الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

عودة

كتب وإصدارات

 

 

  

الهجمة الأمريكية على الشرق الأوسط

 

 

 

مركز أبحاث المستقبل

نوفمبر / 2005

 

مقدمة:

تتسابق الأحداث في المنطقة وتسجيل رقما قياسياً بالمقارنة مع مناطق أخرى في العالم، كذلك يزداد عدد الأطراف الدولية والإقليمية المشتركة أو المؤثرة في سير الأمور، ذلك لأن هذه الأطراف لها مصالح حيوية واستراتيجية في المنطقة لابد من الحفاظ عليها – فمن إيران وقضية البرنامج النووي وإمكانية إيران صنع قنبلة نووية، ومن العراق والمأزق الأمريكي البريطاني بفضل المقاومة العراقية السنية، إلى سوريا وقضية اغتيال الحريري وتسلل المجاهدين العرب عبر الحدود مع العراق، إلى لبنان وفتح ملف سلاح حزب الله والمخيمات ، وأخيراً فلسطين المحتلة واستمرار العدوان الصهيوني على الأرض والشعب الفلسطيني ومطالبة الأطراف الدولية السلطة بمواجهة فصائل المقاومة.

غير أن الأهم في الفترة الأخيرة هو الهجمة الأمريكية على المنطقة والاستغلال الفاضح لاغتيال الحريري وفتح ملفات قديمة تكاد تكون في طي النسيان مثل سلاح المخيمات الفلسطينية وسلاح حزب الله، والهجمة على البرنامج النووي الإيراني والتهديد بعزل النظام السوري ومن ثم إسقاطه، ولكن ما الهدف من هذه الهجمة وما علاقة العدو الصهيوني بذلك، هذا ما سنناقشه في هذه الدراسة.

 

لفهم مجرى الأحداث في المنطقة والطريقة التي تسير بها لابد من إدراك طبيعة التدخلات الدولية والمصالح التي تنطلق منها لتدخلها في المنطقة خاصة الولايات المتحدة الأمريكية والتي دخلت المنطقة بقوة بعد الحرب العالمية الثانية لترث الإمبراطورية البريطانية المتداعية في ذلك الوقت في وقت ينبأ صناع القرار في الإدارة الأمريكية بأهمية المنطقة الاستراتيجية ودورها الواعد في التحكم في مستقبل النمو الاقتصادي ليس للولايات المتحدة فقط وإنما للعالم أجمع، حيث بدأت الاكتشافات النفطية مبكراً في بداية القرن العشرين لتبين الثورة الهائلة المدفونة تحت الأرض المطلة على  الخليج العربي.

 

وتتطلع السياسة الأمريكية إلى الاستفراد بالحكم بشؤون العالم والوقوف في وجه قوى منافسة مستقبلية حتى لو كانت من بين حلفائها، لذلك عمدت إلى التحكم بالمخزون النفطي الذي يشكل العصب الرئيسي لاقتصاديات العالم والدول الصناعية على  وجه التحديد. وهذا يعني ربط منطقة الخليج والمحيطة بها استراتيجياً واقتصادياً كمركز إقليمي في شبكة المصالح القومية للولايات المتحدة ونظراً لأهمية المنطقة القصوى لحلفاء الولايات المتحدة كسوق استهلاكية ضخمة ومخزن كبير لجمع السلاح بالإضافة إلى منبع النفط فإن واشنطن تشارك بعض الأطراف في إدارة المنطقة مثل بريطانيا والتي هي تابع للسياسة الأمريكية في المنطقة  وهي بحاجة إلى دعم هؤلاء الحلفاء سياسياً ومالياً وحتى عسكرياً لتحقيق مصالحها في هذه المنطقة بجميع الوسائل الممكنة ولهذا تعتمد واشنطن على استراتيجية الشراكة مع الكبار في المدى القصير لترسيخ مبادئ سياستها الخارجية طويلة الأمد ، وفي نفس الوقت إزاحة التواجد الأوروبي والياباني تدريجياً من منطقة الخليج. (1)

 

أما بالنسبة لدولة العدو إسرائيل والتي لها ارتباط مباشر وغير مباشر بما يحدث في المنطقة فقد اعتمدت المصالح الأمريكية خلال النصف الثاني من القرن العشرين في المنطقة على ثلاث منطلقات رئيسية حتى تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر عام 2001م ويمكن تلخيصها في تقرير أصدره مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن عام 1996م حول تحديات السياسة الخارجية الأمريكية، وجاء في التقرير أن الشرق الأوسط يأتي على قمة المصالح الحيوية الأمريكية وحدد هذه المصالح على النحو التالي:

 

1. الحفاظ على السلام والاستقرار في الخليج العربي وتوفير موارد النفط والغاز للتصدير.

 

2. ضمان بقاء إسرائيل كدولة مستقلة.

 

3. ضمان امن مصر والعربية السعودية والأردن.

 

4. إعداد ردود منسقة وأكثر فعالية على الإرهاب النابع من الشرق الأوسط. (2)

 

أما السياسة الأمريكية في بداية القرن الواحد والعشرين لم تطرأ عليها تغيرات جوهرية لأن مصالح الولايات المتحدة في المنطقة لم تتغير والتي تتركز حول منابع النفط، لكن الجديد هو عمليات الحادي عشر من سبتمبر، فقد خرج من هذه المنطقة تسعة عشر استشهادياً لضرب رمز الهيبة والقوة الأمريكية في سابقة لم تحدث في تاريخ الولايات المتحدة، مما أضاف عنصراً استراتيجياً جديد في السياسة الأمريكية الخارجية المتمثل في التهديد (التطرفي أو الإرهاب) الإسلامي كما تسميه الولايات المتحدة.

وقد عبر معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى عن رؤية الإدارة للمنطقة في تقريره بعنوان ركائز الاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط لعام 2005م.

فبالإضافة إلى:

- تأمين منابع النفط في الخليج العربي.

- والحفاظ على أمن دولة إسرائيل.

فإن التقرير يتحدث عن أمور أخرى:

1. تحديد إستراتيجية شاملة لشن حرب أيديولوجية ضد التطرف الإسلامي.

2. تسريع عملية تدريب قوات أمن عراقية جديدة وتمرينها، بينما تقوم ببناء هيكلية حكومة عراقية حرة وتمثيلية.

3. وضع سياسة بشأن برنامج إيران النووي بالتنسيق مع القوات الأوروبية ومجلس الأمن.

