الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

عودة

 

(4)

 

و في 8/3/2002م ، بدأت ما أسمته حكومة الاحتلال وقتها أكبر عملية عسكرية برية ( .. فيما بعد كان هناك أكبر منها) ، و قصفت قوات الاحتلال مخيمي عايدة و الدهيشة خلال اقتحامها لمحافظة بيت لحم الذي بدأ فجر ذلك اليوم و على عدة محاور و بمشاركة الدبابات بتغطية من المروحيات و الطائرات الصهيونية .

و بدأ الشهداء و الجرحى يتساقطون منذ ساعات الفجر الأولى ، بينما كان المقاومون مستعدين لمواجهة العدوان الجديد و الجديد بأكثر مما كان التوقع ، و كان الأهالي و المقاومون في مخيمي عايدة و الدهيشة اتخذوا إجراءات و ترتيبات لتعزيز صمودهم في المخيمين في وجه أي حالة اقتحام مرتقبة ، و وضعوا المتاريس و الإطارات المطاطية الكبيرة على مداخل المخيمين و في الزواريب و الأزقة الداخلية .

و كان أول شهيد يسقط فجراً ، هو الفتى "سائد سعود عيد" الذي قصفته الطائرات الاحتلالية بينما كان يزرع عبوات ناسفة على مدخل مخيم الدهيشة ، و هو أحد جيران آيات ، و عندما قصفته طائرات الاحتلال ، كانت هي من منزلها تشاهد ذلك .

و توالى سقوط الشهداء : الشهيد إبراهيم الأعرج قائد كتائب الشهيد أبو علي مصطفى في مخيم عايدة , و الحاج سليمان الدبس قائد سرايا القدس ، الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي في نفس المخيم ، و هو شقيق الشهيد سلامة الدبس الذي استشهد قبل ذلك بخمسة أشهر في اقتحام لمخيم عايدة سقط فيه العديد من الشهداء ، و استبسل المقاومون في مخيمي عايدة و الدهيشة ، كلّ على حدة ، بينما رفضت قوات الاحتلال وساطات قام بها الصليب الأحمر الدولي للسماح لسيارات الإسعاف الفلسطينية للدخول إلى مخيمي عايدة و الدهيشة لنقل الجرحى .

و كانت قوة العدوان عنيفة : إطلاق قوات الاحتلال قذائف الدبابات على المخيمات و احتراق منازل و سقوط شهداء و تنفيذ حملات اعتقال و محاصرة المستشفيات .

و قصفت المقاومة الفلسطينية مستوطنة "جيلو" بقذائف الهاون رداً على ما وصفته حكومة الاحتلال بأنه أوسع عدوان برّي على الأرض الفلسطينية منذ عام 1967م .

و أعلنت وحدة الشهيد "سائد عيد" الذي استشهد فجر ذلك اليوم و هو يدافع عن مخيم الدهيشة ، مسئوليتها عن قصف المستوطنة الصهيونية المقامة على أراض بيت جالا و تعتبرها حكومة الاحتلال جزءاً من القدس المحتلة ، و في تبريرها للغزو قالت حكومة الاحتلال إنه كان لحماية مستوطنة "جيلو" من نار المقاومين و جاء القصف لينسف أهداف الحملة العسكرية الاحتلالية من البر و الجو .

و استمرت الاعتقالات و احتلال المنازل و تحويلها إلى نقاط عسكرية .

و بالقرب من منزل "آيات" كان العدوان الاحتلالي لا يعرف حدوداً ، حين أصاب الرصاص الاحتلالي الشاب عيسى زكريا فرج و هو بين زوجته و طفلته الصغيرة الوحيدة .

و حاولت آيات مع آخرين إنقاذ حياته لكنه استشهد متأثراً بجراحه و لفظ أنفاسه الأخيرة أمام أعينها .

و في اليوم نفسه اغتال المحتلون صديقي و زميل الدراسة الدكتور أحمد نعمان مدير مستشفى اليمامة في بلدة الخضر .

