الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

في هذا القسم

 

 

عودة

 

 

مستقبل شارون وخطة "فك الارتباط" بعد الانسحاب من قطاع غزة

 

5/9/2005م

 

 

بدأ الاحتلال بالرحيل تباعاً بعد مكوث استمر لـ 38 عاماً.. ففكك قواعده وثكناته العسكرية وهدم مستوطناته المبنية على أرض مسلوبة مغتصبة.

أربعة عقود مضت عاشها الفلسطينيون في غزة، مليئة برائحة الموت، والقتل، والتشريد، والحصار، والاعتقال، وهدم البيوت على رؤوس أصحابها.. إنها صورة وجه الاحتلال التي رسمها بدباباته الفتاكة وطائراته الحربية.

إنه رحيل لجيش قيل عنه أنه لا يقهر!، ورحيل لاحتلال عرف أنه إحلالي يقلع السكان من أرضهم ويحل مكانهم!

 

فلماذا الانسحاب الذي بدا أنه "طوعي"!، وما الذي غير قناعات قادة صهاينة عرفوا بصلابة عقيدتهم الاستيطانية!. وهم الذين قالوا من قبل: إن مستوطنة نتساريم في غزة بمكانة تل ابيب في دولة "إسرائيل".

 

البعض اعتبر أن انسحاب شارون هزيمة أمام المقاومة الفلسطينية المنتصرة، وآخرون رأوا أن انسحاب شارون من غزة تكتيكي، أراد منه ذر الرماد في العيون ليتسنى له ضم الضفة الغربية وتهويد القدس في غفلة من الرأي العام المنشغل بالانسحاب من غزة، وذلك كمن يصطاد السمكة الكبيرة بسمكة صغيرة معلقة في سنارته.

 

لكن التفسير الأدق، الجمع بين الرأيين، بين واقع فرض على الاحتلال، وتكتيك أراده شارون: فرئيس الوزراء شارون منذ أن اعتلى رئاسة الحكومة الصهيونية عام 2002، بذل كل ما في وسعه لوقف المقاومة الفلسطينية، وثني الشعب الفلسطيني عن عزمه التخلص من الاحتلال، فقام بحملات عسكرية صخمة ومتتالية في الضفة وغزة، كـ "حملة المائة يوم" التي وعد فيها شعبه بالقضاء على الانتفاضة في مائة يوم، وكـ "حملة السور الواقي"..

ولكنه عندما أيقن أن لا قدرة له بذلك، وأن استمرار صمود الشعب الفلسطيني واستمرار مقاومته أصبح يهدد استقرار دولة الاحتلال ومستقبلها، أدرك أنه لا بد من الانسحاب، فأعلن في مؤتمر هرتسيليا الخامس الذي عقد ما بين 13، 18كانون الأول/ ديسمبر 2004، عزمه الانفصال عن الفلسطينيين في الضفة وغزة، ومن ثم أعلن خطته "فك الارتباط" من طرف واحد.

 

إذن السبب الرئيسي في جعل شارون يفكر ويقدم على فك المستوطنات والانسحاب هو المقاومة والصمود البطولي المعجز للشعب الفلسطيني حتى وإن بدا وخطط وعمل للإلتفاف حول هزيمته وتحويلها إلى تكتيك في المعركة لضم أجزاء كبيرة من الضفة الغربية وتهويد القدس مقابل الانسحاب من غزة الذي ما زال لم يكتمل..

وعند حساب المعركة بالنقاط، فإن الشعب الفلسطيني ومقاومته حققت نصراً في الجولة الأولى..، والأيام القادمة ستشهد جولة جديدة في معركة الصراع الوجودي الطويل ساحتها الضفة الغربية.

 

 

"فك الارتباط" عن الضفة الغربية:

المرحلة الثانية من خطة فك الارتباط الأحادي الجانب تقع على أرض الضفة الغربية بما فيها مدينة القدس، وهي مرحلة قد بدأت قبل عامين ولم تنته بعد. فشارون يسارع في إحداث الوقائع على الأرض تهيئة لإعلانه الانفصال عن الضفة، ومن هذه الوقائع:

· استكمال جدار الفصل الذي سيضم قرابة 40% من أرض الضفة الغربية ـ التي لا تضم كثافة سكانية ـ إلى فلسطين عام 1948 (الكيان المحتل) بما فيها مدينة القدس التي شرع الاحتلال منذ عدة أشهر في بناء الجدار حولها لضمها ولعزل السكان الفلسطينين عنها لتصبح القدس ذات أغلبية يهودية.