4. العمل على تغيير سياسي وأمني فلسطيني. (3)

 

لذلك في إطار هذه الاستراتيجية الأمريكية اتجاه المنطقة ورؤيتها لها ، فإنها ترى أنها مسئولة عن حماية منابع النفط في الشرق الأوسط ومتأهبة لصد أي تدخل سياسي أو عسكري يحاول السيطرة عليها ، وهي معنية بالأنظمة القبلية الحاكمة في دول الخليج ، ومعنية أكثر بالحفاظ عليها وعدم تركها لأي طامع من دول الجوار.

كذلك ربما أن دولة العدو طرحت نفسها للولايات المتحدة والغرب بشكل عام أنها دولة وظيفية تستهدف الدفاع عن مصالح الغرب بشكل عام والولايات المتحدة بشكل خاص، عبر تقسيم المنطقة وعزل مصر عن الشرق العربي والإسلامي وردع كل من يفكر بتهديد المصالح الغربية، لذلك أصبح امن دولة العدو ووجودها ركيزة أساسية في السياسة الأمريكية الخارجية، مما يحتم دعمها عسكريا وسياسيا لتبقى الدولة الأولى في المنطقة، وان من يهددها أو يعارض سلوكها يلقى مواجهة العصا الغليظة الأمريكية.

ومن هذا المنطلق يمكن فهم السلوك الأمريكي الصهيوني ومن دار في فلكهما اتجاه كل من سوريا وإيران وحزب الله والفصائل الفلسطينية في لبنان ، وحركة حماس والفصائل الأخرى في فلسطين ، والتي تشكل هذه الأطراف بالإضافة إلى المقاومة العراقية منطقة الهلال الذي يرفض الهيمنة الأمريكية الصهيونية على المنطقة ، وقد لا تتفق هذه الأطراف حول سبب معارضتها للسياسة الأمريكية غير أنها في النهاية تشكل حائط وستار يحول دون استكمال المخططات الأمريكية الصهيونية الهادفة إلى تطويع المنطقة وتركيعها وجعلها مستباحة لمصالح أمريكا وإسرائيل.

 

أولاً: سوريا:

تعتبر سوريا غير مرغوب فيها  كقوة غير خاضعة لنظام الولايات المتحدة  في منطقة الشرق الأوسط, ورغم تحالفاتها السابقة مع ولاية بوش الأب في حربه ضد النظام العراقي في حرب الخليج الثانية والتي عرفت بتحرير الكويت. إلا أن تطور العلاقات العربية والتعنت السوري في عملية السلام بالمفهوم الأمريكي جعلها في مواجهة المخطط الصهيوأمريكي والذي يهدف لخلق  جغرافيا جديدة تتقبل الوجود الصهيوني كامر واقع ومرحب به.

 

وهناك أسباب عديدة لدخول سوريا في الاستهداف الأمريكي عبر السنوات الماضية  أهمها:

1- الموقف السوري المعارض  لعجلة التطبيع العربي الإسرائيلي والذي تمثل في اتفاقات أوسلو والعقبة. وكان رائده  السلطة الفلسطينية والنظام الأردني.

2-  الدعم السوري الكبير للمقاومة اللبنانية وما حققه حزب الله من إنجازات جسدت باندحار العدو الصهيوني من جنوب لبنان.

3- فتح  الأبواب السورية لفصائل المقاومة الفلسطينية. خصوصا بعدما ضيق عليهم النظام الأردني وطرد قادة حماس في عام 1999م .

4- اتهام سوريا بإعاقة أي تقدم على المسار اللبناني في عملية السلام. لما تتمتع به من  سيطرة  قوية على مراكز القوى اللبنانية قبل مقتل الحريري.

5- التعاون الاستراتيجي مع إيران والذي يقلق العدو الصهيوني. وما لإيران من عداء منذ الثورة مع الولايات المتحدة

فسوريا منذ انتهاء الحرب الخليج الثانية بدأت  كعقبة في وجه  السلام  مع الكيان الصهيوني مما اثر سلبا على  المشروع الأمريكي في المنطقة.

 

وفي السنوات القليلة الماضية ظهرت عوامل جديدة أسرعت من استهداف الولايات المتحدة لنظام السوري. وهي :

العامل الأول : اقتراب الولايات المتحدة من سوريا باحتلالها العراق  وعدم رضاها عن التعاطي السوري مع هذا الاحتلال. باتهامها بعدم التعاطي الجيد والمقبول.

العامل الثاني: رغبة اليمين الديني والمحافظين الجدد في أميركا في استخدام ثقلهم الكبير في البيت الأبيض، لإحداث تغييرات في الشرق الأوسط تخدم المصالح الأميركية والإسرائيلية، حتى لو اقتضى ذلك أحياناً استخدام وسائل وأساليب أكثر قوة وعنفاً.(4)

 

العامل الثالث: الترتيبات الصهيونية والأمريكية الجديدة في القضية الفلسطينية. ومحاولة تسويق خطة الفصل الشارونية. والضغط على فصائل المقاومة وسوريا  لقبول بالمطالب الإسرائيلية (  بالتنازل عن الجولان , اللاجئين والقدس)

هذه العوامل  عملت لتسريع الوتيرة لاستهداف سوريا. والتضييق عليها, مع الاعتقاد السائد اليوم لدى الكثير من الخبراء وصناع القرار الأمريكي أن النظام السوري ضعيف ومنهك ويسهل الضغط عليه. وأن الرئيس الشاب غير مسيطر بما يكفي على  القرار السوري.

وهذه تعتبره إدارة القرار في الولايات المتحدة وإسرائيل أنه الوقت المناسب لتخفيف من العبء السوري في المنطقة أمام الأطماع الصهيوأمريكية. " أن هناك محور شر جديد تمثله سوريا وإيران وحزب الله وحماس والجهاد الإسلامي، وأن "سوريا هي الجائزة Syria is the prize"، حيث إن الضغط عليها سهل، وأنه إذا ما تم قلب الأوضاع فيها فإن هذا المحور سينكسر. " (5)

 

فالنظام السوري اليوم في مفترق طرق صعب تلهث فيه الإدارة الأمريكية والفرنسية أمريكي لفرض عقوبات دولية على سوريا  وتستغل نتائج تقرير ميلتس لتضيق الخناق  حيث  يلقي مقتل الحرير سخط المجتمع الدولي والعربي واللبناني. وكان أول نتائج مقتل الحريري خروج سوريا من لبنان وتطبيق قرار 1959م, وأصبح التضييق أمرا تصاعديا, وان قدمت سوريا يد العون لكل الجهات الدولية فلن يقنع الإدارة الأمريكية غير التسليم الكامل ورفع يد سوريا عن احتضان الفصائل الفلسطينية واللبنانية المقاومة. وتوجيه الجيش السوري حيث الحدود العراقية لحماية الاحتلال الأمريكي من أي تسلل يعكر صفو  العمليات العسكرية الأمريكية في العراق.

