الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

في هذا القسم

 

 

عودة

 

 

اغـتيـال الشـيـخ القـائــد ..

أهداف العدو .... وإشراقات الشهادة

30/3/2004م

 

فجعت جماهير شعبنا وأمتنا بجريمة اغتيال الشيخ القائد أحمد ياسين، بعد أدائه صلاة الفجر  في مسجد المجمع الإسلامي، القريب من منزله، وذلك صبيحة يوم الاثنين الموافق 22/3/2004م، حيث أطلقت طائرة صهيونية ثلاثة صواريخ مباشرة، إلى الشيخ الجليل، فارتفع إلى الرفيق الأعلى، ومعه ثمانية من أبناء شعبنا ومجاهديه الأبطال.

 

وقد أعلنت إذاعة العدو أن الإرهابي "شارون" رئيس وزراء العدو، أشرف شخصياً وبصورة مباشرة على تنفيذ الجريمة النكراء، وما لبث أن ظهر شارون بين وزرائه متبجحاً بما فعلت آلة قتله الهمجية، ضد الشيخ الجليل الأعزل، متباهياً يهنئ أجهزته الأمنية والعسكرية، بما اقترفت أياديهم السوداء الملطخة بالدماء الطاهرة الزكية.

 

توقـيت الجـريمة وأهـدافها

جاءت جريمة اغتيال الشيخ القائد رغم الحديث المتزايد حول "الانسحاب من قطاع غزة"، وفي ظل الجدل الحاد في أوساط اليمين الصهيوني حول الانسحاب، ما بين رافض ومتحفظ، فشل شارون في الحصول على موافقة العديد من أركان حزبه على الخطة، وعمد إلى محاولة الاستقواء بالموقف الأمريكي، لتعزيز فرص إقرارها في حال الحصول على الثمن السياسي والاقتصادي الذي يرجوه من الإدارة الأمريكية.

 

ورغم أن الإدارة الأمريكية لا تعارض انسحاباً صهيونياً من القطاع، إلا أنها غير مستعدة لدفع الثمن الذي يطلبه شارون، والذي يقضي باعتراف أمريكي بضم التجمعات الصهيونية الثلاثة (معاليم أدوميم، غوش عتصيون، أرئيل) إلى الكيان الصهيوني، واعتبار خط الرابع من حزيران 1967م، غير مقدس وقابل للتفاوض، ومؤخراً أضاف منافسه نتنياهو مطلباً آخر هو إسقاط حق العودة، الأمر الذي يعني إنهاء أية فرصة للتسوية السلمية في المستقبل.

 

ومما يزيد الصعوبات في مواجهة خطة شارون، تحفظ العديد من القيادات العسكرية والأمنية الصهيونية على الخطة أو بعض أجزائها، ومن جهة أخرى فإن شارون غارق في اتهامات وتحقيقات شرطية، قرر على إثرها مؤخراً النائب العام الصهيوني أن الأدلة المتوافرة عن تجاوزات شارون المالية ترقى إلى مستوى الاتهام بالفساد، ورفع توصية بتوجيه لائحة اتهام رسمية ضده، بانتظار اعتمادها من المستشار القضائي للحكومة، وحينها فإن شارون سيكون مضطراً إلى تقديم الاستقالة من رئاسة الحكومة.

 

كل ذلك وضع شارون في مأزق سياسي حاد، فهو لا يستطيع التقدم نحو تنفيذ خياره للفصل الأحادي، وفي الوقت ذاته يصعب عليه التراجع عنه، بعد أن أخذت مبادرته أبعاداً إقليمية ودولية.

 

ومما زاد من المأزق السياسي والشخصي لشارون، فشله الذريع على الصعيد الأمني والاقتصادي، وتفاقم الأزمات الاجتماعية في المجتمع الصهيوني، وقد توجت عملية "أسدود" الاستشهادية المشتركة بتاريخ 14/3/2004م، هذا الفشل وعمقت آثاره، خاصة وأن العملية وقعت في موقع استراتيجي حساس، إضافة لنجاح الاستشهاديين في الخروج من قطاع غزة المحكم الحصار والإغلاق، مما استفز أركان الكيان الصهيوني، ومجلس الوزراء الأمني المصغر، الذي انعقد لغاية الرد على العملية البطولية، وفيه تم تجديد وتفعيل القرار الإجرامي السابق باستهداف قادة الحركة وعلى رأسهم الشيخ المجاهد أحمد ياسين.

