الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

عودة

 

(2)

 

كان أبو سمير ترك لحيته تنبت بدون تهذيب و السيجارة لا تفارق فمه ، و أصرّ على الجلوس في المنزل ، رافضاً عرضاً أن نجلس معه في حوش الحارة الضيقة التي كان يجلس فيها أمام أحد الدكاكين الصغيرة .

كانت صور آيات المختلفة تملأ جدران مدخل المنزل الصغير الذي حوّلته العائلة لاستقبال الضيوف ، و من بينها آخر صورة لها مع شقيقتها سلام ، قبل الغياب الكبير بيوم ، و التي كانت اصطحبتها في زيارة لمدينة بيت لحم و تم التقاط هذه الصورة الأخيرة لها .

و لم تلمّح آيات بأيّ شيء عما تنوي عمله لشقيقتها سماح و إنما قالت لها جملة بدت عابرة و غير مفهومة :

- ربما تكون هذه آخر صورة تجمعنا معاً .. !

نظرت ملياً في عيني آيات في الصورة الأخيرة ، علّني أستكشف نوايا و آمال اللحظات الأخيرة ، و لكنني لم أنجح ، كانت عيناها في مثل كل الصور الأخرى ، تشعان أماناً و طمأنينة و تفاؤلاً و قوة إرادة ، كنت أعرفها ، قوة الإرادة هذه ، بالإضافة إلى الذكاء الدافق ، من معرفة سابقة لخالة آيات ، و في ظروف شبيهة من حيث العمر و ظروف المقاومة مع آيات .

كنا ، نقاوم ، جيلاً وراء جيل ، و إذا كان التاريخ ، ربما ، سيتوقّف يوماً ما أمام ما فعله سياسيو فلسطين بنضال تلك الأجيال ، فإنه يرتكب خيانة كبرى أنه لم يكتب محنياً رأسه :

(لقد فعل أولاد الفلسطينيين ، جيلاً وراء جيل ، ما لا يمكن أن تفعله أية أجيال أخرى في ظروف مشابهة .. !

أو فعلت ، هذه الأجيال ، ما كان يمكن أن تفعله أية أجيال أخرى ، في أمكنة أخرى من أجل الحرية .. و الكرامة .. و أشياء أخرى .. !) .

و لكن ؟؟؟ ، و لكن هذه لها قصة أخرى .. !

و اختلفت السنون ، و بقيت القضية .. !

صباح يوم التنفيذ ، و مثل أية طالبة مجتهدة لم تتخلّف آيات عن دوامها المدرسي في مدرسة بنات أرطاس الثانوية ، و ذهبت آيات الطالبة في الصف الثاني الثانوي إلى المدرسة رغم أن اليوم هو الجمعة و عطلة رسمية التزاماً منها ببرنامج تعويضيّ أعدته مديرية التربية في محافظة بيت لحم لتعويض الطلبة عن ما فاتهم من دوام خلال الغزو الاحتلالي و أكّدت زميلات لآيات بأنها التزمت بالدوام حتى آخر لحظة ، و قدّمت امتحاناً ، كانت علامتها فيه كاملة ، و عندما غادرت زميلاتها إلى بيوتهن تخلّفت عن العودة معهن قائلة إن لديها عمل تريد أن تنجزه ، و لم تكن هناك أية شواهد على نوعية هذا العمل سوى ما قامت به من حضن إحدى زميلاتها و كأنها تودّعها الوداع الأخير . و تتذكّر زميلاتها شاهداً آخر أكثر وضوحاً ، عندما قامت آيات بتعليق صورة الاستشهادي محمد ضراغمة على أحد جدران الصف و طلبت من زميلاتها أن يعلّقن صورتها إذا حدث و استشهدت قبالة صورة ضراغمة تماماً . و لاحظت بعض زميلاتها بأنها انشغلت بالكتابة على ورقة و أخفت ذلك عن زميلاتها اللواتي طلبن بدافع الفضول معرفة ما تخطه و ضحكت الزميلات على خيال آيات المفرط ، و لكن بعد أن استشهدت علّقن صورتها قبالة صورة ضراغمة و هن يبكين .

و لكنها قالت لهن إنهن سيقرأن ذلك فيما بعد .

