|
(12)
و خرجت إلى منزل الشهيد الجديد
و عمره - 16 عاماً – و على باب المنزل رأيت خال الشهيد محمود أبو عودة ، و دار
حديثٌ انضم إليه آخرون : كان عيسى نفّذ العملية باسم كتائب الشهيدة آيات الأخرس و
الشهيد أحمد إسحاق و كلاهما من مخيم الدهيشة ، و مثلما حدث مع آيات ، فإن أهل
الشهيد و أقرباءه كانوا متفاجئين : من هذا الجيل الجديد في عمر النكبة الفلسطينية
المؤلمة و المستمرة يقرّرون و يفعلون ، تاركين للآخرين الكبار ترف التحليل و الشجب
و التنصّل من دماء الشهداء .. !
قبل أسابيع خطّ الفتى عيسى عبد
ربه بدير ، و هو أصغر استشهادي من الضفة الغربية ، اسمه في خانة الأسماء على أحد
دفاتره و كذلك عمره و كتب تحتهما الأمنية : الاستشهاد في سبيل الله .
و لم يكن أشقاؤه و أقاربه
يتوقّعون عندما تابعوا خبر العملية الاستشهادية في "ريشون ليتسيون" ، قبل يومين ،
بأن منفّذ العملية هو ابنهم و بأنه حقّق أمنيته .
علمت أن الشهيد الجديد طالب في
الصف الأول الثانوني في مدرسة إسكندر الخوري في بيت جالا و هو أصغر إخوته و أخواته
و عددهم خمسة و والده محامي معروف و كفيف البصر كان في زيارة إلى العاصمة الأردنية
عمان .
قال لي محمود أبو عودة خال
الشهيد إن الأخير تغيّب عن المنزل منذ أربعة أيام ، و لم يكن هناك أية توقّعات أو
دلائل تشير إلى احتمال إقدامه على عمل استشهاديّ . و عبّر عن اعتقاده ، بأن الضغط و
الجرائم الاحتلالية السبب في إقدام الشهيد و أمثاله على أعمال استشهادية .
و حدّثني عن الشهيد الذي كان
متفوّقاً في دراسته و يحظى بمحبة خاصة من أشقائه و والديه كونه الأصغر .
و علمت أن الشهيد و قبل أن
يخرج للمرة الأخيرة من المنزل طلب من أمه أن تقبّله أكثر من مرة و كان في حالة
معنوية مرتفعة ، و ربما كان طلبه هذا هو وداعه الأخير لوالدته ، حيث تستلزم الأعمال
الاستشهادية كثيراً من السرية .
و ذكر خالد شقيق الشهيد الأكبر
و عمره 25 عاماً ، أن شقيقه الشهيد عندما غادر المنزل كان في حالة طبيعة جداً و لم
تكن تصرفاته تدلّ على أنه سيقدم على عملية استشهادية ، و أنه قضى معه ساعات امتدت
حتى الصباح في حديثٍ متصل في مواضيع مختلفة .
و قال : (لم
أكن أبداً أعرف أنه سيقدِم على مثل هذا العمل) .
و أكّد خالد لي ، تأثّر شقيقه
البالغ بما يجري و أنه كان مرهف الأحاسيس ، مشيراً إلى تأثّر شقيقه الصغير بجريمة
اغتيال عائلة المناضل حسين أبو كويك في مدينة البيرة قبل أشهر .
و بدت والدة الشهيد متماسكة
الأعصاب ، و هي تمسك صورة كبيرة للشهيد بينما يحيط بها العشرات من النسوة . و بدا
العشرات من المواطنين يتوافدون على منزل عائلة الشهيد و هم يشدّون من أزر العائلة
، و نشط آخرون في تعليق الأعلام الوطنية و تجهيز المكان لاستقبال المتوافدين من
المواطنين .
***
و أنا جالس على سطح منزل عائلة
الشهيد الجديد عيسى ، سرحت في الأفق و لمحت بضعة غيوم ربيعية تتقدّم و لا أعرف
لماذا تذكّرت تلك اللوحة التي حرصت على تعليقها أمام مكتبي الذي دهمه المحتلون و
تركوه خراباً : لوحة ليناردو دافنتشي عن (العشاء الأخير) للسيد المسيح - عليه
السلام - بين تلاميذه ، حين قال لهم : (سيخونني واحد منكم) ، و كنت طلبت من صديقٍ
فنان أن يخطّ العبارة على اللوحة :
- سيخونني واحد منكم .. !
و لم أكن أعرف عندما علّقت
اللوحة مفتوناً بفن دافنتشي و بشخصية طفل المغارة الذي ثار على الرومان، أن ما قاله
الأخير قبل ألفي عام عن واحدٍ من أصحابه ، ينطبق على العشرات ، و حيث أصبح التنكر
لدماء الشهداء ، له فلسفة خاصة تجد طريقها إلى عقول جيل جديد من النخب الثقافية و
السياسية في فلسطين و العالم العربي ، و تترسّخ باعتبار ذلك براغماتية .. و واقعية
.. !
و لم أتوقّع حينها ، بأن
الخائنين لدماء "آيات" و "عيسى" و "وفاء" و "عندليب" و العشرات من أمثالهم ،
سيوثّقون خيانتهم مكتوبة ، و يوقّعون أسماءهم عليها ، و ينشرونها ، في الصحف على
الملأ .. !
و لم يكن ذلك ، في الواقع ،
غريباص .. في واقع عربي ، أصبحت فيه "الخيانة وجهة نظر" .. !
|