 

 الولايات المتحدة تضع في أجندتها بعض الأهداف للتغيير في سوريا.

 

الهدف الأول: إضعاف الجدار المقاوم في المنطقة والمتمثل في سوريا وحزب الله  وحماس.

الهدف الثاني: التقدم خطوة  جوهرية ومهمة في الطريق لمحاصرة والتضييق على إيران مما يؤدي  لاتخاذ إجراءات جديدة للقضاء على التوسع النووي الإيراني.

الهدف الثالث: تقوية النفوذ الإسرائيلي في المنطقة والتخلص من عقبة سياسية في مقابل التوغل السياسي الإسرائيلي في الشرق الأوسط.

 والمؤشرات المتغيرة تعطي دلالة أن العقوبات أصبحت جاهزة وتنتظر التقرير النهائي لمليس. والذي سيكون أكثر سلبية. ولهذا كان خطاب الرئيس بشار الأسد  الأخير جاء لشراء الوقت بعدما أصبح الوقت يداهمه.  

واعتبره البعض تحدياً والآخر ذهب إلى أنه إعلان حرب. إلا أن خطاب واحد لا يعني شيء. فهذه الضائقة تحتاج إلى إجراءات وانفراجات واسعة في  السياسة السورية.

 

فماذا تملك سوريا للمواجهة؟ وللإجابة على هذا السؤال علينا إلقاء الضوء على الواقع السوري المعاصر من جوانب مختلفة

أولاً: الجانب العسكري:

" تعتبر سوريا قوة إقليمية متوسطة الحجم تملك إمكانيات تقليدية معقولة واستراتيجية عسكرية حاذقة. صحيح أن سوريا لا تملك قدرات عسكرية تضاهي ما يملكه أعداءها في إسرائيل وتركيا كما أنها ليست حليفة الناتو لكن القيادة السورية نجحت في لعب دور في السياسة الإقليمية من خلال براغماتيتها وبناء التحالفات مع إيران  ومنظمات وفصائل لها تأثيرها كحزب الله اللبناني وحماس الفلسطينية.

 

فـ11% من الناتج المحلي الإجمالي تذهب إلى الجيش وحده. وهذا أحد أسباب الديون السورية. وغالبية نفقات الجيش تخصص للصيانة الروتينية والرواتب والحاجات الأساسية كالإسكان والطعام. وبالتالي، لا تنفق سوريا على تطوير ترسانتها العسكرية أو تدريب موظفيها على أشكال التكنولوجيا العسكرية الحديثة. هذا وأظهر الميزان العسكري السنوي للعام 2003/2004  الصادر عن المؤسسة الدولية للدراسات الإستراتيجية أن آخر صفقة أسلحة قامت الحكومة السورية بشرائها تعود إلى العام 1999. إذا فرضنا أن الفعالية النسبية للسلاح العسكري خمس سنوات يمكننا القول بأن معظم الترسانة السورية ما عاد اليوم مستعملاً." (6)

 

ثانياً: الإمكانيات الاقتصادية:

سوريا بلد فقير بسبب برنامجها الاقتصادي الحكومي المخطط. اعتمدت الحكومة إلى حد بعيد على القطاع العام لبناء الاقتصاد الوطني لكنها منحت القطاع الخاص دوراً بارزاً علماً أنها أقدمت على هذا الفعل بحكم الضرورة لا لاقتناعها بصواب ذلك.

ولد القطاع الحكومي معظم رأس المالي الثابت الضروري بنية تحتية اقتصادية وطنية بما في ذلك تشييد الطرقات والمعامل والصناعات الثقيلة وغيرها. كما أن القطاع العام كان المصدر الرئيس للتوظيف ولغالبية الاستثمار والإنتاج.

 

ثالثاً: سوريا والتحالفات :

إن القوة الخارجية الحقيقية ما تتمتع به سوريا من تحالفات محسوبة. مما أعطاها الميزة في بعض المنعطفات الهامة. كأزمتها مع النظام العراقي بعد تحالفها مع النظام الإيراني,  وكبسط سيطرتها على لبنان بعد التحالف مع الكثير من المنظمات الفلسطيني كالجبهة الشعبية القيادة العامة  والحركات اليسارية. وتوجت بدعمها الكامل لحزب الله, والذي  استطاع في العقدين الأخيرين من أن يحتل دور بارز في السياسة اللبنانية.

 

رابعاً: سوريا وإيران:

بدأ الارتباط بين سوريا وإيران  في العام 1980، بعد غزو الجيش العراقي لإيران التي كانت تعاني من آلام ثورتها ومشقّاتها. فالعداء بين حافظ الأسد وصدام حسين، على الرغم من جذورهما البعثية المشتركة، ساق سوريا إلى أن تكون الدولة العربية الوحيدة التي وقفت في صف إيران خلال حرب الثماني سنوات وخلال سنوات الحرب وبعدها، قدّمت إيران لسوريا مئات الملايين من الدولارات على هيئة نفط رخيص جداً، في حين سهّلت سوريا لإيران رعاية حزب الله في لبنان. وحين انتهت الحرب في العام 1988، استمرت شراكة إيران وسوريا الاستراتيجية، حيث لعبت معارضتهما لإسرائيل دور العامل الموحِّد الذي يجمع بينهما.

 

وبالتالي فإن تطابق وجهات النظر السورية الإيرانية يعد أمراً هاما للغاية لكي تستطيعان معا دعم القضية الفلسطينية والوقوف في وجه إسرائيل وتطلعاتها في المنطقة حيث تستطيع كلا البلدين توحيد موقفهما من القضية العراقية و مواجهة إسرائيل والولايات المتحدة فضلا عن العلاقات الجيدة التي تحاول كلا البلدين تنميتها مع الاتحاد الأوربي. 

وقد تضافرت كل هذه العوامل لتدعم العلاقات القوية بين البلدين في مجالات التجارة والصناعة والسياحة حيث تشارك إيران أيضا في عدد من المشاريع التنموية والاقتصادية الهامة في سوريا من خلال مشاريع بناء الصوامع والذي تبلغ قيمة العقد فيها 200 مليون دولار إضافة إلى إقامة معمل أسمنت في حماه بطاقة إنتاجية مليون طن سنويا وبقيمة 190 مليون دولار (7).

  

حزب الله والمعادلة السورية

فلا احد ينكر الدور السوري في  نشأة حزب الله ورعايته حتى اشتد عوده  وأصبح له دور فاعل في الحياة اللبنانية, ويعتبر حزب الله من أهم  دعائم سوريا  خصوصا بعد انسحابها من لبنان وما للبنان أهمية في الحياة السياسية والوجودية لسوريا والنظام السوري.