 

أما على الصعيد الفلسطيني فقد برز دور حماس السياسي، وحضورها الجماهيري، ونجاحها في طمأنة الساحة السياسية الفلسطينية، على وحدة الصف الوطني، في حال الانسحاب الصهيوني من غزة، وبذلك حالت الحركة دون ارتداد الانسحاب المحتمل، على الشعب الفلسطيني، وواصلت التأكيد على حق المقاومة وجدواها، باعتبار أي انسحاب إنما هو من نتاج الصمود والثبات على خيار وبرنامج المقاومة.

 

من خلال تقصّي الظروف والحيثيات التي اتخذ في ضوئها قرار الاغتيال، وفي ضوء فهم طبيعة الإرهابي شارون وسياسات حكومته الإجرامية يمكن استخلاص وتحديد أهداف ودوافع الجريمة النكراء بما يلي:

 

1-   التخفيف من وطأة هروبه من قطاع غزة:  وذلك بالولوغ في الدماء الفلسطينية، دونما تفريق بين قائد سياسي أو عسكري، ودون أن يرعوي عن استهداف الأطفال والنساء والشيوخ، عبر القيام باجتياحات متكررة هنا وهناك، كل ذلك للتغطية على هروبه المتوقع تحت ضربات وتأثير المقاومة، لئلا يكرر تجربة الهروب المهين من لبنان، والذي اعتبره الصهاينة مذلاً، أضعف من قوتهم وقدرتهم الردعية، وتعبيراً عن هذا الهدف ذكر "زئيف شيف" في (هآرتس 23/3/2004) (الرسالة الإسرائيلية، مثلما تبين من مداولات داخلية، هي منع وضع يمكن فيه لحماس أن تتباهى فيه بأن إسرائيل تنسحب من القطاع تحت ضغط عملياتها).

 

2-   محاولة إضعاف المقاومة: وذلك من خلال استهداف قيادتها السياسية والتاريخية، وعبر إرباك هياكلها التنظيمية، وإضعاف الروح المعنوية لقواعدها، ولغرض تمهيد الطريق أمام أطراف فلسطينية بعينها، لتعزيز قوتها ونفوذها على حساب المقاومة وحركاتها.

 

3-   محاولة تحقيق نصر وهمي: في ظل استمرار الصمود الفلسطيني، وفشل خيار شارون العسكري، وفي ظل عجزه عن إحراز نصر حقيقي في مواجهة الشعب الفلسطيني، خاصة بعد الاختراق النوعي الذي شكلته عملية أسدود الاستشهادية ودلالاتها السياسية الهامة، أراد شارون بهذا الاغتيال الآثم، أن يحقق نصراً وهمياً،  وبالرغم من خسة ونذالة العمل الجبان، حيث استهدف شيخاً قعيدًا أعزل ، بطائرات عسكرية، خرج شارون إلى زبانيته مهنئاً، الأمر الذي يؤكد مدى إفلاسهم، ووضاعة أهدافهم ووسائلهم.

 

4-   الرغبة في استعادة شعبيته كإرهابي: في خضم مأزق شارون في حزبه خصوصاً، وإزاء اليمين الصهيوني والمستوطنين عموماً، بسبب مشروعه للفصل الأحادي، والانسحاب من القطاع، أراد شارون أن يعيد إلى الأذهان، صورته اليمينية الإرهابية، و بذلك يستعيد بعض التوازن في ائتلافه الحاكم، وربما التساوق مع النزعة الإرهابية للمجتمع الصهيوني (أيد الاغتيال الآثم 61% من المجتمع الصهيوني).

 

كما تندرج الجريمة الصهيونية في سياق العقيدة الصهيونية الإرهابية، التي تتخذ من الاغتيالات وسيلة لتحقيق أهداف سياسية ومعنوية، فأصبحت جزءاً أساسياً في أدوات السياسة لمختلف الحكومات الصهيونية، كما تأتي في سياق الحرب المعلنة والمستمرة على الشعب الفلسطيني ومقاومته الباسلة، وعلى قادة ورموز هذا الشعب، بالأخص الحرب على حركة المقاومة الإسلامية "حماس" ورموزها السياسية والعسكرية، فقد أعلن وزير دفاع العدو "موفاز" حركة حماس عدواً استراتيجياً للكيان الصهيوني، ومن ثم فإن اغتيال الشيخ إنما هو استمرار لسياسة إجرامية طالت من قبل العديد من قادة الحركة ومؤسسيها.

 

غير أن اغتيال الشيخ – رغم انه كان متوقعاً - يعتبر ذروة الاستهداف، وتصعيداً تجاوز كل الحدود، بما يفتح الأبواب واسعة أمام تداعيات سياسية وميدانية كبيرة وخطيرة، وفجر ردود فعل شملت الشعب الفلسطيني والعالم العربي والإسلامي، بل شملت العالم بأسره حكومات وشعوباً ومؤسسات دولية، في سابقة يصعب تكرارها.

