المتحدة، كان ذلك بمثابة رفع غطاء الأمم المتحدة عن عرفات، أما من الناحية الإقليمية فقد أشار الموقف المصري من عرفات إلى أنها ضاقت به ذرعاً، وأنها مستعدة للضغط عليه، وربما الإطاحة به، ريثما يتوفر البديل المناسب.

 

هذه المتغيرات الدولية والإقليمية، إضافة إلى حصار عرفات في رام الله، وعدم قدرته على التحرك في الضفة والقطاع، أشعر الخارجين عن عرفات بأن اللحظة السياسية والميدانية مواتية، لتوجيه ضربة قاضية لعرفات، تطيح به، أو على الأقل تضعفه، إلى الدرجة التي تتيح لهم تسلم زمام الأمور في السلطة، فانطلقوا في تحركهم المضاد له، متخذين من شعار الإصلاح عنواناً لهم، بهدف إكمال حلقة الحصار والإطباق داخلياً على عرفات، بالتنسيق والتناغم الكامل مع الأطراف الدولية والإقليمية، ولكن الأحداث أثبتت أن التوقيت جاء متسرعاً، فلا الساحة الفتحاوية ولا الشارع الفلسطيني مهيأ للانقلاب على عرفات والإطاحة به، خاصة وأن شبهات كثيرة تحيط بأجندة الطرف الآخر.

 

الأحداث وشعار الإصلاح:

رفع الخارجون عن عرفات شعار الإصلاح ومحاربة الفساد عنواناً لتحركهم، متهمين الوزراء والمحيطين بعرفات من أعضاء اللجنة المركزية، ورؤساء الأجهزة الأمنية بالفساد، بسوء الإدارة مالياً وسياسياً وأمنياً، الأمر الذي أدى إلى الحالة الراهنة في واقع السلطة، وحال دون تحقيق إنجازات سياسية، بل وتحطيم ما يعتقدون أنه إنجازات كانت قائمة.

 

لا يختلف اثنان في الساحة الفلسطينية حول وجود واستفحال الفساد في السلطة وفتح، بمختلف المستويات، فساد سياسي وأمني ومالي وأخلاقي، فساد طال به الأمد، وأصبح حالة عامة، قاعدة لا استثناء، على أساسها تم شراء الولاءات والاستزلام، وعبر آلياته تم شق تنظيمات وتوليد أخرى، وبذات الطريقة تم تأسيس سلطة ونظام سياسي.

 

إلا أن كل الحقائق والمعلومات تشير إلى أن هؤلاء المنادين بالإصلاح ومحاربة الفساد، ليسوا أقل إفساداً من فريق عرفات، فكلهم ذاك الرجل، والشعب الفلسطيني يعرف من سرق قوت الناس وطحينهم، واستبدله بطحين فاسد، كما يعرف الذين بنوا ثروات طائلة وقصوراً فاخرة، عن طريق الأتاوات على المعابر، وعبر قنوات الدعم السري للاستخبارات المعادية، فالأمر إذن ليس له علاقة بالشعار المعلن، بل إن ممارسات من قبيل شراء الذمم، وبالأخص مجموعات كتائب شهداء الأقصى، تمثل العمود الفقري للتحرك الجاري، فأي اختلاف في القيم والوسائل بين عرفات ودحلان، على صعيد الفساد والإفساد.

 

الأحداث والأجندة الخارجية:

لا يمكن عزل ما يجري داخل فتح والسلطة عن العوامل الخارجية، وبالأخص الإدارة الأمريكية وحكومة شارون، فقد اعتمدت الإدارة الأمريكية شروط شارون المتعلقة بإصلاح السلطة وعزل عرفات، باعتبارها المدخل إلى التسوية، ومنذ ذاك أصبح الإصلاح مدخلاً لإعادة صياغة الواقع الداخلي الفلسطيني للتوافق مع أجندة شارون، وغدت جهود المطالبين بالإصلاح تتجه لتوفير الظروف والاشتراطات التي حددها شارون في الشريك الفلسطيني، إذ إنه حينما أعلن عن عدم وجود شريك فلسطيني في التسوية، إنما قصد ذاك الشريك الذي يقبل بما يقبل به شارون، ويكيف المشروع الوطني حسب الأجندة الصهيونية.

