الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

عودة

 

 

 المحتويات

 

1- ترجمة مقال: إخضاع الفلسطينيين "للحمية" مقابلة مع السيد أسامة حمدان

     العنوان الأصلي:  Putting Palestinians on Diet- An Interview with Usama Hamdan

     الكاتب: أليستر كروك

2

 

2- ترجمة مقال: عباس ومستقبل فلسطين

    العنوان الأصلي: Abbas and the Future of Palestine

   الكاتب: هنري سيغمان Henry Siegman

11

 

3- ترجمة مقال: التوسط في غزة: خطة دنيس روس

    العنوان الأصلي: Mediating in Gaza: Dennis Ross’s Plan

   الكاتب: دنيس روس  Dennis Ross

14

 

4- ترجمة مقال: صراع اسرائيل مع حزب الله وحماس: هل هما طرفان في نفس الحرب؟

      العنوان الأصلي: Israel’s Conflict with Hizbollah and Hamas: Are They Parts of the same war?    

     الكاتب: مارك أ. هيللر Mark A. Heller

    المصدر: مركز جافي للدراسات الاستراتيجية

17

 

5- ترجمة مقال: كسر حلقة الوصل بين حماس وحزب الله

    العنوان الأصلي: Breaking the Link Between Hizbullah and Hamas

    الكاتب: يورام شويتزر Yoram Shweitzer

20

 

6- استعراض مقال: إمكانيات التصعيد في الصراع بين حزب الله واسرائيل

    العنوان الأصلي: The Potential of Escalation in the Hizballah Israel Conflict

   الكاتب: جيفري وايت Jeffrey White

   المصدر: مؤسسة واشنطن لسياسات الشرق الأدنى

23

 

7- ترجمة دراسة: تركيا الشريك الاستراتيجي.. هل يتم استبداله؟

    العنوان الأصلي: Replace Turkey as a Strategic Partner?

    الكاتب: جوناثان إيريك لويس Jonathan Eric Lewis

   المصدر: العدد الثاني من المجلد الثالث عشر ل Middle East Quarterly

 

     27

    

 

8- ترجمة دراسة: حملة الأوهام

العنوان الأصلي: The Crusade of Illusions

الكاتب: جاك شنايدر

المصدر: مجلة فورين أفيرز Foreign Affairs

36

 

 

آفاق إستراتيجية

 

نشرة دورية إليكترونية توزع عبر الإنترنت، وتُعنى بشؤون القضية الفلسطينية والعالمين العربي والإسلامي. وهي في صيغتها الحالية تهتم بمتابعة مراكز الدراسات المختلفة وترجمة وتلخيص ما يصدر عنها مما قد يهمّ القارئ باللغة العربية.

 

هيئة التحرير:

أمل عيتاني

غنى جمال الدين

إخراج فني:

محمد قدورة

 

 

ترجمة مقال: إخضاع الفلسطينيين "للحمية"

مقابلة مع السيد أسامة حمدان

 

العنوان الأصلي:  Putting Palestinians on Diet- An Interview with Usama Hamdan

الكاتب: أليستر كروك

المصدر: مجلة بروسبكت Prospect Magazine، العدد 123

التاريخ: حزيران/ يونيو 2006

ترجمة الزيتونة

***

يحاول أليستر كروك من خلال هذه المقابلة الممزوجة بتحليله الشخصي لمجريات الأحداث بعد انتخاب حركة حماس، أن يبرهن أن السياسة الأمريكية- الأوروبية في التعامل مع فوز الحركة سوف تؤدي إلى نتائج سلبية بعكس ما كان يرجى منها.

 

طرفةٌ يرويها مستشار إداري في إحدى كبرى الشركات المنتجة للسيارات في الولايات المتحدة حين كان مسؤولاً عن مجموعة استشارية كانت تعمل على دراسة السبب الذي يجعل منتجات الشركة الأمريكية دون مستوى المنتجات اليابانية، فبالرغم من وجود العديد من المهندسين الجيدين العاملين في الشركة، إلا أن قلق المدير التنفيذي كان نابعاً من ملاحظته فقدان حسّ الإبداع التقني لدى مهندسيه. ومثال على ذلك كان القرار الأخير الذي اتخذته شعبة الهندسة في المضيّ قُدماً بإنتاج (الكاربوريتر)  الذي كانت مواصفاته أدنى بكثير من مواصفات الشركة المنافسة. مما دعاه إلى الطلب من مستشاره العمل على معالجة هذا الأمر.

 

عاد المستشار إلى المدير التنفيذي للشركة الأمريكية العملاقة بعد شهر ليبلغه بنتائج بحثه، وبنتيجة التحقيقات التي أجراها تبين له أن حوالي 50 مهندساً يمثلون الأقسام الهندسية المختلفة في الشركة قد أجازوا بالفعل هذا التصميم وبالتالي إنتاج (الكاربوريتر) ولكنه عندما تحدّث مع كل مهندس على انفراد، تبين له أن لكل مهندس رأي مختلف عن القرار الذي اتخذه المهندسون مجتمعين. فكل المهندسين تصرفوا بناءً على مبدأ حماية مصالحهم الوظيفية أو الشخصية وكانت موافقتهم على القرار ببدء الإنتاج فيما بدا لهم أنه مصلحة مشتركة توافقية وبما يوصف بأنه التعاطي الأقل حدة مع الأمور والقرارات المتخذة. طلب المدير التنفيذي من المستشار أن يصلح هذا الأمر ويجد له حلاً تحت أي كلفة مفترضة أو مطلوبة. إلا أن المفاجأة كانت بأن رفض المستشار القيام بهذه المهمة وعقّب قائلاً: إن القرارات الحقيقية التي يجب أن تتخذ هي حول القيادة وطبيعة القرارات التي يجب أن تتخذها، وهذه هي مهمة المدير التنفيذي للشركة.

 

المشكلة نفسها يواجهها الاتحاد الأوروبي اليوم. فخلال التحدث مع مسؤولي الاتحاد بشكل شخصي وفردي أو مع حكوماتهم كلٌّ على حدة، نجد أن مواقفهم تُجمع تقريباً على رفض فكرة أن تجويع الفلسطينيين ستجعلهم أكثر اعتدالاً، أو تساعد على بدء إطلاق العملية السياسية مع اسرائيل. فإخضاع الفلسطينيين للحمية -وهي مرحلة أقل من التجويع الكامل- هو مصطلح استعمله مدير مكتب رئيس الوزراء الاسرائيلي أرييل شارون (دون ويسغلاس) في نصيحة وجهها لصانعي السياسات الخارجية في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي للعمل على عزل الفلسطينيين وحكومتهم سياسياً ومالياً لتصل إلى درجة عدم القدرة على دفع الرواتب لعمال وموظفي الخدمة المدنية ولمنع الحكومة الفلسطينية الجديدة من العمل بفعالية وكفاءة.

 

بالنسبة للأوروبيين تعني هذه (الحمية) دفع الحكومة الفلسطينية المنتخبة حديثاً في كانون الثاني/ يناير من العام الحالي في اتجاه واحد وخيار واحد وهو القبول والاعتراف بالمطالب الأمريكية والأوروبية الثلاث: الاعتراف باسرائيل، إدانة العنف، والقبول بكافة الاتفاقات وملحقاتها الموقعة من اسرائيل والحكومة الفلسطينية السابقة وصولاً إلى الاتفاق الأساسي (أوسلو). 

 

عند التحدث مع الرسميين في الاتحاد الأوروبي يبدو قلقهم واضحاً من الضغط الذي يُمارس ويُفرض على الفلسطينيين ليبادروا بدورهم الضغط على حركة حماس لتغيير مواقفها والتراجع عن برنامجها الذي فازت بموجبه وعلى أساسه بمعظم المقاعد في المجلس التشريعي. إلا أنه من الواضح أن العقوبات المالية ستخدم أكثر فأكثر تفعيل وتشجيع المفاهيم الراديكالية والأصولية في المجتمع الفلسطيني. كما تخشى حكومات الاتحاد الأوروبي انهيار الحكومة الفلسطينية ومؤسساتها مع احتمال أن تعمّ الفوضى بعد ذلك. يُشبه واقع المسؤولين الأوروبيين في مواقفهم هذه واقع المهندسين الأمريكيين العاملين على إنتاج (الكاربوريتر) والذين تحدثنا عنهم سابقاً. يعبر المسؤولون الأوروبيون، على انفراد وبشكل خاص، عن شكوكهم في فاعلية ونجاح هذه السياسة، حتى أن بعضهم يتوقع الأسوأ. فبعضهم يعتقد أن هذه السياسة سوف تستفز وتشعل العالم الإسلامي بشكل أوسع وأعمّ وقد يأخذ هذا أوروبا بعيداً عن لعب أي دور مباشر والتأثير على مجرى الأحداث الفلسطيني - الاسرائيلي. ويشعر الأوروبيون بأنهم وقعوا في فخّ قرار فاشل وأسرى موقف خاطئ ولا يملكون الحيوية الكافية ولا القيادة القادرة على التراجع عن هذا الخطأ.

 

لنكن عادلين ومنصفين فإن شبح أو ظل الشلل في الموقف الأوروبي الذي تسبب به انقسام الموقف الأوروبي مع بداية الحرب على العراق لا يزال يخيم على مدينة بروكسل كلما حدث شيء مماثل ينتج عنه خلاف في الرأي حول سياسات الولايات المتحدة.

 

إن العديد من السياسيين الأمريكيين الكبار على استعداد لتوضيح وتفسير وحتى تبرير رغبة الولايات المتحدة في دفع حماس إلى الفشل في أدائها الحكومي وإلى انهيار حكومتها، وليس في دفعها إلى التحول والاعتدال في مواقفها، ويعبّرون عن رغبتهم في رؤية السلطة بيد حركة فتح مجدداً يقودها شخص قريب من التوجهات الغربية كالمسؤول السابق في البنك الدولي (سلام فياض) الوزير السابق للمالية الفلسطينية.

 

من السهل أيضاً على مسؤولي الدبلوماسية الأمريكية القول لزملائهم الأوروبيين بأن (على الفلسطينيين أن يتحملوا تبعة اختيارهم الذي أدى إلى وصول حركة حماس إلى السلطة). في الوقت الذي تسعى فيه الولايات المتحدة لبناء ميليشيا عسكرية مكونة من 3500 رجلاً مسلحاً تكون بإمرة الرئيس الفلسطيني، وكذلك العمل على توجيه أكبر قدر من صلاحيات الإنفاق والوظائف الحكومية إلى مكتب الرئاسة الفلسطينية. باختصار فإن الولايات المتحدة تعمل على ممارسة سياسات ستقود حتماً إلى إنشاء حكومة ظل فلسطينية تتمركز حول الرئيس الفلسطيني وحركته فتح في خطوة معاكسة لسياسة التجويع والحصار المالي التي تعاني منها حكومة حماس. فالمسؤولون المقربون من نائب الرئيس الأمريكي (ديك تشيني) يتحدثون بصراحة وبشكل علني لزوارهم من حركة فتح عن رغبتهم في تدبير انقلاب هادئ يسمح بعودة سهلة لحركة فتح إلى السلطة على خلفية الأزمة الإنسانية التي يعاني منها الشعب الفلسطيني. والمفارقة في هذا النهج هو أنه نقيض للنهج الذي عارضته الولايات المتحدة في السابق من تجميع للسلطات في يد الرئيس الفلسطيني عندما كان الرئيس الراحل عرفات على رأس السلطة.