وقد اشتركت سوريا مع حليفتها  إيران بدعم هذا الحزب خصوصا إبان الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان. وكانت إسرائيل تديم اتهام سوريا بدعمها لحزب الله ولم ينكر حزب الله أثناء الاندحار الإسرائيلي عن الجنوب الدور السوري .

" وحزب الله انشق عن حركة أمل في عام 1982م، وبدأ مقاومته ضد إسرائيل في عام 1985م، وبشكل عام كان مشغولاً في صراعه مع حركة أمل حول زعامة الشيعة في لبنان. ومع نهاية الحرب الأهلية فإن حزب الله استطاع أن يتفرغ أكثر للحرب مع إسرائيل، خاصة أنه لم تنزع أسلحته في الجنوب بعكس الأحزاب الأخرى. وبينما كان حزب الله حكرًا على الشيعة أثناء الحرب، فإنه في إطار سعيه لكسب التأييد من جميع الأطراف اللبنانية؛ قام بقبول عضوية الكثير من المسلمين السنة ومن المسيحيين في صفوفه، وهذا ما أكسبه احترام جميع الفئات، كما أن نشاط حزب الله لم يقتصر على مقاومة إسرائيل؛ فقد قام ببناء الكثير من المستشفيات والمدارس والمؤسسات في جنوب لبنان، وهذا بالطبع أكسبه دعمًا شعبيًّا قويًّا في الجنوب خاصة" (8)

ويعول النظام السوري على حزب الله بعدما  سهل له الحفاظ على السلاح والدعم وفتح قنوات اتصال مع إيران   بان يكون  حليفا استراتيجيا في  مرحلة اشتداد الخناق على سوريا.

 

سوريا والفصائل الفلسطينية

اهتم النظام السوري بالقضية الفلسطينية واستطاع اختراق المنظمات الفلسطينية, وخطب ود بعضها. والسيطرة على الآخر, ومن أهم تحالفاته, القيادة العامة, وفتح أبو موسى, وطرأ في الأخير علاقة وثيقة بين النظام وحركة حماس مما زاد جم الضغوط لإخراج حركة حماس من سوريا.

هذه ابرز التحالفات التي بيد سوريا لمواجهة الخطر الأمريكي , إلا أن الزعزعة الأمريكية في العراق  سيضعف الجانب الأمريكي ويجعل  الخيارات صعبه في مواجهة سوريا . ولهذا كيف ستتعامل الولايات المتحدة مع النظام السوري في المرحلة القادمة  فهناك عدة سيناريوهات محتملة.

 

سيناريوهات محتملة قادمة:

1- عزل  النظام السوري:

يبدو هذا الخيار أحد أبرز احتمالات السياسة الأميركية المستقبلية تجاه النظام السوري، خاصة وأن الإدارة الأميركية يمكن أن تتسلح بقراري مجلس الأمن الدولي 1559و1595 المتعلقين بلبنان، ونتائج تقرير ميليس، كما يمكن أن تبني على "قانون محاسبة سوريا" الذي وقعه الرئيس الأميركي بوش في ديسمبر/كانون الأول 2003.

وفي هذا الإطار رأى نيكولاس بلاندفورد مراسل صحيفة كريستيان ساينس مونيتور أن الانتقاد الشديد الذي وجهته الإدارة الأميركية لسوريا في هذه الأيام يعدّه الكثير من المحللين بداية لمحاولة واشنطن "تكرار النموذج الليبي" أي فرض عزلة اقتصادية وسياسية شاملة على النظام السوري لإجباره على إحداث تغيير جذري في سياسته".

ونقل بلندفورد عن خبير دراسات الشرق الأوسط البروفسور جون لانديس قوله: "سوف يمسكون بخناق السوريين ويضغطون عليهم ويهزونهم بعنف حتى يروا ما الذي يمكن أن ينـزل من جيوبهم".

وأضاف مراسل المجلة "إن أولى نذائر هذه العزلة الدولية ظهرت حين اضطر الرئيس السوري لإلغاء زيارته إلى الولايات المتحدة للمشاركة في القمة العالمية في الأمم المتحدة، بعد أن تلقى في اللحظات الأخيرة إشارات واضحة بأنه شخص غير مرحب به في واشنطن".

 

2- تقديم المغريات:

الخيار قريب من الخيار السابق، ولكنه يُفضل تقديم بعض المغريات والأثمان إلى جانب وسائل الضغط.

وفي دراسة نشرها في أغسطس/آب 2005، ينصح دينيس روس المنسق العام للسلام في الشرق الأوسط سابقاً، الإدارة الأميركية بانتهاج سياسية العصا والجزرة، ولكنه ينبه إلى وجوب ضبط وتوضيح هذه السياسة، إذ يرى أن الحكومة الأميركية لم تحدد ما يمكن أن تقدمه من مكافآت لسوريا في حال استجابتها للإملاءات الأميركية، كما أنها لم تحدد من ناحية أخرى، ما هي طبيعة العقوبات التي تلوح بها.

ويرى أيضاً أن إتباع سياسة العصا والجزرة، لا يمكن أن يكون فعالا ما لم يكن الطرف الأوروبي مستعداً للتجاوب مع السياسة الأميركية بهذا الخصوص، وموافقا على أي إجراءات قد تتخذها الولايات المتحدة ضد سوريا في المستقبل.

وينصح بهذا الخيار أيضاً آخرون أمثال فلنت لفريت المحلل المتخصص بقضايا الشرق الأوسط في مؤسسة سابان للدراسات في الولايات المتحدة.

 

3 - تدخل عسكري أمريكي مباشر

هذا الخيار يدافع عنه من يرون أن مخاطر بقاء سوريا في قبضة نظام الأسد أعظم بكثير من مخاطر الإطاحة به.

وتؤكد مجلة نيوزويك الأميركية تجدد الحملة الداعية إلى اتخاذ إجراءات أكثر صرامة مع سوريا وإيران في أوساط المحافظين الجدد، مضيفة أنه على الرغم من إدراك المتشددين من المحافظين الجدد أنه من المستبعد أن تكون الضربة العسكرية هي الخيار الأول للولايات المتحدة بسبب انشغالها في العراق، فإن العمل العسكري ما زال الخيار المفضل لدى هذه الفئة التي تود أن ترى النظام في كل من سوريا وطهران يتغير.

 

ولكن يبدو هذا الخيار من بين كل الخيارات هو الأقل قبولاً عند الإدارة الأميركية وذلك بسبب:

أ‌-   الوضع في العراق نظراً لخوف الخبراء الأميركيين من أن يؤدي تدخل الولايات المتحدة عسكرياً في سوريا إلى تأجيج روح العداء ضدها في العالمين العربي والإسلامي .

ب‌- الخوف من أن تتحول سوريا إلى مستنقع خطير ومدمر للولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة وخصوصاً الكيان الإسرائيلي.