 

إن الصراع القائم يدور في اتجاهين:

الأول: العودة بالسلطة إلى دورها الأمني:

فالصراع يدور حول مفهوم السلطة وأدوارها، بين المفهوم الصهيوني القائم على أنها أداة أمنية لضرب المقاومة، وتركيع الشعب الفلسطيني، والإسهام في هزيمة الوعي الفلسطيني، القائم على رفض المقاومة كنهج وممارسة في مواجهة الاحتلال، ومن ثم تصبح السلطة خط الدفاع الأول عن الاحتلال، وأداة تجميله الأكثر فعالية، والتي حولته إلى احتلال بالوكالة، يمارس الاحتلال ولا يدفع ثمنه السياسي أو الأمني أو الأخلاقي.

 

وبين مفهوم آخر للسلطة يراه عرفات وفريقه، بأنه مرحلة نحو التحول إلى دولة فلسطينية في حدود الرابع من حزيران 1967م، فهي جزء من المشروع الوطني القائم على التسوية والمرحلية، ولا مانع لدى هؤلاء من تقديم خدمات للاحتلال، ولكنها خدمات مدفوعة الثمن على صعيد استعادة الأرض وقضايا أخرى، وفي سبيل ذلك لا يتورع عرفات وفريقه من التقاطع مع الرؤية الصهيونية للسلطة، ولكن في سياق رؤية وهدف يسعى إليه، وفي ذات الوقت لابأس لديه أن يتناقض مع ذات الدور إذا لم يضمن وصوله إلى هدفه.

 

فريق دحلان لا يزال مخلصاً للرؤية الأولى، ومستعد للتماهي والتطابق معها، ومن هنا نجد التركيز المطلق من هذا الفريق، ومن يقف خلفه من أطراف دولية وإقليمية على الملف الأمني، وكأن المشروع الوطني الفلسطيني حسب رؤيته مختزل في أدوار أمنية يقوم بها لمصلحة هذا الطرف أو ذاك، الأمر الذي لا يخفيه أحد من هذه الأطراف، بل إن العدو والإدارة الأمريكية تتعاطى مع دحلان باعتباره الحصان الرابح، وفي سبيل ذلك تقدم له الخطط والأموال من المخابرات البريطانية والأمريكية، لتشكيل مليشيات وفرق الموت، ولشراء ذمم وأسلحة مجموعات هنا وهناك.

 

الثاني: السقف السياسي:

لا يختلف الطرفان في الارتكاز إلى خيار التسوية، فكلاهما يتفقان على سقف أراضي 1967م، باعتباره نهاية التطلعات، وذروة مطالب المشروع الوطني الفلسطيني، غير أن عرفات يبدو أكثر حرصاً للوصول لذلك السقف مع الاستعداد لتبادل أراضي، وصفقات معينة على صعيد القدس واللاجئين.

 

أما الطرف الآخر فيرى أن ما يعطيه الاحتلال هو قاعدة الحل السياسي، وأن نهج خذ وطالب، وعبر التفاوض فقط. هو الطريق الوحيد للوصول إلى سقف التسوية، وفي سبيل ذلك يبدي الاستعداد كاملاً، للتعاطي الإيجابي مع خطة شارون للفصل الأحادي، وربما كانت تلك التحركات تجري على قاعدة الاستعداد للانسحاب المحتمل من غزة، والاستعداد لتقديم الثمن المطلوب على الصعيد السياسي والأمني، باعتبار دحلان قادراً على توفير تلك البضاعة، ومن ثم فهو شريك صالح حسب رؤية شارون.

 

الأحداث ودعاوى الفوضى:

منذ اندلاع الأحداث الأخيرة، تزايدت الدعوات لوقف الفوضى، والانفلات الأمني، وبدأ الحديث يعود عن خطط أمنية لهذا الجهاز أو ذاك لوقف تلك الظواهر، بل إن اللقاءات الأمنية توالت، سواء لغرض نشر قوات الشرطة في الضفة، والمساومات حول تسليحها وانتشارها وما إلى ذلك من تفاصيل، كما جرت لقاءات بغرض معالجة صواريخ القسام، بعد الانسحاب من بيت حانون، وقد جرى لقاء على هذا الصعيد بين موسى عرفات ورئيس الشاباك الصهيوني آفي ديختر، كما كشف النقاب عن لقاءات بين دحلان ومسؤولين أمنيين صهاينة.