أسامة حمدان، عضو بارز في قيادة حماس في الخارج تحدث إلى مجلة (Prospect Magazine) في بيروت ووصف الوضع الحالي الذي تواجهه حركة حماس فقال:

 

"أنا أعتقد أنه حتى قبل إعلان تشكيل الحكومة الفلسطينية الجديدة وحتى قبل أن تأخذ الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي الوقت الكافي للحكم على أداء حماس بدا أن الولايات المتحدة تمارس ضغطاً لحصار الحركة. مبدئياً، يمكن القول أن الحكومة الجديدة حقّقت تقدماً جيداً في إيجاد بدائل مالية لدعم الحكومة من الدول العربية والإسلامية، في الوقت الذي تتعرض فيه هذه الحكومات لضغوطات ضخمة وهائلة تمارسها الولايات المتحدة على الأنظمة المصرفية العربية في محاولة لمنع تحويل أموال المتبرعين من المصارف التجارية إلى النظام المصرفي الفلسطيني؛ لذا فإن الناس سوف تعاني. إضافة إلى ذلك فإن اسرائيل تحتجز وتمنع تسليم الأموال التي حصّلتها لصالح السلطة الفلسطينية والتي تقدر بحوالي 60 مليون دولار شهرياً، وتضع قيوداً وعقبات على المعابر الحدودية. في المحصلة فإن هذه الإجراءات تهدد استمرار واستقرار الوضع الاقتصادي في فلسطين. الحكومة سوف تصرّ على القيام بواجباتها على أكمل وجه وضمن الممكن لتأمين المال اللازم لاستمرارها وتحسين قدرتها على القيام بواجباتها وبناء اقتصاد ناجح. ولكن المهمة صعبة في مواجهة عقبات من هذا النوع. وأظن أنه من الأفضل لجميع الأطراف، وخاصة لشعبنا، أن نعمل على إيجاد حل لهذه القضية".

 

 وكان السيد حمدان قد أوضح قبلاً بأن الحكومة كانت تعرف بأن القطاعات الحكومية المنتفخة بأعداد فائضة من الموظفين يجب إصلاحها بالعمل على تحديد عدد موظفيها ووقف الفساد الذي يشكل عبئاً كبيراً يجب إزالته. فهذين الإجراءين سوف يخفضان من حجم الميزانية بشكل كبير ومهم. ومن وجهة نظر السيد حمدان فإن على الفلسطينيين أن يعتمدوا على أنفسهم اقتصادياً أكثر، والعمل على إيجاد الحلول المناسبة لإقامة دولتهم المستقلة.

المشكلة كما عرضها السيد حمدان هي في كيفية التحول من الاعتماد الكبير على الدعم المالي من المانحين الأوروبيين والانتقال إلى الاعتماد على الذات بشكل أكبر، دون أن يتسبب ذلك في زيادة نسبة العاطلين عن العمل. كما أن حماس لا تنوي أو لا تريد أن تتحول من الاعتماد المالي على أوروبا لتعتمد بعد ذلك ببساطة على ممول وداعم آخر؛ فكلا الحالين مرفوض. لكن الحكومة لا تستطيع أن تتحرك نحو مزيد من الاكتفاء الذاتي دون تمويل أو تأمين لجسر عبور يسهّل لها الانتقال من مرحلة إلى مرحلة؛ من الاعتماد على الدعم الخارجي حالياً إلى مرحلة تكون فيها الحكومة معتمدة فيها على نفسها بشكل أكثر.

 

إن حماس بحاجة للتمويل لتحفز وتنشط الوضع الاقتصادي في غزة والضفة الغربية. وإن الهدف الأسمى للحركة هو تخفيف العبء الذي تتحمله الحكومة من العدد الكبير من الموظفين المسجلين على جدول الرواتب. ولكن الأولوية الآن هي في دفع الرواتب المستحقة على الحكومة لموظفيها حالياً. وبعد هذا الهدف الأساسي فإن الهدف الآخر هو التطلع نحو الدول العربية لتأمين الدعم اللازم لتأمين إنجاز مشاريع البناء التي ستساعد على امتصاص واستيعاب الفائض في عدد العمال في القطاعات العامة.

 

وبعد أن استطاعت الحكومة تأمين المساعدات المالية اللازمة من بدائل إسلامية وعربية، برزت الآن مشكلة جديدة، وهي أن وزارة الخزانة الأمريكية تضغط لمنع المصارف الأمريكية والعربية من قبول إيداعات أو القيام بأي تحويلات لصالح السلطة الفلسطينية، إذ أنذرت وزارة الخزانة الأمريكية كافة المصارف في المنطقة بأنها تغامر بالتعرض لعقوبات قانونية إذا ما ساهمت في تحويل أي مبالغ مالية ولو بشكل غير مباشر قد تساعد أو تدعم الحكومة الفلسطينية. ورُفض الاقتراح القاضي بأن تقوم الجامعة العربية بدفع رواتب عمال الخدمات العامة المدنية الفلسطينية عبر التحويل المباشر للأموال من البنك العربي في القاهرة للموظفين في حساباتهم الخاصة في فلسطين ولم يتحمل أي بنك مسؤولية القيام بأي تحويل.

 

إن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي يتحملون بشكل أساسي مسؤوليةً وواجباً أخلاقياً أمام دافعي الضرائب في دولهم والرامي إلى عدم السماح بوصول أي دعم أو تمويل مالي لأي من الحكومات التي تُصنّف على أنها إرهابية. ومن الواضح الآن أن التهديد الأمريكي باتخاذ إجراءات قانونية قد منع حماس من القيام بأي تحويل عبر الأنظمة المصرفية العربية التجارية. بما فيها المال الذي تبرعت به دول مثل البحرين وقطر.

 هل أخذنا بعين الاعتبار فرضية المسؤولية الأخلاقية لهذه الدول أيضاً بأن عليها أن لا تمنع دعم صندوق مشروع السكن الاجتماعي في غزة، ومنع المصارف من تحويل أي تبرع مفترض أو ممكن لدعم هذا المشروع؟

إن من الواضح أن منع جمع المال لدعم حكومة حماس من أي طريق ممكنة سيؤدي بها في نهاية المطاف إلى الفشل.

 

هل فكرت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بالنتائج التي يمكن أن تترتب على الانهيار الكامل لمؤسسات السلطة؟

يرى الرئيس الأمريكي السابق جيمي كارتر في مقالة له نشرت في 7 أيار/ مايو 2006 في ( الهيرالد تريبيون) أن السياسة الأمريكية تمثل جريمة وكتب تحت عنوان (معاقبة الأبرياء جريمة) إن الشعب الفلسطيني  يعامل كالحيوانات على فرضية ارتكابهم جريمة انتخابهم مرشحين تابعين لحركة حماس، وإن حكومة الولايات المتحدة أصبحت القوة الدافعة والمحركة لهذا الأداء الذي يؤدي إلى حرمان عامة الناس وجمهور المواطنين الفلسطينيين من الحصول على دخلهم المالي ومن التواصل مع العالم الخارجي وتأمين ضروراتهم الحياتية الأساسية.

 

في حال لم تستطع حركة حماس أن تتجاوز العقبات التي تواجهها لتحويل الدعم الذي سبق وجمعته من المتبرعين المسلمين، أجاب حمدان بأن لدى الحركة خيارات عديدة ولكن يبقى الاهتمام الأساسي للحركة هو القيام بما هو الأفضل للشعب الفلسطيني. لقد كان الفلسطينيون يعرفون جيداً ماذا يُقدِمون عليه عندما انتخبوا مرشحي حماس. لقد حددوا اختيارهم وانتخبوا حماس في الفترة التي  كانوا يتعرضون فيها للهجمات الاسرائيلية ويعيشون المعاناة في حياتهم بشكل يومي. "لقد انتخبنا شعبنا لأنه يتوقع منا القيام بأفضل ما يمكننا لمصلحة الشعب الفلسطيني."

 

لم يكن حمدان قلقاً بشأن تحول الرأي العام الفلسطيني ضد حماس بسبب الأزمة الإنسانية التي يعاني منها الشعب الفلسطيني فاستطلاعات الرأي الأخيرة أظهرت أن شعبية حماس تزداد على حساب فتح. وقد أكد حمدان بأن شعبية حماس تنمو معلقاً "إنهم يؤمنون بأن حماس تفعل أفضل ما يمكنها ويؤمنون أيضاً بأن حماس لا تعمل ضد مصالحهم. وبالتالي فإن الضغط هو من اسرائيل والولايات المتحدة. الشعب الفلسطيني يعرف ويفهم الدور الذي تلعبه الأقلية من الفلسطينيين الذي لم يتقبلوا حقيقة المتغيرات التي جرت خلال العملية الديمقراطية".

 

 ومثل هذا الجواب الدبلوماسي يخفي وراءه بعض القلق من أن سياسة أوروبا كان هدفها الأساسي دفع حركة حماس لتغير مواقفها. وستجد من الصعب عليها الآن أن تتقبل حقيقة أن السياسة الأوروبية لم تحقق أهدافها المرجوة. إن الاتحاد الأوروبي الذي تواجهه مواقف متشددة من الولايات المتحدة سيفشل في إيجاد القوة أو الرغبة القيادية للتحرر من الخيار السياسي الخاطئ الذي ينتهجه بهدف تجاوز حماس ومحاولة إيجاد قنوات تعاون مع الرئيس عباس فقط. وستكون عواقب ذلك خطيرة قد تعقد الوضع الداخلي المتوتر أصلاً؛ لذا فإن أسامة حمدان يقول:

 

"إن محاولة إنشاء حكومة ظل موازية ستشكل تهديداً لكافة المؤسسات الفلسطينية. وإن أي فشل سيشكل ضرراً على الوضع بكامله. لا أحد آنذاك سيعرف الحكومة الحقيقية. وسيلوم كل واحد الآخر، والأسوأ أنه لن يكون هناك جانب فلسطيني واحد. بل سيكون هناك طرفان يقتتلان. وتأثير هذا الصراع الداخلي لن يكون على فلسطين وحدها بل على كافة الدول المجاورة والمنطقة بكاملها. وسيكون من الأفضل إذا ما باشر المجتمع الدولي بالعمل مع الحكومة المنتخبة ديمقراطياً.

 

المستهترون بالوضع الحالي يقولون بأن اسرائيل لن تخسر شيئاً من أي صراع فلسطيني داخلي. ومن خلال التجربة يبدو أن العديد من المسؤولين الاسرائيليين غير معجبين بأهداف السياسة الأمريكية المتشددة، ومحاولة الوصول إلى انقلاب أبيض يؤدي للعودة بحركة فتح إلى السلطة. وليست هذه المرة الأولى التي نرى فيها الأمريكيين "اسرائيليين" أكثر من الاسرائيليين أنفسهم.

 

 لقد أدرك الأمريكيون بأن حركة فتح في تراجع وقد تجزأت بقوة إلى عدد من مراكز النفوذ ومواقع القرار الشخصية. فالرئيس الفلسطيني وبعض كبار مسؤولي فتح منشغلون بتوجيه النصح للاسرائيليين حول أهمية إطلاق عملية المفاوضات بسرعة (ستة أشهر) حول كافة القضايا النهائية المعلقة والمتعلقة بإنشاء الدولة الفلسطينية.

