|
من خان آيات
الأخرس ؟؟
بقلم : أسامة العيسة
بدلاً من
المقدمة :
منذ أشهر ، عكفت على إعداد
كتاب عن الاستشهاديين ، كنت أراه مختلفاً عن كلّ ما كتبته و هو أقرب إلى أن يكون
بيلوغرافيا عن الاستشهاديين أو "موسوعة" عنهم ، بالإضافة إلى بحث تاريخي - تحليلي
عن الموضوع .
و ما جعلني أبدأ بجمع المادة
لكتاب هو في شكله بعيداً عن اهتماماتي و أسلوبي ، هو تأثير فعل الاستشهاد بالشكل
الذي يقوم به الاستشهاديون ، و الذي يمكن أن يهزّ أي إنسان طبيعي في العالم ، و ردة
الفعل التي كنت أسمعها من بعض ممن أقابلهم في الأروقة الأكاديمية للجامعات أو في
زواريب بعض الأحزاب و الصحف ، من موقف استنكاريّ غير مفهوم ، بنظري للفعل
الاستشهادي ، و كنت أعتبر ذلك الموقف نوعاً من القتل لمن قدّموا أغلى ما يملكون بل
كلّ ما يملكون من أجل قضية و هدف ، فضلاً عن الموقف السياسي الرسمي الفلسطيني و
العربي و الدولي غير العادل من الاستشهاديين .
و برأيي فإن هؤلاء الذي بدأوا
فعل الاستشهاد ، التقطوا البوصلة مبكراً ، لشكلٍ نضالي جديد و مؤثر و متقدّم في
الساحة الفلسطينية ، فتحوّل هذا الفعل ، لعوامل كثيرة ، خاصة في انتفاضة الأقصى ،
إلى ظاهرة راسخة في المجتمع الفلسطيني ، تفشل مراكز الأبحاث الغربية و الصهيونية ،
على الأغلب في تفسيرها ، و في تحديد ما تسمّيه هذه المراكز (الاستشهادي النموذجي) .
فمع تكرّس فعل الاستشهاد
كظاهرة ، فإنه يجب أن يستتبع بالضرورة دراسات من نوعٍ آخر ، لفهمها دون إطلاق أحكام
قيمة عدائية مسبقة عليها ، فالاستشهادي النموذجي بالنسبة لهذه المراكز التي درسته
يتحدّد بسنّه و تعليمه و بانتمائه الفصائلي و درجة تعليمه و حالته الاجتماعية إن
كان أعزباً أو متزوجاً و غير ذلك .
و لكن على أرض الواقع فالأمر
مختلف إلى حد كبير ، و دراسة كلّ حالة استشهادي تثبت أن الفعل تحوّل إلى ظاهرة
يستحق التوقف عندها فعلاً ليس فقط من المعنيين في الصراع أو القريبين منه بل من كلّ
أحرار العالم و قواه الحيّة .
و من المؤسف أن يقدّم "مثقفون
فلسطينيون مستقلون" كما أسموا أنفسهم على إصدار بيانٍ استنكاري في الصحف لظاهرة
الاستشهاديين ، إن دلّ على شيء فيدلّ على بعد هؤلاء عن ما يدور في المجتمع
الفلسطيني و على أنهم في الواقع ليسوا (مثقفين أو فلسطينيين أو مستقلين) ، ففي
فترات التحرّر يكون المثقف الحقيقي ابناً لمجتمعه و مثقفاً عضوياً يحمل روحه على
كفّه ليقدّمها فداءاً للقضايا التي يؤمن بها ، و علاقة هؤلاء بفلسطين مشكوك بصدقها
و إخلاصها ، و هم أخر من يمكن وصفهم بالمستقلين ، لأنهم يتقاضون ميزانيات من أجهزة
غربية تحت ستار منظمات غير حكومية يديرونها ، و الإعلان الذي نشروه موّل من الاتحاد
الأوروبي .