و أصدر تلفزيون بيت لحم المحلي المساهم فيه نعمان بياناً أشار فيه إلى أنه بعد أن تم محاصرة مستشفى اليمامة مدة عشر ساعات تم التنسيق مع الارتباط (الإسرائيلي) بواسطة الصليب الأحمر الدولي في القدس و من ثم الصليب الأحمر الدولي في بيت لحم للسماح لنعمان بالتحرّك من منزله للإشراف على عمل المستشفى و مساعدة الجرحى و اشترط المسؤول (الإسرائيلي) في الارتباط المدعو الكابتن "جو" أن يخرج نعمان من منزله الذي يبعد خمسين متراً عن المستشفى بقميص أبيض و أن لا يلبس جاكيت . و أن يتحرّك بسيارته التي تم  أخذ رقمها و تم الاتصال من الضابط المدعوّ "جو" بنعمان على هاتفه الخلوي و أبلغه أنه سمح له بالتحرّك و أن قناصة الاحتلال أو ضباط الموقع لن يمسوا حياته ، فتوجه نعمان إلى مستشفى بيت جالا الحكومي لإحضار بعض النواقص الهامة للمرضى و الجرحى و سمح له جنود الاحتلال على الحاجز الأول بالمرور و ما إن غادرهم و على بعد مائة متر من المستشفى فتح قناصة الاحتلال المتمركزين على مدخل مخيم الدهيشة القريب النار عليه من رشاشات دبابة تبعد عن سيارة نعمان 200 متر باتجاه رأسه و صدره مما أدّى إلى تفتيت جمجمته و تحطيم صدره فاستشهد على الفور .

و حمّل تلفزيون بيت لحم قيادة الاحتلال المسؤولية التامة عن هذه الجريمة و خصوصاً الضابط المسمى "جو" و رئيس هيئة أركانه و وزير الحرب الصهيوني و تعهّد البيان بالعمل لتقديمهم أمام محاكم جرائم الإنسانية مهما طال الزمن .

و ربما لم يكن ذلك يعني شيئاً لأطفال الدكتور نعمان الستة ، الذين تركهم وراءه .

و تمكّن المقاومون ، من جديد ، من إطلاق النار على مستوطنة "جيلو" من مدينة بيت لحم رغم الحملة العسكرية المستعرة .

و في المساء كان مناضل آخر من المعنية بهم "آيات" يسقط : جاد عطا الله الذي كان يقود المقاومة عن مخيم الدهيشة .

استشهد جاد محمود عطا الله ، عند منتصف الليل ، إثر إصابته من قذيفة احتلالية أطلقت على حارة أهل زكريا في المخيم و أدّت إلى استشهاده و اشتعال النار في منزل الشهيد عبد القادر أبو لبن أحد شهداء انتفاضة الأقصى ، و منازل مجاورة .

و أصبح عطا الله ، الشهيد السابع في اليوم الأول للغزوة الجديدة ، حيث سقط مقاتلون و ربة بيت و مدير مستشفى ، و أصيب مع عطا الله رفيقه في المقاومة "أحمد إسحاق" ، الذي استشهد فيما بعد .

و مع توالي الحصار و العدوان و المقاومة ، كتبت في حينها ، ما أطلقت عليه ، يوميات الحصار :

 

الشيخ

مات محمد أبو لبن … !

مات الشيخ محمد أبو لبن أمام مسجد المخيم المزمن فجأة ، و رغم كبر سنه و مرضه و انزوائه منذ سنوات لم يخطر ببالنا أنه يمكن أن يموت و في هذا الظرف بالذات .

قبل منتصف ليلة الخميس اتصل بي ابنه صالح ليخبرني عن ميعادٍ لاجتماع سيعقد في المحافظة صباح اليوم التالي لبحث العدوان الذي تتعرّض له محافظة بيت لحم ، و لا أعرف لماذا نسيت أن أسأله عن صحة الشيخ ، و بعد ساعات كانت حكومة الاحتلال تبدأ ما أسمته أكبر حملة برية لجيشها في المناطق الفلسطينية منذ حرب 1967م .

و في اليوم التالي للعدوان مات الشيخ الذي كنا نستيقظ فجراً على صوته ، و ننام ، بعد ميقات العشاء ، على صوته .

كان متديناً دون تعصّب .. اجتماعياً دون إصدار أحكام على الناس ولذا لم يكن مستغرباً أن تكون (الأفواج) الأولى من أولاده في الستينيات من النشطاء اليساريين ، الذين انتهى كفاحهم نهاية درامية بسبب اكتوائهم بالمرض المزمن لفصائل العمل الوطني الفلسطيني ، و هو ما يتعلّق بقيادة أدّت سياساتها إلى إخراجهم في النهاية من مجمل العمل الوطني و الكفاح المقاوم .

و لم يكن غريباً أيضاً أن يكون ابنه صالح من أوائل الذين مارسوا الكفاح المسلح في المخيم بعد حرب الأيام الستة ، و كذلك أبناؤه الأصغر الذين كانوا نشطاء في تنظيم مارس الكفاح المسلح .

مات الشيخ و لم يعرف أبناؤه ماذا يفعلون و أين سيدفنونه فجنود الاحتلال لا يدركون من هو الشيخ و لا يعرفون تقاليد الموت عند الفلسطينيين .