ت‌- تفضيل إسرائيل لإضعاف الأسد  بدل من استبداله فقد نقلت صحيفة هآرتس في 3 أكتوبر/تشرين الأول 2005 عن مصادر رسمية إسرائيلية أن مسئولين أمريكيين استشاروا الإسرائيليين مؤخراً حول من يمكن أن يخلف الأسد ، مع المحافظة على استقرار سوريا.وقال الأميركيين أن انطباعهم أن إسرائيل تفضل إضعاف الأسد ، بحيث يسهل وضعه تحت الضغط الدولي وبحيث يظل في السلطة، وأن إسرائيل غير متحمسة لاحتمالات تغيير النظام في سوريا.

 

4- توجيه ضربة عسكرية محدودة

وهذه استخدمت في عام 1998 ضد النظام العراقي إبان دورة الرئيس بل كلنتون, ويرى الخبراء أنها تتمتع بعدة مزايا:

أ‌-     قد يهز ثقة النظام بنفسه ويهز ثقة الشعب بالنظام الحاكم ويفقده هيبته

ب‌- قد يحدث إصابات وأضرارا جسيمة في المواقع المستهدفة

ت‌- محدودية التكاليف ولا يتضمن عادة خسائر أميركية تذكر في الأرواح خصوصاً مع استخدام السلاح الجوي والصواريخ.

لكن هذا الخيار يدخل ولو مرحلياً - إذا ما استخدم بشكل محدود- في دائرة إضعاف النظام وليس إسقاطه. ولا تستبعد الإدارة الأميركية توجيه ضربة عسكرية ضد سوريا من حساباتها الإستراتيجية، وقد تحدثت مجلة نيوزويك في عددها الصادر في 4 أكتوبر/تشرين الأول 2005 بأن هناك "حركة يقوم بها الجنرالات والأدميرالات في البنتاغون من أجل تجديد الخطط المحتملة لضربة أميركية لسوريا".

 

5- انقلاب عسكري داخلي

وهو احتمال أن تبادر مجموعة من كبار الضباط ذوي الخبرة والنفوذ الكبيرين في الجيش، بعد حصولها على ضمانات خارجية بتغيير النظام الحالي بطبقة "اقل تسلطا وأكثر انفتاحاً" حسب رأيهم. وقد تحدث روبرت ساتلوف عن هذا الاحتمال قائلاً إن كبار رجال الطائفة العلوية المستائين من أداء بشار قد يقررون تغييره بعلوي آخر أكثر فاعلية.

كما أشار دينيس روس إلى هذا قائلاً "إذا سقط بشار، فيمكن أن تقع سوريا تحت قيادة شخص قوي مثل آصف شوكت، وقد يخلفـه تحالف علـوي- سنّي من ضباط أكثر وعياً".

ولكن أميركا لن تشجع مثل هذا السيناريو إلا إذا ضمنت نتائج أفضل، كما حدث في الحالة الباكستانية عندما تمكن الجنرال برويز مشرف من السيطرة على الحكم، حيث قدم خدمات هائلة للسياسة الأميركية، في الوقت الذي حافظ فيه على لباس ديمقراطي لنظامه الحاكم.

وقد يمثل نموذج التغيير الجديد الذي حدث في موريتانيا دافعاً للأميركان لاستقراء إمكانيات تطبيقه سورياً. وقد نشرت صحيفة فاينانشال تايمز في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2005 خبراً مفاده أن الأميركان يبحثون عن عسكري يمكن أن يقوم بهذا الدور.

 

ثانيــاً: لبنـــان :

تميزت العلاقة بين سوريا ولبنان تاريخيا، فقد كانت تجمعهما الوحدة الجغرافية والدينية واللغوية، ورغم التقسيمات الحاصلة بعد اتفاقية سايكس بيكو، إلا أن العلاقة وعلى جميع المستويات ما زالت قائمة بين الشعبين السوري واللبناني، وفي أثناء الحرب اللبنانية عام 1976م دخلت القوات السورية إلى لبنان، وكان ضمن اتفاق أمريكي وفرنسي ورضا إسرائيلي، وقد قدرت بنحو 30 ألف جندي، وذلك لحفظ التوازن الطائفي في لبنان، وكان أولها حفظ الموارنة في أواخر عام 1976م من الفناء على يد القوات الوطنية اللبنانية والفدائية الفلسطينية، وفي حرب عام 1982م اشتبكت القوات السورية مع القوات الصهيونية الغازية على الأراضي اللبنانية، وشاركت القوات السورية كذلك في حصار بيروت والذي دام حوالي 86 يوم.

 

بينما جاء شارون لينفذ مخططه الثلاثي في المنطقة، وكان حينها وزير الدفاع في حكومة بيغن :

1- القضاء على قواعد منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان.

 

2- إخراج القوات السورية من لبنان.

 

3- عقد اتفاقية سلام مع لبنان على غرار اتفاقية السلام مع مصر.

 

وقد بنى شارون وحكومة العدو الصهيوني مخططاتهم بالاتفاق مع المارونية السياسية لتحقيق هذه الأهداف، فكان بشير الجميل رئيس حزب الكتائب اللبناني ، والذي تلقى الدعم العسكري والسياسي من إسرائيل أثناء الحرب الأهلية أثناء الاحتلال الصهيوني للبنان، وبعد أن تم انتخاب بشير الجميل رئيسا للبنان وبات مشروع اتفاقية على الأبواب، وقع انفجار كبير في بناية كانت تضم قيادة حزب الكتائب ومن بينهم بشير الجميل والتي قتل فيها، حيث اعتبر ذلك خسارة كبيرة لحكومة العدو ، ولقد اتهم احد عناصر المخابرات السورية بتدبير الانفجار.

واستمرار للمخطط السابق وبعد انتخاب أمين الجميل خلفا لأخيه بشير قام بتوقيع اتفاقية 17/أيار عام 1983م مع دولة العدو الصهيونية، والذي يسمح للبنان بالانخراط في نهج التطبيع والتسوية والانسلاخ عن العالم العربي، إلا أن ذلك لم يدم طويلا، فقد شنت القوات والأحزاب الوطنية اللبنانية وعلى رأسها الحزب الاشتراكي الدرزي والفصائل الفلسطينية المعارضة لنهج التسوية وعلى رأسها الجبهة الشعبية القيادة العامة، وفتح أبو موسى، وبدعم سوري هجوما معاكسا على المعسكر الماروني والذي ألحقت به هزيمة نكراء أدت إلى إسقاط اتفاقية 17/أيار، وبذلك أسدل الستار على مشاريع السلام بين دولة العدو ولبنان.