 

· تعزيز الاستيطان، وتوسيع المجمعات الاستيطانية الكبيرة في الضفة والتي تقع حسب مخطط شارون غرب الجدار تمهيداً لضمها كـ "جبعات زئيفي"، و"معاليه أدوميم"..، في مقابل تفكيك المستوطنات الصغيرة شرق الجدار والمتناثرة بين المدن الفلسطينية

 

ويهدف شارون من وراء تلك الوقائع تحقيق عدة أهداف منها:

· رسم الحدود السياسية الفاصلة بين الكيان المحتل والفلسطينيين بإسقاطها على الجدار الفاصل.

 

· تحميل السلطة الفلسطينية المسؤولية السياسية عن حفظ أمن الحدود للاحتلال التي يرسمها الجدار.

 

· عزل الكثافة السكانية الفلسطينية عن الكيان المحتل وبالتالي الحفاظ على الطابع اليهودي للدولة.

 

· نقل المسؤولية عن إدارة شؤون الفلسطينيين في الضفة وغزة إلى السلطة الفلسطينية.

 

والمقصود إظهار الكيان المحتل بدعم أمريكي على أنه أنجز ما عليه ـ كسلطة احتلال ـ من التزامات قانونية دولية تجاه الفلسطينيين.. كالادعاء بأن "إسرائيل" انسحبت من أراض محتلة منذ العام 1967 حسب التفسير الإنجليزي للقرار 242.

أما قضية اللاجئين، فيمكن لمئات الآلاف منهم العودة إلى الضفة وغزة تنفيذاً للقرار 194، والآخرون من اللاجئين الذين يمثلون أغلبية سكانية فلسطينية يسعى الاحتلال بضغط أمريكي لتوطينهم في الدول العربية والأجنبية كإستحقاق للـ"انسحاب" الصهيوني من غزة وأجزاء من الضفة.

 

مستقبل شارون وخطة "فك الارتباط":

لا شك أن شارون كرئيس للوزراء ارتبط مستقبله السياسي بخطة فك الارتباط التى آمن بها، كما أن الخطة انعقد تنفيذها بمستقبل شارون السياسي كرئيس للوزراء.

فهل سيفلح شارون في إنفاذ خطته وإنقاذ مستقبله السياسي الذي أصبح في خطر بعدما استقال وزير ماليته "بنيامين نتانياهو" من الحكومة، وأعلن ترشيح نفسه لرئاسة الليكود ومن ثم لرئاسة الوزراء على قاعدة معارضة خطة فك الارتباط من طرف واحد؟

 

سيتحدد مسار شارون السياسي، في السادس والعشرين من أيلول/سبتمبر من هذا العام عندما يصوت أعضاء مركز حزب الليكود على اقتراح بعقد الانتخابات الحزبية لاختيار رئيس للحزب.

فإذا صوت أعضاء المركز بالرفض، عندها يمكن لشارون الاستمرار في رئاسة الحزب والحكومة حتى تشرين الثاني/ نوفمبر 2006.

أما إذا تم التصويت بالموافقة على الاقتراح، فسيصبح شارون أمام خيارات عدة:

إما البقاء في الحزب ومنافسة نتانياهو على رئاسة الليكود في نهاية تشرين الثاني/ نوفمبر 2005.

أو ترك "الليكود" وتشكيل حزب آخر، وخوض المعركة الانتخابية المبكرة للبرلمان الصهيوني.

الخيار الثالث، ترك حزب الليكود واعتزال الحياة السياسية.

 

فإن مني شارون بالخسارة أمام نتانياهو من داخل الحزب أو خارجه، فإن خطة فك الارتباط ستجمد أو يتوقف تنفيذها من طرف واحد، لأن نتانياهو يريد تنفيذها من خلال اتفاق سياسي مع الطرف الفلسطيني، مما يعني العودة إلى دوامة المفاوضات، والحلقة المفرغة والشروط الأمنية المسبقة..

