الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

في هذا القسم

 

 

عودة

 

 

التحليل السياسي

 

دلالات فوز "حماس".. والتحدي القادم

 

مثلت التجربة الفلسطينية في الانتخابات التشريعية في الخامس والعشرين من كانون الثاني/ يناير 2006، نموذجاً ديمقراطياً فريداً في المنطقة العربية. فقد شارك فيها نحو 77% ممن يحق لهم الاقتراع بدرجة عالية من الانضباط والسلاسة والشفافية والنزاهة بشهادة دولية عبرت عن تقديرها وإعجابها بهذه التجربة.

 

فالشعب الفلسطيني رغم ما يعانيه من احتلال، وأوضاع اقتصادية صعبة، ورغم وفرة السلاح وتباين البرامج الانتخابية، إلا أنه لم يقع ما يخل بهذه المسيرة الديمقراطية التي جسدت انعطافة في التاريخ الفلسطيني، سيما وأن هذه الانتخابات قد صعدت حركة المقاومة الإسلامية "حماس" إلى سدة الحكم والسلطة التي كان يراد لها أن تكون على الدوام إفرازاً لواقع عربي وفلسطيني ضعيف ومهزوم خاضع لسقف سياسي تمليه القوى الدولية والاحتلال الصهيوني.

 

ولكن الاقدار سارت بخلاف ما تم رسمه والتخطيط له. فعبّر الشعب الفلسطيني عن رأيه واختار بحرية وصدق مع النفس رغم كل التهديد والوعيد بمنع المساعدات الاقتصادية إن هو انحاز إلى خيار المقاومة، فكانت الدهشة على وجوه الجميع من شجاعة وصلابة الإرادة الفلسطينية التي لم تهتز للمهددين والمتوعدين، فاختار نهج وبرنامج المقاومة بحسم وأغلبية أربكت المتشدقين بالديمقراطية فاندفعوا إلى ردات فعل غلبت عليها الحيرة والتناقض والتخبط أحياناً.

 

فهؤلاء زعموا تأييدهم للديمقراطية ولكنهم أرادوها خدمة لتوجهاتهم ومصالحهم التي تتساوق مع الاحتلال وأهدافه. لذلك لم يسعهم أن يقبلوا نتائج الانتخابات وصعود حركة "حماس" التي ترفض "السلام" المزعوم المبني على الهزيمة والتفريط بالحق الفلسطيني.

 

دلالات فوز حركة "حماس" في الانتخابات التشريعية

 

بحكم تداخل القضية الفلسطينية مع القضايا العربية والقومية، وتأثرها وتأثيرها في المحيط الإقليمي والدولي، فإن الانتخابات الفلسطينية لها مدلولاً يمتد إلى عمق المنطقة، ويلامس بشكل ما السياسة الدولية التي تتشابك مع القضية الفلسطينية بكونها قضية الشرق الأوسط الأولى منذ مطلع القرن العشرين، وفي هذا الصدد يمكن رصد عدة دلالات هامة مستنتجة على هامش الانتخابات الفلسطينية على النحو التالي:

 

o       أن الشعب الفلسطيني يتمتع بوعي ونضج سياسي إلى درجة أثارت الدهشة في نفوس ووعي المراقبين والأطراف المعنية:

ومنبع هذا التقدير، أن الشعب الفلسطيني خرج بمعظمه (نحو 77% ممن يحق له التصويت) إلى صناديق الاقتراع بمظهر حضاري راقي ليعبر عن رأيه، رغم كل ما يعانيه من آثار الاحتلال الجاثم على صدره، ورغم الفقر والعوز المادي، والشاهد أن نسبة المقترعين هذه إنما دلالة على مدى حكمة هذا الشعب وإيمانه بحرية الرأي والتعبير، وإيمانه بالوسائل السلمية الديمقراطية كوسيلة للحكم وتداول السلطة دون اقتتال أو نزاع هذا من جانب، ومن جانب آخر فانه قد أثبت للعالم أنه شعب واع وقادر على إدارة شؤونه بنفسه في أرقى صورة، وأنه جدير بالاستقلال والحرية وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة.