 

آثـار اغـتيال الشـيخ ونتائـجه

 

· إقرار وعزاء

يعتبر الشيخ أحمد ياسين قائداً ومؤسساً للعمل الإسلامي في فلسطين، استطاع أن يبني حركة أثرت أيما تأثير في الحياة الفلسطينية ولا تزال، على الصعيد الدعوي والاجتماعي وعلى الصعيد السياسي وعلى صعيد مقاومة الاحتلال الصهيوني، كما أنه رمز فلسطيني وعربي وإسلامي، استطاع أن يقهر العجز والاستكانة، ويقود مقاومة فاعلة ومؤثرة في مواجهة أعتى آلة حرب في المنطقة، واستطاع إدارة دفة الأمور في ساحة بالغة التعقيد على الصعيد الداخلي الفلسطيني وعلى الصعيدين الإقليمي والدولي.

 

يرمز الشيخ إلى الشعب الفلسطيني الأعزل في مواجهة الاحتلال الغاشم، فقد تحدى بإرادته وعزمه إجراءات الاحتلال وعدوانه، صموداً في السجون والمعتقلات، وصبراً وثباتاً على الثوابت والحقوق والمقدسات، واستعداداً للتضحية والفداء.

كما كان الشيخ رمز الوحدة الوطنية، يجمع ولا يفرق، صبر على ظلم ذوي القربى، ورفض أية مساومة على الدم الفلسطيني، فشكلت حكمته ورويته، ورؤيته الثاقبة، صمام الأمان لوحدة الشعب الفلسطيني، وخاصة في الظروف الصعبة والملمات، التي كانت تتطلب مواقف حكيمة عرف بها الشيخ الشهيد.

 

من أجل كل هذا وغيره مما يطول استعراضه، فإن غياب الوجود الجسدي للشيخ بين أبنائه وإخوانه وجماهير الشعب الفلسطيني، يعتبر خسارة فادحة لا يمكن تعويضها، أو سد الفراغ الناجم عنها، بيد أن بعض العزاء يكمن في أن حضوره سيستمر ويتواصل فكراً وروحاً وممارسةً، في وجدان ووعي أبناء المقاومة وجموع الشعب الفلسطيني.

 

· على صعيد أهداف العدو

ربما حقق شارون شيئاً من أهدافه باغتيال الشيخ القائد أحمد ياسين، فقد فقدت الساحة الفلسطينية قائداً ومعلماً حكيماً، لابد أن يترك غيابه فراغاً كبيراً، وربما استطاع أن يرمم شيئاً من صورته الإرهابية الدموية، وأن يحافظ على ائتلافه الحكومي مؤقتاً، وربما استطاع أن يؤسس لمخرج من ورطته السياسية المتعلقة بالانسحاب من غزة، عبر خلق ظروف ميدانية وسياسية يمكن أن تتيح له التهرب من تنفيذ ما كان قد اقترحه بنفسه.

 

وربما استطاع شارون إشباع رغبته في سفك الدماء والانتقام، من حركة حماس عبر اغتيال قائدها ومؤسسها، كما حاول أن يعزل المقاومة وقادتها عن الجماهير، عبر إعلانه استهداف الحركة بصورة أساسية، وكأن المعركة خاصة بين حماس والعدو، أو يضطر تلك القيادة لعزل نفسها عن شعبها خشية على ذاتها.

 

وإذا بالجماهير تلتحم مع المقاومة وقيادة المقاومة، وتبايعها في مختلف ميادين وساحات الوطن وخارجه، هذه المبايعة تجاوزت الشعب الفلسطيني إلى الجماهير العربية والإسلامية، وإذا باستشهاد الشيخ يصبح فتحاً جديداً، استمراراً لفتوحات حياته الجليلة المليئة بالبذل والعطاء والإنجاز، وإذا بالشيخ يرتقي إلى الله تاركاً خلفه مئات الآلاف من تلاميذه ومناصريه ، وقد بنى بناءً قوياً شامخاً ثابتاً متطوراً بكل المقاييس، غادر الدنيا بعد أن أشاد صرحاً من المجاهدين والمخلصين، وهو الذي بدأ دعوته بثلة مؤمنة لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة، وإذا بالهدف الصهيوني لإضعاف المقاومة وحماس، ينقلب إلى عزة وقوة ومنعة للمقاومة وتعزيزاً لنهجها وبرنامجها، لقد توهم شارون أن غياب الشيخ قد يؤدي إلى شق صف الحركة أو إضعافه، وإذا بها تزداد وحدة ومنعة وتراصاً وتكاتفاً وإصراراً على التمسك بالبرنامج .