 

 ثم تطرح نتائج هذه المفاوضات على استفتاء شعبي ليحدد الفلسطينيون موقفهم من نتائجها في محاولة لتجاوز حركة حماس والحكومة الفلسطينية ."إن الرئيس عباس مقتنع بأن أكثرية الفلسطينيين يرغبون في السلام وسوف يؤيدون هذا الاتفاق بإخلاص ومن كل جوارحهم". في حين لا يبدو أن الاسرائيليين مقتنعون بأنهم يريدون شريكاً فلسطينياً. وإذا أردوا فإنهم لا يرون في عباس الشريك المناسب الذي يستطيع تنفيذ أي اتفاقية. كما أنهم ليسوا متأكدين بأن الفلسطينيين متجاوبين بشكل كاف جداً كما يفترض عباس لأي نتيجة مفترضة قد يقدمها أو يقترحها الاسرائيليون له في هذه الظروف الحالية. فالمزاج العام الاسرائيلي يشعر بالوحدانية في الوضع الحالي. وسيكون لدى إيهود أولمرت أوقات صعبة يعمل خلالها على إقناع شركائه في الائتلاف الحكومي وبشكل خاص (شاس- الحزب اليهودي المتطرف) للمباشرة في تنفيذ الانسحاب الأحادي الجانب. فالظاهر أنه لا توجد رغبة كافية للتفاوض حول القضايا النهائية لدى الجانب الاسرائيلي في هذا الوقت وكذلك من ناحية الحماسة الشعبية لدى الاسرائيليين إضافة إلى مشروع أولمرت لرسم الحدود النهائية لاسرائيل على خلفية الانسحاب الجزئي من الضفة الغربية.

 

هناك شكوك لدى بعض الاسرائيليين بأنه حتى لو أيدت حكومة الولايات المتحدة الانسحاب الجزئي كـ(حدود نهائية)، (ومن الممكن الجدال حول إمكانية موافقة الولايات المتحدة على طلب كهذا. وأن إعلاناً على أن هذه هي الحدود النهائية لاسرائيل سيكون بلا معنى حقيقي أو شرعي). ويتوقعون أيضاً رفضاً إعلامياً واسعاً لقرار كهذا. إذ إن كل الانسحابات الاسرائيلية السابقة من مصر والأردن كانت إلى حدود الهدنة. وحين انسحبت اسرائيل من لبنان ذهب رئيس الوزراء الاسرائيلي إيهودا باراك بعيداً في طلبه من الأمم المتحدة (بألم) رسم الحدود متراً متراً مستخدمةً الخرائط القديمة لتأكيد وتثبيت شرعية الانسحاب الاسرائيلي الكامل.

 

بعد الانسحاب الاسرائيلي من غزة في العام الماضي، جلست مع عدد من قدامى المراسلين السياسيين الاسرائيليين. لقد كانوا حزينين بسبب اعتبروه جرحاً للأمة جراء اقتلاع المستوطنات والانسحاب من غزة دون أن يبدو أن شيئاً قد تغير حقيقةً إلى الأفضل. فالعنف لا زال مستمراً في غزة، وصورايخ القسام لا تزال تتساقط على كل أرض اسرائيل والفلسطينيون لا يبدون رغبةً أو استعداداً للتجاوب مع الأهداف الاسرائيلية وإقامة دولة فلسطينية محدودة. لقد كان هذا واضحاً قبل الانتخابات التي أعطت حماس نجاحاً ساحقاً، ولكن كان واضحاً أيضاً أن هؤلاء المعلقين الاسرائيليين يشككون بأن انسحاباً محدوداً من الضفة الغربية قد يغير بحقٍ المواقع الإستراتيجية الاسرائيلية.

وكما يبدو فإن الانسحاب الجزئي الأحادي المستقل من جانب واحد من الضفة الغربية، ورغم عدم حماسة الشارع الاسرائيلي له هو هدف الحكومة الاسرائيلية حالياً.

 

من خلال هذا السيناريو نرى أن اسرائيل تفضل حماس على فتح لكون الحكومة الاسرائيلية لا تريد شريكاً لتنفيذ الانسحاب من جانب واحد. ومساعدة الرئيس عباس على الانخراط في هذه العملية قد تُفشل هذا الهدف. كما يؤكد الموقف الاسرائيلي بأن رسم الحدود ضروري كونه لا يوجد شريك فلسطيني، حماس في المقابل لا تريد التفاوض على حل جزئي، مما يدفع اسرائيل إلى اعتبارها وبشكل معقول "شريكاً غير مناسب". إن الإحساس الاسرائيلي بأن حماس تملك مصلحة في تنفيذ الانسحاب الاسرائيلي قد يقود إلى حالة من التفاهم غير المعلن على تسهيل الانسحاب.

 

فاسرائيل ترى أن حماس ستظهر أن أي انسحاب اسرائيلي من أرض فلسطينية، خاصة عندما يحصل دون أي مقايضة من الجانب الفلسطيني، على أنه انتصار حتمي لها. وهذا الواقع سيترك لحماس القدرة على التركيز في الأعوام المقبلة على تحقيق أهدافها الرئيسية فيما يتعلق بتأمين إدارة حكومية جيدة للشعب الفلسطيني.

من جهته، حدد أسامة حمدان أهمية تحقيق سلطة القانون والنظام للشعب الفلسطيني ووضع هذا الهدف على رأس لائحة الأولويات الحكومية:

 

"لقد بدأ إسماعيل هنية عمله، وهناك إشارات إيجابية بأنه سينجح في تأمين الوضع الداخلي. بعض المجموعات الداخلية بدأت العمل مباشرة مع وزارة الداخلية وقد تم تعيين منسق للأمن جديد يحظى بشعبية واسعة ودعم من كافة الفصائل".

 

ويضيف حمدان "أن أولوية حماس الأخرى هي تحسين الوضع الاقتصادي وخلق رقابة قضائية على نشاط الأجهزة الأمنية، وفوق كل هذا جعل السلطة التشريعية أداة السيطرة والمحاسبة على كافة المؤسسات والوزارات الفلسطينية". وماذا يمكن أن نتوقع من اسرائيل؟ يرد حمدان:

"دون اعترافهم بالحقوق الفلسطينية لا نتوقع منهم شيئاً. إن هناك مفتاحاً لإيجاد حل، ولكن دون الاعتراف بالحقوق لا يمكننا أن نتوقع حلاً".

 

تختلف حماس عن فتح اختلافا جذرياً، فهما يمثلان اتجاهين مختلفين من التفكير الإسلامي. حماس جزء من التيار الإسلامي المتنامي الذي يسعى إلى إنشاء دولة ديمقراطية عصرية لا ترى أنها يجب أن تكون بالضرورة نموذجاً تقليدياً يقلد الغرب وحضارته بشكل أعمى؛ فالحركة ليست ضد الغرب، ولكنها تسعى إلى إعادة تفعيل الفكر في مجتمعاتها من مواقع الارتباط بتاريخها وحضارتها وفلسفتها. وهذا يظهر في استعمالهم للّغة بطريقة تختلف عن العادات التي درجنا على استعمالها. نحن في الغرب عادة نستعمل لغة ومصطلحات (الأمة-الدولة كدلالة على السلطة والقوة العسكرية) بينما الإسلاميون يستعملون مفردات التي تركز على الجوانب الحقوقية والأخلاقية. ويلحظ بأن الغرب غير قادر على مناقشتهم في مصطلحاتهم ومفرداتهم، لأنها عندئذ سيُنظر إليها كإشارة على العناد والتخلف.

 

حتى الآن تبدو أوروبا والولايات المتحدة غير قادرتين على دفع حماس إلى تغيير مواقفها. فلقد تراجعت الحكومة الجديدة سياسياً ومالياً. ولكن ليس إلى حدّ الوصول بالفلسطينيين إلى حافة الانهيار الاقتصادي. وإذا أصرت أوروبا على الاستمرار في هذا الموقف فإنه من الممكن أن يكون إنجازها الوحيد هو خروج أوروبا من لعب أي دور هام في الصراع الفلسطيني الاسرائيلي.

 

اسرائيل تسعى إلى الانسحاب الأحادي الجانب، فهي لا تسعى وراء شريك فلسطيني ولكنها بحاجة إلى طرف ثالث لمساعدتها في تسهيل العملية في غياب أي تعاون اسرائيلي وفلسطيني مباشر، وبرفضها للانخراط مع حماس في علاقات مباشرة فإن اسرائيل لن ترى لأوروبا أي دور مفيد لتلعبه. وسترى اسرائيل أيضاً أن أوروبا غير قادرة على المساعدة بسبب رفضها الانخراط في علاقة مع الحكومة الفلسطينية، وفي المحيط الفلسطيني لن نجد أي وسيلة ناجحة للتعاون في إطار خطتها. وكذلك ستساعد اسرائيل في سياسيتها غير الرسمية الهادفة إلى مقاطعة اللجنة الرباعية.

 

إن الضغط بهذه السياسة غير الفعالة الهادفة إلى دفع حماس إلى تغيير برنامجها سيؤلب بشكل خطير المجتمع المسلم على الاتحاد الأوروبي في كل مكان. وهذا يحدث توقيت سيء، فالسياسات الأوروبية تعاني المشاكل في كل مكان، فالإتحاد الأوروبي لا يعرف ماذا يفعل مع إيران وحتى في العراق وأفغانستان، وهناك أزمة مع سوريا، ولبنان يعاني شللاً داخلياً، والوضع في فلسطين ليس أفضل حالاً، كما أن هناك مشاكل متعاظمة في مصر والأردن. وببساطة نحن نرفض التحدث والتجاوب مع التيار الأسرع نمواً في الشرق الأوسط (التيار الإسلامي). نأمل بأن نستطيع إدارة هذه الأزمات بالحديث مع القلة من المحاورين والوسطاء من الذي يملكون تأثيراً على هذه الأحداث.

 

الاتحاد الأوروبي يمكنه البدء من خلال توجه جديد بالإصغاء جيداً إلى العبارات التي أطلقها المستشار السابق لرئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون ورئيس الموساد (المخابرات الاسرائيلية) (أفراييم هاليفي)، الذي خاطب رؤساء المنظمات اليهودية الرئيسية في أحد الاجتماعات مطلع هذا الشهر، منتقداً اسرائيل في شرطها المسبق بأن على حماس الاعتراف باسرائيل قبل أي مفاوضات. ويقول هاليفي بأن على اسرائيل أن تعترف بحركة حماس. ويرى أن هذه السياسة "ستقودنا إلى أن نرى أشياء لم يسبق أن رأيناها قبلاً"؛ ملمحاً إلى ضرورة بدء المحادثات بين اسرائيل وحماس. وهذا كلام صحيح، وعلى الاتحاد الأوروبي أن يكف عن التعلق بما يسمى ب"المبادئ" ويبدأ بإطلاق العملية السياسية، قبل أن تهتز المبادئ على أساساتها.