 

o       الدلالة الأخرى التي بعثت بها الانتخابات الفلسطينية مفادها أن السلاح الفلسطيني ليس سلاحاً إرهابيا كما يدعي بعض أوصياء السياسة الدولية، وليس بسلاح للفوضى كما يحاول أن يغمز بعض الفلسطينيين خدمة لأهداف ضيقة مبتورة:

فها هو الشعب الذي يحمل السلاح بكثافة يثبت أن السلاح موجه للاحتلال دون الساحة الداخلية، وأنه يعي هدفه رغم محاولات الاستفزاز والتشويه، والإرباك التي مارسها أصحاب الأجندات الخاصة. وأنه لن يحتكم إلى السلاح في حل الخلافات الداخلية رغم اختلاف الرؤى والبرامج السياسية، وفي ذلك مفخرة لهذا الشعب الفلسطيني العظيم الذي يحتكم إلى صناديق الاقتراع لبناء بيته ومؤسساته الوطنية في الوقت الذي يمارس فيه أرقى صور المقاومة للاحتلال الصهيوني.

 

o       تقدم نهج وبرنامج المقاومة، وتراجع برنامج التسوية السياسية:

فما أفرزته صناديق الاقتراع من فوز لحركة "حماس" رائدة المقاومة مع كل المجاهدين من أبناء شعبنا الفلسطيني، ونيلها ثقته بمنحها قرابة الـ 60% من مقاعد المجلس التشريعي، إنما هو شاهد على نجاح المقاومة وانحياز الشعب الفلسطيني لها.  ففي الوقت الذي فشلت فيه الأطراف الفلسطينية الأخرى المتبنية لخيار التسوية - رغم الدعم الدولي والإقليمي لها ورغم إعطائها أكثر من فرصة كالتهدئة ـ من الحصول على أي مكسب سياسي أو تحقيق أي مطلب فلسطيني وبالتالي انسداد الأفق السياسي التسووي. استطاعت المقاومة الفلسطينية دفع الاحتلال عن قطاع غزة وإرغامه على الانسحاب وتفكيك كامل مستوطناته الاثنتين والعشرين، وتفكيك عدد من المستوطنات في شمال الضفة الغربية دون قيد أو شرط ودون تقديم أي تنازل أو التزام سياسي، الأمر الذي عد نصراً فلسطينياً بامتياز في زمن الضعف والانكسار العربي والإسلامي. وهي المرة الأولى في تاريخ القضية الفلسطينية التي يتراجع فيها الاحتلال عن جزء من أرض فلسطين التاريخية، في إشارة إلى بدء تراجع المشروع الصهيوني الاستيطاني أمام مشروع المقاومة الفلسطينية.

o       إن فوز حماس في هذه الانتخابات وبهذا التفويض الكبير، إنما يعزز خيار المقاومة والصمود والممانعة في المنطقة العربية في وجه الهيمنة الصهيوأمريكية:

فالكل يدرك أن زمن التراجع والضعف بدأ يتوقف ويتحول في الاتجاه الآخر، في اتجاه الصمود والتمكين لإرادة شعوب هذه المنطقة التواقة إلى العزة والريادة والحرية. ففوز "حماس" هو امتداد لأفق عربي وإسلامي ينادي بوقف التغول الصهيوأمريكي على المنطقة وشعوبها، واستعادة دور الأمة الطبيعي بين الأمم. فبالقرب من فلسطين تقدمت حركة الإخوان المسلمين في مصر في الانتخابات البرلمانية وفازت بـ 88 مقعداً نيابياً رغم كل محاولات التزوير والبلطجة والتخويف والاعتقال. وبالقرب من فلسطين يقف شعب لبنان ومقاومته التي دحرت الاحتلال الصهيوني عن أرض الجنوب، وبالقرب من فلسطين تقف سوريا حصناً مانعاً رافضاً للإملاءات الأمريكية، رغم الحصار والتهديد والتآمر الدولي. وبالقرب من فلسطين يتمرغ أنف القوات الأمريكية ـ امبرطورية العصر الحديث ـ في وحل نهري دجلة والفرات على يد المقاومة العراقية، وعلى امتداد الأفق نشاهد الرفض الإيراني لاملاءات واشنطن وتهديدات الكيان الصهيوني المحتل. إذن فوز "حماس" هو تعزيز للخط المقاوم في المنطقة وتعزيز لمنعة الأمة في وجه أعدائها وتعزيز للجغرافية السياسية المناهضة لمشروع الاحتلال في المشرق وعلى امتداد الوطن العربي.

