|

الإدارة الأمريكية والسلطة الجديدة
شباط
/ فبراير
2006
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين،
والصلاة والسلام على سيدن المرسلين وإمام المرسلين وعلى آله وصحبه الغر الميامين
وبعد:
لقد أحدثت الانتخابات
الفلسطينية وما نتج عنها انقلابا في الوضع السياسي المحلي والإقليمي، وإن كانت
آثاره لم تتضح بعد، إلا أنها ستتجلى ولو بعد حين، وهذا ينبأ بمرحلة جديدة وعصر جديد
للقضية الفلسطينية بتشابكاتها وعلاقاتها الإقليمية والدولية، وهذا يستدعي مواقف
وطريقة تعامل جديدة من قبل الأطراف الإقليمية والدولية اتجاه السلطة الفلسطينية
الجديدة.
فقد تصدرت منظمة التحرير
الفلسطينية وعلى رأسها حركة فتح ومنذ ما يقرب من خمسة عقود المشهد السياسي عبر
قيادتها الكفاح المسلح لفترة طويلة ومن ثم عملية سياسية وتفاوضية مهينة لم تفلح في
إعادة بعض الحقوق للشعب الفلسطيني ولم تحقق الحد الأدنى لما يسمى بالشرعية الدولية،
وكان ذلك في مقابل اعتراف دولي بالمنظمة والقبول بالتعامل معها على أساس شروط،
أهمها الاعتراف بدولة العدو، وبنبذ ما يسمى العنف أو الإرهاب، والتخلي عن المقاومة،
فكانت منظمة التحرير عرضة للابتزاز والضغوط في سبيل تقديم مزيد من التنازلات،
وإحداث تراجعات جديدة بما يصب في مصلحة العدو.
وعلى طول مسيرة التسوية فإن
الإطراف الإقليمية والدولية وجهت ضغوطها على الطرف الفلسطيني عبر مسيرة طويلة من
الخنوع والخضوع للمطالب الصهيونية، خاصة القوى العظمى وعلى رأسها الولايات المتحدة،
فقد تفهمت الإدارات الأمريكية السابقة المطالب الصهيونية بالكامل.
وفي ظل التغيرات الدراماتيكية
على الساحة الفلسطينية وتغير البرامج السياسية، فإن ذلك بالضرورة يرافقه تغير في
المواقف الإقليمية والدولية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، فكيف سيكون الموقف
الأمريكي من القضية الفلسطينية ومن السلطة الفلسطينية الجديدة، هذا ما سنناقشه في
هذه الدراسة.
خلفية سريعة
قبل دخول القرن الجديد
حتى نهاية القرن التاسع عشر،
وكنتيجة لعوامل أمريكية على وجه الخصوص ولمواقف "موروثة" من الأوروبيين، لم يكن
للفلسطينيين أثر على الإطلاق في وعي الأمريكيين، أو كان ينظر إليهم نظرة سلبية. لقد
عانى الفلسطينيون بشكل خاص حقيقة مفادها أن الأمريكيين نظروا إلى فلسطين بصفتها
الأرض المقدسة ذات الصلة بالمسيحيين واليهود، وإن العرب الفلسطينيين (من المسلمين
والمسيحيين معاً)، ولا سيما بنظر البروتستانتيين الإنجيليين من المؤمنين بحلول
الألف الموعودة عند رجوع المسيح، هم قوم لا نفع فيهم ويمكن الاستغناء عنهم، ذلك أن
المهم "عودة" اليهود إلى فلسطين قبل المجيء الثاني للمسيح، وجرى بعد الحرب العالمية
الأولى، تجاهل رغبات الفلسطينيين في تقرير المصير، سواء من قبل الزعماء السياسيين
أو في المطارحات العامة.
لقد بدا الاهتمام الحقيقي
بالقضية الفلسطينية بعد الحرب العالمية الثانية وبالتحديد في فترة رئاسة ترومان،
فقد كان شبه إجماع في أركان الإدارة الأمريكية بان العصابات الأمريكية اليهودية
المسلحة في فلسطين قبل عام 1948م لا يمكن لها أن تقيم دولة لأنها تعيش في محيط عربي
واسع سيقضي عليها عاجلا أم آجلا، ولكن الإدارة تفاجأت بحجم الإنجازات السريعة
للعصابات اليهودية في حرب النكبة.
وقد تبدى لها أنها كانت مأخوذة
بقوة الشعوب العربية بشكل لا يعبر عن الواقع، وأن الجيوش العربية ما هي إلا جيوش
بالية ضعيفة في ظل أنظمة عربية مهترئة تتسابق فيما بينها لنيل رضا القوى العظمى
سواء المنصرفة في حينه "الإمبراطورية البريطانية" أو القوة الصاعدة الجديدة
"الولايات المتحدة"، لذلك اكتشفت الولايات المتحدة قوة جديدة وقاعدة استراتيجية
هامة يمكن الاعتماد عليها في الشرق الأوسط:
أولا: لحماية منابع النفط
المكتشفة حديثا.
ثانيا: لمحاربة المد الشيوعي
السوفييتي في هذه المنطقة ضمن مخطط الحرب الباردة التي بدأت معالمها تتضح في ذلك
الوقت.
لذلك تبنت الإدارة الأمريكية
الدولة الوليدة الجديدة كحليف استراتيجي جديد ممكن أن يقوم بحماية المصالح
الأمريكية وبأقل تكلفة من التواجد الأمريكي نفسه في المنطقة، والذي ساعد على ذلك
أنصار اليهود في الولايات المتحدة والجماعات المسيحية الصهيونية والتي تعد
بالملايين.
وبالنسبة للفلسطينيين الذين
طردوا من أرضهم وهجروا من بيوتهم فلم تنظر إليهم الولايات المتحدة على أنهم شعب له
حقوقه، وأنه له الحق في إقامة دولة مستقلة مثل الشعوب الأخرى، وإنما قضية إنسانية
يحتاج الفلسطيني إلى معونات المؤسسات الدولية وان يتم توظيفه في البلاد التي هجر
إليها.
إدارة
إيزنهاور
وفي عهد إدارة إيزنهاور فقد
تمحورت السياسة الأمريكية حول حماية مصالحها الاستراتيجية والتي ركزت على الدفاع عن
أوروبا الغربية ونموها واحتواء الشيوعية، وهي أهداف تترتب عليها الحاجة إلى تدفق
مطرد للإمدادات النفطية من الشرق الأوسط والحاجة إلى استقرار الدول العربية المؤيدة
للغرب. فإذا هددت أعمال إسرائيل أو عنادها تلك الأغراض ( كما حدث خلال غزو السويس
في عام 1956م وبعده )، فإن إدارة إيزنهاور لم تتردد في انتقاد إسرائيل. بيد أنه لم
يكن من شأن أي شيء من هذا أن يساعد الفلسطينيين مساعدة تذكر، فهؤلاء ينظر إليهم،
هذا إذا نظر إليهم على الإطلاق، بصفتهم لاجئين لا بصفتهم شعباً له مطامح وطنية
والحق بتقرير المصير.
إدارة كينيدي
وجنسون
خلال إدارتي كينيدي وجونسون،
استمر النظر إلى الفلسطينيين باعتبارهم ليسوا أكثر من مشكلة لاجئين، بيد أنه حتى
على هذا المستوى لم تكن محاولة كينيدي لإيجاد حل لـ "مشكلة اللاجئين" محاولة ناجحة،
وذلك بالضبط لأن مصالح أمريكية أخرى في المنطقة قد اعتبرت أكثر أهمية. أما في عهد
جونسون فلم يعر أي اهتمام يذكر من أي نوع كان من للفلسطينيين – لكن المفارقة تتجلى
بأن الفلسطينيين كان ينظر إليهم من جهة بأنهم غير ذي شأن أو غير موجودين كأطراف
فاعلين على الساحة السياسية، وينظر إليهم من جهة أخرى بأنهم قوة ذات شأن قادرة على
تحريك الأحداث التي أدت إلى حرب 1967 ! وقد جرت في سنة 1968 محاولة واهنة لحل مشكلة
اللاجئين – محاولة تجاهلت ما كان يجري من تغيرات رئيسية بشأن التنظيم الفلسطيني
والالتزام بتحقيق الوطن، وهو ما تجلى بالمقام المتنامي لمنظمة التحرير الفلسطينية،
إن هذا الوضع يعكس إلى حدٍ ما افتقار الرئيس جونسون إلى الاهتمام بقضايا السياسة
الخارجية، كما يعكس انشغاله بفيتنام، بالإضافة إلى أن جونسون نفسه وعدداً من كبار
مستشاريه كانوا من أنصار إسرائيل إلى حد كبير.