 

ترجمة مقال: عباس ومستقبل فلسطين

 

العنوان الأصلي: Abbas and the Future of Palestine

الكاتب: هنري سيغمان[1] Henry Siegman

المصدر: إنترناشيونال هيرالد تريبيون

التاريخ: 27 حزيران/ يونيو 2006

***

 

في هذا المقال ينتقد هنري سيغمان محاولات الرئيس الفلسطيني محمود عباس قلب الطاولة على نتائج الانتخابات التشريعية الفلسطينية، ويقدم وجهة نظره فيما يمكن أن يعزز القضية الوطنية الفلسطينية ويعطي عباس مكانته واحترامه كقائد فلسطيني.

 

حوّلت عملية أسر الجندي الاسرائيلي على يد عسكريين فلسطينيين من غزة الأنظار عن صراع قيادات داخل السلطة الفلسطينية أقل دراماتيكية من التطورات الجارية، ولكن أكثر تأثيراً على المدى البعيد. ففي الأسابيع الأخيرة تلقى الرئيس الفلسطيني محمود عباس إشادات عالمية "بقيادته القوية" بعد أن تحدى حماس لتقبل بوثيقة الأسرى كأساس للسياسة الوطنية الفلسطينية. والوثيقة التي صاغتها قيادات فلسطينية من مختلف الفصائل تقبع خلف قضبان السجون الاسرائيلية، بما في ذلك قيادات حماس والجهاد، تقبل بالاعتراف التام باسرائيل، وهو أمر ما زالت السلطة الفلسطينية بقيادة حماس ترفضه حتى الآن.

 

ويبدو أن الرجل الذي طالما وصف برعونة من قبل المؤسسة السياسية الاسرائيلية ب"الدجاجة التي لا ريش لها" والذي "لا علاقة له بالسياسة"، قد استطاع تحويل نفسه إلى قائد يحظى بالتقدير؛ وقد استطاع تحقيق ذلك من خلال تحدي حماس بتخييرها بين النزول من علياء رفضها العقدي الاعتراف بشرعية اسرائيل، أو مواجهة الاستفتاء الوطني حول هذه القضية.

 

 وحتى فترة قصيرة كان الاعتقاد السائد بأن الفلسطينيين سوف يديرون ظهورهم لموقف حماس الرافض لمثل هذا الاستفتاء، وهي نتيجة ستسمح لعباس بأن يدعو إلى انتخابات جديدة من المفترض أنها سوف تطيح بحماس وتعيد فتح، الحزب السياسي الذي ينتمي إليه عباس، إلى السلطة. ولم يكن هناك أبداً أسس واقعية لهذه التوقعات، فاستطلاعات الرأي الأخيرة أشارت إلى أنه من المرجح أن لا يتم التوافق على هذا الاستفتاء، كما أن احتمالات فوز فتح انتخابياً في مواجهة حماس ضئيلة جداً.

 

ولكن كل هذه الأمور خارج الموضوع، فالامتحان الحقيقي لقيادة عباس ليس في قدرته على إسقاط حكومة حماس، وهو هدف اسرائيل الذي سيسعد تحقيقه واشنطن أيضاً، بل الامتحان الحقيقي في قدرته على إعادة شيء من حس الوحدة الوطنية للشعب الفلسطيني الذي يعيش حالة من الانقسام العميق وذلك في إطار إعادة بناء مصداقيته. علماً أن مصداقية الرئيس الفلسطيني لم تتضرر بسبب النقد اللاذع الذي تلقاه عباس من أرييل شارون وأيهود أولمرت من بعده، بل خسر عباس مصداقيته بسبب فشله في إجراء إصلاحات داخل حركة فتح التي كانت تدير السلطة الفلسطينية بعد انتخابه في كانون الثاني/ يناير 2005.

 

ولم يكن عباس فقط غير قادر أو غير راغب باستبدال الأعضاء غير الفاعلين بقيادات من الجيل الأصغر من الفلسطينيين الذين كانوا يطالبون بالإصلاح وبطريقة أكثر ديمقراطية في الحكم، بل إنه جعل الأمور تتفاقم أكثر من خلال توظيف العديد من الفلسطينيين في مؤسسات السلطة التي تعاني من بيروقراطية مرضية، وسعى إلى تحسين فرص فتح في انتخابات المجلس التشريعي الأخيرة التي جلبت حماس إلى السلطة.

أمام عباس الآن فرصة غير مسبوقة لتغيير هذا السجل، ولكنه في حال استغلاله لهذه الفرصة في الحصول على مكاسب سياسية ضيقة أو محاولة إعادة زملائه الفتحاويين إلى مناصبهم الحكومية التي كثيراً ما أساءوا استخدامها في السابق، فإنه سوف يزيد هذا السجل سوءاً ويسيء إلى سمعته نفسها.

 

وبدلاً من ذلك يجب أن يكون هدف عباس الأول تعزيز الوحدة الوطنية بين حماس وفتح وغيرها من الفصائل والأحزاب السياسية، فدون هذه الوحدة لن يستطيع الفلسطينيون مواجهة المخططات الاسرائيلية المتعلقة بالأراضي الفلسطينية. إن إضعاف حكومة حماس أو الإطاحة بها لن يساهم في تحسين فرص إعادة استئناف العملية السلمية، فأولمرت قد يكافئ عباس بلقاء أو لقاءين استعراضيين، ولكن ذلك لن يفضي إلى أي نتيجة. بل من المرجح أن يؤدي ذلك إلى جعل آفاق التوصل إلى سلام بعيدة عن متناول الجميع، إذ سيرى الفلسطينيون في رفض خيارهم الديمقراطي المتمثل بانتخاب حركة حماس، فعل تواطؤ يضع حداً لأي فرصة مرجوة من تحول حماس إلى حزب سياسي معتدل. وكذلك، فإن حماس نفسها سوف تعود إلى مربع الاعتماد على المقاومة العنيفة وسيلة وحيدة، مما يعني تبديد جميع ما تبقى من آمال بتجديد العملية السلمية.

 

أما هدف عباس الثاني، فيجب أن يتركز على تشكيل حكومة فلسطينية قوامها أشخاص يتمتعون بالخبرة والنزاهة، مدعومة بتحالف ينزل فوز حماس الانتخابي منزلته التي يستحقها.

وأخيراً، فإن على عباس أن يتعاون مع حماس في إقناع المجلس التشريعي الفلسطيني بتبني إصلاحات تأخرت كثيراً. ومهما كان مبلغ تأثير صعود حركة حماس، فإنه أوجد فرصة غير عادية من أجل القيام بإصلاح شامل للسلطة الفلسطينية ومؤسساتها، إذ من الواضح أنه ليس لحماس مصلحة في الدفاع عن الوضع الحالي.

 

فوحده تحقيق هذه الأهداف من خلال الحوار الوطني الذي يشارك فيه عباس وحماس وغيرها من الأحزاب والفصائل الفلسطينية، يحمل الأمل بتعزيز القضية الوطنية الفلسطينية، ويعطي قيادة عباس احتراماً تستحقه، وهي أمور لا تتحقق من خلال محاولة قلب الطاولة على نتائج ما أسماه المراقبون الدوليون "أكثر الانتخابات نزاهة في العالم العربي".


 

ترجمة مقال: التوسط في غزة: خطة دنيس روس

 

العنوان الأصلي: Mediating in Gaza: Dennis Ross’s Plan

الكاتب: دنيس روس[2]Dennis Ross

المصدر: واشنطن بوست "بوست غلوبال بلوغ"

التاريخ: 7 تموز/ يوليو 2006

ترجمة: الزيتونة

***

هذا المقال هو عبارة عن مجموعة اقتراحات وضعها دنيس روس من أجل إيجاد حل للأوضاع المتردية التي يشهدها قطاع غزة خاصة بعد أسر الجندي الاسرائيلي جلعاد شاليت.

 

في العام الماضي ألقيت خطاباً في غزة قلت فيه للحاضرين بأن الانسحاب الاسرائيلي المقبل من غزة يشكل تحدياً وفرصة للشعب الفلسطيني في آن واحد. فهو تحدٍ لأنه سوف يمكن الفلسطينيين من  حكم أنفسهم وفرض النظام في غزة لحظة رحيل اسرائيل، وفرصة لهم إذا ما تمكنوا أن يثبتوا للعالم وللشارع الاسرائيلي بأنهم قادرون على حكم أنفسهم وتحمل مسؤولياتهم على الصعيد الأمني، فإنهم سيتمكنون من فرض نقاش قوي مفاده أن ما تم تحقيقه ونجح في غزة يمكن أن ينطبق على الضفة الغربية، أما إذا فشلتم، فإنه حتى أعتى المدافعين علن القضية الفلسطينية سوف يلاقون صعوبات جمة في إقناع الأطراف المعنية بأن نموذج العنف والفوضى الفاشل في غزة يجب أن يطبق في الضفة الغربية.

 

ومن المفارقات أن أي فشل فلسطيني لا يعني تحقيق نجاح على الصعيد الاسرائيلي، فأولئك الذين رأوا في الانسحاب الأحادي الجانب ضماناً لمستقبل اسرائيل، غاب عن بالهم حقيقة مهمة وهي أنه إذا ما غرقت غزة في الفوضى فلن يكون هناك جدار عازل مرتفع بما فيه الكفاية ليعزلها عن اسرائيل. فمع وصول صواريخ القسام حالياً إلى أسدروت وعسقلان ها هو الجيش الاسرائيلي يعود إلى غزة ليشكل منطقة أمنية تهدف إلى منع كتائب القسام وغيرها من التنظيمات من استهداف المناطق الاسرائيلية بالصواريخ. هناك درس يجب تعلمه من الماضي وهو أن كل انسحاب اسرائيلي أحادي الجانب يجب أن يأخذ الفلسطينيين بعين الاعتبار، إذ كان يجب على الاسرائيليين أن يتفقوا مع الفلسطينيين على تدابير أمنية على الحواجز ونقاط العبور عند مداخل غزة، فبهذه الطريقة وحدها كان يمكن تسهيل الحركة التجارية من وإلى غزة، وحينها كان من الممكن للاقتصاد الفلسطيني أن يتطور، ولمجمل حياة الفلسطينيين أن تتحسن بدل أن تسوء بعد الانسحاب الاسرائيلي. كما كان من المفترض أن يرتبط الانسحاب الاسرائيلي بإعلان الفلسطينيين استعداهم لتحمل مسؤولياتهم من الناحية الأمنية، ولكن الذي حدث أن اسرائيل انسحبت دون أن تلتفت لمثل هذا الاعتبارات مما جعل الأوضاع تتدهور نحو الأسوأ.

 

والفشل في هذا المضمار أمّن فوز حماس في الانتخابات وتشكيلها للحكومة، علما بأن حماس ملتزمة بالمقاومة أكثر من التزامها بالحكم. إذ قامت الحركة بحفر نفق استخدم في العملية التي أدت إلى خطف الجندي الاسرائيلي جلعاد شاليت، وقد استغرق حفر النفق شهوراً. لأولئك الذين يقولون إن حماس لم تعط فرصة، فإن هذا النفق يبرهن أن حماس لم تتخل عن المقاومة.  وهنا تبرز مفارقة أخرى في الوضع الحالي، فحماس المفترض أنها تعارض الاحتلال الاسرائيلي التي تسببت حالياً بإعادة احتلال جزء من غزة. ربما لم تكن اسرائيل تود أن تدخل غزة ولكن لا يمكنها أن ترحل بسهولة إذا ما كانت الصواريخ ستستهدفها مرة أخرى.