و لم تكن آيات فقط تخطّ في تلك الساعات على ورقة ، ربما كانت تلك التي قرأت منها خلال وصيتها المصوّرة و لكن أيضاً كانت تخط على مقعدها .

كتبت آياتٍ .. آيات قرآنية و أبيات من قصائد و كلمات أغاني .. !

( يا .. رب .. ،

إما حياة تسر الصديق        و إما ممات يغيظ العدا)

….

(علمتني ضربة الجلاد .. أن أنهض ، أنهض .. و أقاوم …

.فلسطين عربية ..)

….

….

(.. يا أمي الحنونة .. لا تبكي علي ..

شعارنا : لا إله إلا الله .. محمد رسول الله) .

…..

….

(وين الملايين .. الشعب العربي وين ..

وين الغضب العربي .. وين الدم العربي … وين

الله .. معنا الله أقوى من بني صهيون ..)

….

….

(الشهيد البطل جاد عطا الله)

(الويل للعملاء و الخونة .. ثورة حتى النصر) .

….

….

(بسم الله الرحمن الرحيم : و لا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً ، بل أحياء عند ربهم يرزقون)

….

(بسم الله الرحمن الرحيم : قل هو الله أحد ، الله الصمد ، لم يكن له كفواً أحد) .

…..

….

(حلمنا طول عمرنا .. صدر يضمّنا كلنا

.. جايز ظلام الليل ….  إنما يوصل لأبعد مدى) .

….

….

(يا أقصى ما أنت وحيد ، سيّجناك بقلوبنا ، عنك ما نحيد إنت سراج قلوبنا) .

…..

…..

(إن عشت فعش حراً ، و إن مت كالأشجار وقوفاً … وقوفاً كالأشجار) .

….

….

(فلسطين الحبيبة ….

أنا الشهيد يا أمي

إن النصر صبر ساعة …) .

….

…..

(سحقاً لأطفال العالم إن لم يعش أطفال فلسطين) .

(يا ثوار الأرض ثوروا على الطغيان

 ..ثوروا على الحرمان) .

……

……

……

(مجموعة الشهيد محمود المغربي و جاد عطا الله

حركة التحرير الوطني الفلسطيني – فتح -

كتائب شهداء الأقصى …) .

و بعد كلّ ما كتبته مما دار في دماغها ، وقّعت : أم عدي … آيات الأخرس .

آيات الأخرس : لأنه اسمها و أم عدي ، لاتفاقها مع خطيبها على تسمية الابن البكر القادم بعدي ، و بتوقيعها بتلك الكنية كانت ترسل إشارة حب و عهد لخطيبها الحبيب .

و بعد ساعات و بينما كان المتظاهرون فرحين بآيات رغم المطر الذي بدأ ينزل بغزارة ، ظهرت آيات ، في شريطٍ مصور بثقة تغطي رأسها الكوفية الفلسطينية و خاطبت الحكام العرب مباشرة (كفاكم تخاذلاً) .

و قالت آيات ، التي كانت تقرأ من ورقة تحملها ، أنها توجّه رسالة لهؤلاء الحكام المتخاذلين و جيوشهم التي تتفرّج على الجرائم التي ترتكب بحق الشعب الفلسطيني .

و كانت الإشارة واضحة إلى ما جرى في مؤتمر القمة العربية في بيروت و الذي اعتبره الرأي العام الفلسطيني غير ناجح و وصفته قطاعات من الرأي العام الفلسطيني بأنه مؤتمر التخاذل بسبب عدم اتخاذ موقف عملي لنصرة الشعب الفلسطيني .

و أكّدت في وصيتها و التي لم تستغرق سوى ثلاث دقائق بأنها قرّرت الاستشهاد دفاعاً عن الأقصى و عن فلسطين و عن الكرامة العربية .

و ختمت وصيتها بالقول (واأقصاه و الله أكبر على الظالمين) .

و استمرت لساعات إضافية احتفالات الجماهير في مخيم الدهيشة بالشهيدة و أمّت الجماهير منزل عائلتها و وزّعت الحلوى و أطلقت الزغاريد .

و تأكد ، بعد بثّ الشريط المصور ، أن آيات ابنة مخيم اللجوء هي التي نفّذت العملية ، فعلاً ، باسم (كتائب الشهيدين محمود المغربي و جاد عطا الله) .