الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

عودة

 

 

المبحث الثالث

 

ضوابط التحالف السياسي


 

إن القول بمشروعية التحالف السياسي ليس على إطلاقه، بل هو بنطاق ضيق، ولا يشرع إلا وفق ضوابط محدودة، وهي:

1. أن يكون المسلمون أقوياء يصعب احتواؤهم أو تذويبهم، بل قادرون على المحافظة على ذواتهم، فالتحالفات التي عقدها النبي r كانت شوكة المسلمين فيها ظاهرة، وهيمنة الإسلام متحققة؛ وفي حلفه مع المطعم بن عدي ودخوله في جواره دليل ذلك، فعندما شعر بعدم ضمان حرية الدعوة رده إليه.

2.  أن يضمن المصلحة الإسلامية العامة التي يقررها الدعاة:

وهذا يستلزم دراسة ميدانية تستطلع فيها الجماعة المسلمة قدراتها، ودراسة تخطيطية تستطلع معالم مستقبلها، فإذا دلت هذه الدراسة أنها تقف عند منعطف هام، وأنه يلزمها بعض التحالفات لاجتيازه كان من الضروري أن تفعل ذلك([1]).

ومن خلال دراستنا للتحالفات التي عقدها النبي r مع الآخرين نلاحظ أن كل تحالف عقد النبي r كان لتغطية منعطف كبير في حياة الجماعة المسلمة، فموقف أبي طالب كان لحماية الدعوة والداعية، وحلفه مع اليهود في المدينة كان لحماية الدولة من بداية عهدها، وحلفه مع قريش في الحديبية كان للاعتراف بالدولة المسلمة كقوة حقيقية على مساحة الجزيرة العربية، والانطلاق بالدعوة نحو آفاق عالمية خارج الجزيرة([2]).

3.  أن يكون صف الجماعة الإسلامية متيناً متماسكاً كالبنيان المرصوص:

فالتحالفات ستمكن الآخرين أن يطلعوا على أحوال المسلمين، فإذا كان الصف مهزوزاً أمكن لهم أن يتسللوا إلى داخل الجماعة المسلمة لقلب الموازين، فقد كانت صفوف المسلمين متماسكة في عهد النبي r أما إذا كانت الجماعة غير متماسكة في تنظيمها، فإن التحالف سيضعف صفها، ويذهب ريحها، وهذا ما تحقق في تحالف الإسلاميين في سوريا مع الأحزاب العلمانية، فبعد أن كانت النظرة تجاه الإسلاميين على درجـة عاليـة من التوقيـر والاحترام سقطوا من أعينهم، لما رأوه من هشاشة صفهم وتفرق كلمتهم([3]).

4.  أن لا يكون التحالف غاية في ذاته:

بل لا بد أن يكون فناً أو وسيلة، تلجأ إليه الجماعات المسلمة في حال الحاجة الماسة والحقيقية إلى إبرامه، بحيث يُلمس له أثر في واقع الدعوة الإسلامية، فلا يكون تحالفاً شكلياً، أو تحالفاً تمليه شهوات النفس أو رغباتها دون التطلع إلى المصلحة العامة.

5.  أن تكون الدعوة الإسلامية قد مرت بمرحلة تجربة وتناصح:

كمثل مسائل حلف الفضول المعاصر التي يشير بها القياس على الفضول القديم، وأجد أصدق مَثل لذلك في سوابقنا المعاصرة، التحالف في الأردن بخاصة، وفي بلاد أخرى بدرجة أقل في أحزاب كثيرة على مقاومة التطبيع مع اليهود، ورفض الصلح، فهذا حلف فضل وتطييب، ويكون النجاح فيه مرحلة لتحالف سياسي لاحق في بعض أطرافه ربما إذا توفرت الشروط الأخرى، وبمثل هذه المقدمات تتكون بيئة مناسبة لنمو المشاعر الإيجابية في الطرفين وأما الفجاءة فقد تقود إلى خلاف لاختلاف المنطقة، ونحن نفهم أنفسنا ونألف منطق الشرع، وأما العلماني والعاري عن أي خلفية فكرية إسلامية فإنه يستغرب المنطق الفقهي وموازين الإيمان، وهي عسيرة الفهم لديه، وغالباً ما يقود ذلك إلى افتراق([4]).

6.  أن يكون التحالف مع أقوياء تتقوى بهم الجماعة المسلمة:

فعندما استشار النبي r السعدين في أن يعرض صلحاً على غطفان قوامه إعطاؤهم ثلث ثمار المدينة، على أن ينصرفوا عن تأييد قريش ومن معهم الذين يحاصرون المدينة، قالوا: " يا رسول الله! لقد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الأوثان، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها ثمرة إلا قِرى أو بيعاً، فحين أكرمنا الله بالإسلام وهدانا له، وأعزنا بك نعطيهم أموالنا! والله لا نعطيهم إلا السيف"([5]).

فأخذ النبي r برأيهما، واختاره لما رأى ضعف غطفان.

7.  أن تكون القيادة الإسلامية على درجة من القوة، وأن يكون الجنود على أعلى درجة من الانضباط والطاعة:

فالتحالف مع الآخرين من شأنه أن يربك أفراد الجماعة الإسلامية، فقد تصدمهم حقيقة تحالف الجماعة المسلمة النظيفة الطاهرة مع غيرها.

والأمر الذي ينقذ الموقف هو الثقة المطلقة في القيادة الإسلامية، ففي صلح الحديبية الذي قال الله فيه: } إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا {([6])، نظر إليه بعض الصحابة y نظرة شك وريب، بل انطلقوا يتكلمون، وهذا عمر بن الخطاب t يخاطب رسول الله r ويقول: " فلم نعطي الدنية في ديننا ؟"، ولم ينقذ الموقف سوى الثقة المطلقة بالقيادة الإسلامية، فأبو بكر t عندما دافع عن الصلح لم يزد على تأكيد ثقته بالنبي r وتراه يرد على عمر t فيقول: " فاستمسك بغرزه، فوالله إنه على الحق "([7]).

وبعد الثقة المطلقة بالقيادة يأتي انضباط الصف، والتزام الجنود([8]).


 


([1]) الطحان: الفكر الحركي بين الأصالة والانحراف (ص: 38- 39).

([2]) السابق (ص: 39).

([3]) السابق (ص: 39- 40).

([4]) الراشد: أصول الإفتاء والاجتهاد التطبيقي (4/279).

([5]) ابن حجر: فتح الباري (7/400)، ابن سعد: الطبقات الكبرى (2/73)، الطبري: التاريخ (2/94).

([6]) سورة الفتح: الآية (1).

([7]) أخرجه البخاري: الصحيح (كتاب الشروط، باب الشروط في الجهاد والمصالحة مع أهل الحرب 2/978 ح 2581).

([8]) الطحان: الفكر الحركي بين الأصالة والانحراف (ص: 40- 41).