 

إذن، ما الذي يمكن فعله الآن لإنهاء الأزمة الحالية وإفساح الطريق أمام مستقبل أفضل؟

أولاً: على الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات أن يعلن حالة طوارئ ويقوم على أساسها بتشكيل حكومة طوارئ لا يكون أعضاؤها من فتح أو من حماس، ثم يعلن مسؤوليته الكاملة عن تأمين متطلبات الشعب الفلسطيني الأساسية؛ فكما سمعت من الكثير من الفلسطينيين هناك، فإن خسارة الدعم الدولي، وعدم القدرة على دفع رواتب الموظفين وعدم قدرة الحكومة على القيام بوظائفها يفرض على الشعب الفلسطيني كماً هائلاً من الضغوطات وبالتالي يجب التحرك لتغيير هذا الوضع.  وفي مثل هذه الظروف لن ترغب حماس بالظهور وكأنها تمنع عن الفلسطينيين ما يحتاجونه بشدة. وبما أن فتح لن تشارك في الحكومة، يعلن أبو مازن عن إجراء انتخابات بعد سنة، لكل من المجلس التشريعي ورئاسة السلطة، وبالتالي  لن يقول أحد حينها إنه يقف في وجه العملية الديمقراطية.

 

ثانياً:  حين تشكل هذا الحكومة بغياب حماس، على المانحين الدوليين أن ينظموا "حزمة" طارئة من المساعدات التي ستسمح للحكومة الجديدة بأن تؤمّن متطلبات الشعب الفلسطيني.

ثالثاً: على أبو مازن أن يشكل قوة أمنية تتمتع بالمصداقية والقبول وتكون تحت إمرته وإمرة حكومة الطوارئ المشكلة، وهذه القوة يجب أن تتولى مسؤولية فرض الأمن والنظام، صحيح أنه لا يمكن تشكيل هذه القوة بين ليلة وضحاها، ولكن كان دائما بإمكان أبو مازن أن يشكلها، لو أنه أعطى للموضوع أهميته المطلوبة وعيّن مسؤولاً ذا مصداقية لقيادتها.

 

رابعاً: على افتراض أنه تم تبني الخطوات السابقة وتطبيقها، على رئيس الوزراء الاسرائيلي أيهود أولمرت أن  يفاوض حول حزمة من التفاهمات مع أبو مازن، تشمل وفقاً شاملاً لإطلاق النار، لا يقتصر فقط على وقف إطلاق الصواريخ من غزة بل يشمل أيضاً وقف كل الاعتداءات ضد الاسرائيليين في كل مكان؛ وفي المقابل تنسحب اسرائيل من غزة وتنهي الاغتيالات، والتوغلات والاعتقالات؛ ويتم إطلاق سراح الجندي الاسرائيلي مقابل إطلاق سراح عدد معتبر من الأسرى الفلسطينيين على مراحل من أجل ضمان عدم حصول خروقات. فإذا ما قامت حماس أو غيرها بخرق ما تم الاتفاق عليه، فسيترتب على ذلك عرقلة عملية إطلاق سراح الأسرى الفلسطينيين. 

 

خامساً: بعد انسحاب اسرائيل من غزة، يتبنى مجلس الأمن قراراً يعلن فيه رسمياً أن اسرائيل قد أتمت انسحابها، وأنه يجب إيقاف كل عمليات إطلاق الصواريخ بشكل تام. فكما حصل في لبنان، فإنه بعد الانسحاب من غزة على المجتمع الدولي أن يوضح أنه أصبح هناك حدود بين غزة واسرائيل، وأنه يعتبر أي هجمات يقوم بها الفلسطينيون أعمالاً غير شرعية.

 

سادساً: على الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية وغيرها من الدول الضغط على بشار الأسد للتأكد من أن قادة حماس المقيمين في دمشق لن يقفوا حجر عثرة يحول دون تحقيق ما هو مخطط له. لا أقول أن أياً من هذه الخطوات يسهل تحقيقه، ولكن من المؤكد أنه بغياب أي نوع من أنواع الجهود فإن اسرائيل سوف تبقى في غزة لوقت طويل، وسوف تشهد الأيام المقبلة المزيد من التدهور، كما ستسوء الأوضاع الحياتية للفلسطينيين، ولن يكون بالإمكان تحقيق انسحابات اسرائيلية أخرى من الضفة الغربية.


 

عرض مقال: صراع اسرائيل مع حزب الله وحماس: هل هما طرفان في نفس الحرب؟

 

العنوان الأصلي: Israel’s Conflict with Hizbollah and Hamas: Are They Parts of the Same War?

الكاتب: مارك أ. هيللر[3] Mark A.Heller

المصدر: مركز جافي للدراسات الإستراتيجية

التاريخ: آب/ أغسطس 2006

ترجمة: الزيتونة

***

هذا المقال يبين التشابه والتمايز أو الاختلاف بين المواجهتين العسكريتين اللتين تقودهما اسرائيل مع كل من حماس وحزب الله، وتأثير اتجاه الأحداث على الجبهة الشمالية على وضع حركة حماس في الداخل، سواء من الناحية السلبية أو الإيجابية.

 

للوهلة الأولى، يبدو أن هناك رابطاً بين الأزمة على الحدود الشمالية لاسرائيل، وبين التصعيد الاسرائيلي الفلسطيني للعنف. ففي كلا الحالتين، اشتعل فتيل الأزمة بقتل بعض الجنود الاسرائيليين وخطف آخرين، من قبل تنظيمين إسلاميين (حماس وحزب الله) تدعمهما سوريا وإيران، تسللت عناصر منهما عبر حدود معترف بها دولياً، من أراضٍ شهدت انسحاباً اسرائيلياً أحادي الجانب. وفي كلا الحالتين سبق عمليات الخطف، إطلاق صواريخ على أراضٍ إسرائيلية. وكلا الحالتين استفزت رداً عسكرياً اسرائيلياً واسع المدى لا يهدف فقط إلى استرجاع الجنود المخطوفين دون تنازلات، بل أيضاً إلى إحداث تغييرات أساسية في الواقع السياسي على طول الحدود التي وقعت فيها العمليات. وأخيراً، فإن العمليتين تفاعلتا بشكل إيجابي مع بعضهما، وبالفعل، فإن بعض التفسيرات تقول إن العملية التي قام بها حزب الله كانت دعماً للقضية الفلسطينية وخاصة لجهة المطالبة بإطلاق سراح الأسرى الفلسطينيين في أي عملية تبادل ستجري.

 

هذا التشابه الظاهري يفسر ردّات الفعل الدولية والإقليمية تجاه ما حصل، فمواقف الدول العربية –ما عدا الموقف السوري- عبرت عن استيائها من المغامرة التي قام بها هذان التنظيمان إذ اعتبرت أنهما اختطفا من خلال هذه العمليات الأجندة الوطنية وأعطيا لأنفسهما حق الانفراد بقرار السلم والحرب؛ فيما شهدت الساحة الدولية، تسامحاً مميزاً –إن لمن نقل موافقة- على التصعيد العسكري الاسرائيلي.

 

ولكن نظرة فاحصة إلى ما حدث، تؤكد أن الرابط ضعيف؛ فبداية هناك فرق واضح بين الطرفين، ففيما يتمتع حزب الله بتنظيم رفيع المستوى، تتزايد الإشارات التي تظهر أن حماس تعاني من ارتباك تنظيمي، فبداية هناك لغط حول منفذي العملية، إذ أفاد ضباط ارتباط رفيعو المستوى بعد العملية أن الجهات المنفذة هي ثلاث: كتائب عز الدين القسام، ولجان المقاومة الشعبية، وتنظيم جديد لم يسمع به من قبل، هو جيش الإسلام، مما يطرح تساؤلات قلقة حول التنسيق ومدى خضوع المنفذين للجناح السياسي للحركة، وحتى الجناح السياسي في الحركة منقسم بين داخل وخارج، ففي حين قال جناح الداخل المتمثل برئيس الوزراء في السلطة الفلسطينية اسماعيل هنية، ووزير الخارجية محمود الزهار، إن العملية تمت دون موافقة ودون علم الجناح السياسي في الحركة، فإن الجناح الخارجي المتمثل بالمكتب السياسي للحركة، برئاسة خالد مشعل ونائبه موسى أبو مرزوق، عبّر عن دعمه للعملية دون تحفظ. هذا الكلام لا يعني أن الجناح العسكري في حركة حماس يتصرف بشكل مستقل، بل يعني أنه إن كان يتلقى أوامر، فإن هذه الأوامر تأتيه من الخارج؛ وهذه الوقائع إن عكست شيئاً، فإنما تعكس تضارباً في وجهات النظر والمصالح بين قيادات "الداخل" وقيادات "الخارج".

 

والتمايز الآخر بين الطرفين يكمن في الإطار الذي ينظر فيه قادة حماس السياسيون إلى الأحداث في لبنان، فهذه الأحداث رفعت أسهم حسن نصر الله السياسية لدى الفلسطينيين، حيث عمت التظاهرات المؤيدة لحزب الله ولزعيمه، فانتشرت أعلام الحزب، وانتشرت صور أمينه العام بين الفلسطينيين، إذ أصبح نصر الله بطلاً غير فلسطيني للقضية الفلسطينية، مثله مثل صدام حسين، وجمال عبد الناصر. ولذلك فإن القادة الفلسطينيين ينظرون بعين القلق لهذه التطورات، خاصة وأن فوز الحزب في المواجهة مع اسرائيل سوف يغطي على زعامتهم وبرنامجهم السياسي، في حين أن هزيمة الحزب سوف تسمح لهم –خاصة في الداخل- بمتابعة أجندتهم المحلية بحرية.

 

وما ذكرناه سابقاً يقود إلى تمايز آخر، فما حدث في لبنان، غطى على ما يحدث في الأراضي الفلسطينية ولفت الأنظار عما كان يحدث في غزة من هجمات وتوغلات اسرائيلية أثارت تعاطفاً مع الفلسطينيين، ليس فقط من قبل الدول العربية، بل أيضاً من قبل الدول الغربية التي استنكرت عملية خطف الجندي الاسرائيلي بداية، وهذا التعاطف، كاد أن يدفع باتجاه وقف الهجمات الاسرائيلية دون فرض شروط غير مقبولة سياسياً على حماس من قبيل تسليم غير مشروط للجندي الأسير ووقف شامل لإطلاق النار، مما كاد يعني تدخلاً بنّاءً لحماس في قضية الأسرى يمهد لظهورها على الساحة الدولية كشريك  محاور. وكل هذه الآمال تبددت عشية ما حدث في لبنان، ولكن بشكل عام، فإن التعامل الدولي مع حماس وحزب الله فيما يخص ما يجري من أحداث سيكون مختلفاً كلياً، ففي حين أن ما يجري في الأراضي الفلسطينية سيعطي حماس وضعاً واعداً على الساحة الدولية، سيكون التعامل الدولي مع حزب الله سلبياً، حيث من المتوقع أن يفرض وقفاً غير مشروط لإطلاق النار والعودة بالأوضاع إلى ما كانت عليه عشية بدأ الهجوم الاسرائيلي.