o       فشل الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها في تدجين شعب فلسطين وشعوب المنطقة:

 فرغم كل المحاولات التي بذلت من قبل واشنطن بالتهديد لتجويع الفلسطينيين إن هم انحازوا للمقاومة، وعلى رغم دعمهم مادياً وإعلاميا لأطراف أخرى يمكن أن تتساوق مع سياساتهم إلا أنهم باؤوا بالفشل الذريع، بل ازدادت صورتهم تشوها بعد أن انكشفت حقيقة أمرهم عندما رفضوا نتائج الانتخابات الفلسطينية النزيهة، ورفضوا إرادة الشعب الفلسطيني التي تجسدت عبر صناديق الاقتراع، أي أنهم يقبلون بالانتخابات ونتائجها إذا تماهت مع مصالحهم فقط، أما إذا خالفت إرادتهم فإنهم يرفضونها ويحاصرونها اقتصادياً وسياسياً، وذلك ما حدث عندما أصروا على اعتبار "حماس" حركة "إرهابية" رغم شرعيتها الوطنية، وهددوا بقطع المساعدات الاقتصادية، وحرضوا دول العالم على اتخاذ ذات الموقف. ومرد هذا الفشل الأمريكي نابع من عدم صدق ومصداقية واشنطن، وكيلها بمكيالين فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية وتطبيق الشرعية الدولية التي يرفض الاحتلال تنفيذها، كما يرفض الالتزام باستحقاقات أي اتفاق سياسي وقعه مع السلطة الفلسطينية بقيادة حركة "فتح". هذا بالإضافة لما تقترفه القوات الأمريكية من فظائع وجرائم إنسانية بحق الشعب العراقي والأفغاني وكافة شعوب العالم المخالف للسياسة الأمريكية بحجة محاربة "الإرهاب".

o       تعزيز حرية الرأي والتعبير والاحتكام إلى صناديق الاقتراع في المنطقة العربية:

فمما لاشك فيه أن الشعوب العربية مصابة بالركود السياسي إلى حد ما، وعازفة عن المشاركة السياسية حتى في الدول التي تتبنى الانتخابات، ففي مصر لم تتجاوز المشاركة في انتخابات مجلس الشعب 25%، وفي لبنان كانت المشاركة في الانتخابات البرلمانية قرابة 30%، وذلك نتيجة الإحباط واليأس من التغيير المطلوب، ولتعرض الانتخابات في كثير من الأحيان للتزوير والتحريف. ولكن الانتخابات في فلسطين بنزاهتها وشفافيتها ستمنح شعوب المنطقة جرعة من الأمل في التغيير وتحرك فيهم مشاعر المسؤولية الوطنية والقومية خاصة وأنهم شعوب تعيش في كنف أنظمة وطنية مقارنة بالشعب الفلسطيني الذي يعاني من الاحتلال وسوءاته.

 

التحديات القادمة

 

أحب البعض أن يسمي نتائج الانتخابات التشريعية الفلسطينية بالزلزال أو بالتسونامي الأخضر، في إشارة إلى قوة التغيير الحاصل على الساحة الفلسطينية، والانعطافة التاريخية في القضية الفلسطينية وتوجهات الشعب الفلسطيني الذي حسم خياره باتجاه المقاومة، وتكليف حركة المقاومة الإسلامية "حماس" بتحمل المسؤولية الوطنية بعد تقدم برنامجها، وفشل التجربة التسووية التي استمرت قرابة خمسة عشرة عاماً وآلت بالفشل وانغلاق الأفق السياسي المصاحب للفساد الإداري والمالي..