إدارة نيكسون
وفورد
أما في إدارتي نيكسون وفورد،
فقد جاء نيكسون إلى الرئاسة وهو على إطلاع تام على الوضع العربي – الإسرائيلي، لكنه
على جهل كبير بالجانب الفلسطيني. لم يكن نيكسون مديناً لأصوات اليهود الأمريكيين في
نجاحه السياسي، وقد أراد أن يجد حلاً للمشكلة العربية- الإسرائيلية، لكنه خاب في
ذلك في نهاية الأمر. ويعزى إخفاقه هذا إلى أربعة عوامل رئيسية: أولاً: تعيينه
مساعدين اثنين متنافرين وهما وليام روجرز وزيراً للخارجية وهنري كيسنجر مستشاراً
للأمن القومي، ثانياً: خطأه في اعتبار مشكلة الشرق الأوسط كنزاع عالمي مع الاتحاد
السوفيتي، ثالثاً: الضعف السياسي الذي انتابه كنتيجة لفضيحة ووترغيت، وأخيراً،
تعاطف كيسنجر القوي مع إسرائيل الأمر الذي تحول في نهاية المطاف إلى سياسات معينة،
كالقيود التي فرضها على الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية أو التفاوض معها حتى
تعترف المنظمة بحق إسرائيل في الوجود وتقبل بقراري مجلس الأمن رقمي 242 و338 – وكان
هذا شرطاً لم يتحقق إلا بعد عشرين سنة.
إدارة جيمي
كارتر
أما في إدارة جيمي كارتر
(1975م-1979م) فكان جيمي كارتر يريد تسوية شاملة للمنازعات(بالمفهوم الأمريكي)
القائمة بين الفلسطينيين والعرب من جهة، وإسرائيل من جهة أخرى. وبالتالي فإن إدارته
بدأت باتصالات وبمباحثات غير مباشرة مع منظمة التحرير الفلسطينية، غير أنه جاءت في
النهاية اتفاقات كامب ديفيد ومجريات أمورها وكانت من حيث الأساس استمراراً لأسلوب
الخطوة- خطوة الذي كان يدعو إليه ويطبقه هنري كيسنجر. إن الإخفاق في التوصل إلى
تسوية شاملة (حسب المنظور الأمريكي) تضم الفلسطينيين يعزى إلى الجهد القوي الذي
بذله اللوبي الصهيوني و قوة العاطفة المناصرة لإسرائيل في أوساط موظفي البيت الأبيض
والكونغرس والصحافة والرأي العام.
إدارة ريغان
وفي إدارة ريغان فقد كان
الشاغل الأكبر لرونالد ريغان كان يتمثل بالاتحاد السوفيتي، ففي ما يتعلق بالشرق
الأوسط كان ينظر إلى إسرائيل باعتبارها دعامة قيمة، وكانت تنعت منظمة التحرير
الفلسطينية بأنها منظمة إرهابية، ووفقاً لهذا المنظور بادرت إدارة ريغان سريعاً إلى
جعل إسرائيل حليفاً استراتيجياً وتجاهلت القضية الفلسطينية على العموم، مصرّة على
أن يقوم الملك حسين عاهل الأردن بالتفاوض نيابة عن الفلسطينيين، وبعد أن اعترفت
منظمة التحرير الفلسطينية بحق إسرائيل في الوجود، ونبذت الكفاح المسلح (الإرهاب )
بالصيغة اللغوية التي طلبتها الولايات المتحدة بالضبط، وقبلت بقراري مجلس الأمن
رقمي 242 و338، قامت الولايات المتحدة بفتح حوار مع المنظمة، غير أن الانتفاضة هي
التي غيرت في واقع الأمر السياسة الأمريكية إزاء قضية فلسطين.
إدارة بوش
الأب
وفي إدارة بوش الأب
(1988م-1992م) فإن السياسة الأمريكية لم تكن كما جرى عليه التصور الشائع من أن
إدارة بوش كانت أكثر توازناً بشأن القضية الفلسطينية من الإدارات التي سبقتها، ففي
واقع الأمر درجت إدارة بوش على السياسة الأمريكية السابقة برفض الحقوق الفلسطينيين،
يضاف إلى هذا عدم وجود أي دليل على أن العلاقات الأمريكية- الإسرائيلية قد تدهورت
إلى حد يهدد بالخطر الشراكة الوثيقة القائمة بين البلدين. أما الذي حدث حقاً فهو
التصاعد الساخن في لهجة الخطاب أحياناً وإبداء بعض الملاحظات التي بدت عدائية على
نحو مكشوف، في ما عدا ذلك استمرت إدارة بوش بقبول إسرائيل بصفتها دعامة إستراتيجية،
وتعاونت تعاوناًَ وثيقاً معها في قضايا عسكرية واستخباراتية، وزودتها بمبالغ طائلة
من المعونة المالية.
إدارة بيل
كلينتون
وفي إدارة بيل كلينتون
(1992م-2000م) فقد كان كلينتون مناصراً لإسرائيل إلى أقصى الحدود، بيد أن بؤرة
الاهتمام الأساسية الإستراتيجية الولايات المتحدة حين دخل كلينتون البيت الأبيض
كانت موضوع الخليج وكيفية الحفاظ على المصالح الأمريكية هناك والسير بها قدما. كانت
حرب 1990-1991 في الخليج قد أدت إلى تدمير العراق كقوة عسكرية رئيسية وضمنت
للولايات المتحدة قدرتها على تحديد الروزنامة السياسية هناك، وبتحقيق هذا الغرض
الأساسي اتجهت إدارة كلينتون نحو الحصول على تسوية فلسطينية (وعربية) – إسرائيلية
حسب المفهوم الأمريكي وذلك لتجنب أية مشاكل هناك تؤثر سلباً في وضع أمريكا في
الخليج. بيد أن تعيين كلينتون عناصر مؤيدة لإسرائيل دعماً أمريكياً قوياً وإلى أن
تقدم إليها حصيلة مثلى في أفضليتها في المفاوضات الفلسطينية – الإسرائيلية
والمفاوضات العربية – الإسرائيلية، لقد كان الميل المناصر لإسرائيل، في حقيقة
الأمر، من القوة بحيث توصلت إسرائيل وفتح باسم منظمة التحرير الفلسطينية إلى
المبادئ العامة لاتفاق أوسلو في النرويج، أي بعيداً عن الضغط الأمريكي وأساليب
التأخير الأمريكية، وما أن تم التوصل إلى ذلك حتى احتضن كلينتون الاتفاق، غير أنه
ليس ثمة دليل يفيد بأن إدارة كلينتون قد غيرت من موقفها المناصر لإسرائيل.
إن صناع السياسة الأمريكية قد
نظروا إلى الفلسطينيين وتعاملوا معهم في أطر غير سياسية، حتى أنهم تصرفوا في غالب
الأحيان وكأن الفلسطينيين غير موجودين، أو أنهم غير ذي شأن سياسياً، ولكنهم على نحو
ما يثيرون المتاعب! أدت تلك النظرات كذلك إلى قيام المسئولين الأمريكيين بتقسيم
القضية الفلسطينية إلى وحدات صغيرة، فيجري من ثم التعامل معها على أنها أساساً ذات
طبيعة اقتصادية أو إنسانية- لكنها ليست سياسية أو وطنية. وفي مثل هذه الظروف تبني
صناع السياسة الأمريكية على العموم (ولا سيما خلال فترة الحرب الباردة الطويلة)
الموقف الآتي: إن القضية الأساسية في الشرق الأوسط هي نزاع عالمي بين الولايات
المتحدة (الغرب) والاتحاد السوفيتي (الشرق)، والقضية الإقليمية الأقل أهمية هي وجود
إسرائيل في الأراضي العربية ( النزاع العربي – الإسرائيلي)، وما احتلال إسرائيل
للأرض الفلسطينية ( النزاع الإسرائيلي – الفلسطيني ) إلا الجزء الأصغر والأقل شأناً
منها. لذلك فإن الجهد الأكبر كان يتركز، حتى وقت قريب، على دعم دول قوية وصديقة في
المنطقة، وعلى حل للقضية الفلسطينية بمفاوضات تجري بين إسرائيل ودول عربية على
انفراد. إن أي عمل لا يتصف بعمل الدولة، كالكفاح الوطني الفلسطيني، يوصم
بـ"الإرهاب"، كما أن منظمة التحرير الفلسطينية قد حرمت من أي مركز كممثلة
للفلسطينيين، ووصمت كذلك بأنها منظمة "إرهابية".