 

لقد ادعى شارون وموفاز وشالوم وغيرهم أن عملية الاغتيال تأتي في سياق محاربة الإرهاب، ومحاولة توفير الأمن للصهاينة، ولضرب قيادة المقاومة وإضعافها، لتعيد التفكير في برنامجها، وتدفعها للتراجع عنه، وإذا بالسحر ينقلب على الساحر، وإذا بالحركة قيادة وقواعد  تعلن تحديها لعصابة القتل الصهيوني، وإصرارها على المقاومة خياراً وبرنامجاً ونهجاً.

 

وبالمقابل إذا بالمجتمع الصهيوني يهجر الأماكن العامة ووسائل المواصلات، وإذا بالشوارع تخلو من المارة، وأصبح الرعب سيد الموقف الصهيوني، فازدادوا فقداناً للأمن أكثر مما كانوا عليه، وسيظلون يشعرون بهذا الرعب القاتل بانتظار الرد القادم حتماً بإذن الله، حتى أنهم أنفسهم لا يرتابون أبداً في أنه قادم، بل إن معظم كتاب الرأي في الصحف الصهيونية، انتقدوا الجريمة نظراً لانعكاساتها الحتمية المدمرة على الواقع الأمني والاقتصادي والاجتماعي والنفسي في المجتمع الصهيوني، فأي أمن حقق شارون بجريمته البشعة، لقد تبخر خلال دقائق أثر انتصاره الوهمي وحل محله الرعب الهائل من الرد المتوقع انتقاماً لدماء الشيخ الشهيد، أما المقاومة التي يصمها بالإرهاب فقد  أصبحت أكثر مشروعية على الصعيد الفلسطيني والعربي والإسلامي والدولي.

 

· على صعيد المقاومة وحماس

إن الدور المحوري المهم ، والمكانة العظيمة، والرمزية الفائقة التي تمتع به الشيخ حتى لحظة استشهاده، كان لها دور مركزي هام وفاعل على صعيد الحركة وقيادة المجتمع الفلسطيني، غير أن الحركة سعت ومنذ اللحظة الأولى لجريمة الاغتيال إلى محاولة ملء جانب من الفراغ الناجم عن الفقد العظيم، فتم وعبر تنفيذ لوائحها الداخلية، إعلان د.الرنتيسي قائداً للحركة في قطاع غزة، بصفته نائب الشيخ الشهيد في حياته ، وبذلك لم تسمح الحركة بحدوث أي فراغ قيادي إثر اغتيال الشيخ الشهيد، وقد تمت مبايعة القائد الجديد للحركة في القطاع في ملعب اليرموك بغزة، وتم الإعلان الرسمي عن مباركة المكتب السياسي لهذا الاختيار الشرعي والقانوني للدكتور المجاهد عبد العزيز الرنتيسي.

 

لقد قلّصت الطبيعة المؤسسية والشورية الجماعية لحركة حماس الكثير من سلبيات استشهاد الشيخ ، حيث أن آليات القرار تتم بطريقة تضبط المسار وسياسات الحركة، وفقاً لمصلحة الشعب الفلسطيني وحقوقه المشروعة، يعزز ذلك منظومة من القيم الأساسية الإسلامية والتنظيمية الراسخة، التي تكرس وحدة الحركة وتزيد بناءها قوة وصلابة، وخاصة عند المنعطفات السياسية الحادة.

 

وعلى صعيد آخر اكتسبت حماس وبرنامجها السياسي المقاوم، المزيد من المساندة والتأييد من الشعب الفلسطيني، والأمة العربية والإسلامية، فقد شهدت مختلف الساحات تفاعلاً كبيراً، وفعاليات كثيرة، سياسية وجماهيرية، في وقت كان قد ضعف فيه صوت الجماهير والشعوب العربية، رغم العدوان المستمر على فلسطين والعراق. فجاءت جريمة الاغتيال لتعيد الحياة لحركة الجماهير  وتفاعلها مع القضية الفلسطينية وحق المقاومة وحركة حماس.

