الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

عودة

 

(7)

 

عندما جلست في مواجهة أبو سمير أقنعت نفسي بأنني كنت أعرف كيف فكّرت آيات و كيف قرّرت ، إنها مسيرة طويلة ، شعلة سلّمتها أجيال من الفلسطينيين إلى آخرين ، حتى و لو لم يكن التسليم في احتفالات رسمية أو ظاهراً ، أو حتى محسوساً

ما يقوم بها هؤلاء الفتية و الفتيات ، هو أنهم يلتقطون ، بمهارة يحسدون عليها (متطلبات المرحلة) في عمر القضية المؤلمة و المزمنة ، فيتصرفون وفق ذلك .

أجيال تحمل الحجارة و أخرى تجرّب السلاح و ثالثة تكتشف أن سلاح (الاستشهاد) : قوة كامنة متشظية و قادرة ، و دون انتباه كافٍ أو حتى أدنى انتباه لجهابذة المناقشين من الكبار : أكاديميون و سياسيون و وطنيون مرتدّون و مثقفون مستشرقون و آخرون باعوا تاريخهم بأموال المنظمات غير الحكومية أو بعبارة أوضح بأموال أجهزة المخابرات الأمريكية و غيرها من نظيراتها الغربية .. و العربية .

كان الإرهاق بادياً على أبي سمير ، فهو لم يجد أية فرصة لالتقاط الأنفاس منذ غياب آيات .. !

فبعد غيابها ، ترك المنزل و أولاده خشية القمع الاحتلالي ، عندما تقدّمت الدبابات و الطائرات الاحتلالية لتنفيذ عملية (السور الواقي) في محافظة بيت لحم و التي ستكون الأعنف و الأكثر خطورة .. !

و كان متوقّعاً أن يكون المنزل الذي ولدت فيه و تربّت و خرجت منه "آيات" ، أحد أهداف الحملة ، و هو ما كان كذلك و لكن في ظروف مختلفة .

و عندما نفّذت "آيات" عمليتها ، عدّت اختراقاً لأجهزة الأمن الصهيونية التي كانت تضرب طوقاً محكماً على محافظة بيت لحم ، و تحتلّ قوات الاحتلال بشكلٍ جزئيّ مدينة بيت جالا الواقعة على مرتفعات تطل على مدن و بلدات محافظة بيت لحم.

و أخذ السكان قام بتخزين المواد التموينية تحسّباً للعدوان المقبل الذي لم تخفِ المصادر الصهيونية الإعداد له خاصة بعد نجاح "آيات" بتجاوز الحواجز الاحتلالية الأمنية.

و في اليوم التالي ، لاستشهاد آيات (30/3/2002) استشهد الشاب أحمد إسحاق في إحدى المستشفيات الأردنية متأثّراً بجراحٍ أصيب بها عندما كان برفقة الشهيد جاد و تم قصف سيارتهما .

و انطلقت مسيرات جماهيرية إلى منزل الشهيد في مخيم الدهيشة ، حمل المشاركون فيها الأعلام الوطنية و أعلام الفصائل الوطنية و الإسلامية و هتفوا مندّدين بجرائم الاحتلال .

و تجمّع مئات المواطنين في منزل والد الشهيد مهنئينه باستشهاد ابنه ، و وصل جثمان الشهيد من الأردن حيث كان يعالج ، في ظروف غاية في الصعوبة ، و قطعت سيارة الإسعاف التي حملت الجثمان طرق جبلية وعرة بسبب إغلاق الطرق و الحصار المشدّد ، و عندما شيّعت الجماهير الجثمان ، عبرت عن خيبتها بالحكام العرب ، و هو ما فعلته أجيال سابقة من الفلسطينيين اتهمت الحكام العرب بالتخلّي عنهم .