في كانون الأول/ديسمبر 1987،
اندلعت الانتفاضة المباركة فقد كثف الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة
مقاومتهم للاحتلال من أجل المطالبة بحقوقهم، فقاموا بانتفاضة ضد الاحتلال الصهيوني،
ثم أفصحت منظمة التحرير بعد عام كامل من ذلك عما كانت تدعو إليه مدة خمس عشرة سنة،
ونعني الاعتراف بإسرائيل والقبول بقراري مجلس الأمن رقمي 242 و338، ونبذ (الإرهاب).
فبدأت الولايات المتحدة عندئذ بإجراء "حوار" مع المنظمة. ثم أتضح بعد تعليقه في
حزيران/يونيو 1990، أنه كان "حواراً" لا يعدو كونه مناقشة عامة بشأن مسائل ثانوية
وإجرائية في الغالب.
وحين استؤنف الحوار بين
الولايات المتحدة وفتح في أيلول/سبتمبر 1993، فإن ذلك لم يكن إلا لأن الوضع على
الأرض قد أملي توجهاً جديداً على السياسة الأمريكية ينحو نحو القبول بواقع
الفلسطينيين وأهميتهم، ونحو تحقيق تسوية تكون في صالح السلام الإقليمي والعالمي حسب
المنظور الأمريكي، وبما أن الحالة مائعة والمفاوضات مستمرة، فإن هناك إغراءً قوياً
باستغلال ضعف الفلسطينيين في هذا المنعطف وذلك لسد الطريق بوجه هدفهم لنيل حقوقهم.
فإذا حدث ذلك، تكون بذور نزاع آخر في المستقبل قد بذرت".(1)
إدارة كلينتون
الثانية
أكثر ما يميز فترة كلينتون
الثانية (1996 – 2000) هو دعوة الأطراف، الصهيوني والفلسطيني إلى منتجع كامب ديفيد
في صيف 2000م وذلك لاعتبارات اختلطت في المصالح الشخصية وفي دخول التاريخ من أوسع
أبوابة بالسياسات الداخلية الأمريكية الصهيونية لتحقيق حل على حساب القضايا
الجوهرية التي تخص القضية الفلسطينية والتي انفجرت في وجه الجميع لتؤدي إلى اندلاع
انتفاضة الأقصى المجيدة والتي ما زالت توجع العدو حتى هذه الأيام.
إدارة بوش
الابن
وفي إدارة بوش الابن فقد بدأت
ملامح السياسة الأمريكية الخارجية فيما يخص القضية الفلسطينية والعراق تضح مبكرا،
فقد عقد الحزب الجمهوري اجتماعات
تخطيط سياسي فور فوزه، وكان أحد أهم نتائج هذه الاجتماعات ما دار حول القضية
الفلسطينية ورؤية إدارة بوش الجديدة تجاه المنطقة.
وفي المحصلة فإن «أزمة الشرق
الأوسط لم تبلغ بعد مرحلة النضج» maturity الضرورية
لحلها، وأن«أزمة فلسطين غير قابلة للنضج من الأساس لأنها تنطوي ضمن عوامل كثيرة على
مقدسات يصعب أن يكون لها حل وسط » وهذا النوع من الأزمات ليس له دواء غير وصفة
إجراءات تتكفل به وهي:
- عزل الأزمة وإحكام عزلها عن
محيطها حتى لا يتسع نطاقها ولو بالعدوى.
- إفراغ الأزمة أولا بأول من
عناصر التوتر حتى لا تنفجر في مكانها مدوية في محيطه.
- ثم تركها بعد ذلك للزمن
يزيحها إلى النسيان، وفي هذا النسيان تستهلك الأزمة نفسها بنفسها بالتحلل والتآكل
والتلاشي.(2)
لقد كانت هذه الإدارة الأسوأ
بالنسبة للفلسطينيين والأكثر قربا من دولة العدو، فقد تبنى بوش سياسات شارون
بالكامل، فقد وقفت الإدارة الأمريكية لجانب الإرهاب الصهيوني تحت مسمى حق الدفاع عن
النفس، وكان الانقلاب الأكبر في إدارة بوش الوديعة التي قدمها بوش لشارون في نيسان
2004م عشية خطة فك الارتباط من قطاع غزة والتي كانت تتضمن تغير موقف الإدارة
الأمريكية السابق الرسمي فيما يخص قضايا الوضع النهائي، فبالنسبة للمستوطنات فإن
الولايات المتحدة ستأخذ في عين الاعتبار الوضع القائم ( المستوطنات في الضفة
الغربية )، وأن ذلك يعني الاعتراف بالمستوطنات الكبيرة على أراضي الضفة الغربية،
ومن جهة التخلي عن المطالبة بالرجوع إلى حدود السابع من حزيران عام 1976م.
كذلك تتحدث الوثيقة عن حق
العودة، حيث إن الولايات المتحدة تؤيد عودة اللاجئين إلى الدولة الفلسطينية والتي
ستقام مستقبلا.
ومن المفارقات أن الإدارة
الأمريكية تفاوضت مع شارون
وحكومة العدو حول الحقوق الفلسطينية، وكأن الأمر لا يعني الفلسطينيين في شئ ولا
يعني أي عربي أو إسلامي، وهذا يدلل على مدى التوافق بين الإدارة الأمريكية وحكومة
العدو والتي تمثل الموقف الصهيوني.
تجربة منظمة
التحرير خاصة حركة فتح في الحوار مع الولايات المتحدة
وقد كان لمنظمة التحرير خاصة
حركة فتح تجربة سابقة في الحوار مع الولايات المتحدة، فقد سعت الحركة وبمبادرة من
عرفات مباشرة إلى فتح قنوات اتصال بكافة الطرق وعبر أكثر من وسيط، فقد كان الاعتقاد
السائد منذ انطلاقة حركة فتح ولا زال حتى أيامنا هذه أن مفاتيح الحل بيد واشنطن
وكان أبو عمار يقول بأن 99 % من مفاتيح الحل بيد الولايات المتحدة، وأن الرهان على
قوى أخرى رهان خاسر بكل امتياز، لذلك وبعد حرب تشرين عام 1973م ومفاوضات فك
الاشتباك بين إسرائيل ومصر وسوريا تشجعت حركة فتح لفتح حوار مع الإدارة الأمريكية
غير أن هنري كسنجر وزير الخارجية الأمريكية الأسبق وضع شروط منذ بداية السبعينيات
لم تتغير أبداً وهي:
1- اعتراف بحق إسرائيل
بالوجود.
2- الاعتراف بقراري 242 و 338
3- نبذ العنف "الإرهاب".
وتظهر الوثائق الأمريكية صرامة
الخطوط التي وضعتها وزارة الخارجية في واشنطن لأية محاولة اتصال تجرب منظمة التحرير
أن تقوم بها.
كان "واين كريستوفر" (وزير
الخارجية الأمريكي الآن) – في ذلك الوقت (1977) مساعدا لوزير الخارجية "سايروس
فانس". وقد كتب توجيها سريا وجهه إلى كل البعثات الأمريكية في الخارج، كان نصه كما
يلي:
"سري"
إلى كل البعثات
الدبلوماسية الأمريكية والقنصلية
لقد لفت نظر الوزارة في الفترة
الأخيرة قيام بعض ممثلي منظمة التحرير الفلسطينية بمحاولة للاتصال برسميين أمريكيين
في الخارج (خصوصا في جنيف). ولذلك فإن الوزارة تود أن تلفت نظر الممثلين الأمريكيين
إلى حدود التعامل مع منظمة التحرير.
إن موقفنا ما زال قائماً كما
كان ولم يطرأ عليه أي تغيير. وعلى ممثلي الولايات المتحدة ألا يقبلوا أية اتصالات
مباشرة – نكرر مباشرة- أو موضوعية مع ممثلي منظمة التحرير الفلسطينية. إن هذه
السياسة تنطبق على أية لقاءات مع أعضاء في المجالس الرسمية لمنظمة التحرير،
وبالتحديد مع أي من جماعات الفدائيين مثل "فتح"، والجبهة الديمقراطية، والجبهة
الديمقراطية لتحرير فلسطين، والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وغيرها.
إن الحكومة الأمريكية لا تزال
ترفض التعامل مع منظمة التحرير طالما أن هذه المنظمة لا تعترف بحق إسرائيل في
الوجود، ولا تقبل بقراري مجلس الأمن رقمي 242 و338. وعلى هذا الأساس فإن ممثلي
الحكومة الأمريكية في الخارج عليهم أن يتجنبوا أي عمل يمكن تأويله كخروج عن هذه
السياسة أو تخفيف لقواعدها.