 

وفي إطار الحديث عن مشاريع التسوية والحلول السلمية بعد حرب عام 1982م، عارضت سوريا ومعها فصائل جبهة الرفض الفلسطينية الحلول السلمية الأمريكية في مقابل سعي أبو عمار وقيادة فتح في هذا الاتجاه بدعم مصري وأردني، وقد أدى ذلك إلى الصدام الدامي بين الفصائل الفلسطينية في طرابلس ومخيمي نهر البارود والبداوي بعد أن قدم أبو عمار إلى طرابلس.

 

وفي حمى مقاومة الاحتلال الصهيوني بعد عام 1982م ظهر حزب الله اللبناني وقد بدأ عمله من خلال مقاومة الاحتلال رافعا شعار التحرير ، وقد نال شعبية كبيرة بين أبناء الطائفة الشيعية في لبنان ، وقد تميز بالمواقف الوطنية الثابتة ومعارضته لنهج الولايات المتحدة وإسرائيل في المنطقة، كذلك تميز بالانضباط والنزاهة حتى في حرب الإبادة التي قادتها حركة أمل ضد المخيمات الفلسطينية في لبنان عام 1984م – 1986م، فقد عارضت الحرب ورفضت الوقوف مع أمل ضد الفلسطينيين، وبعد الانسحاب الصهيوني من جنوب لبنان عام 2000م ظل الحزب يعلن مواقفه المناهضة للسياسة الأمريكية الصهيونية في المنطقة، ورفض تفكيك قواته المنظمة ونزع سلاحه معللا ذلك بأن دولة العدو الصهيوني ما تزال تهدد لبنان والمنطقة بالكامل، وكذلك بالنسبة للفصائل الفلسطينية والتي أقامت قواعد في لبنان بعد أن انتقلت قواعد الثورة الفلسطينية من الأردن إلى لبنان عام 1970م معا، فقد أقامت الجبهة الشعبية القيادة العامة ، وبعدها فتح الانتفاضة قواعد في البقاع اللبناني وفي منطقة تلال الناعمة والتي تضم قاعدة للقيادة العامة، فيما المخيمات الفلسطينية كذلك لها قواعد من كافة الفصائل والتي هي بالأساس لحماية المخيمات والتي تعرضت للمذابح والإبادة أكثر من مرة وعلى أيدي لبنانية.

 

وبعد تفجيرات 11/ أيلول عام 2001م وفي إطار استثمار الولايات المتحدة ودولة العدو الإسرائيلي لهذه الأجواء وما يسمى بمحاربة الإرهاب، فقد شنت الحرب على العراق بهدف السيطرة على النفط العراقي وإقامة حكومة عميلة على غرار الأنظمة العربية الأخرى، كذلك سعت ولا زالت تسعى إلى تطويع المنطقة وإخضاعها للهيمنة الأمريكية الصهيونية، على إخضاع الأطراف المعارضة لهذا النهج ومنها سوريا وحلفائها في لبنان.

 

غير أن مخططات الولايات المتحدة وإسرائيل اتجاه لبنان تصطدم بالأطراف المعارضة لذلك، وهي:

1- سوريا وتواجدها العسكري في لبنان.

2- حزب الله اللبناني والذي يرتبط مع إيران بعلاقات أساسها وحدة المذهب.

3- الفصائل الفلسطينية المعارضة لنهج التسوية، مثل الجبهة الشعبية القيادة العامة، وفتح الانتفاضة.

حيث أن الولايات المتحدة ودولة العدو تهدف إلى تقويض هذه الأطراف من خلال نزع سلاحها إلى:

1- التمهيد لإيقاع لبنان بالمخططات الأمريكية ومن ثم توقيع اتفاق سلام مع دولة العدو.

 

2- إضعاف سوريا ومن ثم موقفها التفاوضي في إطار استرجاعها للجولان المحتل .

 

لذلك أصدر مجلس الأمن الخاضع للهيمنة الأمريكية قرار 1551 في شهر أيلول 2004م، والذي تم ترتيبه في باريس وباتفاق أمريكي فرنسي، والذي ينص في بنوده على إخراج القوات السورية من لبنان ونزع سلاح المليشيات المسلحة في لبنان.

وتوافق ذلك مع حملة في نهاية عام 2004م يقودها وزير خارجية العدو سلفان شلوم لإخراج القوات السورية من لبنان.

 

وكانت الفرصة الذهبية التي تنتظرها الولايات المتحدة هي اغتيال الرئيس السابق رفيق الحريري في شباط 2005م.

فقد قادت حملة بموازاة ضغط الشارع اللبناني لإخراج القوات السورية من لبنان، فيما أثيرت قضية سلاح المخيمات وسلاح حزب الله وتطبيق قرارات الشرعية الدولية وعلى رأسها قرار 1551.

ويأتي في هذا الإطار محاصرة الجيش اللبناني لموقعين لحركة فتح الانتفاضة في أقصى منطقة البقاع الغربي للحدود مع سوريا .

 

وفي 1/10/2005م أفادت صحيفة الخليج أن الجيش اللبناني سير دوريات وأقام حواجز تفتيش قرب مواقع الجبهة الشعبية القيادة العامة والتي يتزعمها احمد جبريل في الناعمة والبقاع وعلى طول الحدود اللبنانية السورية من منطقة عيتا الفخار وحتى مرتفعات الفاقعة وسهل اليابسة إلى الشرق من عين عطا، وأشارت مصادر فلسطينية إلى أن هذا التحرك من جانب الجيش اللبناني غير معتاد وانه ذو دوافع سياسية .

 

وفي هذا الإطار أكدت مصادر دبلوماسية لبنانية أن هناك مبادرة أمريكية فرنسية لتفعيل عملية السلام على المسار اللبناني الصهيوني، مشيرة إلى أن هذه المبادرة يجري بحثها في دوائر وحافل عديدة إقليمية ودولية وبسرية تامة.

وقالت المصادر: أن رئيس الوزراء اللبناني فؤاد السنيورة سيطلع خلال زيارته إلى واشنطن في أكتوبر والى باريس للإطلاع على تفاصيل وبنود هذه المبادرة التي صاغتها باريس وواشنطن وراجعتها وزيرة الخارجية الأمريكية رايس خلال زيارتها قبل أيام مع المسئولين السوريين، وأكدت باريس بالاتفاق مع واشنطن ستطلب من السنيورة خلال زيارته لفرنسا بالعمل من اجل تفكيك ما أسمته الألغام التي قد تعترض عملية تنفيذ المبادرة والمزروعة في الساحة اللبنانية مشيرة إلى أن هذه الألغام يقصد منها سلاح حزب الله ، ومسألة المخيمات الفلسطينية، وربطت المصادر بين زيارة محمود عباس إلى باريس. (9)

 

ثالثــاً: إيــران:

تنبع الخشية الأمريكية الصهيونية من إيران لأنها ترفض مبدأ الهيمنة الأمريكية على المنطقة وغير مستعدة للسير في ركب تنفيذ الرغبات الأمريكية وتنفيذ سياساتها مثلما يحدث في دول الخليج العربية، هذا أولاً، أما ثانياً فهناك الدعم الشيعي الإيراني لحزب الله اللبناني، وذلك بحكم وحدة المذهب، سواء الدعم المعنوي أو السياسي أو المادي أو العسكري.

