الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

عودة

 

 

تقريظ

بقلم الأستاذ: إسماعيل هنية

 

الأخ الحبيب / مشير ( أبو بكر ) حفظه الله ورعاه

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ،،،

 

يطيب لي أن أعبر لكم عن عظيم شكري وتقديري لهديتكم القيمة وهي عبارة عن نسخة من رسالة الماجستير التي حصلت عليها من كلية الشريعة بالجامعة الإسلامية تحت عنوان " المشاركة في الحياة السياسية في ظل أنظمة الحكم المعاصرة "، وقد قرأت الرسالة كاملة وتنقلت بين رياضها فوجدت فيها ما تطمئن له النفس السوية، وتنعم به الروح الوثابة، فجزاكم الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.

ومن عظيم ما اشتملت عليه الرسالة أنها تضمنت مباحث عدة، في مواضع قيمة، تصلح أن يكون كل منها بحث مستقل، وقد حصلت الفائدة منها بتفصيل غير ممل، وإيجاز غير مخل، فأبحرت الرسالة في بحر العلم الزاخر منه نصيباً وافراً ولله الفضل والمنة.

لقد وجدت فيها لقضايا الساعة تأصيلاً شرعياً ودراسة وافيه، ما يعتبر تنويراً للسالكين في طريق العمل الإسلامي، بل ويفتح الآفاق الرحبة أمام عمل سياسي، بعيداً عن حرج الأعراف التي توارثتها العامة وربما الخاصة أيضاً من غير دليل أو برهان.

وكما ذكرت فإن أهمية الرسالة في أنها تناولت قضايا هامة تعايشها الحركة الإسلامية، وحاولت وبشكل علمي ومنطقي أن تتلمس حلولاً لبعض المعضلات التي تبدو متناقضة في اعتباراتها، كواجب الحركة الإسلامية في إصلاح السلطة السياسية الفاسدة وضرورة التعايش معها في آن، أخذاً بالمصلحة وفق فقه موزون، وفكر استراتيجي قادر على التعامل مع الواقع دون إفراط وتفريط.

ومما يسهم في حرية الرأي والاجتهاد أن الرسالة قد أوضحت أن القضايا المختلف عليها في العمل الإسلامي هي شرع ودين سواء لمن يؤيد أو يعارض، فكلا الفريقين يستند في اجتهاده إلى الكتاب والسنة والمعقول، مما يعلم اتباع الإسلام سعه الصدر، والبعد عن الاتهام أو التجريح، واحترام الرأي والاجتهاد، طالما أن ذلك لا يتعارض مع النص القرآني أو النبوي، غير أن سعة الدعوة وتشعب العمل فيها، والحكمة في تقدير المصلحة من المفسدة، هي التي ترجح الأخذ بالرأي من عدمه، وذلك يحتاج إلى أن يصدر عن هيئات قيادية تلتزم بالشورى وتقود الناس إلى الخير والصلاح، وهذا بفضل الله ما رسخته الرسالة، فصار من يأخذ بالرأي في القضايا الواردة فيها، مطمئن أنه على دين ، بل ويأوي إلى ركن شديد، عماده الضوابط الشرعية والأدلة النقلية، وهذا خلق ينبغي أن يترسخ لدي العاملين في حقل الدعوة الإسلامية، بل ويزدادوا تجمّلاً به، خاصة في ظل هذا الواقع المركّب والمتشابك، والتحديات الجسيمة التي تعترض المسير، مما يستوجب أن تتسع الصدور للآراء والاجتهادات، مهما بدت في ظاهرها متباينة، ما التزمت بشرع الله ومقصده، وانطلقت من تقدير المصلحة، ورفع الحرج، ودفع الضرر، وكل ذلك إنما يتم حسمه في المؤسسات المقرّرة، وهذا ما يشي بافتراق الآراء وقت النقاش، يعقبه تلاق على ما فيه مصلحة العباد والبلاد.

وأؤكد هنا أن من حقنا أن نزهوا ونفتخر بهذا الإرث العظيم، في علم السياسة الإسلامي، والذي أبرزته هذه الرسالة وليس من موقع النقل فقط، بل وبتصرف كان فيه برهان على حيوية الفكر الإسلامي، وقدرته على المعايشة مع القضايا المستجدة، مهما بلغت تعقيداتها، بذلك في إطار الموازنة بين ثوابت الشريعة ومتغيرات العصر، وما يزيد من رسوخ أقدامنا في هذا المجال، إن إسلامنا وفقهنا الحركي فيه تبيان لك شئ، لأنه ينهل من كتاب الله غز وجل الذي ذكر فيه قوله سبحانه: } مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ {([1]).