أما إذا ربح شارون المعركة مع نتانياهو، فإن ذلك سيعطيه الأمان في رئاسة الوزراء، ومن ثم التمكن من إنفاذ خطته "فك الارتباط" في الضفة الغربية.

 

هل تطبيق شارون لخطة "فك الارتباط" يضمن له تحقيق أهدافه:

الهدف المركزي لدى شارون يتمثل في التخلص أو الهروب من المقاومة الفلسطينية خلف جدار سياسي (حدود) تضمن الأمن للكيان المحتل.

ومن المشكوك فيه أن يتحقق له ذلك، لأن هناك العديد من العوامل والمسوغات الموضوعية التي تساعد على استمرار المقاومة وانتفاضة الشعب الفلسطيني رغم ارتفاع الجدار الاسمنتي إلى 8 أمتار، وبالتالي فشل أهداف شارون بالمحصلة النهائية.

ومن العوامل الباعثة على استمرار المقاومة، وعدم نجاح شارون في مخططه:

· أن الانسحاب أحادي الجانب غير ملزم سياسياً للطرف الفلسطيني.

 

· الانسحاب حسب خطة فك الارتباط لا يلبي الحد الأدنى الذي ارتضى به أركان السلطة الفلسطينية (حدود الـ 67)، فكيف إذا أخذنا بعين الاعتبار قناعات الحركات الإسلامية والوطنية التي تمثل أغلبية فلسطينية رافضة للتنازل عن أي شبر من فلسطين.

 

· تهويد وضم القدس، الذي يعتبر من أكثر المسائل حساسية لدى الفلسطينيين وعامة العرب والمسلمين. والعبرة تؤخذ من انتفاضة الأقصى التي حركها تدنيس شارون للمسجد الأقصى بزيارته له في أيلول/سبتمبر 2000م.

 

· حرص شارون على التحكم في المناطق التي يريد إخلائها، كالسيطرة على الجو، والبحر والمعابر البرية، مما يعني سيادة ناقصة، و"حرية" مقيدة من الاحتلال. وهذا الذي يجري لحد الآن في غزة، حيث يرفض شارون تشغيل مطار غزة الدولي، كما يرفض الموافقة على بناء الرصيف البحري، بالإضافة إلى الإصرار على تواجد الاحتلال على معبر رفح الحدودي مع مصر.

 

· انسحاب الاحتلال من المناطق والمدن ذات الكثافة السكانية بعد مصادرته لمعظم الأراضي الخصبة والزراعية، مما يعني خنق الفلسطينيين اقتصادياً، الأمر الذي سيزيد الاحتقان على الاحتلال وليس العكس.

 

· تجاهل شارون وخطته لحق العودة للاجئين الفلسطينيين، الذين يمثلون أغلبية سكانية فلسطينية يشكل عامل احتقان وانفجار آخر في وجه الاحتلال في أكثر من موقع جغرافي في الداخل أو الشتات.

 

إذن خطة فك الارتباط قد ينجح شارون في إنفاذها على الأرض بحكم الواقع المفروض بالقوة، لكن من المؤكد أنها لن توفر الأمن والاستقرار للاحتلال. فشارون بخطته يحاول عبثاً وقف سيل جارف بوضع أكياس من التراب في الطريق.

فجدار الفصل في الضفة الغربية أو الأسلاك الشائكة التي يعتزم شارون إقامتها حول قطاع غزة بعد إتمام الانسحاب، قد يعيق في لحظة ما تقدم المقاومة هنا أو هناك، ولكن من المستحيل أن يوقفها طالما أن هناك احتلال يجثم على أرض وصدر الفلسطينيين، ويصادر الحقوق المشروعة، ويحيل حياة الشعب الفلسطيني إلى جحيم لا يطاق.

ويبقى السؤال: ما هو أهمية ومصير جدار الفصل العنصري (العمود الفقري لخطة فك الارتباط) إذا انطلق صاروخ "قسامي" من جنين وسقط على تل ابيب بالقرب من وزارة الدفاع الصهيونية؟.