وبالقطع، فنحن ندرك أن بعض
اللقاءات حتمية ولا يمكن تجاوزها، ونموذج ذلك ما يحدث في أروقة الأمم المتحدة التي
يحضر فيها ممثلو المنظمة بالضرورة، وأيضاً ما حدث في بيروت حينما جرت اتصالات بشأن
رهائن أمريكيين احتجزوا في أماكن تتواجد فيها منظمة التحرير في لبنان. وفي مثل هذه
الظروف إذا طرأت، فإن على ممثلي الولايات المتحدة إخطار الوزارة بالوقائع
والملابسات، وطلب التوجيه في الكيفية التي يتصرفون بها.
كذلك فنحن ندرك أنه في بعض
المناسبات الاجتماعية في الخارج فإن لقاءات بالمصادفة عرضة لأن تحدث، وقد يستغلها
بعض من لهم علاقة بمنظمة التحرير. وفي مثل هذه الأحوال فإن على ممثلي الولايات
المتحدة أن يتجنبوا قدر الإمكان مثل هؤلاء الأشخاص دون أن يتخلوا عن ضرورات اللياقة
الدبلوماسية بطريقة قد تبدو حادة. وعليهم أن يكونوا ملتزمين بالمجاملة، وأن يكونوا
في نفس الوقت حريصين على ألا تظهر المجاملة وكأنها لقاء أو حديث.
إمضاء:
وارين كريستوفر
وكانت المنظمة تحس بهذا الحظر
الأمريكي عليها، وحاول بعض المسئولين فيها أن ينقلوا رسائل إلى الولايات المتحدة
وفيها ما كان مقصودا به إقناع واشنطن بان المنظمة لديها ما تقوله معتدلاً ومقبولاً.
وفي بعض المرات فإن المسئولين الفلسطينيين آثروا أن تكون الرسائل الموجهة إلى
واشنطن منقولة من وسطاء غير عرب. وتسجل الوثائق الأمريكية رسالة من هذا النوع أرسلت
عن طريق السفير الأسترالي في دمشق. كان المسئول الفلسطيني الذي تحدث إلى السفير
الأسترالي في العاصمة السورية عضواً في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير
الفلسطينية، وكان حديثه بعد توقيع معاهدة "كامب ديفيد"، وكان حديثاً صريحاً. وحتى
إذا قيل إن ما ورد على لسانه يعبر عن رأيه الشخصي، فمن المؤكد أن حديث عضو في
اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير مع سفير غربي- لا بد أن تكون له دلالاته.
وفجأة حدث خرق لقواعد الاتصال
الأمريكي. فقد تسربت رواية عن لقاء جرى بين "آندرو يونج" الممثل الأمريكي الدائم في
الأمم المتحدة، و"زهدي لبيب الطرزي" مندوب منظمة التحرير لدى الأمم المتحدة. وسارعت
وزارة الخارجية الأمريكية بتقصي الأمر، وتأكدت من حدوث لقاء، وخشيت من تأثيره على
خطوط التوجيه الرسمية في شأن الاتصالات مع ممثلي المنظمة. فإنه لم تمض غير أيام
قليلة حتى كان السفير " يونج" قد طرد من منصبه بصرف النظر عن صداقته الوثيقة
بالرئيس " كارتر".
ولم تنجح محاولات الاتصال على
اختلاف أنواعها. ولم تختلف الولايات المتحدة قيودها على التعامل مع منظمة
التحرير.(9)
وكان الاقتراب من الباب
الأمريكي يعطي معادلة جديدة – لكن واشنطن ما زالت غير مستعدة، وكانت ترى – طبقا
لنظرية " ريتشارد هاس " – من أعضاء مجلس الأمن القومي الأمريكي وأمانته الدائمة في
البيت الأبيض – أن الوضع الفلسطيني لم " ينضج "لا بعد ولم يصبح جاهزا للتسوية
المطلوبة، وان أمامه بعض الوقت تحت الحرارة والضغط حتى يلين ويصبح جاهزا للتناول !.
في نهاية السبعينات من القرن
الماضي كانت هناك عدة قنوات اتصال سواء على صعيد رجال الأعمال والأساتذة
الفلسطينيين المقيمين في الولايات المتحدة أو بشكل شخصي قبل اللقاء بين ياسر عرفات
والمستشار النمساوي برونوكريسكي عام 1978م، والذي كان من قلائل زعماء أوروبا وكان
له دور نشيط في الحركة الدولية الاشتراكية وعلى علاقة بعدد من ساسة حزب العمل
الصهيوني، وقد كان لعصام السرطاوي دور كبير في هذه اللقاءات وبتوجيه من أبو
مازن.....
كانت السياسة الأمريكية تتابع
بدقة ما يجري من تطورات على كل الساحة الممتدة من بيروت إلى فيينا وما حول
العاصمتين، وكانت واشنطن تجري تقييماتها للموقف بدقة تعكسها برقية سرية بمعلومات
وتوجيهات صادرة من وزير الخارجية مباشرة، وجاء في نص هذه البرقية ما يلي:
" برقية رقم 12065 –
سري جدا
4 سبتمبر 1979
ملحوظة: لا يطلع على هذه
البرقية غير رؤساء البعثات ولا توزع على غيرهم لأن ما فيها قد يكشف مصادر معلوماتها
وأسلوب الحصول على هذه المعلومات.
يراعى التزام السرية.
أن اللقاء الذي حدث أخيرا بين
عرفات وكرايسكي وبرانت أعطى لمنظمة التحرير حقنة مقوية في ذراعها (a shot in
the arm). أن هذا اللقاء الذي جاء سابقا مباشرا للقاء حصل
بالصدفة بين المندوب الأمريكي في الأمم المتحدة والمندوب الفلسطيني – زاد التوقعات
في شأن الاتصالات مع منظمة التحرير، ويظن عرفات أن هذه اللقاءات قد أضافت إليه قدرا
من الاحترام. ويبدو أن عرفات يعيد النظر الآن في أساليب العنف كوسيلة لتحقيق أهداف
منظمة التحرير وفتح.
إن منظمة التحرير مرت في
الأسابيع الأخيرة ببعض التطورات الدبلوماسية التي قد تعطيها الإحساس معها:
حدث لقاء بين فرانسوا بونسيه
وزير الخارجية الفرنسي وبين فاروق القدومي رئيس الدائرة السياسية لمنظمة التحرير
الفلسطينية. وطرح قدومي في الاجتماع رغبة عرفات في زيارة باريس، ومعلوماتنا أن الرد
عليه كان بأن الوقت ما زال مبكرا لذلك.
أن حادث الهجوم على السفارة
المصرية في أنقرة واحتلالها بواسطة فلسطيني وتدخل منظمة التحرير بحزم لإنهاء هذه
المشكلة – أعطى لمنظمة التحرير الفرصة للاقتراب من الحكومة التركية والحصول منها
على نوع من الاعتراف الدبلوماسي. وتلك أول مرة يحدث فيها ذلك من دولة عضو في حلف
الأطلنطي.
أن الرئيس الروماني تشاوشيسكو
اجتمع أخيرا مرتين مع عرفات، ولم يكن هناك إلا فاصل تسعة أيام بين المقابلة الأولى
والثانية، ونحن نعرف أن تشاوشسكو كالعادة منهمك في نقل الرسائل.
أن المجلس الفيدرالي السويسري
أعلن أخيرا عن استعداده للسماح بلقاء بين وزير الخارجية السويسري وفاروق القدومي.
أن الرئيس الليبيري تولبرت
وافق على استقبال مبعوث من منظمة التحرير رغم انه لا يوجد مكتب للمنظمة في منروفيا.
إن إستراتيجية المعتدلين في
منظمة التحرير تبدو وكأنها تأخذ اتجاهين:
الاتجاه الأول هو تجاوز سمعة
منتظمة التحرير كمنظمة إرهابية والسعي من اجل الحصول على مصداقية دبلوماسية في
الغرب.
البناء فوق هذه السمعة
المكتسبة والتغلب على رفض الولايات المتحدة المستمر حتى الآن للحوار مع المنظمة
لمتابعة هذه الأهداف فإن عرفات
ذهب إلى قمة الدول الغير منحازة وهو يتوقع أن يحصل على قرار بإدانة المعاهدة
المصرية – الإسرائيلية (لاستكمال الشكل والتغطية) والدعوة إلى اجتماع خاص للجمعية
العامة للأمم المتحدة يكرس لمناقشة قضية فلسطين، وهو يفكر في المجئ لنيويورك للبحث
في أمر هذا الاجتماع.