 

ولكن مع كل هذا التمايز هناك رابط قوي في الموضوع، فإن مآل الأمور في المواجهة بين حزب الله واسرائيل سوف ينعكس بشكل مباشر على وضع ومستقبل حماس وعلى العلاقات الفلسطينية الاسرائيلية بشكل عام، فإذا ما استطاع حزب الله أن يلحق  هزيمة مذلة بالجيش الاسرائيلي، فإن ذلك سيعطي منطق المقاومة دفعة إلى الأمام، وسوف يضعف الدعوات التي تطالب حماس بأن تصبح أكثر اعتدالاً وبراغماتية، والعكس صحيح، فإذا اتجه مسار الأحداث (خارجياً عبر العمليات العسكرية الاسرائيلية وداخلياً عبر الديناميكيات السياسية المحلية) نحو زعزعة مكانة حزب الله ومصداقيته، فإن ذلك سيؤثر على الوضع السياسي الفلسطيني، فإن لم يؤد إلى استبدال حماس، فإنه سيؤدي على الأقل إلى دفعها نحو انتهاج بدائل جديدة.

 

 

ترجمة مقال: كسر حلقة الوصل بين حماس وحزب الله

 

العنوان الأصلي: Breaking the Link Between Hizbullah and Hamas

الكاتب: يورام شويتزر Yoram Shweitzer

المصدر: مركز جافي للدراسات الاستراتيجية

التاريخ: 26   تموز/ يوليو 2006

ترجمة: الزيتونة

 

يحاول كاتب هذا المقال أن يظهر وجود تضارب في المصالح بين حماس وحزب الله فيما يتعلق بأهداف وتداعيات عمليتي الخطف اللتين قام بهما التنظيمان، ويدعو اسرائيل إلى تحقيق مكاسب إستراتيجية من قضية خطف الجنود وذلك من خلال كسر الحلقة التي تربط بين حماس وحزب الله في تعاطيهما مع هذه القضية.

 

خلال الأسبوعين الماضيين دخلت اسرائيل في صراع عسكري أججته عمليات الخطف التي تعرض لها الجيش الاسرائيلي في الجنوب والشمال، إذ إن هذين الحدثين التكتيكيين استنزلا اسرائيل إلى قتال سيكون له تداعيات إستراتيجية. فالنجاح التكتيكي الذي حققه حزب الله وحماس، جعل اسرائيل عرضة للابتزاز، وعليها الآن أن تدفع ثمناً ما لفشلها في استعادة الجنود المخطوفين. في ظل هذا الوضع، تهدف إسرائيل  إلى تحويل ما تعرضت له من فشل تكتيكي إلى مكاسب إستراتيجية يفوق مردودها ما تعرضت له من خسارة. وقد يساعد فهم أهداف الخاطفين في بلورة الإستراتيجية المطلوبة لتحقيق كل ذلك.

 

منذ انتخابها وتشكيلها لحكومة السلطة الفلسطينية وجدت حماس نفسها مقيدة، وعرضة لضغوط شديدة من قبل اسرائيل واللاعبين الدوليين الذين رفضوا الاعتراف بشرعيتها. وعلى الصعيد المحلي رفضت حركة فتح المنافسة لحماس الرضوخ للانتصار الانتخابي الذي حققته هذه الأخيرة، فبدأت سلطة الحكومة على الأجهزة الأمنية تتلاشى، وأمِل قادة فتح بأن تفشل حماس، بل وساهموا بدفع الأمور بهذا الاتجاه وذلك من أجل إثبات ادعاءاتهم بأن حماس غير قادرة على الإيفاء بما وعدت به ناخبيها من إرساء للأمن وتحسين أوضاع الفلسطينيين الاقتصادية والحياتية. ولذلك كله، فإنه في حين كان هدف قادة الجناح العسكري لحركة حماس من عملية الاختطاف إطلاق سراح الأسرى الفلسطينيين، كان هدف قادة الجناح السياسي للحركة توظيف عملية الاختطاف في تسجيل مكاسب سياسية وترسيخ صورة الحركة في المشهد الدولي كلاعب براغماتي. فالرئيس الفلسطيني اسماعيل هنية يهمّه أن يؤمّن الشرعية لحكومته وأن يخفف من الضغط المحلي والدولي الذي يتعرض له. فمساعدة حماس في إطلاق سراح الجندي الأسير سوف يحسن وضعه كقائد وشريك شرعي.

 

أما على الجبهة الشمالية، فمنذ انسحاب اسرائيل من جنوب لبنان في أيار/مايو 2000 خسر حزب الله الكثير من شرعيته الدولية وتقلصت قاعدة الدعم الداخلي له فيما يتعلق بمتابعة صراعه العسكري ضد اسرائيل، فقضية استعادة سمير القنطار الذي لم تشمله آخر عملية تبادل، والذي شارك في عملية نهاريا عام 1979، وادعاءات الحزب بأنه يريد الاحتفاظ بقوته العسكرية دفاعاً عن سيادة لبنان ومن أجل تحرير مزارع شبعا، لم توفر له تجاوباً شعبياً واسعاً، فوجد نفسه في مواجهة نقد متزايد مبني على أساس الخوف من أن يجر لبنان إلى مواجهة مباشرة مع اسرائيل بسبب هذه القضايا الهامشية. أضف إلى ذلك الخوف من أن يكون الانتصار في هذا المجال مقدمة لأمور أخرى خاصة وأن دوافع حسن نصر الله التي حدت به إلى خطف الجنديين تكشف مرة أخرى بأن له طموحات تتعدى مسألة تحرير الأسرى. فنصر الله لا يخفي تطلعاته إلى ترسيخ مكانته كقائد مسلم عربي ومرجع ديني يريد أن يعلم المسلمين حول العالم الطريقة الصحيحة لهزيمة اسرائيل وإذلالها بالقوة. فهو لم يكتف في هذا المجال باستثمار أسطورة الانتصار التي جعلت الجيش الاسرائيلي ينسحب من جنوب لبنان، بل يريد أن يذهب أبعد من ذلك، إذ يأمل بتحويل حزب الله إلى نموذج يحتذى به في العالم الإسلامي، ويتطلع إلى تحدي استخدام المفاوضات السياسية كآلية إستراتيجية لاسترداد حقوق المسلمين في كل مكان؛ كما أنه لم يتخل عن طموحه بتأسيس جمهورية إسلامية شيعية في لبنان بقيادته تكون نموذجاً ثورياً لغيرها من الشعوب الإسلامية.

 

يمكن لاسرائيل أن توضح حقيقة علاقة القوة بينها وبين أعدائها من خلال تسليط الضوء على نقاط الضعف في المواجهات الداخلية أو المحلية التي تخوضها التنظيمات الإرهابية المتطرفة واستخدام القوة العسكرية. من خلال ذلك، يمكن لاسرائيل أن تفرض على أعدائها وقفاً لإطلاق النار بشروط يمكن أن تعيق تحقيقهم لمكاسب تكتيكية. ولكن من أجل تحقيق ذلك، يجب على اسرائيل أن تكسر حلقة الوصل التي تربط حادثتي الخطف التي يحاول كل من حزب الله وحماس تعزيزها. فعلى الرغم من أن حزب الله وحماس يبدوان ظاهرياً كجبهة موحدة تربطها مصالح مشتركة، فالحقيقة أن مصالح الطرفين ليست متداخلة بشكل كلي، بل إنها في بعض الأحيان تتضارب. فعلى الرغم من علاقة حماس الوثيقة بحزب الله وإيران، فإنها لا تقبلهما كمرجعية، أو لا ترضى أن تكون خاضعة لمصالح خارجية تتعارض مع مصالحها. أضف إلى ذلك أنه على الرغم من ابتهاج الكثير من الفلسطينيين بعملية حزب الله الناجحة في الشمال، إلا أنهم لا يستطيعون تجاهل كون نصر الله قد غيّر توقيت عمليته سعياً إلى لعب دور صاحب الخبرة الذي يريد أن يعلم الفلسطينيين كيف يقومون بأمر التفاوض بشكل صحيح. كما أن إعلان نصر الله استعداده للتفاوض باسم الفلسطينيين يهدف إلى إعطائه المزيد من المكانة والأهمية في عملية التفاوض ولذلك فإن أي نجاح له سوف يغطي على أي مكاسب تتوقعها حماس من عملية خطف الجندي ما عدا إطلاق سراح الأسرى. وبالفعل فإن شراكة حزب الله قد تحول دون تحقيق آمال حماس في كسب أي نوع من أنواع الاعتراف بها كلاعب سياسي شرعي بعد أن يهدأ القتال على الجبهة الجنوبية. وبالتالي فإن منع حزب الله من الحصول على أي مكافأة فيما يتعلق بقضية الأسرى الفلسطينيين أصبح مصلحة مشتركة بين اسرائيل وحماس. وفي هذا الإطار يمكن فهم تصريحات الناطق الرسمي باسم الحركة التي أبدى فيها استعداد الحركة لحل أزمة الأسير في  إطار هدنة شاملة مقابل إطلاق سراح الأسرى الفلسطينيين، وهذا يمكن أن يشكل مصلحة مشتركة بين الطرفين الفلسطيني والاسرائيلي.

 

أما على الجبهة الشمالية فإن هدف اسرائيل الأساسي يتمثل في نقل رسالة مفادها أن الشعب اللبناني سوف يدفع الثمن غالياً مقابل المجد الذي كسبه نصر الله في عملية أسر الجنديين. إن ضربة قوية للبنية التحتية لحزب الله وإجباره على الانسحاب من جنوب لبنان وبالنهاية نزع سلاحه وحل ميليشياته أو دمجها مع الجيش اللبناني والحد بشكل كبير من قدرته على المناورة السياسية، يمكن أن تشكل مكاسب إستراتيجية تدحض أي ادعاءات لنصر الله بأن اسرائيل انصاعت لأوامره فأطلقت الأسرى اللبنانيين.


 

استعراض مقال: إمكانيات التصعيد في الصراع بين حزب الله واسرائيل

 

العنوان الأصلي: The Potential of Escalation in the Hizballah Israel Conflict

الكاتب: جيفري وايت[4] Jeffrey White

المصدر: Policy Watch no. 1132 الصادرة عن مؤسسة واشنطن لدراسات الشرق الأدنى

التاريخ: 26 تموز/ يوليو 2006

عرض: الزيتونة

***

يعرض هذا المقال للديناميكيات التي قد تساهم في تصعيد الصراع بين اسرائيل وحزب الله إلى حرب إقليمية وتلك التي تحول دون هذا الصراع، دون أن يستطيع الكاتب أن يرجح كفة أي من الاحتمالات، على اعتبار أنه يرى أن هذه الحرب مفتوحة على كافة المفاجآت.

 

هناك إجابتان بسيطتان على السؤال الهام الذي فرضه الصراع الدائر حالياً في لبنان: هل سيشهد الوضع تصعيداً يتجاوز لبنان إلى حرب إقليمية؟ الإجابة التحليلية الأولى ترى فيما يحدث في لبنان نوعاً من التنفيس الذي يمنع تطور الأمور إلى المزيد من التصعيد. والإجابة الثانية تفترض أنه طالما أنه ليس في مصلحة أي طرف تصعيد الأمور لتصل إلى حد الصراع الإقليمي، فإن هذا الصراع لن يحدث. ولكن كلا وجهتي النظر هاتين لا تأخذ بعين الاعتبار الديناميكيات المعقدة التي تحمل إمكانية حقيقية لوقوع حوادث أو أخطاء تعيد ترتيب الأوراق.

