الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

عودة

 

(5)

 

استمر الحصار و العدوان ، و أخذ المواطنون يشيّعيون شهداءهم بشكلٍ جماعي ، و بدون حضور جماهيري كبير بسبب الاحتلال المباشر و حظر التجوال و أعمال المقاومة .

و شيّع أربعة شهداء مرة واحدة : "سائد سعود عيد" الفتى زارع العبوات الشجاع ، و أحد جيران آيات ، و الشهيدة "هدى محمود البرميل الخواجا" و هي معلّمة مدرسة و قتلها الصهاينة بعد اقتحام منزل عائلتها في مخيم عايدة و فتح النار على أفراد العائلة ، و القائد "جاد محمود عطا الله" و الشهيد "عيسى زكريا فرج" الذي قتل من قبَل قناص احتلالي و هو في منزله في مخيم الدهيشة .

و وصلت جثامين الشهداء الأربعة إلى مقبرة الشهداء في مخيم الدهيشة من مستشفى بيت جالا الحكومي بطرق التفافية بسبب تجريف قوات الاحتلال للشارع الرئيس المؤدّي إلى المخيم و السيطرة عليه و نشر القناصة على الأبنية الذين يطلقون النار على أية أهدف متحركة .

و كانت جنازتهم حزينة مثل استشهادهم ، و تمت الصلاة على جثامينهم في أرض المقبرة لعدم التمكّن من الوصول إلى أيّ مسجد ، و دفنوا سريعاً لأن بنادق المحتلين كانت ما تزال مشرعة .

و استمر سقوط الشهداء ، فانضمّ إلى قافلة الشهداء عماد الصوفي و هو أحد أفراد الأمن الفلسطيني برتبة رقيب أول متأثراً بجراح كان أصيب بها أثناء تصدّيه مع المقاومين لعملية اقتحام مخيم عايدة و التي أسفرت استشهاد ثلاثة آخرين هم الحاج سليمان الدبس قائد الجناح العسكري لحركة الجهاد في المخيم و إبراهيم الأعرج قائد كتائب أبو علي مصطفى في المخيم و المربية هدى البرميل الخواجا .

و كان مؤثّراً بشكلٍ خاص استشهاد الطفلة نداء سليمان العزة - 15 عاماً - استشهدت متأثرة بجراح أصيبت بها في صدرها نتيجة نيران أطلقت من بنادق جنود الاحتلال ، عندما كانت في منزلها في مخيم العزة في مدخل مدينة بيت لحم الشمالي .

و تخيّلت "نداء" عندما عرفت باستشهادها ، تحمل كتاباً عندما أصابتها رصاصة القناص ، فهي كانت إحدى الطالبات النشطات ، في انتسابها للمكتبة العامة في المدينة ، التي وضعت مديرتها الأجنبية المتطوّعة صورتها في المكتبة ، و كانت تذكّرني دائماً بها ، حتى بعد فترة من استشهادها المؤلم .

و كان على جثمانها الصغير أن يعاني حتى بعد أن توقفت الدماء عن الجريان في عروقه ، فتعذّر دفن الشهيدة في المقبرة الإسلامية قرب قبة راحيل ليس بعيداً عن المكان الذي تقطن فيه نداء ، بعد أن تحوّلت إلى ثكنة عسكرية كبيرة ، و زحف أهلها و قلة من المواطنين إلى مدينة بيت ساحور و دفنوها هناك ، بجوار شهداء آخرين سقطوا على مدى سنوات النضال و الكفاح و الألم .

و بدأت قوات الاحتلال اقتحام مخيم الدهيشة المحاصر منذ يومين ، وسط مقاومة عنيفة من المقاومين الذين أعلنوا مسؤوليتهم عن تكبيد قوات الاحتلال ثلاثة إصابات في الجنود بواسطة العبوات الناسفة .

و وقعت اشتباكات عنيفة مع قوات الاحتلال التي تقدّمت بدباباتها و بقصف مدفعي مكثّف ، و دخلت قوات الاحتلال بعض الأحياء الشرقية للمخيم و اقتحمت منزل الشهيد جاد محمود عطا الله .

و صعّدت قوات الاحتلال بإطلاق صواريخ أرض - أرض من مستوطنة "جيلو" جنوب القدس على منطقة جامعة بيت لحم و أدّى ذلك إلى إحداث تدمير في بعض مرافق الجامعة و في مدرسة راهبات الوردية المجاورة .

و بررت سلطات الاحتلال قصفها للمنطقة بأنه جاء رداً على استهداف المقاومة بقذائف الهاون لمستوطنة "جيلو" .

و لم يكن مغزى استهداف مستوطنة "جيلو" خافياً ، و اعتبر نجاحاً كبيراً للمقاومة خصوصاً و أن أحد أهداف هذه الحملة هو منع إطلاق النار باتجاه تلك المستوطنة الصهيونية المقامة على أراضي كان الاحتلال اغتصبها من أهلها سكان مدينة بيت جالا بعد الاحتلال لما تبقّى من الأراضي الفلسطينية عام 1967م .

و نسفت قوات الاحتلال منزل الشاب يحيى دعامسة ، أحد قادة المقاومة ، الذي ركّز عليه الإعلام الصهيوني باعتباره المطلوب الأول لقوات الاحتلال في هذه الحملة .

و جلبت قوات الاحتلال مراسلي وسائل إعلامها إلى منزل دعامسة ، و منازل أخرى ، لكي تريهم ما اعتبرته (مختبرات) لصناعة الأسلحة زعمت أنها عثرت عليها ، أحدها على الأقل يعود لدعامسة ، و هو ما نفته المصادر الفلسطينية التي قالت إن قوات الاحتلال لم تستطع التوغل في مخيم الدهيشة بسبب المقاومة و بأن الإعلان عن العثور على مختبرات أسلحة هو نوع من التضخيم و لتبرير ارتكاب جرائم .