غير أن الهجمة تصاعدت بعد التقارير الغربية التي تتحدث عن البرنامج النووي الإيراني، وإمكانية صنع قنبلة نووية خلال السنوات المقبلة ، ولهذا فإن الولايات المتحدة ودولة العدو مصرين على عدم سير إيران قدما في برنامجها النووي ، ومن ثم الوصول إلى التكنولوجيا العسكرية النووية.

 

وتهدف إيران من خلال برنامجها النووي وإصرارها على امتلاك التكنولوجيا النووية إلى :

1- الوقوف في وجه التهديدات الأمريكية الصهيونية، والحيلولة دون تكرير سيناريو العراق.

 

2- الحصول على اعتراف دولي بنظامها وتحويل الدور الإيراني الإقليمي والدولي إلى دور بارز ومميز على الصعيد الدولي.

 

وتستغل إيران الوضع في العراق والورطة الأمريكية هناك بالإضافة إلى أفغانستان إلى الاستمرار في البرنامج النووي ، وإيران تسعى إلى دوام الوضع في العراق كما هو عليه ، لأنه يزيد من حاجة الولايات المتحدة إلى الشيعة العرب واعتمادها عليهم ، وتستغل إيران هذه الفترة الانتقالية نفسها من خلال تطوير برنامجها النووي. (10)

لذلك تكتفي الولايات المتحدة وإسرائيل والتي لها حساب جيو سياسي خاص منفصل عن حسابات الولايات المتحدة وحلفائها في الاتحاد الأوروبي في هذه المرحلة بالتلويح باللجوء إلى الدبلوماسية ومجلس الأمن والتهديدات وتسريب الخطط العسكرية بين الفينة والأخرى عبر الصحف الغربية لتخويف إيران.

 

غير انه وفي نهاية الأمر فإن الولايات المتحدة وحليفتها إسرائيل ستضطر إلى مواجهة البرنامج النووي الإيراني ، لأن الاستمرار فيه يقلب الموازين الاستراتيجية في المنطقة، وتستخدم القوة العسكرية لتدمير منشآت إيران النووية على غرار قصف وتدمير المنشآت النووية العراقية عام 1980م، وستكون الفرصة أفضل للأمريكان في حال تم السيطرة على المقاومة في العراق أو التخفيف من حدتها.

 

وقد أعرب خبير روسي وهو رئيس معهد الاستراتيجيا الوطنية في روسيا ستانيسلاف بيلكوفيسكي، عن اعتقاده بأن الولايات المتحدة ستوجه ضربة عسكرية لإيران عام 2006م ، وقال بيكو فيسكي أن العام القادم قد يشهد بداية عملية عسكرية أمريكية ضد إيران ، ورأى الخبير الاستراتيجي والمحلل السياسي أن السبب الرئيسي لذلك هو إزاحة طهران كلاعب استراتيجي مستقل في المنطقة، ويضيف بأن هذا الأمر مرتبط بعدم كفاية المصادر الاقتصادية والعسكرية في الولايات المتحدة نتيجة تورطها لمرحلة بعيدة في العراق . (11)

 

وفي سيناريو أعده الموساد الإسرائيلي والذي يهدف إلى تغيير الخارطة في الدول المحيطة وأسماه " مستقبل دولة إسرائيل " تحدث عن ضربة عسكرية جوية ضد إيران تقوم فيه إسرائيل بدور جوهري.

ويضيف التقرير أن إيران تمثل مركز للإرهاب الإسلامي في منطقة الشرق الأوسط يجب أن تختفي كنقطة سوداء من المنطقة ويتبدل لونها بلون آخر ، فالتحدي الإيراني النووي أصبح مركزا لتشجيع المنظمات الإرهابية الإسلامية في العالم للضرب بقوة في قلب المجتمعات الديموقراطية المتحضرة، وعلى هذه القوة أن تنتهي ويعاد تشكيلها بما يتواءم مع خارطة الشرق الأوسط المستقبلية والذي لا توجد فيها مخاطر على دولة إسرائيل. (12).

 

رابعــاً: حمــاس :

تنظر الولايات المتحدة وإسرائيل إلى الواقع الفلسطيني بعد الانسحاب من قطاع غزة على أساس استثمار هذه الخطوة والتقدم نحو الأمام بخطوات عملية تفرضها سياسة الأمر الواقع التي تتبعها دولة العدو بالتواطؤ وغطاء أمريكي وعجز أوروبي وتآمر أو تخاذل عربي، فالطرفين متفقان على دولة فلسطينية ، وبالطبع فإن هذه الدولة هي بالشروط الصهيونية الأمريكية ومقيدة بالأمر الواقع على الأرض، فالدولة الفلسطينية هي دولة بحدود مؤقتة تكون بدايتها في قطاع غزة ومن ثم تنتقل إلى الضفة الغربية على حوالي اقل من نصف مساحة الضفة الغربية ( المنطقة داخل جدار الفصل العنصري ).

 

وفي هذا الإطار فقد أوضحت مصادر صحفية أن الولايات المتحدة طالبت قيادة السلطة الفلسطينية مؤخرا نقل حكومة السلطة إلى غزة وتحويل الوزارات الفلسطينية في الضفة الغربية إلى مكاتب محافظات بعد نقل مقارها الرئيسية إلى غزة، وقد أشارت المصادر أن الإدارة الأمريكية طالبت أبو مازن أن يكون رئيس الوزراء إما محمد دحلان أو روحي فتوح، وقد لاقت هذه المطالبة غضبا في الأوساط القيادية في السلطة الفلسطينية التي نقل عن احد قيادييها أن أمريكا ليست قدرا على الشعب الفلسطيني وان الرفض المطلق للمطالبة الأمريكية هو الموقف المطلق وهو لسان الحال الفلسطيني حتى لو وصل الحال إلى الحصار في إشارة للحصار الذي تعرض له الرئيس الراحل عرفات في المقاطعة بمدينة رام الله. (13)

 

غير أن هذه المخططات قد تصدم بالقوى الفلسطينية المسلحة وعلى رأسها حماس والتي ترفض نزع سلاحها والتخلي عن خيار المقاومة، مما وضعها ضمن قوى الهلال المعارض لمخططات أمريكيا وإسرائيل بجانب حزب الله والنظام السوري والمقاومة العراقية.