 

ليست الأزمة الأولى

ليست هذه الأزمة الأولى التي تستدعي القيام بعمليات عسكرية في لبنان. فقد سبقها عمليات مثل عملية الليطاني عام 1978، وعملية سلامة الجليل عام 1982، وعمليات في عامي 1993 و1996 وكل هذه العمليات ظلت تحت السيطرة، وتميزت بأنها لم تخرج بنتائج حاسمة.

 

آفاق الصراع الحالي

بالرغم من أن العناوين العريضة التي تتصدر الصحف تتحدث عن الصواريخ التي تمطر مناطق مختلفة مرفقة بصور كثيرة لمدنيين عالقين في وسط العمليات العسكرية، فإن الصراع بين لبنان واسرائيل ما زال محدوداً. فلا اسرائيل ولا حزب الله يستخدمان كل إمكاناتهما، فالجيش اللبناني بالكاد ينخرط في المعارك، ولم تتدخل قوة خارجية مثل سوريا، على الرغم من ورود تقارير حول رفع حالة الجهوزية لدى القوات العسكرية السورية. الأكيد في الصراع الدائر حالياً أن مناطق شمال اسرائيل تستهدف بطريقة غير مسبوقة منذ "حرب الاستقلال"، ومن هذه الزاوية يمكن القول إن أفق الصراع قد توسعت مقارنة مع المواجهات السابقة التي حصلت بين اسرائيل وحزب الله. ومع ذلك تبقى آفاق الصراع الحالي محدودة مقارنة مع الأهداف التي وضعها الطرفان. حيث يبدو أن حزب الله راهن على أنه يمكنه التحكم في عواقب استفزازه لاسرائيل، على الرغم من أن أمينه العام حسن نصر الله لم يكن يسعى إلى توسيع الصراع إلى أبعد من إطلاق الصورايخ على شمال اسرائيل والدفاع عن مواقعه في جنوب لبنان. ويأمل الحزب حالياً أن تخرج الجهود الدولية بقرار لوقف النار، مما يسمح له "بادعاء" على اسرائيل وتعزيز دوره في لبنان، خاصة بعد الظهور بمظهر المدافع الفعال والوحيد على لبنان.

 

ولكن الدوري الإيراني والسوري يولّدان أجواء من الشك حول مدى محدودية أهداف حزب الله، فإذا كان حزب الله يتحرك وفقاً لإرادة دمشق وطهران، فإن أهدافهما يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار، وفي هذه الحالة يمكن أن يكون للصراع الحالي تأثيرات أوسع تشمل المنطقة كلها. فهل يقاتل حزب الله لينقذ بشار الأسد من التحقيق المتعلق باغتيال الحريري أو لتحسين دور سوريا في المنطقة؟ وهل يقاتل الحزب من أجل تخفيف الضغط الذي تتعرض له إيران بسبب ملفها النووي؟ إذا كان الجواب نعم، فإن ذلك يعني أن الصراع ما زال عصياً على الحل، والمرجح أن يستمر لأكثر من بضعة أسابيع، إذ سيكون لكل من سوريا وإيران مصلحة في تمديد فترة الحرب.

 

اسرائيل من جهتها لها أهداف محددة، ولكنها مهمة، فهي تسعى من الناحية العسكرية إلى الحد بشكل كبير من قدرة حزب الله العملياتية في جنوب لبنان، ومن الناحية السياسية تسعى إلى إيجاد الظروف المناسبة لتتولى الحكومة اللبنانية زمام الأمور فتبسط سلطتا على المنطقة بمساعدة قوة دولية. وقد يكون لاسرائيل أهداف أوسع من ذلك، مثل الحد من قدرة إيران على ضرب اسرائيل من خلال حزب الله، والحد من قدرة حزب الله على مؤازرة حركتي حماس والجهاد الإسلامي بشكل مباشر أو غير مباشر.

 

ومن ناحية أخرى، فإن آفاق الصراع محدودة من الناحية الجغرافية أيضاً، فالعمليات بالكاد تمتد من طريق بيروت- دمشق الدولي إلى حيفا وطبريا. وعلى الرغم من أن المساحة ليست صغيرة، فإن مناطق واسعة من لبنان لن تشهد سوى عمليات عسكرية محدودة. حتى بيروت التي يتركز الإعلام عليها، لم تقصف فيها إلا مناطق محددة، ذات علاقة بأنشطة حزب الله، فيما ظلت باقي أرجاء العاصمة بعيدة عن التدمير. في المقابل، يتعرض شمال اسرائيل لإطلاق الصواريخ، فيما تظل باقي أرجاء اسرائيل بعيدة عن القصف. وحتى الصورايخ التي تسقط فإن قدرتها على إلحاق الأذى محدودة ومتفرقة بسبب الطبيعة البدائية للنظام الصاروخي عند الحزب، ومحدودية قدرته على تحديد الأهداف بدقة، واضطرار الحزب إلى إبقاء صواريخه موزعة ونقلها بسرعة.

 

ديناميكيات الصراع

عندما تبدأ الحرب، لا يمكن لأي طرف أن يسيطر على الوضع بشكل تام. فالأحداث تفرض الديناميكيات التي تتطبع الصراع بطابعها بشكل مهم وبطريقة غير متوقعة أحياناً. والوضع الحالي يحتوي على ديناميكيات يمكنها أن تؤدي على تصعيد الصراع أو الحد من مستوى العنف، على حد سواء. فبالنسبة للحزب، هناك ثلاث ديناميكيات يمكنها أن تؤدي إلى تصعيد الصراع أو الحد من مستوى العنف فبالنسبة للحزب، هناك ثلاث ديناميكيات تدفعه إلى تصعيد الصراع. أولها أن الحزب لا يتحمل الخسارة ولذلك إذا رأى أن مسار المواجهة يتجه به إلى الخسارة فإنه قد يلجأ إلى تصعيد وتيرة القتال من خلال ضرب أهداف أعمق داخل اسرائيل، ويحاول أن يقوم باختراقات على الحدود، أو يستهدف مصالح اسرائيلية في أنحاء العالم؛ فنصر الله هدد مراراً بمفاجأة اسرائيل. وثانيها، فإن الحزب قد يتعرض لضغوط من قبل سوريا وإيران لدفعه إلى القيام بعمليات تؤدي إلى توسيع نطاق الأزمة. وثالثها، أن كلاً من سوريا وإيران والحكومة اللبنانية قد تضطر إلى زيادة مساعداتها للحزب نتيجة ضغوط داخلية يمكن أن تمارس عليها. فكلما نجحت اسرائيل بعملياتها العسكرية، كلما زاد الضغط على سوريا وإيران لتتدخلا في المعركة، وزاد الضغط على حزب الله ليوسع المعركة.

 

وهناك ديناميكيات أخرى تدفع اسرائيل، فإسرائيل حين أعلنت الحرب حددت لنفسها مجموعة من الأهداف، ويجب أن تحقق نجاحاً على الأرض من أجل تحقيق أهدافها. حزب الله لا يمكنه أن يخسر، واسرائيل يجب أن تربح! وهذا المنطق يتطلب من اسرائيل أن توسع أعمالها العسكرية إذا ما رأت أن مستوى العمليات الحالي لا يحقق ما ترمي إليه من أهداف. ومن ناحية أخرى فإن حزب الله عدو قوي الشكيمة وقادر على إلحاق الأذى باسرائيل، وبأقوى فرقها العسكرية.  وهو يحارب على أرض أعد لها طوال سنوات. وبالنسبة لاسرائيل فإن تزايد الخسائر المادية والبشرية قد يدفع إلى زيادة الضغط على الحكومة من أجل أن توسع عملياتها من أجل الحد بشكل أكثر فعالية من قدرات حزب الله. وكل المؤشرات تؤكد أن اسرائيل بحاجة على عدة أسابيع من أجل تحقيق أهدافها، وكلما تقدم الوقت وكانت الإنجازات على الأرض غير مرضية كلما زاد الضغط على الحكومة الاسرائيلية لتصعد العمليات العسكرية.

 

ومن ناحية أخرى فإن هناك ديناميكيات أخرى تفرض قيوداً على التصعيد، وأهمها عقلانية اللاعبين الأساسيين في هذه الحرب، فلا حزب الله يود توسيع الحرب إلى حرب إقليمية لما قد يشكله ذلك من خطر على وضعه الداخلي في لبنان، ولا اسرائيل تريد الانجرار إلى صراع إقليمي أو حتى إلى حرب محدودة مع سوريا، ناهيك عن أن كل اللاعبين على الساحة الدولية، سواء الأمريكيين أو الأوروبيين أو العرب، ينتهجون سياسة فرض القيود على توسيع الحرب. إضافة إلى ذلك، فإن حزب الله واسرائيل يواجهان قيوداً على أعمالهما العسكرية، فهما لا يستطيعان المحافظة على هذه الوتيرة العالية من العمليات العسكرية، فقوة حزب الله، وما يمتلكه من أسلحة تتناقص يوماً بعد يوم، والقوات الاسرائيلية البرية والجوية لا يمكنها القيام بعمليات عسكرية مكثفة إلا لفترة محددة. وأخيراً فإن هناك حقيقة عسكرية أساسية هي أن حزب الله لا يشكل تهديداً وجودياً لدولة اسرائيل، فجل ما يمكن أن يفعله هو جعل حياة بعض الاسرائيليين صعبة بفعل صواريخه وهجماته. ونظرياً يمكنه أن يخرج الحرب من دائرتها الحالية ليقوم بهجمات على المصالح الاسرائيلية في أنحاء العالم، ولكن هذا سيعرض وضعه ووجوده في لبنان لخطر شديد. ومع أنه يمكن أن يطيل أمد الحرب بدعم سوري إيراني عسكري ومادي، ولكن الأرجح أن قدرته العسكرية ستتلاشى في النهاية وسوف يخرج من المعركة.

 

وفي النهاية يمكن القول إن المعركة بين حزب الله واسرائيل هي إلى حد كبير معركة إرادات، وكلا الطرفين يخضع لضغوط الرأي العام، ولأن هناك ديناميكيات تدفع إلى تصعيد الحرب، وأخرى بالاتجاه المعاكس، فإن أي تقويم للوضع يجب أن يكون حذراً، إذ قد تسود العقلانية، وتنجح العملية الدبلوماسية في اجتراح الحلول ووضع حد للصراع، إلا أنه يجب علينا أن نكون على دراية بوجود احتمالات للتصعيد. إذ ليس هناك ما يؤكد بأن هذه الحرب سوف تصل إلى نتيجة حاسمة، فربما تستمر الأعمال العسكرية لشهور، مع التخفيف من وتيرة العنف إلى حد "مقبول" تتخللها فترات قتال عنيفة. ربما تكون هذه الرؤية قاتمة، ولكنها على الأقل تقدم صورة على القدرات والقيود التي يتمتع بها كل طرف، علماً أنه ليس بوسع أي من الأطراف أن يحسم الحرب بشكل حاسم لصالحه.

 

 

ترجمة دراسة: تركيا الشريك الاستراتيجي.. هل يتم استبداله؟

 

العنوان الأصلي: Replace Turkey as a Strategic Partner?