و في النهاية تم دفن الشيخ أمام منزله) .

 

الدكتور ..

يوم الجمعة اغتال قناصة الاحتلال صديقي أحمد نعمان مدير عام مستشفى اليمامة التخصصي في بلدة الخضر .

لم يعرف لنعمان أي نشاط سياسي في الفصائل الفلسطينية التي كنّا نقبل عليها و تقبل علينا أيام الدراسة .

و كان يختلف عن كثير منا ، باجتهاده و تفوّقه و تواضعه و ترتيبه و ملابسه الأجمل من ملابسنا ، فقد كان ابنا لتاجرٍ عصامي ، أحسن تربية أبنائه و لم يفسدهم بتدليعهم .

و عندما تقدّمنا لامتحان التوجيهي معاً في مدرسة الخضر ، كانت حرب بيروت (عام 1982م) التي قادها مجرم الحرب شارون في أوجها ، و كنا نهتم بأخبار تلك المعارك أكثر من اهتمامنا بالامتحانات التي ستقرّر (مصيرنا) فكنت أخرج كلّ نصف ساعة من قاعة الامتحان كي أستمع إلى آخر الأنباء من الراديو الصغير الذي بحوزتي و لأعود لأخبر أحمد و رفاقنا بآخر الأنباء .

و بعده ذهبت أنا إلى السجن و هو ذهب للدراسة في الخارج .. !

و لم يكن يخطر ببالينا أنه سيلقى حتفه برصاص جنود مجرم الحرب شارون بعد كلّ هذه السنوات و في سيناريو يشبه سيناريو حرب لبنان .

الضابط الصهيوني المدعوّ "جو" في الارتباط العسكري الصهيوني سمح لأحمد بعد مفاوضات و تدخلات و ساعات من الانتظار بالخروج من منزله إلى مشفاه المحاصر و عندما خرج قتله القناصة .

اغتال الصهاينة صديقي الذي كنت أرشحّه ليكون وزيراً للصحة في أي حكومة وطنية فلسطينية شابة من التكنوقراط في الدولة العتيدة التي ربما ستأتي في يوم من الأيام .. !

و لكنه رحل مبكراً و لن أنسى كيف زوّدني بالمعلومات عندما خضت على صفحات الجريدة التي أكتب فيها معركة ضد أباطرة الدواء ، رغم أن مصلحته الشخصية و المالية كانت مع الطرف الآخر .

كان صديقاً و نزيهاً سأفتقده كثيراً) .

 

المقاتل ...

اسمه جاد محمود عطا الله من الجيل الجديد من مناضلي مخيم الدهيشة ، كان يعرف مثلنا كلنا بأن الاقتحام قادم ، و مثل كثير منا لم يفكّر حتى بالخروج من المخيم مثلما فعل الكثير منا أيضاً .

أمضى يوم الجمعة ، اليوم الأول في الحصار ، في تفقّد مواقع المقاومين و تزويدهم بالأسلحة و المعدات و البقاء على أتم الاستعداد لصدّ أيّ هجوم .

و كان جنود الاحتلال يعرفون خطورته و يحقدون عليه مثلما كنا ندرك مدى أهميته في المشاركة في ملحمة الدفاع عن المخيم التي نتشوّق لها . و يبدو أن جنود الاحتلال ترصّدوه بأجهزتهم الأمريكية الحديثة و عندما حدّدوا موقعه أطلقوا على سيارته قذيفة موجّهة بالليزر فقطعته أشلاء .

و عندما تسلّلت نهاراً إلى حيث موقع الجريمة البشعة كان رفاق السلاح و المواطنون متجمهرين حول السيارة ليزدادوا حقداً على الاحتلال و ليعاهدوا الشهيد على أنهم سيصمدون كما لو كان موجوداً بالفعل .

كنا نحبه و كانوا يكرهونه .. !) .

 

الطفل ..

ابني هادي الذي لم يتجاوز الأعوام الثلاثة يريد أن يشارك المقاومين في (الطخ) على (اليهود) و تعزّزت هذه الفكرة برأسه عندما وقف في أذيال المقاومين في الحارة التي نسكن فيها و أدرك المهمة التي وجدوا من أجلها .

و لا يكفّ عن استخدام مصطلحات الحرب و المقاومة .

ابني هادي ، سمي شهيد المقاومة اللبنانية هادي نصر الله ابن الشيخ حسن نصر الله ، و الذي ولد بعد استشهاد هادي بأيام يصرّ الآن على إنزال إحدى مروحيات الأباتشي التي تحلّق في سمائنا لسبب واحد كي يركب عليها و يطير و يطخ اليهود..!) .