ويبدو أن عرفات مستعد لتجاهل
العناصر المتشددة في المقاومة الفلسطينية وفي منظمة التحرير، وفي نفس الوقت يضعف
مركز الحكومة السورية لأن دمشق تخشى أن يصبح عرفات طرفا مستقلا في تعاملاته
الدبلوماسية، وهناك أدلة تشير إلى أن عرفات أوقف جميع عمليات الإرهاب الدولية التي
تقوم بها فتح، كما مارس قدرا كبيرا من ضبط النفس خلال الهجمات التي قامت بها
إسرائيل والقوات الموالية لها بقيادة حدا في جنوب لبنان.
يحاول عرفات أن يصل إلينا عن
طريق بعض الشخصيات من السود الأمريكيين الذين يدعوهم إلى لقائه، وبينهم جاكي
جاكسون، وهو يبعث لنا بإيماءات صريحة بأنه على استعداد للاعتراف بحق إسرائيل في
الوجود إذا جرى اعتراف أمريكي بحق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم.
من الواضح أن عرفات يبدو
مقتنعا الآن بأن كل الأعمال الإرهابية لن تعطيه الاعتراف الذي يريده سواء من دول
أوروبا الغربية أو الولايات المتحدة.
إن عرفات يتوقع أن ينفتح أمامه
باب أمريكي يصل منه إلينا.
إمضاء:
" وزير الخارجية "
وكانت الولايات المتحدة رغم
ذلك – وحتى هذه الدقيقة – لا تزال على تصميمها بأن منظمة التحرير يجب أن تنتظر أكثر
حتى تنضج الأمور وتستوي أكثر.(10)
عصر التنازلات
إن وثائق وزارة الخارجية
الأمريكية، وكذلك مذكرات " جورج شولتز" توضح أن " ياسر عرفات" كان طوال شهر سبتمبر/أيلول
1988 على اتصال بالإدارة الأمريكية عن طريق " ويليام كوانت" الذي عمل مستشاراً في
مجلس الأمن القومي في البيت الأبيض على أيام رئاسة " جيمي كارتر"، ثم التحق بعد ذلك
بمؤسسة " بروكنجر"، وأصبح أحد عمدها وقد ذهب " كوانت" لمقابلة " ريتشادر مورفي"
مساعد وزير الخارجية الأمريكي لشئون الشرق الأوسط ليبلغه أنه تلقى رسالة من "
عرفات" يركز فيها الزعيم الفلسطيني على سؤال واحد هو: " هل تقبل الولايات المتحدة
محادثات رسمية معه إذا استجاب لشروطها؟" وكان الرد الذي تلقاه " كوانت" من مورفي "
لينقله إلى " عرفات" أن " الأمر يتوقف على طريقة وصيغة الاستجابة للشروط الأمريكية
الثلاثة " وعاد " كوانت" بعد أيام بصيغة مقترحة من " ياسر عرفات"، وعندما عرضت على
" شولتر" رفضها باعتبارها غير وافية بالغرض، ثم إنه ليس مستعداً لمناقشة حولها لأن
أي مناقشة حول الصياغات والكلمات قد تأخذ صورة تفاوض واعتراف بمنظمة التحرير.
ويوم 12 سبتمبر/أيلول
أعاد" ياسر عرفات" صياغة النص الذي حمله " كوانت"، وطلب عرضه على " شولتز" الذي
وجده ملبياً لكل الشروط الأمريكية. وسأله " ريتشارد مورفي" عن الخطوة التالية، وكان
رد شولتز أنه " عندما تعلن المنظمة رسميا ما قالته في النص الجديد المقترح، فليس
هناك مفر من بدء حوار معها، وهذا هو كل ما وعدنا به" وكان " كوانت" يلح على مورفي"
أن يظهر وزير الخارجية الأمريكي بادرة طيبة ل" ياسر عرفات" حتى يتشجع ويعلن عن
موقفه، ولكن " جورج شولتز" أصر على الرفض.
ويوم 9 نوفمبر، وبعد أن نجح "
جورج بوش" في انتخابات الرئاسة في اليوم السابق (8 نوفمبر)، تقدم " زهدي الطرزي"
المندوب المراقب لمنظمة التحرير لدى الأمم المتحدة بطلب إلى رئيس مجلس الأمن أن
يدعو إلى دورة خاصة للجمعية العامة للأمم المتحدة ليكون اجتماعها مناسبة يلقى فيها
رئيس منظمة التحرير الفلسطينية بيان هام للمجتمع الدولي. ثم تقدمت المنظمة بطلب إلى
السفارة الأمريكية في تونس تطلب فيه تأشيرة دخول باسم السيد " ياسر عرفات" إلى
الولايات المتحدة ليحضر اجتماع الجمعية العامة إذا تقرر عقده.
ولم يكن " جورج شولتز" على
استعداد لقبول ذلك، وفي رأيه فإن " عرفات" يجب أن يعلن عن مواقفه أولا قبل أن تسمح
له الولايات المتحدة بدخول أراضيها حتى ولو كان ذلك بقصد حضور اجتماع للجمعية
العامة وإلقاء بيان أمامها.
وكان هناك تعاطف دولي واسع مع
طلب " ياسر عرفات" لكن الإدارة الأمريكية في فترة الانتقال من رئاسة "رونالد ريجان"
إلى رئاسة " جورج بوش" لم تكن مستعدة لسماع أي نداء، وهكذا قررت الجمعية العامة أن
تعقد اجتماعها الاستثنائي في المقر الأوروبي للأمم المتحدة في جنيف.
وفي تلك الأثناء عقد المجلس
الوطني الفلسطيني دورته المنتظرة، وهي الدورة التاسعة عشرة, وفي هذه الدورة جرى
إعلان قيام دولة فلسطينية مستقلة, لكن الأهم من ذلك في قرارات المجلس الوطني
الفلسطيني كان البند "ثانياً" – فقد جاء فيه ما يلي:
" إن المجلس الوطني ا لفلسطيني
من موقع المسؤولية تجاه شعبنا الفلسطيني يؤكد عزم منظمة التحرير الفلسطينية على
الوصول إلى تسوية سياسية شاملة للصراع العربي- الإسرائيلي، وجوهره القضية
الفلسطينية، في إطار ميثاق الأمم المتحدة ومبادئ وأحكام الشرعية الدولية، وقواعد
القانون الدولي، وقرارات الأمم المتحدة، وقرارات القمم العربية، بما يضمن حق الشعب
الفلسطيني في العودة وتقرير المصير وإقامة دولته الوطنية المستقلة على ترابه
الوطني... أخذين بالاعتبار أن المؤتمر الدولي الفعال الخاص بقضية الشرق الأوسط تحت
إشراف الأمم المتحدة وبمشاركة الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي، وجميع
أطراف الصراع في المنطقة- أخذين بالاعتبار أن المؤتمر الدولي ينعقد على قاعدة قراري
مجلس الأمن رقمي 242 و338".
كانت الجمعية العامة للأمم
المتحدة قد صوتت يوم 2 ديسمبر/كانون أول
على الانتقال إلى جنيف لسماع "عرفات" يتحدث من جديد عن قضية فلسطين أمام اجتماع خاص
للجمعية العامة، وكان " عرفات" يريد أن يتأكد من أن قبوله للشروط الأمريكية لا بد
أن تترتب عليه نتائج يحق له أن يتوقعها. وتحرك وزير خارجية السويد- بتوجيه من
الدولية الاشتراكية والتجمعات اليهودية الصهيونية في أوروبا وأمريكا- إلى ترتيب
لقاء في ستوكهولم يضمن إخراج القبول الفسلطيني والاستجابة له.
وفي ستوكهولم كانت هناك قناة
للحوار عبر" مركز السلام الدولي للشرق الأوسط"
وأعلن في ستوكهولم عن وصول
السيد " عرفات" إليها، ثم أعلن عن لقاء هناك بينه وبين وزير خارجية السويد " ستين
أندرسون"، أعقبه اجتماع بين رئيس منظمة ا لتحرير ووفد من المنظمات الصهيونية.
كان الوفد ممثلاً في الظاهر
لما يسمى ب"مركز السلام الدولي بالشرق الأوسط"، هو كغطاء لاتصالاتها، وكانت الشخصية
المؤثرة فيه هي شخصها "ستيفين كوهين". وكان وفد "المؤسسة" يضم كلا من: "ريتا هاوز"-
و"مناحم روزنسافت"-و"دورا كاس" – و"ستانلي شيباون" –و"آب أوديفيتش". وكان "انجفار
كارلوس" رئيس وزراء السويد في زيارة لباريس، وعندما أخطر بأن الاجتماعات بين
الفلسطينيين ووفد " المؤسسة" وصلت إلى نتائج عملية، قطع رئيس وزراء السويد زيارته
لباريس وعاد إلى ستوكهولم.