إن ما حملته الرسالة من مواضيع وعناوين، هي بمثابة بضاعة السياسي المسلم، التي يمكنه أن يحملها ويعرضها دون تردد في ميادين السياسة ومحافلها المختلفة، خاصة في دوائر العمل الفلسطيني المشترك، والتي يتصور شركاؤنا فيها، أنهم أكثر منا خبرة، وأنجع تجربة، وأوضح فكراً، بل تصوراٌ خطأ أن المندوب الإسلامي ما لدى مفاهيم عامة وكلية، وعن أقضية الحكم، وعلم السياسة والمجتمع، ولكنه غير قادر على تطبيقها في واقع الناس، وربما ذهب بعضهم إلى أن أفكارنا وطروحاتنا بعيدة عن الواقع، ولا تلبي طموح الجمهور، وما علموا ـ كما عملينا من هذه الرسالة ـ أن سعة الحكم الإسلامي ورحابته، وكفالته للحرية السياسية، والتعددية السياسية، فضلاً عن التفاصيل الممتعة والمعلقة بحق الترشيح وحق الانتخابات، وحق تولى الوظائف العامة، والحق في غزل الحكام ومراقبته ـ ما علموا حينئذ ـ أن بضاعتنا هي خير وأبقى.

وصحيح أن جماعة الإخوان المسلمين التي نعتز بالانتماء إليها، من هذا الفقه السياسي في المشاركة في البرلمانات، والتحالف مع بعض الأحزاب، والدخول في بعض الوزارات، وهذا ميّز الجماعة عن غيرها، غير أن أهمية رسالتكم أنها بمثابة المادة الشرعية والعملية، التي تشكل زاداً لأبناء الحركة، وموئلاً يرجعون إليه، كلما أرادوا أن يدللوا على صواب مواقفهم وحجيتها، أقول كذلك صحيح أن الكتب التي تناولت هذه القضايا عديدة والمكتبات غنية بها، غير أن اعتزازنا بهذه الرسالة كونها نتاج واحد من إخواننا وشباب حركتنا الميامين.

ومن لطائف الرسالة أن هذا العرض الشافي للفكر السياسي الإسلامي، فيه أمان للمتخوفين من تسلم الحركة الإسلامية الحكم يوما ما، أن تسطوا على أفكارهم، وتقمع حرياتهم، أو تفرض عليهم ما يكرهون، فتبين هنا أن لهم حرية الرأي، والتحزب، والمشاركة، والتداول على السلطة، وكل ذلك سمت من سمات دعوتنا الربانيه، وهذا ما يؤكد أن الأزمة هي أزمة الأنظمة الحاكمة التي قامت على أساس القمع، والإرهاب الفكري، والإقصاء السياسي للحركة الإسلامية، وليست أزمة الحركة الإسلامية التي يمكن أن تحكم يوماً ما ويتفيؤ حينها الناس ظلال الإسلام وقسطه وبره وعدله.

ومما يزيد من سعادتي بهذه الرسالة، أن المشرف عليها هو الأخ الدكتور مازن هنية عميد كلية الشريعة سابقاً ورئيس لجنة الإفتاء حالياً، وموضع اعتزازي الشخصي والعائلي لعلمه وعظيم جهده وحسن استدلالاته، وشكرت الله سبحانه أن قيّض لطلبة العلم من أمثال الأخ الدكتور وإخوانه المناقشين الأفاضل، كي يسلكوا هذه الدروب الرحبة والممتعة، من دروب الشرع والفكر الإسلامي، ويظهروا لنا من فضائل وجواهر الأعمال والأقوال.

وأسال الله سبحانه أن يجزيهم عنا وعن المسلمين خير الجزاء، وأن يرزق الدكتور " أبا إسماعيل " الذرية الصالحة الطيبة لقاء هذا الجهد المبارك فهو على ما يشاء قدير وبالإجابة جدير.