ولم تتوقف دولة العدو والإدارة الأمريكية وبعض الأنظمة العربية من مطالبة السلطة بنزع سلاح حماس وتدمير بنيتها التحتية، غير أن ذلك يعني في نهاية المطاف حرب أهلية والتي هي خيار بعض المتنفذين في السلطة، غير أن أبو مازن يرفض ذلك حتى هذه الأيام ويرى في خيار التهدئة والحوار وعقد التفاهمات مع فصائل المقاومة هو الأفضل في هذه المرحلة.

 

وفي إطار الانتخابات التشريعية فإن أبو مازن وأطراف في السلطة والموقف الأوروبي وأخيرا موقف الإدارة الأمريكية فإنه يرى أن مشاركة حماس في الانتخابات التشريعية وحضورها في المجلس التشريعي والهيئات التنفيذية قد يعمل على طغيان لغة السياسة على لغة المقاومة في الفترة المقبلة مما يحقق أهداف هذه الأطراف بدون اللجوء إلى العنف.

وسواء أجريت الانتخابات أم لا، فإن موقف الادراة الأمريكية يعتمد بالأساس على طريقة تعامل الحركة مع الواقع الداخلي بعد الانتخابات .

فإذا ما استأنفت المقاومة فإن الادراة الأمريكية ستضغط باتجاه مواجهة السلطة لحماس، وسوف تغض الطرف عن جرائم العدو خاصة عمليات التصفية، وفي حال استمرت التهدئة بعد انتخابات التشريعي فإن الولايات المتحدة وأوروبا ستعمل على تقديم بعض المغريات لمزيد من المشاركة السياسية والانخراط في العمل المؤسساتي المدني.

 

بعد هذه الدراسة حول دول المنطقة والهيمنة الصهيونية الأمريكية ، فإننا أمام عدة استنتاجات :

1- أن الهجمة على منطقة المحور المعارض للهيمنة الأمريكية أو الهلال المعارض هي هجمة مترابطة ومنسقة لا يمكن تجزئتها حيث أن المخطط الأمريكي الصهيوني في إطار استثماره لهجمات 11/ أيلول يحاول إعادة ترتيب المنطقة بما يخدم المصالح النفطية الأمريكية الاستراتيجية وحماية دولة العدو الصهيوني من أي قوة تهدد وجودها .

 

2- إن رؤية الولايات المتحدة للأطراف المكونة للهلال المعارض ( إيران – المقاومة في العراق – النظام السوري – حزب الله – الفصائل الفلسطينية في لبنان – حماس والفصائل الفلسطينية المسلحة ) استهداف طرف معين يعني بالضرورة التأثير على الأطراف الأخرى، لأن إضعاف أي طرف هو إضعاف للأطراف الأخرى بغض النظر عن الخلافات المذهبية أو السياسية.

 

3- أن المقاومة في العراق والورطة التي وقعت فيها الولايات المتحدة وعدم سير الأحداث كما كانت تخطط، تشكل المحور الرئيسي في نجاح أو فشل المخطط الأمريكي في المنطقة، والواضح حتى الآن أن المقاومة هي في تصاعد وليس العكس بمعنى أن الوضع لا يبشر بخير لساسة واشنطن.

 

4- إن الولايات المتحدة والعدو الصهيوني والذي يكون لكل حساباتها الاستراتيجية والسياسية في المنطقة لا يسمح للبرنامج النووي الإيراني بالتطور ليصل إلى امتلاك القنبلة النووية، لذلك فقد توجه احد هذه الأطراف أو أحد هذه الأطراف أو كلها ضربة عسكرية في نهاية المطاف إن لم تنجح الجهود الدبلوماسية في ذلك.

 

5- إن اغتيال الحريري يشكل الفرصة الذهبية للولايات المتحدة وحلفائها لإخضاع النظام السوري والبدء في مسلسل إبعاد لبنان عن مواقفه المعارض لنهج الولايات المتحدة وإسرائيل، وذلك عبر إخراج القوات السورية من لبنان، ومن ثم محاولة نزع سلاح حزب الله والفصائل الفلسطينية الموالية لسوريا في لبنان، انتهاءً بسلاح المخيمات الفلسطينية وبرضا فرنسي وعربي رسمي مع موافقة فلسطينية رسمية متمثلة في السلطة الفلسطينية .

 

6- إن المخطط الأمريكي وتباطؤ صهيوني اتجاه القضية الفلسطينية بعد الانسحاب الصهيوني من قطاع غزة يسير باتجاه إقامة دولة فلسطينية بحدود مؤقتة تكون بدايتها في قطاع غزة ونهايتها على اقل من نصف مساحة الضفة الغربية .

 

7- إن المخططات الأمريكية الصهيونية تسير للأسف بمساعدة وتواطؤ من أطراف داخلية تعيد الطريق وتجد المبررات لتنفيذ الإدارة الأمريكية في المنطقة، وهي الجناح الإستئصالي في السلطة الفلسطينية والذي يقوده كل من محمد دحلان والمشهراوي ونبيل عمرو والطيب عبد الرحيم وآخرون ، وفي لبنان ما يسمي نفسه بتيار المستقبل والذي يضم تحالف من ضمنهم الموارنة ، وفي سوريا الشخوص التي ظهرت فجأة على وسائل الإعلام والتي قضت معظم حياتها في بلاد الغرب ، وفي العراق القيادة الكردية ومعظم قادة الشيعة في العراق ( قد يكون مؤقتا ) وبعض عناصر السنة الذين جاؤوا على ظهر الدبابة الأمريكية.

                    ----------------------------

 

المراجــع:

1. السياسة الدولية، العدد 133، يوليو 1998م

2. السياسة الدولية، العدد 134، يوليو 1998م

3. صحيفة الحقائق، 27/10/2005م

4. محسن محمد/ الجزيرة نت  2-11-2005

5. شارلز كراوثامر في مقالٍ نشرته الواشنطن بوست في الأول من أبريل/نيسان 2005

6. حمود صالحي "التهديد السوري للمصالح القومية الأمريكية" (مركز خدمة المتابعات الصحفية)

7. موقع مصراوي  مقال للكاتب "معتز محمد " في مقال بعنوان " سوريا والبحث عن حلفاء جدد "

8. إسلام أون لاين  قضايا سياسية " محمود أمين " ماذا وراء الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان ؟

9. المركز الفلسطيني للإعلام 20/10/2005م

10. مركز خدمات المتابعات الصحفية، تشرين الأول 2005م

11. صحيفة الوطن 25/2/2005م

12. الوطن السعودية 10/11/2005م

13. الحقائق 10/10/2005م