الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

عودة

 

(11)

 

في الليلة السابقة على العملية كانت آيات ساهرة مع والدها طوال الليل تقريباً تذاكر دروسها ، لتعويض ما فاتها بسبب اجتياحٍ سابق للمحافظة تعطّلت فيه المدارس ، و تتابع معه ، و مثله ، ما يستجدّ من أخبار العدوان و التي كانت تترى خصوصاً و أن الحشودات الاحتلالية كانت تزداد على أبواب بيت لحم و مدنها و قراها و دخول المحتلين متوقّع في أية لحظة .

و تابعت معه أخبار العملية التي قام بها الشهيد أحمد عبد الجواد ، الذي اقتحم مستوطنة "ألون موريه" قرب نابلس ، و قتل فيها أربعة من المستوطنين و جرح خمسة آخرين قبل أن يستشهد .

و في هذه الليلة لم يكن هناك ما يفصح في تصرّفات آيات من أنها ستقدم على أهم عمل مفصلي في حياتها . كانت تذاكر مستعدة لتقديم امتحاناتها لتحقّق طموحها و تتابع دراستها العليا و تكون صحافية ، و تتحدّث بتلقائية كما يحدث دائماً و تصنع القهوة لوالدها كما كانت تحب أن تفعل .

و بعد الفجر بقليل أيقظت والدتها لتصلّي تلك الفريضة .

و تنازلت على ما يمكن أن يساعد أهلها ، أو حتى يساعدها في قادم الأيام ، و هو بث إشارات توديعية لهم ، و لكنها لم تفعل ، فهذا ضد السرية التي يجب أن تغلف العمل النضالي و الوطني .

كم هي رائعة .. كم هم رائعون : الفتية و الفتيات الذين رأوا عمق القهر في عيون و قلوب آبائهم فحاولوا و حاولن أن يعطوهم أملاً جديداً فقدّموا و قدّمن حياتهم و حياتهن على مذبح الحرية .. !

و في اليوم التالي ، و كان يوم جمعة ، و مثل أي طالبة مجتهدة تحرص على حضور اليوم الدراسي التعويضي لتعويض ما فات من أيام دراسية ، تصل آيات إلى مدرستها و انتهزت فرصة ما لتقوم بدور الناصحة لزميلاتها ، فنهضت من مقعدها و طلبت من زميلاتها أن يكنّ فعالات في مجتمعاتهن و أن يبنين أسراً قوية و فاضلة و يعددن أبناءهن لطريق طويلٍ من النضال .. !

و دون أن يدري أحد كانت آيات في نهاية دوامها الدراسي تتجه إلى حيث سيعرف الجميع ، بعد ساعات ، إلى أين .. !

سألت أبو سمير :

* هل لديك أي عتبى عليها لأنها لم تخبرك أو تلمح لذلك أو تودّعك .. !

فأجابني مبتسماً بوقار السنين و عاطفة الأب :

- الله يرحمها ، هي الآن عند رب العباد و تحت رحمته ، إننا نعتب على أنفسنا و نطلب الرحمة لأنفسنا نحن .. !

و أضاف بثقة دون أن تفارقه الابتسامة الحزينة و المعبرة عن قوة كامنة :

- مثّلت آيات بطولة الفتاة الفلسطينية ، و هي ، أي الفتاة الفلسطينية عبارة عن تضحية و صمود و إصرار .. !

و أكمل :

 -أعطت آيات العالم العربي درساً .. ! ، و تمثّل في نفس الوقت استمراراً لإرثٍ موجود و حي في تراثنا ، خذ مثلاً خولة بنت الأزور - رضي الله عنها .

* ...... ؟

- و آيات كانت محبة للتعليم و للدراسة و للمصحف بشكلٍ كبير ، بعد أن تدرس كانت دائماً تقرأ في القرآن الكريم ، تجد في ذلك راحة نفسية كبيرة .. !

* ...... ؟

- ليس فقط بوش هاجمها و هاجم عمليّتها ، هناك الكثير من زعماء العام تحدّثوا عنها ، الكل تحدّث ، و ما يهمّني هو الناس في العالم العربي ، و هم أيضاً تحدّثوا عنها ، و هذا حقّهم ، فأنا لا أملك أن أحرم أيّ واحدٍ منهم أن يتحدّث عن أخته أو ابنته ، تحوّلت آيات باستشهادها إلى ابنة و شقيقة كلّ هؤلاء الذين يرزحون تحت احتلالات مختلفة في عالمنا العربي .. آيات قاومت الاحتلال العسكري الصهيوني .. و ربما يجب عليهم أيضاً أن يقاوموا .. !

و كنت كلّ فترة و أخرى أنظر إلى عيني آيات ، في الصور المعلّقة ، علّها تقول شيئاً ، فوالدها يشعر بأنها لم تزل في المنزل و لم تغادره .

 قال أبو سمير :

- تعرف … ؟ عندما أدخل إلى المنزل أشعر بها و أحسّ بعيونها ترافقني .. !

و كنت أودّ أن أقول له شيئاً مشابهاً ، و لكنه أشار إلى ما وجده في حقيبتها بعد استشهادها و التي وصلت إلى المنزل بطريقة لا يعرفها :

- كان هناك في حقيبتها : حبة برتقالة ، و قطعة شوكولاتة ، و مصحفها الصغير الجميل و شريط يحمل عنوان (سراج الأقصى) .

و تذكّر أيضاً :

- تعرف … ؟ آيات من مواليد 18/3/1984 ، و بين عيد ميلاها و استشهادها 11 يوماً ، و في يوم ميلادها أصرّ أشقاؤها و شقيقاتها أن يحتفوا بها و هكذا كان ، و كانت في جذوة ألقها .

و هو ما تحتاجه ، برأي استشهادية مثلها : أن تكون في جذوة ألقها الذي سطع أكثر بعد ذلك اليوم ، عندما وصلت مدخل السوبر ماركت في تلك المستوطنة و وجدت بعض الفلاحات العجائز من الفلسطينيات يبعن قرب السوبر ماركت أغراضاً أنتجتها ما تبقّى من أرضهن ، فانحنت آيات و تناولت باقة خضراء لعلها نعنع أو سبانخ و همست لهن بأن يذهبن بعيداً … بعيداً ، و قصدت السوبر ماركت و في ثواني معدودة انتقلت من موتٍ إلى حياة .. !

و عندما كان الحديث متصل بيني و بين أبي سمير ، وصل خبر أن منفّذ العملية الاستشهادية في مدينة ليشون ليتسيون الاستيطانية المقامة على أراضي قرية عيون قارة الفلسطينية المهدّمة ، قبل أيام (في 22/5/2002) ، هو (عيسى عبد ربه بدير) .

ضربت على جبهتي و قلت لأبي سمير :

* هو على الأغلب ابن المحامي عبد ربه بدير : كفيف البصر و حاضر البصيرة . !