وكانت النتائج والتي أذهلت
الجميع قبول منظمة التحرير بالشروط الأمريكية.
ورأى "شولتز" أن المنظمة جادة
في مسعاها على طريق " التسوية السلمية" ولكي يعطي لنفسه أكبر درجات الاحتياط
والأمان، فقد طلب من مكتبه أن يعد له نصوص الصيغة التي يتعين على "عرفات" أن يعلن
بها قبوله للشروط الأمريكية، وقام وزير خارجية السويد بعرض شروط "جورج شولتز" على "
ياسر عرفات" أثناء وجود الزعيم الفلسطيني في ستوكهولم، وحصل منه على خطاب رسمي
بقبولها، وكان نص الخطاب كما يلي:
" منظمة التحرير
الفلسطينية- ستوكهولم.
إلى مستر ستين أندرسون وزير
الشئون الخارجية- السويد.
سري
عزيزي المستر ستين أندرسون،
اتصالاً بمحادثاتنا في
ستوكهولم يومي 6و7 ديسمبر 1988، وبخصوص النص الذي قدمته لي من المستر "شولتز" وزير
خارجية الولايات المتحدة الأمريكية، والمتصل ببدء الحوار بين منظمة التحرير
الفلسطينية وبين الإدارة الأمريكية- فإني أبعث إليك وفق هذا النص حاملاً موافقتي
وتوقيعي عليه. وسوف نعمل على إصدار هذا النص في بيان رسمي فور إقراره من اللجنة
التنفيذية.
مع رجائي أن تقبل
تعبيري عن احترامي العميق.
إمضاء
ياسر
عرفات
رئيس اللجنة
التنفيذية
لمنظمة
التحرير الفلسطينية
وكان النص المرفق بهذا الخطاب
يقول بما يلي:
" إن منظمة التحرير رغبة منها
في الإسهام في البحث عن سلام عادل ودائم في الشرق الأوسط، وممثلة بلجنتها التنفيذية
التي تحولت إلى حكومة مؤقتة لفلسطين، تبدي رغبتها في إصدار التصريح الرسمي التالي:
1-
إنها على استعداد للتفاوض مع إسرائيل في إطار مؤتمر دولي
لتسوية شاملة للصراع العربي- الإسرائيلي على أساس قراري الأمم المتحدة 242و338.
2-
إنها تتعهد أن تعيش في سلام مع إسرائيل ومع كل جيرانها،
وأن تحترم حقهم في العيش بسلام ضمن حدود آمنة ومعترف بها. وذلك سوف يكون سلوك
الحكومة الديمقراطية التي تنشد إقامتها في الأراضي المحتلة منذ سنة 1967.
3-
إنها تدين أعمال العنف الفردي والجماعي وإرهاب الدولة في
كل صورها، ولن تلجأ إلى شيء من ذلك.
إمضاء
ياسر عرفات
وأمام اجتماع الجمعية العامة
في جنيف يوم 13 ديسمبر/كانون أول
1988 ألقى "ياسر عرفات" خطاباً ضمنه الصيغة المطلوبة للشروط الأمريكية. ولكن
"شولتز" اعتبر أن الصيغة طارت بعض حروفها، وقال للرئيس "ريجان" على التليفون " إن
عرفات في ندائه للولايات المتحدة لم يقل " أنكل" uncle
كاملة وإنما قال الحروف الأولى منها، وعليه أن يكمل بقية الحروف ويذكر النداء إلى "
العم" الأمريكي كاملا" (توبة وتضرعاً).
وكان أن عقد "ياسر عرفات"
مؤتمراً صحفياً في اليوم التالي أكمل فيه ما اعتبره "جورج شولتز" ناقصاً من كلمته
في الخطاب أمام الجمعية العامة.
واعتبر "جورج شولتز" أنه حصل
على انتصار باهر ونقل في مذكراته تعليقاً لجريدة "نيويورك تايمز" قالت فيه "إن
اللاءات الثلاثة الشهيرة في مؤتمر الخرطوم سنة 1967 تحولت في جنيف لتصبح "نعم" –
ثلاث مرات أيضاً." (3)
وهكذا نرى النتيجة التي وصلت
لها حركة فتح والمرحوم وياسر عرفات بعد سنوات من البحث عن الحوار والهرولة المذلة
نحو الأمريكان والأوروبيين، ولا يختلف اثنان حول تعاسة اتفاقيات أوسلو ومدى الضرر
التي ألحقته بالقضية الفلسطينية، ومن غير المتوقع أن يختلف الحوار على الطريقة
الأمريكية والأوروبية مع الحركة.
بالنسبة للتوجهات السياسية
العامة للإدارة الأمريكية والموقف من القضايا الجوهرية فإن الأمر لن يختلف كثيرا عن
الإدارة السابقة، بل قد يكون هناك الأسوأ نظرا لصهيونية الإدارة الحالية وارتفاع
وتيرة نفوذ المحافظين الجدد الصهاينة، وهذه التوجهات ستكون قريبة إلى حد بعيد
لبرنامج حزب كديما الجديد والذي شرع في وضع الخطط للسنوات القليلة القادمة لما
يسميه بالحسم التاريخي للصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وقد حدثت في الفترة الأخيرة
مشاورات بين مقربي الهالك شارون وهم يمثلون وجهة نظر حزب كاديما والإدارة الأمريكية
بشأن الخطوات المستقبلية والتي سيتم تنفيذها بعد تشكيل الحكومة الصهيونية بعد
الانتخابات المزمعة في شهر آذار/مارس
2006م، وجوهر هذه المشاورات عدم وجود شريك فلسطيني يمكن التفاوض
معه، وبالتالي التصرف ضمن خطوات أحادية يتم فرضها على الفلسطينيين فيما يشبه نكبة
عام 1948م ونكسة عام 1967م.
وقد تجد حكومة العدو في حكومة
تشارك فيها حماس دعما لموقفها في أنه لا يوجد شريك فلسطيني، وهذا ما ستقتنع به
الإدارة الأمريكية به.
وفي هذا السياق نشرت صحيفة
معاريف الصهيونية خطط مفصلة حول إيجاد بديل لخريطة الطريق ووصاية أمريكية على
السلطة مع ترسيم إسرائيلي للحدود الشرقية، وأشارت الصحيفة إلى أن وزير الخارجية
الأمريكي الأسبق هنري كيسنجر يؤيد الخطة، وقد يكون من أوائل المبادرين ووصيته هو،
والمحافظة على سرية الاتصالات الأمريكية الإسرائيلية بغرض عرض المسالة كأنها إملاء
أمريكي، ويجب أن توضع هذه الطبخة على المائدة المقبلة يشتم منها نوع من الإكراه
الإسرائيلي.
وتقوم الخطة الجديدة على أساس
أنها بديل لخريطة الطريق التي تلفظ أنفاسها الأخيرة، وعلى أن بالإمكان إقرار الحدود
الشرقية لإسرائيل بالاتفاق مع الإدارة الأميركية، وأن السلطة ستعجز عن تنفيذ شرط
تفكيك "البنى التحتية للإرهاب"،
وهذا يعني أن المرحلة الأولى من خريطة الطريق لن تنجز وأن السلطة الفلسطينية لن
تفلح في إقامة سلطة جدية.
ولكن حتى لو لم تتحقق هذه
الفرضية ولم يشهد الوضع الأمني تصعيدا، فإن أحدا في إسرائيل أو الولايات المتحدة أو
أوروبا وفق الخطة لا يتخيل أن يتمكن الرئيس الفلسطيني محمود عباس (أبو مازن) من
إقامة سلطة توفر الحد الأدنى من شروط خريطة الطريق. وبالتالي فإن خريطة الطريق
ستبقى ورقة توت يستعملها شارون كما يريد.
وترى الخطة أنه بعد أن يثبت
أن خريطة الطريق عديمة الأفق، ستشرع إسرائيل والولايات المتحدة بمباحثات سرية
للاتفاق على الحدود الشرقية لإسرائيل. وتوضح الخطة أن حدود الاختلاف بين تل أبيب
وواشنطن في هذا المجال ليست كبيرة جدا، والاختلاف يتراوح بين 8 إلى 12 في المئة من
مساحة الضفة الغربية ستضمها إسرائيل إلى أراضيها.
وشدد تقرير "معاريف"
على أن الفكرة عرضت على مسؤولين كبار في إدارة الرئيس جورج بوش، وأنه تم التوضيح
للأميركيين أنه بسبب انعدام فرص تحقيق إنجاز عملي في المفاوضات بين إسرائيل
والفلسطينيين، فان واشنطن، بدورها كقوة عظمى تقرر في الشرق الأوسط، هي الشريك
الطبيعي في القضية. وبكلمات أخرى تحاول إسرائيل دفع الولايات المتحدة لأداء دور
الوكيل أو الوصي على الفلسطينيين العاجزين عن إدارة شؤونهم بأنفسهم.