ومع أن الثقة التي حازت عليها حركة "حماس" هي أغلبية مطلقة تخولها لتشكيل حكومة ذات لون واحد تتمتع بأغلبية نيابية، الأمر الذي قد يوحي بسهولة إدارة الشأن الفلسطيني على حركة "حماس"، إلا أن معطيات الواقع الإقليمي والدولي تنذر بوجود تحديات كبيرة قد تعترض مسار الحركة التي عليها أن تحسن التعامل معها حتى تستطيع أن تفي بالتزاماتها الوطنية التي قطعتها على نفسها من خلال برنامجها الانتخابي ومسيرتها الجهادية خلال عشرين سنة مضت. ومن التحديات التي تعترض مسار حركة "حماس":

 

- الابتزاز المالي والاعتراف بالاحتلال:

قبل أن تبدأ الانتخابات التشريعية الفلسطينية هددت الولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي الشعب الفلسطيني بوقف كامل المساعدات الاقتصادية عنه،  إضافة إلى تهديد الاحتلال بوقف تحويل أموال الضرائب عن السلطة الفلسطينية إذا انتخب الفلسطينيون حركة "حماس"، وبعد أن أعطى الشعب الفلسطيني الصوت بأغلبية مطلقة للحركة، ازدادت وتيرة الضغط من الأطراف الثلاثة المذكورة، حتى أن البرلمان الأوروبي بتاريخ 1/ 2/ 2006 صادق على سياسة الاتحاد الأوروبي من المعونات للشعب الفلسطيني بوضعها تحت اشتراط الاعتراف بـ "إسرائيل"..

كما تجمع أطراف الرباعية على ضرورة التزام حركة "حماس" بشروط ثلاث مقابل الدعم المادي، وهي: الاعتراف بـ"إسرائيل" رغم أن الاحتلال لا يعترف بحقوق الشعب الفلسطيني ويرفض التزام القرارات الدولية. أما الشرط الآخر فهو اعتراف "حماس" بكل الاتفاقات السياسية الموقعة مع "إسرائيل"، رغم أن الاحتلال لا يلتزم بها ويسعى للحل أحادي الجانب. هذا بالإضافة إلى الطلب من الحركة بإلقاء السلاح المقاوم، رغم أن الاحتلال ما زال ينكل بالفلسطينيين ويمارس كل أشكال العنف ضدهم. وكل ذلك غاية ابتزاز "حماس" ودفعها للتخلي عن برنامجها الذي انتخبها الشعب الفلسطيني على أساسه، ومن ثم إلحاق الحركة بقطار التسوية الوهمي، وإلا فالتهديد بالحرمان والحصار الاقتصادي والتجويع، وإفشال تجربة "حماس" في الحكم.

وهنا لا بد من الإشارة إلى أن واشنطن والاتحاد الأوروبي، إضافة إلى الاحتلال قد لا يذهبون بعيداً في مسألة الحصار الاقتصادي، رغم التهديد المتكرر، لأن الحصار ووقف المساعدات كلياً سيؤدي إلى تحميل الأطراف المانحة مسؤولية النتائج، لأنها تعاقب الشعب الفلسطيني على خياره الديمقراطي، بالإضافة إلى أن ذلك قد يؤدي إلى انفراط عقد السلطة ومؤسساتها بسبب الحصار، وبالتالي التحول الكامل للشعب الفلسطيني إلى المقاومة المسلحة الشاملة ضد الاحتلال وبدورة أعنف مما سبق، وهذا خيار ليس مرغوباً من الأطراف المانحة والاحتلال، وعليه فمن الراجح أنهم سيلعبون سياسة حافة الهاوية مع حركة "حماس".

