|
(6)
"جميل"
في يوم 24/3/2002 ، استشهد في
مدينة رام الله "جميل نواورة عبيات" متأثّراً بجراحٍ أصيب بها في اليوم الأول لغزو
قوات الاحتلال لرام الله . و لحق بذلك بشقيقه الشهيد جمال الذي استشهد ، في بيت لحم
يوم 18/10/2001 في عملية اغتيال نفّذتها قوات الاحتلال عن بعد .
و جميل مهندس إلكترونيات عمل
في إذاعة فلسطين و سكن في رام الله قرب عمله ، بينما كان شقيقه جمال مقاتلاً و نائب
قائد كتائب شهداء الأقصى في جنوب الضفة الغربية .
و في حين استشهد جميل برصاص
الإرهاب الصهيوني العشوائي ، استشهد جمال مع رفيقه عاطف عبيات قائد كتائب شهداء
الأقصى في الجنوب و رفيقهما الثالث عيسى الخطيب بتفجير سيارتهم التي زرعت فيها عبوة
ناسفة مسبقاً .
و في حالتي الاستشهاد :
استشهاد جمال و استشهاد جميل كانت الصدمة قوية ليس على الأهل و لكن أيضاً على
الأصدقاء و المعارف و الرفاق ، و لكن سرعان ما يتحوّل هذا الحزن لدى الفلسطينيين
إلى غضب ، و إلى رد كما يحدث عادة .
و لم تكن عودة الشهيد جميل إلى
مسقط رأسه سهلة ، بسبب حواجز الاحتلال ، و لكنه تمكّن من العودة بعد يومين من
استشهاده ، و رقد إلى جانب شقيقه الشهيد جمال و شهداء آخرين دفنوا في مقبرة الشهيد
"حسين عبيات" التي خصّصت للشهداء و لم تكفّ عن استقبالهم منذ بدء الانتفاضة .
"محمود"
يوم 17/3/2002 ، نعت كتائب
شهداء الأقصى التابعة لحركة فتح الشهيد المقاتل محمود عواد المالحي ، خلال تصدّي
مجموعات المقاومة لقوات الاحتلال التي تقدّمت ظهر ذلك اليوم بهدف التوغل في وسط
مدينة بيت لحم و هو الأمر الذي أحبطه المقاومون ببطولة .
كان عواد يعتبر من أكثر
المقاتلين جرأة ، و عندما تقدّمت دبابة "ميركافاة" الصهيونية ، وجدت أمامها مقاتلاً
يشرع سلاحه متحدّياً تكنولوجيا العدو ، فسقط شهيداً ..
و المؤثّر في استشهاد محمود
عواد هو موقف أمه اللاجئة من قرية المالحة التي حوّلتها سلطات الاحتلال إلى حيّ من
أحياء القدس المحتلة و لم يبقَ من القرية سوى المسجد الذي احتار المحتلون ماذا
يفعلون به ، فحوّلوه مرة إلى نادي ليلي ترتكب فيه الموبقات و مرة أخرى حوّلوا
مئذنته إلى برج للحمام .
كانت والدة محمود فقدت شقيقاً
لها في انتفاضة الشعب الفلسطيني الأولى الكبرى ، و هو الشهيد عيسى زرينة ، الذي
أورث شجاعته على ما يبدو لمحمود ، و كان قاذفاً ماهراً بالمقلاع و كافة الأسلحة
التي تحمل الحجارة إلى صدور جنود الاحتلال ، حتى سقط برصاصة قناص احتلالي في مخيم
عايدة تاركاً زوجة و أولاداً .
و عندما استشهد محمود حافظت ،
أمه ، على رباطة جأش مثيرة للإعجاب ، و فرحت بهدية كان الشهيد اشتراها مبكراً
بمناسبة يوم الأم ليقدّمها لها ، و لكنه غادر ، مثل كلّ الأمور الجميلة ، مبكراً ..
و بعد أقلّ من شهر على استشهاد
محمود ، كان على الأم الصابرة أن تفجع باستشهاد ابن آخر لها هو عواد في عملية السور
الواقي الاحتلالية ، كما سنرى فيما بعد .
ما أجملهن من أمهات ، من أين
يأتين بكلّ هذا الأمل .. ؟!
"أكرم"
في ذلك اليوم 17/3/2002 ،
تحدّى الشبان الفلسطينيون مجرم الحرب شارون ، و تخطّوا كلّ ترتيباته الأمنية ، و
ضربوا في العمق .. هناك في مستوطنة "التلة الفرنسية" بالقدس الشرقية .
في ذلك اليوم تسلّل أحد الشهيد
أكرم إسحاق النبتيتي - 24 عاماً - من مخيم عايدة ، و من كوادر حركة الجهاد الإسلامي
، إلى مفرق التلة الفرنسية و فجّر نفسه بعملية استشهادية .
أراد أن يتحدّى إجرامهم و
جبروتهم و أسلحتهم الثقيلة فأبدع بتقديم نفسه ، لينتصر عليهم .. !