وتشدد إسرائيل على أن الغاية
من الخطة استغلال نافذة الفرص التي توفرها السنتان المقبلتان وهما الأخيرتان في عهد
إدارة بوش الشديد التعاطف. والهدف هو: اتفاق موقع مع واشنطن يحدد حدود إسرائيل
الشرقية، وهو اتفاق ستكون له أهمية دولية كبيرة، ويقول الإسرائيليون للأميركيين، أن
بوسعهم التلويح بإنجاز تاريخي والقول أن إدارة بوش كانت الوحيدة التي نجحت في دفع
إسرائيل للانسحاب من أكثر مناطق الضفة، وإخلاء عشرات المستوطنات وعشرات آلاف
المستوطنين والسماح بإقامة دولة فلسطينية ذات امتداد جغرافي في الضفة الغربية.
وفي مقابل ذلك، ستنال إسرائيل
إقرارا أميركيا بالرفض التام لحق العودة والسيادة في القدس القديمة كلها، مع نقل
جميع الأحياء العربية في القدس إلى السيادة الفلسطينية.
وتفترض الخطة أن يشمل الاتفاق
الإسرائيلي الأميركي أيضا إتمام بناء جدار الفصل وإخلاء تدريجي للمستوطنات ومساعدة
مالية سخية من واشنطن، وأن ما تم هو انسحاب متفق عليه، مع الولايات المتحدة، كوكيل
عن الفلسطينيين. كما أن بوسع إسرائيل الزعم أنها تواصل التمسك بخريطة الطريق إلى أن
وصلت إلى طريق مسدود.
وأشار التقرير إلى تحفظ مهم،
وهو أن هذه الخطة لم تحصل بعد على موافقة أميركية، وأن كبار المسئولين الأميركيين
سمعوها باهتمام، وعرضوا ملاحظات، لكنهم لم يعلنوا قبولهم لها.(4)
غير أن دولة العدو لم تنتظر
كثيرا فقد بدأت فعلا في تطبيق هذا المخطط، فقد أفادت صحيفة هآرتس الصهيونية "أن جيش
الاحتلال أقام حواجز على طول منطقة غور الأردن وبدا في منع الفلسطينيين من دخول
المنطقة والتي تشكل حوالي مساحة الضفة الغربية" (5)، وفي إشارة إلى مشروع إسرائيل
في تطبيق فصل غور الأردن عن الضفة الغربية وخلال احتفال رسمي حدد إيهود اولمرت
هدفين رئيسين سيقوم بتحقيقهما في حالة فوز حزبه في الانتخابات المقبلة، والتي تشير
استطلاعات الرأي إلى حصوله على حصة الأسد من أصوات الناخبين الصهاينة، أما الهدف
الأول فهو "رسم حدود نهائية تضمن أن تكون ذات أكثرية يهودية واضحة وراسخة (يقصد
الانسحاب من جميع الأراضي المأهولة بالفلسطينيين في الضفة الغربية)"(6)
الإدارة
الأمريكية وحماس:
لقد نظرت الإدارة الأمريكية
إلى حركة حماس من خلال منظار إسرائيلي بحت، ذلك أن أعداء إسرائيل في المنطقة هم
أعداء الولايات المتحدة بالضرورة، حيث إن إسرائيل تمثل قاعدة خلفية إستراتيجية
للولايات المتحدة وأي تهديد يمسها هو بالتأكيد تهديد للولايات المتحدة، ومن جهة
أخرى فإن أنصار إسرائيل في الولايات المتحدة كثر سواء على مستوى التأثير في الرأي
العام أو على مستوى مؤسسات الإدارة المختلفة وعلى رأسها الكونجرس الأمريكي، حيث أن
مناصرين كثر سواء في مجلس الشيوخ أو النواب، حتى أن النواب يتسابقون في تقديم
القوانين التي تخدم إسرائيل وتضع قيودا على حركات المقاومة الفلسطينية.
وقد لعب المحافظون الجدد في
الولايات المتحدة خلال السنوات القليلة الماضية دورا محوريا في تشكيل السياسة
الخارجية الأمريكية، وأهمها على الإطلاق السياسات التي تخص منطقة الشرق الأوسط
ودولة العدو، وهؤلاء لديهم ميل كبير وتبني كامل لسياسات أحزاب اليمين الصهيونية.
لذلك من الطبيعي أن تتبنى
الإدارة الأمريكية موقف عدائي من حماس كما هو بالنسبة للقضية الفلسطينية، لذلك صنفت
الإدارة الأمريكية حركة حماس كمنظمة إرهابية عام 1996م مما يعني عدم استقبال ممثلين
لهذه الحركة على أراضيها أو إقامة مكاتب أو حتى إجراء اتصالات.
ولم تنتظر الإدارة الامركية
تشكيل الحكومة لتحدد موقفها، فقد أعدت شروط كأساس للحديث مع حركة حماس وهي شروط
تمثل بالضرورة تغيير جلدها بالكامل، وقد بدأ الكونجرس تحركاته لسن قوانين غاية في
المغالاة والتطرف لنصرة إسرائيل، "فقد قدم العضوان الديموقراطيان إيلينا روس ليتن
وتوم لانتوس مشروع قرار ينص على إغلاق كل الممثليات الفلسطينية وتقليص الاتصالات
الدبلوماسية ومنع قيادة (حماس) من دخول الولايات المتحدة، ووضع القانون الفلسطينيين
في قائمة الدول التي تعطي ملاذا للمسلحين، مع العلم أن القانون لا يميز بين السلطة
الوطنية كمؤسسة وبين الحكومة الفلسطينية "
وقد رفض العضوان الديموقراطيان
طلبا من وزير خارجية العدو تسيفي لفني أثناء زيارتها للولايات المتحدة في
10/2/2006م بتجميد جهودهما الساعية نحو استصدار قرار من الكونجرس بوقف أي معونات
تقدم إلى السلطة الفلسطينية لبعض الوقت حتى تنتهي المشاورات الأمريكية الإسرائيلية
وحتى تتضح معالم تشكيل الحكومة المقبلة.
وقد حسمت الإدارة الأمريكية
موقفها من حكومة حماس مبكرا فقد اتخذت الإدارة قرار على نحو مفاجئ قبل أيام بعد
حوار داخلي ظهر فيه موقفان الأول يدعو إلى إنهاء موقف التريث والانتظار وإعطاء فرصة
زمنية أطول لحماس بدعوى أن هذا الموقف في جوهره مجرد إهدار للوقت، وأن الضغط المبكر
سيكون مفيداً في كل الأحوال، إذ إنه إما يدفع حماس إلى تغيير مواقفها أو يدفعها إلى
خارج الحكم في انتخابات عامة جديدة بعد فشلها في إدارة الأمور العملية في الأراضي
المحتلة بسبب الضغوط.