ولقد ذكرت ـ أخي ـ في ختام رسالتك القول ( إن هذا هو جهد المقل) وهو من قبيل عدم تزكية النفس امتثالاً لقوله سبحانه } فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ {([2]). ولكنا نشهد أن هذه الرسالة هي ثمرة المجتهد وفرحة المقتصد، ونتاج الابن البار لدعوة السماء الذين نفتخر بهم، ولكل مجتهد نصيب.

 

وإن كان لي من توصية في ختام رسالتي هذه فأقول والله المستعان:

أولاً: على الأخوة العاملين في الحقل السياسي الإسلامي، الإطلاع على هذه الرسالة، والعلم بها والعمل بمقتضاها، بل ودوام المطالعة والتفحص في هذه الأمور

المأصّلة، وذلك أراه ضرورة حركية وفريضة علمية.

ثانياً: سوف أوصى إخواني ضرورة طباعة هذه الرسالة، وأن نجعل منها كتاباً تحفل به المكتبات، ويرجع إليه طلبة العلم، ويستنير به ذو الرأي، ونحاجج بما ورد فيها من لا يرى في دعوتنا إلاًّ ما يرغب أن يراه، وذلك جهلاً منه بالدين أو عداءً له وللعاملين من أجل نصرته.

ثالثاً: العمل على تعميمها على أبناء الحركة، واعتبارها منهجاً لازماً، من أجل إشاعة الوعي والتثقيف السياسي، المعتمد شرعاً، وهذا الأمر بات ضرورياً للمنتسبين إلى الحركة الإسلامية، وهو يتأهلون أن يكونوا في موقع الريادة والصدارة، بل والقيادة إن شاء الله تعالى.

والله أسال أن يجعل ذلك في ميزان أعمالكم، ومضلة لكم يوم الزحام، وأن يجرى لك ثوابه وأجره إلى يوم القيامة فإذا مات العبد انقطع عمله إلا من ثلاث .... منها علم ينتفع به، وذلك بعد طول عمر وحسن عمل، ولقد صدقت فيك حكمة عمرو ابن العاص t وأنت ترجّح بين الآراء في الرسالة.

" ليس العاقل هو الذي يعرف الخير من الشر، ولكن هو الذي يعرف الخير بين الشرين "

وآخر دعونا أن الحمد لله رب العالمين

 

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أخوكم

إسماعيل هنية (أبو العبد)

الأربعاء 12 محرم 1425هـ الموافق 3/3/ 2004م


 

 

تقريظ

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، رب السماوات والأرض، ورب العرش العظيم، والصلاة والسلام على نبي الهدي والرحمة، سيدنا محمد r، وآله، وصحبه، ومن سار على هديه إلى يوم الدين، وبعد:

إن الإسلام هو دين الرحمة، كما أخبر الله سبحانه وتعالى عنه؛ حيث قال:

{ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} ([3]).

فالإسلام يدعو إلى الحق والخير والعدل ومكارم الأخلاق، وينهي عن الظلم، والفحشاء، ومساوئ الأخلاق.

وقد جاء الإسلام باحترام الإنسان، وإثبات حقه، وكرامته، حيث قال الله تعالى:  {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً} ([4]).

وتظهر ملامح هذا التكريم في أمور شتى، كاحترام إنسانيته وحريته، وإلغاء الفوارق بين الناس على أساس الجنس أو العرق أو اللون، واحترام الإنسان في عقله، وفكره، ودينه، وعقيدته؛ فتفتحت لهذا الدين العقول، وانشرحت له الصدور، ودخله الناس أفواجاً.

وواجب المسلمين أن يقدموا الإسلام إلى الإنسانية جمعاء كما ارتضاه رب العالمين لهم، وذلك بتدبره بحكمة، ووعي، ودقة، تجعلهم قادرين على فهم روحه وجوهره، ومقاصده، فيقدموه بمحاسنه، وسماحته، يسره.

وهذا ما تمكن السلف الصالح من تحقيقه والقيام به؛ بالرغم من كل التحديات، والمصاعب التي واجهتهم؛ فالنجاح الذي حققه المسلمون الأوائل لم يكن بسبب ضعف التحديات، وقله العقبات والصعوبات التي كانت تواجههم، بل إن سبب النجاح الذي حققوه هو بعد توفيق الله تعالى ما امتلكوه من عزم وإرادة قويه، استندت إلى فهم صحيح، ودقيق وعميق لشريعة الله، وحكمة بالغة؛ فتمكنوا من خلال كل ذلك من تجسيد الإسلام في واقع الحياة كما أنزل من السماء بيسره، وسماحته، ورحمته.