و في هذه الأثناء كان مركز الحدث الساخن هو رام الله ، و لكن كانت نذر السحب تتوقّع أن ينتقل إلى بيت لحم ، و هرع مندوبو وكالات الأنباء العالمية إلى المدينة في انتظار العدوان المقبل ، بينما استمر القصف الاحتلالي لعدة مواقع حيوية في مدينة بيت لحم .

و استمر أيضاً المقاومون بإطلاق قذائف الهاون على مستوطنة "جيلو" و أمطروها بنيران أسلحتهم ، و وزّع المقاومون أنفسهم على شوارع البلدة القديمة التي كان من المتوقّع أن تكون الهدف الأساسي لقوات الاحتلال ، بعد أن كانت المخيمات هي الأهداف في التوغلات السابقة .

و وصل عشرات من النشطاء الأوروبيين الذين اعتصموا في ساحة المهد بمشاركة العديد من المواطنين للتعبير عن رفضهم للاحتلال و للإعلان عن تصميمهم للتصدّي لأي عدوان احتلالي يمس المدنين و قالوا إنهم سيمكثون في منازل المواطنين لدى بدء قوات الاحتلال توغّلها الواسع المتوقع .

و في مثل هذه الأجواء المتوترة هزّ انفجار عنيف ، يوم 31/3/2002 ، مدينة أفرات الاستيطانية المقامة على أرض بلدة الخضر ، و تبيّن أنه عملية استشهادية جديدة ، بعد عملية آيات التي لم يفِقْ منها المحتلون بعد .

و نفّذ العملية الجديدة جميل خلف حميد (18 عاماً) و اعتبرت العملية ، بحق ، اختراقاً جديداً و هاماًَ لما قامت به قوات الاحتلال من تعزيزات أمنية و حصار للمحافظة ، و كذلك تحدياً لإجراءات الأمن في مدينة "أفرات" الاستيطانية و التي تعتبر من أهم المستوطنات الصهيونية في الأرض الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967م .

و بتاريخ (1/4/2002) بدأت قوات الاحتلال عمليتها العسكرية الكبرى في المحافظة و احتلت مدينة بيت جالا . 

و اعتدت قوات الاحتلال على مسيرة سلميّة للمتطوعين الأجانب الذين قدِموا ليكونوا دروعاً بشرية في وجه المحتلين ، و انطلقت المسيرة بمشاركة العديد من المواطنين من مدينة بيت لحم باتجاه مدينة بيت جالا و هم يهتفون ضد مجرم الحرب شارون و يطالبون بانسحاب قوات الاحتلال فوراً من المناطق التي تم احتلالها .

و استمرت قوات الاحتلال بتقدّمها براً و جواً و بإمكانيات عسكرية هائلة و غير معهودة ، و بدأت بالاستيلاء على منازل المواطنين و إخراج سكانها منها و تحويلها إلى ثكنات عسكرية .

و تمكّنت كتائب شهداء الأقصى من مقتل ضابط صهيوني قرب مستوطنة "هار حوما" المقامة على "جبل أبو غنيم" شمال بيت ساحور .

و لم يكن ذلك هو التحدّي الأول الذي يواجه قوات الاحتلال المؤلّلة ، ففي مساء نفس اليوم ، تمكّن الاستشهادي رائد الشوعاني من مخيم الدهيشة من الوصول بسيارة مفخّخة إلى القدس المحتلة و تنفيذ عملية استشهادية ، و رفع ذلك من معنويات المواطنين و المقاومين الذين كانوا يستعدّون لمعركة قاسية و طويلة .

و وقعت معارك حقيقية في شوارع البلدة القديمة في مدينة بيت لحم بين المقاومين و بين القوات الغازية المصحوبة بالطائرات و التي شكّلت خطورة حقيقية على المقاومين ، و في صباح اليوم التالي (2/4/2002) وصلت آليات الاحتلال إلى مشارف ساحة المهد ، في مركز المدينة ، و أحاطت بهذه الساحة من مختلف الجهات .