ومع ذلك، يمكن لـ "حماس" أن تلتف وتتغلب على التهديد بقطع المساعدات من خلال البحث عن البدائل العربية والإسلامية. فعلى المستوى الرسمي لا يمكن للدول العربية أن تتخلى عن دعم الشعب الفلسطيني ـ رغم أنها تتأثر بالسياسة والضغوط الأمريكية في المنطقة بشكل عام ـ لأن التخلي عن الفلسطينيين في هذا الوقت بالذات يحرج الحكومات العربية ويضعها في مأزق أمام شعوبها ويعرض مصداقيتها وشرعيتها للخدش والتساؤل. هذا إضافة إلى أن العديد من الدول العربية والإسلامية تحترم تجربة حركة "حماس" المقاومة وشفافيتها ونزاهتها ونظافة يد أبنائها، وما يعزز خيار الدعم العربي والإسلامي أن "حماس" أصبحت تحظى بالشرعية، وأن الدعم هو لمؤسسات السلطة والشعب الفلسطيني وليس لـ "حماس" كحركة.

أما على المستوى الشعبي فيمكن العمل على تنشيط النصرة بالمال لسد جزء من الاحتياجات، خاصة وأن تجربة "حماس" مع الدعم الشعبي تجربة عريقة وناجحة باطراد.

وبالتالي على حماس أن تسعى لحشد الدعم العربي والإسلامي البديل، إضافة إلى حسن إدارة المال والشأن العام بشفافية ونزاهة، مع محاربة الفساد، الأمر الذي يمكن أن يفشل الحصار وينجح تجربة "حماس" كسلطة مقاومة، ويعزز خيار الشعب الفلسطيني دون الاعتراف بالاحتلال.

 

- إدارة الشأن الفلسطيني الداخلي:

يعترض حركة "حماس" على مستوى الحكم في الضفة والقطاع مجموعة من التحديات المحلية التي قد تشكل معوقاً لتنفيذ مفردات البرنامج الانتخابي للحركة، ومن هذه التحديات المحلية:

o       رئاسة السلطة الفلسطينية التي ما زالت تتمسك بخيار التسوية كخيار استراتيجي يتيم، وما تمثله الرئاسة من ثقل وصلاحيات على مستوى السلطة التنفيذية وإدارتها لنصف الأجهزة الأمنية، مع الإشارة إلى المحاولات في أخر جلسة للمجلس التشريعي قبل عدة أيام لتوسيع صلاحيات الرئيس الفلسطيني على حساب السلطة التشريعية والتنفيذية..

o       التعامل مع الأجهزة الأمنية المحسوبة في معظمها على حركة "فتح" بسبب سياسة التوظيف القديمة التي كانت لا تنسب إلا عناصر "فتح" ومن في حكمهم إلى تلك الأجهزة، وبالتالي قد يلجأ البعض إلى سياسة التحريض في القطاعات الأمنية ضد سياسة الحكومة برئاسة "حماس"

o       محاربة الفساد المالي والإداري المستشري في مؤسسات السلطة الفلسطينية.

 

وكان لحركة "حماس" أن أدركت مبكراً هذه التحديات، فعمدت إلى خطاب مسؤول طمأن الجميع بأن الحركة لن تفصل أو تعزل أحداً في الأجهزة الأمنية وأنها معنية بالإصلاح ومحاربة الفساد الذي هو مسؤولية كل فلسطيني شريف، الأمر الذي أشاع أجواء من الارتياح، وقطع الطريق أمام المروجين.

هذا بالإضافة إلى دعوتها كافة الفصائل المنضوية تحت قبة البرلمان الفلسطيني للمشاركة في تشكيل حكومة وحدة وطنية على قاعدة الاتفاق الوطني المشترك المرتكز على المصلحة الوطنية العامة تعزيزاً لخيار المشاركة وإنهاء حالة التفرد.

وإضافة لهذه المواقف، فعلى الحركة التحلي بالمسؤولية الوطنية العالية كما عهدها الشعب الفلسطيني وأن توسع صدرها لكل المعارضين السياسيين واستيعابهم دون ضيق أو استفزاز، وأن تعزز خيار الحوار مع الجميع حفاظاً على الوحدة الوطنية. وخاصة مع رئاسة السلطة المتمثلة بشخص السيد أبو مازن، وللحركة تجربة جيدة ومثمرة معه خلال رئاسته الراهنة وخلال توليه رئاسة الوزراء في عهد الرئيس عرفات عندما التزمت الحركة بهدنة لإتاحة المجال له للحراك السياسي.

