الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

عودة

 

 

الخاتمة


 

بعد أن عرض البحث للعديد من القضايا السياسية المعاصرة، وأنزلها على بساط الفقه، يمكن تلخيص أهم النتائج التي توصل إليها الباحث، فيما يلي:

1. تعتبر السياسة جزءاً لا يتجزأ من طبيعة هذا الدين، وثمة فوارق جوهرية بين السياسة الشرعية التي تسعى لتصريف شئون الأمة، وتحقيق مصالحها في العاجل والآجل، بما يتفق ونظم الإسلام، وبين السياسة الوضعية التي تعتمد القوانين دون ربطها بمصدر سماوي، وتقف عند تدبير الإنسان لحياته الدنيا وحدها، مع تعدد توجهاتها باختلاف ساستها.

2. تتفق الديمقراطية في العصر الحديث في بعض مبادئها والشورى الإسلامية، التي تمثل قيمة إسلامية عليا في حياة الأمة، ولا يوجد مانع شرعي من اقتباس المسلم لأمورٍ ومفاهيم من غير النظام الإسلامي، إذ أن مبدأ رفض الكل أو قبول الكل لا سند له في الشريعة الإسلامية.

3. إن الإسلام كفل الحرية السياسية بكل معانيها، وحث ولاة الأمر على ممارستها ممارسة جادة في واقع الحياة السياسية، ومنح الأمة السيادة العليا في شئون الحكم، فأرسى حقها في اختيار الحاكم، ومراقبته ومشاركته، أو حتى عزله إن اقتضت المصلحة ذلك.

4. طلب الولاية مشروع لمن توفرت فيه الشروط والمواصفات الشرعية، إذ يعتبر ذلك إعانة للأمة، وإرشاداً لها إلى انتخاب الأصلح.

بيد أن التطلع المذموم للمسؤولية، أو الضعف، هو الذي يحول بين طلب الولاية وصاحبه، وذلك الذي وردت النصوص في منعه.

5. إن تعدد الأحزاب والجماعات الإسلامية مشروع في الإسلام، فهو تعدد تنوع وتخصص، واختلافها هو اختلاف في الفروع والسياسات، وهذا مما لا تثريب عليه، طالما أن الشريعة الإسلامية هي القاعدة العليا للجميع، وأنهم متفقون على أسس عامة، ومنطلقات معتبرة، وضوابط محدودة.

6. إذا كان القول بمشروعية التعددية السياسية الملتزمة بسيادة الشرع في حال قيام الدولة الإسلامية، ووجود إمامها، فمن باب أولى أن تكون مشروعة في مرحلة بنائها، والسعي إلى قيامها، وثمة حقائق شرعية وسياسية تدلل على اعتبارها فريضة شرعية، وضرورية سياسية في واقعنا المعاصر.

7. إن الفلسفة الإسلامية العامة تفضي إلى تحكيم شريعة الله تعالى في كل شئون الحياة، ورفض كل ما يخالفها من مبادئ وقوانين، وبالتالي تقييد الجميع بهذه الفلسفة.

ومن هذا المنطلق، فلا وجود في الإسلام للتعددية السياسية المطلقة، التي تشمل الأحزاب غير الإسلامية، إلا إذا دعت الضرورة، أو اقتضت المصلحة ذلك في بعض الأحوال.

8. إن المشاركة في المجالس النيابية تنسجم ومبادئ الإسلام الحنيف من مراعاة التدرج في التغيير، والواقعية في طرح الإسلام كبديل، كما أنها تتواءم وقواعد الشريعة ومقاصدها، التي تؤول إلى الموازنة بين المصالح والمفاسد؛ فمشاركة الدعاة في هذه المجالس تنشئ لهم قاعدة جماهيرية صلبة، تنادي بالإسلام جهرة، وتسعى لنشر فكرتها في كل الميادين، دون خوف أو وجل، كما تقلل من حدة التصادم بين الحكومة والأحزاب الإسلامية، وفي المقابل تمكن للإسلاميين من الصدع بكلمة الحق في موطن القرار، ومحاربة المعارضين لهم سياسياً، والوقوف بحزم وقوة لكل قرار يخالف شريعة الخالق، بل وإخضاع الحكومة للمحاسبة، وقد أثبتت التجارب البرلمانية في كثير من البلدان صدق هذا التوجه.