و في الليلة السابقة على
عمليته ، اقتحم جيش الاحتلال مخيم عايدة المحاصر .. و فتّش و اعتقل ، و في اليوم
التالي خرج أكرم النبتيتي متحدياً و انتصر بجسده .. و انضم للاستشهاديين
الفلسطينيين الذين يقومون بما يرونه مناسباً في معركة مريرة مع أحد أعتى الاحتلالات
في التاريخ .
و الشهيد النبتيتي من مواليد
1978م ، و هو عضو في سرايا القدس الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين
التي أسّسها مفكّر فلسطيني منفتح دفع ثمناً لإيمانه بضرورة اقتران الفكر بالممارسة
و هو الشهيد فتحي الشقاقي الذي شكّل استشهاده إلهاماً لأجيال عديدة من الشبان
الفلسطينيين .
و في وصيته المتلفزة قال أكرم
بثقة كبيرة و هو واقفٌ و بجانبه الحقيبة التي رافقته في رحلته الأخيرة ، إنه ينفّذ
العملية الاستشهادية دفاعاً عن المقدسات الإسلامية و المسيحية في فلسطين و انتقاماً
لدماء الشهداء الذي سقطوا برصاص الإرهاب الصهيوني و ذكر أسماءً كأمثلة من مختلف
القوى و التيارات السياسية و الفكرية في فلسطين .
و أشار إلى الشهيد سليمان
الدبس قائد سرايا القدس في مخيم عايدة و الشهيد إبراهيم الأعرج قائد كتائب الشهيد
أبو علي مصطفى في نفس المخيم و اللذان سقطا دفاعاً عن المخيم يوم 8/3/2002 برصاص
قوات الاحتلال التي اقتحمت المخيم .
و تحدّث الشهيد أكرم بثقة عن
عدالة القضية التي آمن بها و التي جعلته يختار هذا الطريق و عبّر عن إيمانه بتحقيق
النصر في النهاية .
و قدّم بعبارات مؤثّرة وداعاً
لعائلته و أصدقائه و لأبناء شعبه .
و ما قام به و يقوم به أكرم و
رفاقه ، لا يجعل ما يقومون به غير مفهوم لدى ما يعتبره هؤلاء العدو الصهيوني و لكن
في أوساط أخرى من رجال الدين المسلمين في العالم العربي و في أوساط مثقّفين من
بينهم فلسطينيون مثل الدكتور إدوارد سعيد الذي وصف العمليات الاستشهادية بالأعمال
البربرية في أحد مقالاته ، و هو ما يعتبر ليس فقط دلالة على استعلاء استشراقي عما
يدور في المجتمع الفلسطيني و لكنه أيضاً جهلٌ غير مبررٍ و موقفٌ لا يمكن تفسيره
أبداً بالنسبة للذين يقدّمون دمهم في سبيل قضية عادلة باقتناع كبير و مبدئية عالية
و واعية .
و يشكّل ما يقوم به أكرم و
رفاقه ما يعتبره آخرون أنه أمر يجب أن يحتذى ، و مصدر فخر كبير لعائلاتهم ، و بثقة
كبيرة قال أفراد عائلة الشهيد أكرم : نحن نحترم خيار أكرم .
و أشاروا إلى عوامل مباشرة
أثّرت في اتخاذه لقراره مثل قيام قوات الاحتلال بقتل جارة الشهيد عندما اقتحمت
منزلها و أطلقت النار عشوائياً في المنزل عليها و على أطفالها .
و في المعركة الدائرة بين
الاستعمار الصهيوني و الشعب الفلسطيني ، يفقد الأخير خيرة أبنائه و كوادره و لا
يعزّي هذا الشعب إلا أنه في جميع التجارب التحرّرية السابقة كان يحدث نفس الشيء ،
مع فارق أن معظم النخب الثقافية و السياسية في التجارب المشابهة لم تكن تعتذر عن
نضال شهدائها مثلما يحدث في كثير من الأحيان في الحالة العربية و الفلسطينية .
و بعبارة أوضح لم تكن تخون
دماء أبنائها ، مثلما يحدث في الحالتين الفلسطينية و العربية .. !
و في تلك الأيام أتاح الانسحاب
الاحتلالي من المناطق التي احتلها في محافظة بيت لحم ، للمواطنين القيام بواجب
العزاء في شهدائهم الذين سقطوا خلال الأيام الماضية.
و في مخيم الدهيشة الذي عاني
من حصار مشدّد فتح أهالي المخيم بيت عزاء في قاعة مركز الشباب في المخيم لثلاثة من
شهدائهم سقطوا خلال الغزو و هم "سائد عيد" الذي استشهد في اليوم الأول للغزو برصاص
الاحتلال العشوائي ، و "جاد محمود عطا الله" أحد أفراد المقاومة الذي استشهد بعملية
اغتيال مدبرة ، و الشهيد "عيسى زكريا فرج" و هو مدني قتله قناص احتلالي و هو في
منزله فاستشهد تاركاً زوجة و طفلين صغيرين .
و كان استشهاد فرج ، كما اعتقد
مقرّبون من "آيات" أحد العوامل المؤثّرة في قرار آيات الذي اتخذته لاحقاً .
كانت "آيات" تنظر و تسمع و
تشعر و تتألم ، فاتخذت قراراً ، لتكون مثلها مثل آخرين من أبناء جيلها الأكثر من
رائعين ..
|