|
(9)
كانت الأيام أنضجت أبو سمير
بأكثر مما توقّعت ، و كان تأثير ما فعلته آيات طاغياً عليه ، فهي لم تكن فقط ابنته
بل أيضاً صديقته ، و هو أمر يشعر بأنه ميزة له في أجواء (الأبوة) الشرقية التي تكون
في أحيان كثيرة : أبوة قاهرة ، سواء كانت أبوة بيولوجية أو اجتماعية أو قبلية أو
حتى حزبية .. !
و أبو سمير هو واحد من جيلٍ
فلسطيني نشأ في المخيمات ، يمكن تسميته بجيل النكبة ، فهو الذي وجد نفسه في سنواته
الأولى في المخيمات أو ولد فيها ، و كان حلقة الانقطاع (.. و الاتصال) بين الجيل
القديم الذي وثق بالدول العربية و وعود الدول الكبرى و حاول أن يقدّم ما يستطيع في
المقاومة و لكنه فشل .. انهزم و رأى أرضه تضيع أمامه .
و كان على جيل أبو سمير أن
يكون مختلفاً : أرض ضاعت و وطن تبخّر ، و المسؤوليات الحياتية كبيرة ، فعمل من أجل
الوطن و من أجل العائلة ، و ربما سيسجّل لهذا الجيل دوره الكبير في الحفاظ على
العائلة الفلسطينية بالاستمرار ليس فقط أن يعيش أفرادها على قيد الحياة بل أيضاً
استمرارها كعائلة .
كان أبو سمير من جيلٍ من
الإخوة الكبار لملايين من الأفراد الفلسطينيين الذين تعلّموا و صلب عودهم و فجّروا
عدة ثورات . و بعض أفراد هذا الجيل ورث قسوة الجيل السابق (الأبوية) و آخرون ، بحكم
مسؤولياتهم الجديدة عن مصير الإخوة مارسوا الحزم على أشده ، و البعض عندما بنى
عائلات جديدة مثل أبو سمير ، كان متأثّراً برياح التقدّم و الثورات الاجتماعية و
التكنولوجية و الإعلامية التي عصفت بالقرن الماضي ، و إن جاء هذا الوعي ، في أغلبه
، عفوياً و بقوة حقائق الحياة و العصر .
و كان أبو سمير من جيل طينته
مزيج من الألم و الدموع على ضياع ما ضاع (بطرفة عين) و من الأمل الغلاب المعمّد
بالدم و مزيج من تقاليد الفلاحين الفلسطينيين الذين أصبحوا ، فجأة ، عمالة زائدة
على مشارف المدن في الوطن و الشتات ، و من المعاصرة التي تدخل من تحت الخيام أو من
أبواب منازل الصفيح بدون كثير استئذان .
و كان أباً و صديقاً لآيات و
شقيقاتها و حريصاً على تعليم البنات أكثر من الأولاد ، لتكون (الشهادة سلاحاً) في
يد البنت..!
و في التاسع والعشرين من آذار
(2002) ، كان أبو سمير الذي تابع خلال الأشهر و الأيام الماضية العمليات
الاستشهادية على شاشات التلفزة ، على موعد مع عملية استشهادية من نوع آخر .. و طعم
آخر .. و لون آخر .. و شكلٍ آخر .. و كلّ شيء آخر في العالم .. !
من حيث التوقيت ، كانت قوات
الاحتلال بدأت عملية احتلال واسعة لمدينة رام الله ، و فرضت طوقاً على مقر عرفات
الذي بدأ يكسب تعاطفاً جماهيرياً كبيراً ، و لم يكن أحد مستعداً من العالم العربي
الرسمي أن يفعل شيئاً أو حتى يقول كلمة .
و كان مجرم الحرب شارون في
أعلى حالات نشوته و يعِد الصهاينة بأنه سيقضي على (الإرهاب) ، و بسبب الوضع الأمني
المعقّد حول المدن الفلسطينية و الاستنفار الأمني في القدس المحتلة ، حيث كان هناك
أكثر من عشرة آلاف شرطي و جندي مهمته منع أي استشهادي ، فكان التشوّق لعملية
استشهادية في أوساط الرأي العام الفلسطيني وصل ذراه .
و عندما أعلن عن تلك العملية
في حيّ كريات أوفيل الاستيطاني بالقدس الغربية ، كان أبو سمير واحداً من ملايين
يتابعون تلك (المفاجأة) التي جاءت (في وقتها) .. تماماً .. !
و بعد قليل كان هذا الواحد من
الملايين هو مركز الحدث ، فالتي قامت بتنفيذ تلك العملية هي ابنته … : آيات .. محمد
لطفي الأخرس .. ، ابنته ... ابنة مخيم الدهيشة .. ابنة فلسطين .. ابنة العرب ..
ابنة أحرار العالم ! آيات الأخرس .. !
و لم يفقْ من وقع المفاجأة حتى
كانت دبابات الغزاة تدخل و تقتل و تدمّر ، و تقف على بابا كنيسة المهد ، حيث كان
ابنا أبو سمير من بين المحاصرين ، و لجآ إلى هناك خشية من البطش الصهيوني ، و كان
على أبو سمير نفسه أن يغادر المنزل ، لأن المنزل الذي خرجت منه الاستشهادية آيات
كان مستهدفاً من قبل القوات الغازية .
و عندما عاد إلى المنزل ، بعد
كلّ تلك المعاناة ، ليلتقط أنفاسه ، وجد في انتظاره مفاجأة كبيرة : آيات جديدة .
|