و يحلو لآخرين الإشارة إلى
عامل الإحباط كمحرّك للفعل الاستشهاديّ ، و النظر إلى هذا العامل في حالة وجوده ،
كعامل مساعد سلبي ، و هو ما تنفيه الوقائع على الأرض ، كما عشتها و شاهدتها و
عاينتها ، ففي بحثٍ أجريته عن حياة عددٍ من الاستشهاديين ، تبيّن لي أن هؤلاء كانوا
ليسوا فقط غير محبطين بل أيضاً يحبّون الحياة و بعضهن مقبل عليها كما لو أنه سيعيش
الدهر كله ، بعكس ما يروّجه البعض في الداخل الفلسطيني و العربي و الإسلامي و
الخارج الغربي .
و مثلاً ، خلال لقائي مع والدة
الاستشهادية آيات الأخرس قالت : "ابنتي كانت متفوقة في دراستها و مخطوبة و تعيش في
وضعٍ مالي جيد و لا تعاني من فقر أو إحباط ، و قبل ساعات من توجّهها إلى عمليتها
الاستشهادية قدّمت امتحاناً في مدرستها و حصلت فيه على علامة كاملة ، فهي لم تكن
محبطة أو كارهة للحياة ، بل كانت متفقة مع خطيبها على أسماء الأولاد اللذين سيأتون
في السنوات القادمة" ..
و هناك من الاستشهاديين من هو
سنه أكبر مما يحدّد عادة في صفات (الاستشهادي النموذجي) مثل الاستشهادي داود أبو
صوي - 45 عاماً - من قرية أرطاس ، و كذلك يوسف أبو صوي - 38 عاماً – و ياسر عودة -
36 عاماً – و الثلاثة كانوا متزوجين و يعيشون حياة "مستقرة" نسبياً ، و آخرون كانوا
ناجحين في أعمالهم بشكلٍ كبير مثل الاستشهادي إيهاب حبيب الذي كان تاجراً ناجحاً ،
و غيرهم كانوا مقبلين على بناء حياة زوجية مثل الاستشهادي محمد توفيق الشمالي الذي
كان خاطباً ، و جلب لخطيبته هدية العيد قبل أيام من عمليته الاستشهادية التي نفّذها
في يوم عيد الفطر .
و هناك تفاصيل اللحظات الأخيرة
المدهشة لكلّ استشهادي .
و هل يمكن لأشخاص يهتمون بكلّ
هذه التفاصيل ، أن يكونوا ذاهبين للموت انتحاراً ، أم للحياة استشهاداً ؟؟
و من المثير للاهتمام أن يكون
بعض الطلبة الذين نفّذوا عمليات استشهادية كانوا من المتفوّقين مثل حامد أبو حجلة و
آيات الأخرس و عيسى بدير و هو أصغر استشهادي من الضفة الغربية .
و خرج الاستشهاديون من أوساط
اجتماعية مختلفة و من بيئات مختلفة ، و قلة منهم من خرجوا من أوساط فقيرة جداً أو
غنية جداً ، و معظمهم من الطبقة المتوسطة .
و لم يقتصر خروج هؤلاء على
فصائل المقاومة الإسلامية مثل حركتي حماس و الجهاد ، و لكن أيضاً على فصائل أخرى ،
و إن كان يجب ملاحظة أن معظم الاستشهاديين هم من المتدينين بهذه النسبة أو تلك ، و
بعضهم بدأ بالمواظبة على الشعائر الدينية قبل العملية بوقتٍ قصير ، و أن انتماء
بعضهم لهذا الفصيل أو ذاك لا يعني بالضرورة التزاماً أيدلوجياً - سياسياً مسبقاً
بفكر هذا الفصيل الذي عمل هذا الاستشهادي أو ذاك من خلاله ، و لكن الأمر يتعلّق
بالفرصة السانحة الأسرع للفعل الاستشهادي و أحياناً العلاقات الخاصة ، كالصداقة و
المعرفة ، التي تلعب دوراً في هذه المسألة .
و في هذا الكتاب حاولت أن
أقدّم تحية عاجلة للاستشهادية آيات الأخرس ، التي أثّرت في قلوب الملايين ، و كان
استشهادها حافزاً لآخرين للسير على نفس النهج .
و لن يكون ذلك بالنسبة لي
نهاية المطاف ، مع هذا الموضوع ....
أسامة العيسة
|