وعلى الحركة أن تشكل حكومة مشفوع لها بالكفاءة والنزاهة تضم خيرة أبناء الشعب الفلسطيني بعيداً عن الاحتكار السياسي، لتتمكن من محاربة الفساد والإصلاح التدريجي في كل القطاعات..

 

- إعادة ترتيب وبناء البيت الفلسطيني:

لا زالت مهمة إعادة ترتيب البيت الفلسطيني لم تكتمل بعد، ومع نجاح "حماس" في الانتخابات التشريعية واستعدادها لتشكيل الحكومة المقبلة في الضفة والقطاع، تصبح المسؤولية كبيرة على الحركة لتقوم بدور مركزي في هذا الاتجاه، خاصة وأنه أصبح معقود عليها تفعيل دور الشتات الفلسطيني لأنها الحركة الأكبر والمتمسكة بحق العودة وتحقيق الحلم الفلسطيني في التحرير.

فالقضية الفلسطينية لا تحلق إلا بجناحي الداخل والخارج، ومن حق الشعب الفلسطيني في الشتات أن يستعيد دوره في مسيرة التحرير كما كان له دور مميز في عقود خلت.

ومن هنا لا بد من السعي بقوة في هذا الاتجاه بموازاة الإصلاح والتغيير في الداخل حتى تتجسد الحالة الفلسطينية الوطنية في أوفى صورها. ومما يساعد في هذا الاتجاه:

o       اتفاق القاهرة الموقع في آذار/ مارس 2005 من قبل جميع الفصائل الفلسطينية، الداعي لإعادة بناء م.ت. ف على أسس جديدة.

o       فوز "حماس" بمعظم مقاعد التشريعي، وإقدامها على تشكيل الحكومة سيعزز خيار إعادة بناء المنظمة لدى حركة "فتح" ويحفزها للعب دور سياسي بارز من خلال منظمة التحرير، مقابل دور "حماس" الراهن في مؤسسات السلطة الفلسطينية. وفي ذلك فرصة لاجتماع كافة الطيف السياسي الفلسطيني في إطار جامع موحد وديمقراطي، يلتقي فيه الفلسطينيون على أسس وثوابت سياسية واضحة مجمع عليها، ويسعون في آليات وبرامج تخدم التوجه السياسي العام والمصلحة الفلسطينية نحو تحرير الأرض من الاحتلال.

 

لا شك أن حركة "حماس" والشعب الفلسطيني، يقف على أعتاب مرحلة جديدة حبلى بالتحديات خاصة بعد شبه الإجماع الفلسطيني على خيار برنامج المقاومة، مقابل شبه إجماع غربي (أمريكي ـ أوروبي) على معاداة المقاومة وكل من يتصدى لها. ولكن إرهاصات المرحلة ومدخلاتها الإقليمية والدولية تشير إلى بداية تراجع المشروع الأمريكي في منطقتنا العربية بعد انكشافه في أكثر من قطر عربي وخاصة العراق، ومع ازدياد النشاط الروسي في منطقة الشرق الأوسط ومبادرة موسكو دعوة قادة "حماس" لزيارتها إضافة إلى العديد من الدول العربية والإسلامية والأجنبية منذ الأيام الأولى التي أعلنت فيها نتائج الانتخابات الأمر الذي يشير إلى إمكانية كسر الحلقة والسوار الأمريكي ـ الصهيوني.

وتجارب التاريخ والواقع الفلسطيني الراهن أثبت أن الأقدار مع الشعوب المنتصرة لحقها، وما انسحاب الاحتلال من غزة رغم الدعم الغربي والصمت العربي الرسمي إلا خير شاهد على بداية انتصار إرادة الشعب الفلسطيني المقاوم والمطالب بحقه دون كلل أو ملل.