9. إن القول بجواز المشاركة في الوزارة استثناءاً من الأصل، فيه موازنة بين ثوابت الشريعة ومتغيرات العصر، وهذه هي سمة الفقه الإسلامي، الذي يمتاز بالمرونة والتعاطي الواقعي مع متطلبات العصر، ومستجدات المجتمع الإسلامي، ذلك أن الحرمة متحققة أصالة في المشاركة في الحكم، ولكن متغيرات العصر توقف العاملين للإسلام أمام موازنات قاسية ودقيقة، فتقتضي المصلحة الخروج من نطاق الأصل بجواز المشاركة استثناءاً، استئناساً ببعض الأحداث التاريخية، وعملاً بالقواعد والمقاصد الشرعية، من مبدأ الموازنة بين المصالح والمفاسد، وارتكاب أخف الضررين، وقاعدة الضرورات تبيح المحظورات، ورفع الحرج، وغيرها.

10. إن التحالف السياسي حاجة حقيقية لتأمين قافلة الدعوة الإسلامية، وتحقيق مصالح الأمة، فقد تلتقي الجماعة المسلمة مع غيرها على بعض الأهداف المرحلية، فتلجأ إلى التحالف كوسيلة لجلب المصالح المرجوة، أو دفع المفاسد، أو قد يجد الدعاة أنفسهم أمام خيارات دقيقة، ومنعطفات حساسة لا سبيل إلى تجاوزها إلا عبر التحالف؛ والتجارب الميدانية التي خاضها الدعاة في تحالفاتهم مع الآخرين، كما في مصر، والسودان، واليمن، وغيرها، أثبتت جدوى التحالف، وإمكانية تحقيقه للمصالح التي يقوم عليها.

وشرعية التحالف السياسي لا تقتصر على وجود دولة للمسلمين، فهو مشروع في كل مرحلة، إذا اقتضت المصلحة ذلك.

11. إن عزوف الإسلاميين عن خوض المعترك السياسي، وترك الساحة خالية لغيرهم، بما لا يساهم في السعي لتطبيق الشريعة الإسلامية، وإرساء معالمها، يعد تضارباً مع المصالح والمقاصد الشرعية، وإن إخضاع هذه المسائل المستجدة لفقه الموازنة بين المصالح والمفاسد، وعبر النظر المصلحي، يحتِّم التعاطي مع هذه الوسائل المطروحة، لما فيه من تمكين للدعوة الإسلامية، وتحقيق أهدافها وغاياتها المنشودة، من استئناف الحياة الإسلامية، وإقامة الحق والعدل.

وينبغي أن أشير في نهاية هذه الخاتمة، ونحن نَعْرِض لموضوع من أهم موضوعات الفقه السياسي المعاصر، إلى أن هذه القضايا المطروحة هي قضايا اجتهادية بطبيعتها، تستند إلى السياسة الشرعية، ومن الطبيعي أن يحدث فيها الخلاف في الرأي، لكنه من الضروري ألا يصل إلى اختلاف القلوب وتنافرها، لاسيما وأنه من باب اختلاف التنوع لا اختلاف التضاد.

كما أن فقه الموازنة الذي يؤول إلى تقدير المصالح والمفاسد، يختلف باختلاف البلدان والأحوال، وتتغير فيه الفتوى بتغير الظروف.

وبالتالي، فأهل العلم من كل قطر أدرى بمصالحهم، وأقدر على تحديد مواقفهم، وحقهم في أن يعتبوا على من ينكر عليهم، قال علي بن أبي طالب t: " كل قوم على بينة من أمرهم، ومصلحة من أنفسهم: يُزْرُونَ([1]) على من سواهم، وُيعرف الحق بالمقايسة عند ذوي الألباب"([2]).

وأخيراً، فهذا هو جهد المقل، الذي بذلت فيه غاية جهدي، آملاً أن أكون قد أوفيته حقه، حتى خرج إلى النور بهذه الصورة المتواضعة، فالكمال المطلق لله وحده، ولكن غايتي أن نسعى للكمال البشري، فإن أصبت فلله الحمد والمنة أن أعانني على تحقيق غايتي، وإن قصرت فالحمد لله الذي قدر لي أن أنجز ما هو في طاقتي، وما توفيقي إلا بالله.

راجياً المولى عز وجل أن يتقبله عملاً صالحاً في ميزان حسناتي يوم القيامة.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.


 


([1]) زَرَى عليه: أي عابه وعاتبه، يُزْورُنَ بمعنى يعتبون، لسان العرب (14/356)، مادة: زرى.

([2]) ابن القيم: إعلام الموقعين (1/103).