 

هذا التفاعل يؤكد التفاف الجماهير حول الحركة والمقاومة، بما يزيد من تكريس شرعية المقاومة وحركاتها حيث إن استهداف الشيخ المجاهد إنما هو محاولة لاستهداف المقاومة التي كان أحد أهم رموزها ، استهداف لنموذج العزة والإباء والكرامة التي كان الشيخ عنوانها وتجسيدها في فلسطين والعالم العربي والإسلامي، وهذا ما يفسر التحرك الجماهيري في كل مكان يتواجد فيه عرب ومسلمون، تعبيراً عن عقل جمعي واع لمكانة ورمزية الشيخ في الأمة، وبذلك فشل العدو في تسويق طرحه وتبريره لعملية الاغتيال، وفشل في الربط بين الشيخ وحماس وما يسمى بالإرهاب الدولي، وتعبيراً عن هذا الموقف أدانت معظم دول العالم جريمة الاغتيال، بما في ذلك دول أوروبية مؤثرة، ووصلت القضية إلى مجلس الأمن الدولي، ورغم أن الإدارة الأمريكية أجهضت قراراً بإدانة العدو الصهيوني، فإن مجمل المواقف الدولية أكدت صراحة أو ضمناً على مشروعية وحق المقاومة ضد الاحتلال، وعلى التفريق بين الإرهاب والمقاومة، الأمر الذي يزيد من قوة ومشروعية برنامج الحركة، وجهاد الشعب الفلسطيني.

 

لقد فاضت دماء الشيخ الشهيد ببركتها، لتشمل الواقع الفلسطيني بمجمله، فعززت الوحدة الوطنية، وشكلت حماية من محاولات البعض تفجير الساحة الفلسطينية، ومحاولة آخرين تقديم مزيد من التنازلات على صعيد حقوق شعبنا في مؤتمر القمة العربية، بل تجاوز ذلك إلى تأجيل فرض العقوبات الأمريكية على سوريا، وأعادت توحيد مشاعر الأمة حول المقاومة والقضية الفلسطينية، من إندونيسيا حتى موريتانيا، رغم الانقسامات والخلافات حول الكثير من القضايا.

 

ختاماً

لقد نسي أو تناسى هؤلاء القتلة أن المقاومة تحتضنها وتحميها الجماهير، وأن رحيل القادة واصطفاءهم للشهادة، يزيدهم رمزية وإلهاماً، يشكل لشعبنا وامتنا وقضيتنا قوة ودفعاً للأمام، ويبرز للأمة جمعاء رموزاً للعزة والكرامة تبقى خالدة في الأذهان والوجدان، تستلهم منهم المزيد من أسباب وعوامل النهوض والممانعة في مواجهة أعدائها والمتربصين بها.

 

أرادوا أن يقتلوا رمزاً ويحيدوا أثره في الشعب والأمة، فاكتملت باستشهاده  الرمزية الكبرى في أبهى صورها، وأرقى معانيها، وإذا بالأمة جمعاء تبايع النهج والنموذج الذي مثله لها الشيخ الشهيد، لقد أرادوا أن يضعفوا شعبنا والمقاومة، فإذا بها تستمد من مداد دمه قوة ومنعة وزاداً للاستمرار في هذا الطريق الطويل نحو التحرير الشامل.

 

لقد أثبتت الأحداث أن الحركة والقيادة التي تلتحم بشعبها، وتبذل في سبيل قضيته وحقوقه ما وسعها البذل، فإن الجماهير تبادلها بذلاً ببذل وعطاءً بعطاء، حباً ووفاءً واقتداءً، لقد كان الشيخ أنموذجاً فريداً، في عطائه وزهده، والتحامه بهموم شعبه بكل شرائحه، فكان للجماهير القائد والموجه، وللشرائح الضعيفة السند والملاذ، وللمجاهدين الملهم والموجه الحكيم، الناظم للمسيرة،  الضابط لإيقاع الأداء والمسار، صاحب الرؤية الثاقبة التي تدرجت بالحركة من إعادة الإحياء والدعوة، إلى البناء والتكوين، وصولاً إلى الثورة والجهاد والمقاومة، فكانت الشهادة مطلباً ومسعى وأمنية، واصطفاء ربانياً مستحقاً، لقائد رباني، أكمل بدمه الطاهر المسفوك ظلماً على تراب الوطن، مسيرة عطاء وبذل وعرق، مسيرة تشهد عليها فلسطين بمساجدها ومؤسساتها وسجونها، أثمرت دعوة وصحوة، وجهاداً ممتداً على مدى الزمن وفضاءات الوطن، لقد تم تغييب الشيخ الشهيد من بين ظهراني أبنائه وإخوانه وشعبه، لكنه باق فينا ما بقينا، وما بقيت في فلسطين آيات الله تتلى في بيوت الله بفضله تعالى ثم بفضل عطائه، باق ما بقي لشعبنا ارض وقضية.