أما الموقف الثاني فرأى أن
اتخاذ قرار مبكر بالضغط على حماس ومحاولة عزلها قد يؤدي بالحركة وبالشارع الفلسطيني
إلى المزيد من التشدد وربما إلى بدء"انتفاضة ثالثة". في المقابل رأى أصحاب هذا
الرأي ـ لا سيما في وزارة الخارجية ـ ضرورة تجنب الضغط ـ الآن على الأقل ـ لا سيما
وأن ذلك سيسيء أكثر إلى صورة الولايات المتحدة على أساس أن حماس فازت بأغلبية
المجلس الفلسطيني في انتخابات ديمقراطية حرة.(7)
وفي السياق نفسه كشفت مصادر
غربية على أن "واشنطن تراهن أن يؤدي ضغطها ماليا على الفلسطينيين إلى حدوث انتفاضة
اجتماعية تسقط حركة حماس، وقالت المصادر الغربية في القدس أن الإدارة الأمريكية تعد
لتجنيد ضغط دولي واسع على حكومة حماس يؤدي إلى اعترافها بإسرائيل أو سقوطها، وأضافت
المصادر التي رفضت ذكر اسمها أن إدارة بوش تسعى إلى إجبار حماس إلى الاعتراف
بإسرائيل أو دفع الجمهور الفلسطيني للخروج في تظاهرات إلى الشارع لإسقاطها بعد توقف
دفع الرواتب جراء وقف المعونات عنها، وأشارت إلى أن الإدارة الأمريكية تراهن على
حدوث اضطرابات اجتماعية في الأراضي الفلسطينية تؤدي إلى سقوط حكومة حماس في حال قاد
الحصار الذي تخطط لفرضه عليها إلى عدم تمكنها من دفع الرواتب" (8)
أيضا وفي المشاورات الدائرة
بين الإدارة الأمريكية وإسرائيل فقد كشفت صحيفة النيويورك تايمز تقريرا يفيد أن
"إسرائيل والولايات المتحدة تحيكان مؤامرة تهدف إلى عزل السلطة الفلسطينية والتسبب
للشعب الفلسطيني بمعاناة "تجبره على إسقاط حركة حماس وإعادة فتح إلى السلطة" على حد
تعبير المصادر التي اقتبستها الصحيفة. وحسب ما تنشره الصحيفة نقلا عن مصادر
إسرائيلية وأميركية، تقوم إسرائيل وواشنطن بفحص الطرق الكفيلة بعزل السلطة
الفلسطينية وإسقاط حكومة حماس في حال إصرار الحركة على رفض الاملاءات
الإسرائيلية-الأميركية، التي تطالبها "الاعتراف بإسرائيل والتخلي عن "طريق العنف"
وتبني الاتفاقيات الإسرائيلية - الفلسطينية السابقة". وتؤكد الصحيفة أن الهدف من
هذه الخطوات هو وضع عراقيل أمام حماس تمنعها من تشكيل الحكومة الأمر الذي سيقود إلى
إجراء انتخابات جديدة. وأضافت أن الخطة الإسرائيلية - الأميركية تشمل العمل لمنع
تقديم المساعدات المالية للسلطة الفلسطينية وعزلها دوليا بشكل يجعل من حياة الشعب
الفلسطيني غير محتملة و"تجبره على إعادة حركة فتح إلى السلطة". وقالت الصحيفة إن
النبأ الذي تنشره اليوم بهذا الصدد يعتمد على معلومات سربتها مصادر إسرائيلية رسمية
ودبلوماسية أميركية تدعي أن حماس تنوي "إعادة بناء قوتها العسكرية وزيادة أعمال
العنف". وأضافت الصحيفة نقلا عن المصادر ذاتها، "أن هذه الإستراتيجية تنطوي على
مخاطر جمة، منها محاولة حماس تجنيد دعم مالي من العالم الإسلامي، بما في ذلك سوريا
وإيران"، كما يمكن أن تؤدي بحماس "إلى المواجهة المباشرة مع إسرائيل ما سيؤدي إلى
اندفاع انتفاضة ثالثة". وكشف مصدر إسرائيلي أن إسرائيل التي تتوقع عدم تجاوب حماس
مع مطالبها، تنوي وقف تحويل المستحقات المالية للسلطة الفلسطينية ابتداء من الشهر
المقبل، والتي تتراوح بين 50 و55 مليون دولار. كما تنوي واشنطن وقف المساعدات
المالية المقررة للسلطة الفلسطينية. وتوقعت هذه المصادر أن يقدم الاتحاد الأوروبي
على خطوة مماثلة أو أن يقوم بتقليص حجم المساعدات. كما تنوي إسرائيل تشديد القيود
المفروضة على تحركات الفلسطينيين بين قطاع غزة والضفة الغربية، من جهة، وداخل الضفة
الغربية المحتلة من جهة أخرى. وكانت إسرائيل قد أعلنت فور انتهاء الانتخابات
الفلسطينية قرار منع قادة حماس من التنقل بين الضفة الغربية وقطاع غزة، فيما أعلن
أمس أنها استكملت فصل القطاع الشرقي للضفة الغربية عن بقية أجزاء الضفة. كما تنوي
إسرائيل الفصل التام بين الضفة الغربية وقطاع غزة."(9)
وبناءا على هذه الدراسة، فإن
هناك بعض النتائج يمكن استنتاجها على النحو التالي:
1- أن الإدارة الحالية هي
معادية للشعب والقضية الفلسطينية، وتنظر إلى القضية الفلسطينية من خلال ما تمليه
المصالح الصهيونية، وهي توائم سياساتها في المنطقة بما يتوافق ومخططات دولة العدو،
وما من خطوات كبيرة تتخذها دولة العدو فيما يخص المنطقة إلا أن يكون له تنسيق وضوء
أخضر أمريكي.
2- إن الولايات المتحدة غير
معنية بنجاح تجربة السلطة الفلسطينية الجديدة، والتي هي في المفهوم الأمريكي دولة
تطرف إسلامي والتي بالضرورة تتعارض مع المصالح الأمريكية في المنطقة، عوضا عن أن
نجاح التجربة الإسلامية الجديدة سيكون مصدر الهام وإشعاع للدول الإقليمية والحركات
الإسلامية في المنطقة مما ينبأ بتغير في الشكل والتركيبة السياسية المستقبلية في
المنطقة.
3- ستبدأ الولايات المتحدة على
الأرجح وخلال الأشهر المقبلة باتخاذ خطوات ملموسة ضد حماس وضد السلطة الجديدة
وبالتنسيق مع دولة العدو الصهيوني، وسيشرع الكونغرس الأمريكي مجموعة قوانين تقيد
الإدارة الأمريكية ويعيدها إلى مرحلة ما قبل عام 1988م بالنسبة لممثلي الشعب
الفلسطيني أي قبل الحوار مع منظمة التحرير، وهناك بعض الدول الأوروبية من الممكن أن
تتجاوب مع الضغوط الأمريكية مثل ألمانيا، هولندا، ايطاليا، والتي ستقطع الدعم
المباشر والغير مباشر للسلطة الجديدة.
4- ستلجأ الإدارة الأمريكية
ومن خلال القنوات السرية وأجهزة مخابراتها تنسيق خطواتها مع بعض الأطراف الفلسطينية
الداخلية على قاعدة التقاء المصالح والتخلص من العدو الجديد،
ولا يستبعد أن يقوم هؤلاء بإحداث قلاقل وفتنة داخل
المجتمع الفلسطيني في سبيل تحقيق أهدافهم السياسية.
5- الدول العربية ليست بمنأى
من الضغوط الأمريكية، فقد ترضخ بعض الدول العربية للضغوط الأمريكية خاصة الخليجية
لقطع أو تقليص دعمها المادي إلى حده الأدنى المقدم للشعب الفلسطيني.
6- الإدارة الأمريكية تواجه
عدة جبهات في المنطقة، وتورطها حقيقة واقعة في بعضها، فمن العراق والمقاومة
العراقية، وإيران وبرنامجها النووي، وسوريا ونظامها المشاكس للإدارة الأمريكية،
وحزب الله في لبنان الذي يرفض نزع سلاحه، وهي في حال لا يسمح لها بفتح جبهة جديدة
في فلسطين المحتلة، لأن قطع الدعم عن السلطة الجديدة وعزلها قد يعني انهيارها،
وبالتالي انتفاضة ثالثة وإشعال المنطقة من جديد، لذلك قد يعمد إلى فتح ثغرة صغيرة
تبقي السلطة الجديدة على الحياة بدون موتها، لأن موتها هو سيناريو كإرثي وله تبعات
كثيرة.
7- إن فوز حركة حماس في
الانتخابات التشريعية الفلسطينية يشكل فشل للسياسة الأمريكية في المنطقة، حيث إن
الإدارة الأمريكية تعتبر فوز حماس انقلاب ابيض على نحو مفاجئ وغير متوقع على
الجماعة المحسوبة على الولايات المتحدة والتي تدور في فلكها، حيث إن الهلال المعارض
للسياسة الأمريكية في المنطقة ( إيران – المقاومة العراقية – سوريا – حزب الله )
اكتمل من طرفه الجنوبي، وهذا يدفع الإدارة الأمريكية إلى النظر في سياساتها في
المنطقة والسماح بانتخابات حرة وديمقراطية، لأن هذه الانتخابات ستفرز حركات إسلامية
تعبر عن طموحات وتطلعات الأمة بما يتعارض والمصالح الغربية بشكل عام للخطر.
المراجع
1-
سليمان ميخائيل، فلسطين والسياسة الأمريكية من ويلسون
على كلينتون، مركز دراسات الوحدة العربية، لبنان، بيروت، ط1، 1996.
2-
جريدة السفير، وقفة مع الصديق
الأمريكي عن زيارات الربيع إلى
واشنطن، محمد حسنين هيكل، 31/3/2001.
3-
محمد حسنين هيكل، سلام الأوهام، دار الشروق، القاهرة،
ط7، 2001، ص210-214.
4-
جريدة السفير، 3/1/2006.
5-
هآرتس 14/2/2006.
6-
جريدة الوطن، 15/1/2006.
7-
جريدة الوطن، 18/2/2006.
8-
جريدة الوطن، 9/2/2006.
9-
نيويورك تايمز، 14/2/2006.
|