ومن هنا فإن الواجب على المسلمين في عصرنا هذا هو إدراك أن العقبة أمام تحقيق آمالهم، وأحلامهم، واستعادة عزتهم وكرامتهم ليست في حجم التحديات، وكثرة الصعوبات والعقبات التي تواجههم، بل في مدى الخلل في فهمهم لدينهم، وإدراكهم لروحه ومقاصده، ومن ثم الانطلاق في الواقع استنادا إلى هذا الفهم.

وما نراه من تخبط في واقع الأمة، وشطط في الفكر والرأي، والانحراف من الطرف إلى الطرف النقيض له، يرجع إلى تصدى من يعلم ومن لا يعلم للقول في دين الله افتياتاً وافتراء عليه، وظلما له، بما يسيء إليه، فيُظهر الإسلام على غير حقيقته، من السماحة، واليسر، والعزة، والكرامة.

من هنا فإن واجب الأمة وهي تتحرك حركة دءوبة نحو استعادة عزتها وكرامتها، هو أن تكون على درجة عالية من الفهم الدقيق والعميق لدين الله، لتكون قادرة على ترجمته في واقع الحياة ترجمة صادقة تُعبير عن طبيعته وحقيقته.

وهذا يحمل علماء الأمة، والباحثين من أبنائها مسئولية كبيرة للنظر في كل المستجدات الفقهية، والتي تتعلق بكافة شئون الحياة، واستنباط التشريعات الملائمة لها، وما تعلق بالحياة العامة وتنظيم شئون الدولة يجب أن يوجه له مزيد من الاهتمام والعناية، لما له من الخطر، والأثر على الأمة في أصل مصالحها، كل أولئك لتبصير الأمة بأمر رشدها، وفلاحها، لتمضي على بصيرة من أمرها.

والسياسة الشرعية واحدة من اخطر الميادين لما فيها من تنظيم للعلاقات الداخلية والخارجية، وتوجيه للدولة توجيها سديدا يحقق لها المصلحة، ويدرء عنها المفسدة، وإذا كان رسم المنهج الدقيق للنظام السياسي الإسلامـي الخارجـي مـن

الأهمية بمكان، فإن تنظيم العلاقة الداخلية لا تقل أهمية، بل هي الأهم.

وانطلاقاً من ذلك، فقد جاء بحث الأخ مشير عمر المصري؛ الموسوم بـ (المشاركة في الحياة السياسية في ظل أنظمة الحكم المعاصرة؛ دراسة فقهية مقارنة) والذي تقدم به استكمالا لمتطلبات الحصول على درجة الماجستير من قسم الفقه المقارن بكلية الشريعة بالجامعة الإسلامية بغزة، ليعالج مسائل ذات أهمية قصوى في مرحلة دقيقة في حياة الأمة؛ إذ تفتقر الأمة في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخها إلى كل دراسة علمية تتصف بالموضوعية، والحكمة، والدقة، والشفافية، والجرأة؛ لتكون مصباحا يبدد الظلام، وينير للأمة دربها، ينقذها من تيه الظلم.

فجاءت الرسالة تعالج مسائل كثر الجدل حولها، وخاض فيها الخائضون بغير علم تارة، أو بعواطف ومشاعر تارة أخرى؛ بعيدا عن الموضوعية والحكمة، وانحرافاً عن مقاصد التشريع، وغايته، وأهدافه، وتعصبا لآراء ظنية محتملة، يجوز العدول عنها لغيرها، فجعلوها في حكم الأصول والقواطع، أو من المعلوم من الدين بالضرورة، والتي لا يجوز تركها أو الخروج عنها؛ إذ إن الخروج عنها انحراف عن الحق إلى الضلال.

فكان من الموضوعات الهامة التي عالجها الأخ مشير هي التعددية السياسية، والمشاركة في المجالس النيابية، والوزارة، والتحالفات السياسية في الواقع العاصر؛ فجاءت معالجته لهذه الموضوعات متصفة بالموضوعية، والشفافية، والحكمة ملتزمة بمنهج علمي أصيل، فتحرى في كل مسألة بحثها، ما للعلماء من أراء، فذكرها، وأتبعها بما ينصفها من أدلة؛ تظهر ما فيها من وجاهة.