 

من الواضح أن أطرافاً في السلطة تسعى إلى استغلال الأحداث بهدف تمرير أجندتها الخاصة، وفق خطة تدريجية لإعادة هيبة السلطة في الشارع، وتمهيداً لاستهداف سلاح المقاومة في نهاية المطاف، تساوقاً مع رؤية شارون، واستحقاقات خارطة الطريق.

 

دعاوى فوضى السلاح والانفلات، تقفز عن حقيقة جلية هي أن الفوضى فقط داخل حزب السلطة وأجهزتها الأمنية، وأن شرائح الشعب الفلسطيني كافة رفضت الانجرار إليها أو التورط فيها، وأن سلاح المقاومة بقي نقياً، مستقيم الوجهة في صدر المحتل، وأن معظم الجماهير ترى في الصراع القائم، صراع سلطة ونفوذ. ليس للوطن فيه نصيب كبير، كما أن الجماهير تعي جيداً المحاولات لنقل الأزمة من فتح إلى فصائل المقاومة، بوسائل وطرق عدة.

 

إن أي توجه نحو وقف ما يسمى بالفوضى، فيجب أن يتوجه نحو صفوف فتح وأجهزة السلطة، قبل انتقاله إلى الشارع الفلسطيني، وأن يكون الهدف منها هو حماية الشعب الفلسطيني لا الاحتلال عبر دعوات الهدنة ووقف إطلاق  النار وما شابه.

 

ختامـاً:

لا يمكن عزل ما يجري داخل صفوف فتح والسلطة، عن حالة التناقض الداخلي في برنامجها، فقد حاولت قيادة فتح الجمع بين برنامج التسوية وممارسة المقاومة، وفي ظل تناقض البرنامجين، واختلاف وسائلهما وتكتيكاتهما، وقع الصراع بين البرنامجين داخل صفوف فتح والسلطة، فلا حل لمأزق فتح دون توحيد برنامجها، على أن يكون على أساس المقاومة لتعود فتح إلى أسس انطلاقها ودورها الوطني كحركة تحرر من الاحتلال.

 

وفي الإطار ذاته لا يمكن الجمع بين سلطة وطنية والاحتلال على الأرض ذاتها، فكلاهما نقيض الآخر، فإما أن تعبر تلك السلطة عن آمال وطموحات وأهداف المشروع الوطني، وإما أن تكون ملحقة بالاحتلال، كما لا يمكن الحديث عن إصلاح سياسي ومالي وأمني في ظل الاحتلال، فليس من مصلحته أن يقف على رأس السلطة أشخاص وطنيون، يتسمون بالنزاهة ونظافة اليد، فالمعلوم أن سلطات الاحتلال هي التي أشرفت على توزيع وكالات 600 شركة لصالح 350 شخصية في السلطة، لربط مصالح هؤلاء باستمرار الواقع القائم، وهؤلاء يحصدون الامتيازات الخاصة بالشخصيات المهمة وفقاً للمعايير التي يضعها الاحتلال وقادة أجهزته الأمنية، ولا يستطيع وزير أو عضو مجلس تشريعي التحرك أو التنقل دون موافقة ومباركة تلك الأجهزة، الأمر الذي يعني صعوبة الإصلاح في ظل الاحتلال، وأن خطوة للإصلاح الحقيقي الشامل لابد أن تقوم على زوال الاحتلال، وإعادة بناء الواقع السياسي الفلسطيني بعيداً عن إملاءات الاحتلال وشروطه.

 

السلطة وفتح تعيش أزمة هوية ودور، بين من يريد أن يلحقها بأجندة شارون السياسية، ومن يحاول المحافظة على ما تبقى من المشروع الوطني لفتح، بقيت تلك الأزمة لعقود أزمة نخبوية، بيد أنها تحولت مؤخراً إلى أزمة أفقية رأسية، تشمل مستويات قيادية وقاعدية، وإلى أن يتم حسم خيار فتح، الذي نأمل أن يكون باتجاه العودة إلى الجذور، فإن على كلا الطرفين وبالأخص مجموعة دحلان أن تكف عن العبث بمقدرات ومصير الوطن والقضية، ونشر فوضى لا يستفيد منها سوى الاحتلال،وأن يتم حسم الخلافات الفتحاوية وفقاً للأجندة الوطنية، وبالوسائل السلمية والحضارية.