الكاتب: جوناثان إيريك لويس[5] Jonathan Eric Lewis

المصدر: العدد الثاني من المجلد الثالث عشر ل Middle East Quarterly

التاريخ: ربيع 2006

ترجمة: الزيتونة

***

تبحث هذه الدراسة في آفاق إيجاد شريك استراتيجي بديل لتركيا في حال تدهورت العلاقات التركية الأمريكية التي شهدت تراجعاً ملحوظاً عقب رفض تركيا استخدام قواعدها العسكرية لشن الحرب على العراق، وعقب التوجس الذي ساد بين الطرفين، بسبب دعم الولايات المتحدة للأطراف المعارضة داخل تركيا مثل حزب العمال الكردي، وظهور انتقادات علنية لسياسات الولايات المتحدة داخل تركيا.

 

بقيت الشراكة الإستراتيجية بين الولايات المتحدة وتركيا قوية طوال فترة الحرب الباردة. فقد كانت تركيا عضواً في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، ودولة مواجهة متقدمة على حدود الإتحاد السوفييتي السابق. ولقد اعتبرت الولايات المتحدة أن حكومة (أنقرة) حليف إستراتيجي. ولكن مع نهاية مرحلة الحرب الباردة وبالرغم من تراجع دور تركيا وأهميتها الإستراتيجية فقد استمر الرؤساء الأمريكيون المتعاقبون في إعطاء الأهمية للعلاقات الإستراتيجية مع الدولة التركية ولكن قلة منهم استفادت من تلك العلاقة، إلى أن صدم البرلمان التركي الولايات المتحدة حكومة واشنطن عندما رفض السماح للولايات المتحدة باستخدام المنشات التركية أو تقديم أية تسهيلات للقوات الأمريكية خلال عملية (حرية العراق) في مطلع آذار/ مارس من عام 2003، فقد كان الكثيرون يعتبرون أن التعاون والشراكة بين الولايات المتحدة  وتركيا أمر مفروغ منه.   

 

إن خسارة الدور التركي والتحالف مع حكومة أنقرة دفع بالولايات المتحدة إلى إعادة النظر في سياساتها وتعديل إستراتيجيتها في المنطقة. ربما لم تعد تركيا دولة محورية في المنطقة ولكن تبقى منطقتا البحر الأسود وبحر قزوين ضمن دائرة الاهتمام الأمريكي في المنطقة لما لهما من دور محوري وأساسي في مواجهة امتداد الإسلام الأصولي، ولأسباب أخرى تتعلق بتأمين استمرار تدفق إمدادات الطاقة. وبينما تسعى الولايات المتحدة إلى إصلاح العلاقات مع أنقرة وإعادتها إلى سابق عهدها، فإن الأمن والاستقرار في المنطقة يتطلبان بشكل متزايد نشاطاً وفاعليةً ومشاركةً أكبر وتقارباً من الولايات المتحدة ليس مع تركيا فقط ولكن مع دول المنطقة الأخرى مثل أذربيجان وأرمينيا، وجورجيا ورومانيا.

 

اهتزاز الثقة 

لقد أذهل البرلمان التركي السياسيين الأمريكيين عندما رفض المشاركة في عملية (حرية العراق) فالتصويت ب(لا) أضر كثيراً بالعلاقة التركية- الأمريكية. وتفاقم الأمر بعد ذلك بمواقف وتوجهات رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان بتواصله مع سوريا وإيران، وكذلك بسبب توجهات بعض أعضاء حزبه ( حزب العدالة والتنمية) وانخراطهم في نشاطات معادية للولايات المتحدة. ولقد عبر الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد عن رغبته في تطوير علاقات بلاده مع تركيا.

 

ساهم غموض الموقف الأمريكي تجاه حزب العمال الكردستاني، والنزعة الاستبدادية لدى أردوغان، في انعدام الثقة وتدهور العلاقات المتبادلة، ولقد أكد هذا التدهور استطلاع للرأي أجري في تركيا في تموز/ يوليو عام 2005، تبين فيه أن حوالي 50 % من المشاركين في الاستطلاع عبروا عن وجهة نظر سلبية تجاه سياسات الولايات المتحدة في المنطقة. وفي المقابل، تبين أيضاً أن وجهة نظر السياسيين الأمريكيين نحو الحكومة التركية كانت تحمل الشعور نفسه.

 

إن نمو التوجه الإسلامي في تركيا قد أضعف إلى حد ما ثقة الولايات المتحدة بحليفها التاريخي (تركيا)... فقبل أن يصبح رئيساً للوزراء بفترة طويلة، كان أردوغان قد اعتقل لإلقائه قصيدة إسلامية تتحدى القيم والمبادئ الأساسية للفكر (الكمالي) العلماني للدولة التركية. ولقد انكب حزب العدالة والتنمية التركي على العمل على تقوية وتعزيز أجندته الإسلامية بهدف تطوير وتعزيز دور طلاب المدارس الدينية بعد تخرجهم وتسهيل تدفق مليارات الدولارات من دول الخليج ومن مصادر إسلامية أخرى دون رقابة من الأجهزة الرسمية. في الآونة الأخيرة تم سجن أستاذ جامعي دون تهمة (انتحر لاحقاً)، ثم تم بعد ذلك اعتقال عميد جامعة علماني مما دفع بالمجتمع التركي إلى التساؤل عن نوايا وتوجهات أردوغان الحقيقية.

 

لقد أضعفت حكومة أردوغان الحملة الغربية على الإرهاب بانتقادها المتواصل للعمليات الاسرائيلية لمكافحة الإرهاب ووصفها لتلك العمليات (بإرهاب الدولة). وقد سمح أداء أردوغان هذا للأوروبيين بانتقاد تصرفات الحكومة التركية وممارساتها وعملياتها العسكرية ضد حزب العمال الكردي بنفس الطريقة التي يدين بها الممارسات الاسرائيلية. كما أن تعاطف بعض أعضاء ومسؤولي حزب العدالة والتنمية التركي مع بعض حركات المقاومة العراقية قد أضفى الشرعية على بعض الممارسات الإرهابية التي تقوم بها هذه الحركات، ولكل هذه المواقف تصب في غير مصلحة الدولة التركية في صراعها الطويل مع خصومها التقليديين من الإسلاميين.

 

الاهتمام الإقليمي

لقد كان من الممكن أن تتخلى الولايات المتحدة عن حلفاء آخرين لو انخرطت حكوماتهم في سياسات مماثلة للتي ينتهجها أردوغان ولكن الولايات المتحدة لديها اهتمامات ومصالح كثيرة في المنطقة تحول بينها وبين القطيعة مع تركيا. فإلى جانب الاهتمام بمواجهة طموحات إيران التي تسعى إلى تصدير ثورتها، والاهتمامات الأخرى بمواجهة الإرهاب، فإن الولايات المتحدة مهتمة بمنطقة جنوب القوقاز(القفقاس) لأسباب تتعلق بالطاقة، وبشكل خاص أنبوب النفط الذي يمتد على مسافة 1090 ميلاً من (باكو_ تبليسي_ جيهان)، والذي يؤمن وصول النفط من بحر قزوين إلى الميناء التركي (جيهان) على البحر المتوسط. لقد اقترح هذا المشروع خلال عهد الرئيس كلينتون وأعلن عنه في أيار/ مايو عام 2005، ويعتبر هذا المشروع جزء من الإستراتيجية الأمريكية لتخفيض الاعتماد على إمدادات الطاقة الواردة عبر منطقة الخليج الفارسي.

 

إن حماية وتأمين أنبوب النفط الممتد من باكو إلى ميناء جيهان، عملية صعبة لأن جزءاً كبيراً من منطقة جنوب القوقاز (القفقاس) لا يزال خارج سلطة الدولة المركزية. وهذا ما يدفع حكومة واشنطن للعمل على إيجاد حلول عملية وواقعية للمناطق التي تشهد نزاعات (أبخازيا، وأوسيتيا الجنوبية، وناغورني كاراباخ). ويجب الأخذ بعين الاعتبار أن تكون هذه الحلول خاضعة للقانون الدولي ومتوافقة مع التفاهمات الإقليمية المحلية من ناحية الحفاظ على سيادة كل دولة على أراضيها والالتفات أيضاً إلى ملاحظة أنه خلال عقد أو أكثر من زمن توقف الصراعات بين الأطراف المتنازعة فإن سكان تلك المناطق وكذلك المسؤولين فيها قد شكلوا ما يشبه الإدارة المحلية لإدارة شؤونهم. لذا فقد كانت إشارة إيجابية من الولايات المتحدة حين باشرت بتدريب وحدات محلية لتامين سلامة الأنبوب وحمايته في المنطقة من الهجمات الإرهابية.

 

وفي الوقت الذي تبدو فيه الالتزامات التركية نحو أمن المنطقة متأرجحة وغير مستقرة، فإن  ما زالت طموحات إيران النووية وتبنيها للأنشطة الإرهابية تهدد أمن المنطقة. على سبيل المثال فقد قامت إيران بدعم المجموعات الإسلامية السنية والشيعية في المنطقة. إحدى هذه المجموعات (حزب الله التركي) وهي مجموعة إرهابية تهدف إلى إنشاء دولة تركية على النمط الإيراني، وقد يكون أعضاؤها وراء تفجير المعبدين اليهوديين في استانبول في تشرين الثاني/ نوفمبر عام 2003.

 

ولا يزال الإسلاميون ناشطين في شمال شرق القوقاز (القفقاس) سواء أولئك تدعمهم المملكة السعودية أو الذين تدعمهم إيران. وبالرغم من أن حرب الشيشان الأولى ضد موسكو (1994- 96) كانت نضالاً وطنياً نشب نتيجة لانهيار الإتحاد السوفييتي، إلا أن تدفق المجاهدين العرب قد حوّل الصراع عن أهدافه الحقيقية المتمثلة بالاستقلال إذ تحوّل إلى جزء من مشروع صراع أكبر يقوده الإسلاميون ضد الغرب. لقد تحققت بعض النجاحات بسبب تدفق الجهاديين العرب والوهابيين في منتصف عقد التسعينات، لذا فإن مشكلة الشيشان يجب أن ينظر إليها بشكل أعمق في إطار مواجهة مشاكل منطقة الشرق الأوسط الكبير وأمن الولايات المتحدة لا على اعتبار أنها مشكلة محلية فقط. إن العديد من الإسلاميين المتورطين في هجمات أيلول/ سبتمبر كانوا من المهتمين بالصراع مع الروس في الشيشان. والمتبرعون السعوديون لطالما ساعدوا ودعموا الأهداف الشيشانية، كما ساهموا في بث وتعزيز الروح الجهادية بين الشباب في الشيشان. مما أدى إلى تبني الشباب الشيشاني لتكتيكات التفجيرات الانتحارية. كما، أن هناك إشارات متزايدة على أن روسيا لن تستطيع الاستمرار في السيطرة على منطقة القوقاز والجمهوريات المتواجدة فيها بشكل قوي وصارم في السنين المقبلة.  

 

لقد أصبحت داغستان هدف الجهاديين والحركات الجهادية. ثم إن الضغط الروسي المتزايد على شعوب القفقاس سيؤدي بالتالي إلى تماسك الأكثرية المسلمة في المنطقة التي تعرضت للتعسف الديني والثقافي على مدى قرنين من الزمن.