و فيما بعد علمت بأن بعض الصحافيين الذين أطلِعوا على (مختبرات) الأسلحة وجدوا ما عرض عليهم من مواد (المختبرات) أمراً مثيراً للضحك ، و لكن كان مجرم الحرب "شارون" بحاجة لتغطية فشله بالقبض على أفراد المقاومة ، بالإعلان عن نجاحات … أية نجاحات .

و المثير أن قوات الاحتلال كانت أعلنت قبل أربعة أيام من الوصول إلى منزل دعامسة بأنها اغتالته قرب قرية طمون في شمال الضفة الغربية .

و تنسب سلطات الاحتلال لدعامسة المسؤولية عن إرسال استشهاديين و إطلاق النيران على مستوطنة "جيلو" طوال أشهر انتفاضة الأقصى ، و كانت أجهزة السلطة اعتقلته بناء على طلب سلطات الاحتلال بسبب ذلك ، و لكن زملاءه ردّوا على اعتقاله من قبل السلطة بإطلاق النار بكثافة على "جيلو" .

و في النهار التالي ، كانت سلطات الاحتلال تعتقل نحو 1500 مواطناً من مخيم الدهيشة ، و تحتجزهم لمدة 16 ساعة ، في معسكر أقيم على عجل ،  الصور الأولى المثيرة التي وزّعتها وكالات الأنباء عن الشبان الفلسطينيين الذين يتم وضع عصبات على عيونهم و تقييد أيديهم ، و أثارت العالم ، التقطت لهؤلاء ، و كنت أحدهم ، و لكنني غادرت ، في غفلة عن جنود الاحتلال ، مع زملاء من الصحافيين .

و استعرت شهوة التدمير لدى قوات الاحتلال ، فدمّرت أثاث عشرات المنازل في مخيم الدهيشة و هدمت أسوار المنازل و المدارس بالإضافة إلى تدمير شبكات المياه و الصرف الصحي و الشوارع الرئيسية .

و أصيب خلال هذه الحملة 50 مواطناً من بينهم أطفال و تم الاستيلاء  على عشرات البنايات و المنازل داخل مخيمات الدهيشة و العزة و عايدة و بلدة الدوحة ، و تم منع الطواقم الطبية من تقديم الإسعافات للجرحى و المصابين و حتى منع دفن الموتى في المقابر .

و دمّرت منزل الشهيد محمود المغربي ، و كذلك منزل شقيقه أحمد المغربي أحد المطلوبين لها و الذي لم تتمكّن من إلقاء القبض عليه ، أو اغتياله .

و عندما فجّرت قوات الاحتلال منزل عائلة المغربي لم يدمّر المنزل فقط بل أحدث التفجير تدميراً في المنازل المجاورة ، و رغم أن عائلة المغربي باتت ليلتها في العراء إلا أن رب العائلة و أفراد أسرته بدوا في حالة معنوية عالية جداً .

و كانوا يدركون المخاطر التي نتجت و ستنتج عن اختيار ابنهم "أحمد" للطريق الذي يسير عليه و الذي اختاره من قبله والده و تعرّض للاعتقال و الإبعاد في السنوات الأولى لاحتلال ما تبقى من الأراضي الفلسطينية عام 1967م ، و كذلك ابنهم الآخر "محمود" الذي اغتالته قوات الاحتلال بعد إلقاء القبض عليه حياً في كمين نصبته قوات الاحتلال له أثناء تنفيذه عملية للمقاومة في مدينة بيت جالا و كان ينسب له العديد من العمليات الناجحة ، و تحمل أحد مجموعات كتائب الأقصى التي تنشط عسكرياً ضد الاحتلال اسم الشهيد محمود .

و كان واضحاً أن هدم منزل عائلة المغربي و قبل ذلك تدمير منازل أعمامه هو استمرار سلطات الاحتلال باستهداف أقارب النشيطين الفلسطينيين و هو أسلوب استخدم على نطاق واسع منذ بداية الاحتلال في حزيران 1967م ، حيث كان يتم اعتقال أي فرد من العائلة إذا لم تتمكّن هذه القوات من اعتقال المطلوب لها ، و كذلك هدم منازل عائلات الفدائيين .

و في الأسابيع الأخيرة ، قبل هذه الغزوة ، أبادت سلطات الاحتلال عائلة "حسين أبو كويك" الناشط البارز في حركة حماس ، في جريمة بشعة ، عندما استهدفت سيارة زوجته التي كانت عائدة بأطفالها من المدارس في مدينة البيرة .

و انسحبت قوات الاحتلال ، جزئياً ، بعد التدمير و الاعتقال ، و في الأيام التالية اشتبك المقاومون مع قوات الاحتلال ، التي اتخذت لنفسها استراتيجية جديدة ، بالخروج و الدخول المفاجئ إلى وسط المدن .

و فتحت فصائل المقاومة الفلسطينية جبهة جديدة ضد مستوطنة "جيلو" ، و أمطر المقاومون هذه المستوطنة بوابلٍ من النيران جعلت سكان المستوطنة ينزلون إلى الملاجئ .

و استهدف المقاومون أيضاً جيوب للاحتلال التي بقيت بعد الانسحاب الجزئي ، و استمر المحتلون بقصفهم لمناطق سكنية متعددة . و في تلك الحالة القلقة ، سقط آخرون ، و كلّ واحد منهم كان حكاية لوحده .