ثم انتهي إلى بيان الراجح من الأقوال معتمدا قوة الدليل، ووجاهته، إضافة إلى حرصه على أن يكون ترجيحه منسجما ومقاصد الشريعة وروحها، ملاحظا الواقع بكل حيثياته، ودقائقه، بما يساهم مساهمة واضحة في إظهار الدقة والمرونة والقيم الأخلاقية العالية التي يستند إليها النظام السياسي الإسلامي.

يضاف إلى ذلك ما تضمنته ترجيحاته من إعطاء المسلمين المرونة والسعة في اتخاذ القرار المناسب الذي يتحرى مصلحة المسلمين، ويبتعد عما يلحق بهم الفساد.

وبكل أولئك خرجت هذه الرسالة المتخصصة في ثوبها العلمي، الأصيل، موضوعا ومنهجا، مما يجعلها إضافة متميزة للمكتبة الإسلامية.

فأسأل الله تعالى أن ينفع بها المسلمين، وأن يجعلها في ميزان حسناته، وأن يرقى الله به إلى أعلى الدرجات في الدنيا والآخرة.

والله ولى التوفيق

 

   د. مازن إسماعيل هنية

عميد الدراسات العليا في الجامعة الإسلامية

 


 

تقريظ

الحمد لله الذي كفل لهذه الأمة أن يبعث لها على رأس كل مائة عام من يجدد لها أمر دينها، فهو الذي نزَّل الذكر، وهو الحافظ له، إذ يهيئ من كل فرقة طائفة ليتفقهوا في الدين، فينفوا عنه انتحال المبطلين، وغلو الجاهلين، ومُجون العابثين.

وبعد:

فقد اطلعت على رسالة الشاب الباحث / مشير عمر المصري في فقه السياسة الشرعية حول المشاركة السياسية في ظل أنظمة الحكم المعاصرة مؤصلة من الفقه الإسلامي، حيث مهَّد لهذا الموضوع الحيوي بتناول أسس النظام السياسي في الإسلام، فأكد أن الحاكمية لله، وأن العدل والمساواة، والطاعة، والشورى، هي أساس الملك، ثم أصَّل للتعددية السياسية في الإسلام منطلقاً من الحرية السياسية التي ينبثق عنها حرية الحزبية بضوابطها الشرعية التي تنطوي على وجوب الإيمان بالله، والرضا بالإسلام، واتباع الرسول r، مع السمع والطاعة للخليفة الشرعي، والعمل على وحدة الأمة المسلمة وأن يكون الدافع لذلك مصلحتها الكلية، والتنافس الشريف القائم على النصح والحوار الأخوي، ونبذ الخلاف والفرقة، وغير ذلك.

ثم تناول في الفصل الثاني المشاركة في المجالس النيابية والوزارة بضوابطها كذلك من الحرص على خدمة الإسلام بجلب المصالح للأمة، ودرء المفاسد عنها، مع اشتراط أن يكون المرشحون لهذه الأمة من أكفأ المتخصصين الموثوق في دينهم وقوتهم في المنافحة عن الإسلام، ومصلحة الأمة، مع ضرورة إخضاع التجربة للتقييم والتقويم؛ حتى لا تكون تورطاً مهيناً، فإن القوم يشترون الضلالة، ويريدون أن تضلوا السبيل، بل أن تميلوا ميلاً عظيماً.

وقد خصَّصَ الفصل الثالث والأخير للتحالف السياسي في الإسلام واضعاً له طائفة من الضوابط كذلك من المصلحة الحقيقية للأمة، وانتفاء الاحتواء، مع وجوب متانة الصف الإسلامي بالانضباط والسمع والطاعة، وغير ذلك.

وقد لخَّص الأستاذ الباحث في خاتمة بحثه أهم النتائج التي توصل إليها، ونقل طائفة من الملاحق حول الآراء والفتاوى الصادرة عن كثير من رموز الفكر والفقه المعاصرين، بما يشهد بصحة ما انتهى إليه من الاجتهاد المحمود إن شاء الله.

وقد امتازت رسالته بحسن الصناعة، فالتبويب والترتيب، وسلاسة الأسلوب، ووضوح الفكرة، واستقامة اللسان، كلها تشي بما يتمتع به هذا الباحث من الثقافة وسعة الأفق، وهو ما يبشر بمستقبله الواعد على طريق الدراسة والتأصيل للمزيد من قضايا الفقه، لاسيما الفقه السياسي، وإنني لأتمنى له التوفيق والسداد، والرضوان والمثوبة.

وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم

 

د. يونس الأسطل

عميد كلية الشريعة في

الجامعة الإسلامية سابقاً


 

مقدمة

الحمد لله الذي هدانا للإسلام، وأنار قلوبنا بالقرآن، والصلاة والسلام على أشرف خلق الأنام، سيدنا محمد r وعلى آله وصحبه الكرام، ومن استنَّ بسنته، واقتفى أثره إلى يوم الدين ... وبعد:

فقد وصلت الأمة الإسلامية إلى منحدر خطير ـ لم يسبق أن وصلت إليه ـ بعد سقوط الخلافة الراشدة، وإقصاء الشريعة الإسلامية عن الحكم، وعاشت واقعاً مريراً مهترئاً في ظل ليل دامس مظلم، مما دفع بعض الغيورين المخلصين لأمتهم أن يسعوا جاهدين لتكثيف الجهود من أجل إعادة الأستاذية للأمة الإسلامية من جديد، فقامت الجماعات، ونشأت الأحزاب السياسية الإسلامية، لتذود عن حياض هذه الأمة، وتقوم بواجبها الدعوى، عملاً بقوله تعالى: { وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ }([5]).

وفي ظل هذا الواقع السياسي المؤلم، وتَرَبُّع الأنظمة الحاكمة على سدة الحكم، وقد غُيِّبَت الشريعة الإسلامية عن سياستها، وفي ظل هذا النظام العالمي الجديد، من المجالس النيابية والوزارية، والتحالفات السياسية وغيرها، رأى العاملون للإسلام أن دورهم في طريق التغيير والإصلاح سيظل ضعيفاً، طالما أنهم قد حصروا أنفسهم في الوسائل التقليدية، ولم يواكبوا المرحلة، وأن لا بد من خوض غمار الحياة السياسية، فشارك أبناء الصحوة الإسلامية في أكثر من بلد عربي وإسلامي في المجالس النيابية، وأبرموا التحالفات السياسية مع غيرهم من الأحزاب ليقووا شوكتهم، ومنهم من تقلد مناصب وزارية، فثار الجدل والخلاف بين أوساط العاملين في حقل الدعوة.

ومن هنا جاءت هذه الرسالة، لتطرق باب المشاركة في الحياة السياسية في ظل أنظمة الحكم المعاصرة، لتؤصل القضايا تأصيلاً فقهياً، و لتسد ثغرة، وتبني لبنة في واقع الفقه السياسي، حتى تتضح هذه المعالم، وتستجلي أنظار الإسلاميين في تحديد مواقفهم السياسية، على أسسٍ وقواعدَ شرعية.

أهمية الموضوع:

إن السياسة دين، تعبَّدنا الله سبحانه وتعالى بها، كما العبادات وغيرها، وإن توضيح معالم هذه السياسة جدُّ مهم، بخاصة في ظل الواقع المعاصر الذي نعيش، فالمجالس النيابية والوزارية، والتحالفات السياسية، وغيرها لا بد أن يكون للمسلمين فيها وقفة سياسية شرعية.

ويمكن إجمال أهمية الموضوع في النقاط التالية:

1. يعتبر هذا الموضوع من القضايا الفقهية المعاصرة التي أضحت تسري كالدم في الجسد، والتي لا بد من إماطة اللثام عنها، والتأصيل الشرعي لها، وبيان فلسفتها، لمواكبة التطور العالمي الجديد.

2. إن الجماعة المسلمة ـ وهي تعيش ظلال هذا الصحوة العظيمة ـ يجب أن تعرف دورها المطلوب، وعملها المرتجى لخدمة هذا الدين من كل بؤرة.

3. تجلية أنظار الدعاة في تحديد مواقفهم السياسية على أسس شرعية، وإبراز مدى إمكانية التعامل مع أنظمة الحكم المعاصرة.

4. دراسة هذه القضايا المستجدة دراسة فقهية متأنية، تستهدف ترشيد الصحوة الإسلامية، فإن الدراسة التي تعالج واقع الأمة أكثر رجاءً من الدراسات الأبعد عن واقعها.


 

أسباب اختيار الموضوع:

بالإضافة إلى ما للموضوع من أهمية، فقد اخترته للأسباب التالية:

1. رغبة في أن يأخذ الموضوع حقه من البحث كدراسة علمية منهجية شاملة، فهو على أهميته لم يأخذ حقه ـ فيما اطلعت ـ من اهتمام علمائنا الكرام.

2.  لمعرفة موقف الإسلام من التعددية السياسية، والمشاركة في المجالس النيابية، والوزارة، وكذلك التحالف السياسي.

3. إبراز معالم الشريعة، واستجلاء مواقفها في هذه القضايا المستجدة، على أسس يرتكز عليها أبناء الصحوة، لينبذوا بذور الفرقة والنزاع والاتهام.

4. إظهار الضوابط الشرعية في المشاركة السياسية في الحكم، حتى لا يتمادى المشاركون بإطلاق، لاسيما وأن الأنظمة الحاكمة أقصت الشريعة كلياً أو جزئياً عن سياستها.

5. المساهمة في إثراء المكتبة الإسلامية، ليفيد العامة والخاصة، وليكون علماً ينتفع به، في قضايا أضحت تشكل حساسية عظيمة بين أبناء الدعوة الإسلامية.


 

خطة البحث:

وصولاً إلى أهداف البحث وغاياته، قسمت الخطة إلى ثلاثة فصول، يسبقها فصل تمهيدي، وتعقبها خاتمة

الفصل التمهيدي

أسس النظام السياسي في الإسلام

وفيه أربعة مباحث:

المبحث الأول : الحاكمية:

وفيه ثلاثة مطالب:

المطلب الأول: مفهوم الحاكمية.

المطلب الثاني: موقف المؤمنين والكفار من الحاكمية.

المطلب الثالث: الحاكمية وأنظمة الحكم المعاصرة.

المبحث الثاني : العدل والمساواة:

وفيه مطلبان:

المطلب الأول: مفهوم العدل والمساواة.

المطلب الثاني: موقف غير المسلمين من العدل والمساواة.

المبحث الثالث: الطاعة:

وفيه ثلاثة مطالب:

المطلب الأول: مفهوم الطاعة.

المطلب الثاني: حكم الطاعة.

المطلب الثالث: حدود طاعة الأمراء والحكام.

المبحث الرابع: الشورى:

وفيه ثلاثة مطالب:

المطلب الأول: مفهوم الشورى.

المطلب الثاني: حكم الشورى وفوائدها.

المطلب الثالث: الشورى والديمقراطية المعاصرة.

الفصل الأول

التعددية السياسية في الإسلام

وفيه ثلاثة مباحث:

المبحث الأول: السياسة والحرية السياسية في الإسلام:

وفيه مطلبان:

المطلب الأول: تعريف السياسة.

المطلب الثاني: الحرية السياسية في الإسلام.

المبحث الثاني: التعددية الحزبية السياسية في ظل الدولة الإسلامية، وأنظمة الحكم المعاصرة:

وفيه خمسة مطالب:

المطلب الأول : مفهوم الحزبية، ووظائفها.

المطلب الثاني: الأحزاب السياسية في التاريخ الإسلامي.

المطلب الثالث: حكم التعددية السياسية في الدولة الإسلامية.

المطلب الرابع: حكم التعددية السياسية في ظل أنظمة الحكم المعاصرة.

المطلب الخامس: الموقف من الأحزاب غير الإسلامية.

المبحث الثالث: ضوابط التعددية السياسية.

الفصل الثاني

المشاركة في المجالس النيابية والوزارة

وفيه مبحثان:

المبـــحث الأول: المشاركة في المجالس النيابية:

وفيه ثلاثة مطالب:

المطلب الأول:ـ مفهوم المجالس النيابية.

المطلب الثاني:ـ حكم المشاركة في المجالس النيابية.

المطلب الثالث:ـ ضوابط المشاركة في المجالس النيابية.

المبحث الثاني: المشاركة في الوزارة:

وفيه ثلاثة مطالب:

المطلب الأول:ـ مفهوم الوزارة.

المطلب الثاني:ـ حكم المشاركة في الوزارة.

المطلب الثالث :ـ ضوابط المشاركة في الوزارة.

الفصل الثالث

التحالف السياسي في الإسلام

وفيه ثلاثة مباحث:

المبـــحث الأول : مفهوم التحالف.

المبحث الثاني: حكم التحالف السياسي.

المبحث الثالث: ضوابط التحالف السياسي.

الخاتمة:

وتتضمن أهم النتائج التي توصل إليها الباحث.