و وجّهت قوات الاحتلال التي دخلت المحافظة في ظلّ غطاء جوي من طائرات اـ أف 16 و مروحيات الأباتشي بمقاومة عنيدة خصوصاً على مشارف مخيم الدهيشة مما أدّى إلى وقوع اشتباكات استمرت حتى ساعات الفجر .

كان الرصاص الصهيوني كثيفاً و يأتي من كلّ اتجاه ، و بدأ الشهداء يسقطون تباعاً : و كان أولهم المواطن عزيز العمري ، 60 عاماً .

و دارت حرب شوارع في ساحة المهد و الأحياء المجاورة لها ، بين قوات الاحتلال و المقاومين الذين تحصّنوا في ساحة المهد .

و اعتلى جنود الاحتلال البنايات المرتفعة في كافة أحياء بيت لحم ، و أطلقت المروحيات الاحتلالية نيرانها على مواقع في ساحة المهد ، وسط مقاومة عنيفة من المقاومين ، و حسب شهادات المقاومين فإن العديد من جنود الاحتلال قتلوا في أكمنة نصبها المقاومون و لكن قوات الاحتلال لم تعترف بمقتل أيّ جنديّ من جنودها و ربما كان ذلك لأسباب معنوية و حسابات تتعلّق بالشارع الصهيوني .

و مع استعار المعارك ، أخرج المقاومون عدداً من المشتبهين بتعاملهم مع الكيان الصهيوني من مكان كانوا يحتجَزون به و قاموا بإعدامهم .

و أدّى القصف الاحتلالي إلى اشتعال النار في مسجد  عمر بن الخطاب في ساحة المهد و يعتبر هذا المسجد أحد المساجد العمرية التي بناها الخليفة عمر بن الخطاب قبالة كنيسة المهد حفاظاً على دور العبادة للمسيحيين الذين تعهّد باحترام حرية العبادة لهم في الوثيقة التي عرفت باسم (العهدة العمرية) .

و في مخيم الدهيشة المحاصر من قبل قوات الاحتلال ، قام المقاومون بعملية جريئة بمهاجمة إحدى المجنزرات الاحتلالية بالرصاص و الأكواع الملغمة ، و هي قنابل بدائية الصنع .

و مع بزوغ فجر (3/4/2002) ، كانت قوات الاحتلال تفرض حصاراً مشدّداً على ثلاثة مواقع رئيسية في بيت لحم و هي كنيسة المهد و كنيسة مار أفرام للسريان الأرثوذكس و مبنى بلدية بيت لحم .

و كان العديد من المقاومين و معهم عشرات من المواطنين دخلوا إلى كنيسة المهد احتماءً من نيران المحتلين و خصوصاً الطائرات ، بينما كان في مبنى البلدية عددٌ من الشخصيات العامة و الصحافيين ، الذين اعتقلت قوات الاحتلال بعضهم بعد اقتحام المبنى و تحويله إلى ثكنة عسكرية ، أما كنيسة مار أفرام فتم اقتحامها لاحقاً .

و مع وصول قوات الاحتلال إلى كنيسة المهد و فرض حصار عليها كان سقط تسعة من الشهداء في شوارع البلدة القديمة نتيجة للعنف الاحتلالي غير المسبوق .

و من بين الذين سقطوا الشهيدة الحاجة سمية عابدة و ابنها الحاج خالد عابدة و استشهدا بقذيفة أطلقت على منزل العائلة في حارة الفواغرة في البلدة القديمة في المدينة حيث تركّزت المواجهات .

و كان سقوطهما مؤلماً و مؤثّراً في الجماهير خصوصاً و أن جثتيهما بقيتا لأيام أخرى عديدة في المنزل بين أفراده الذين لم يتمكّنوا من إخراج الجثتين بسبب عدم سماح سلطات الاحتلال لسيارات الإسعاف بالوصول إلى تلك المنطقة ، و كانت قوات الاحتلال تطلق النار على أيّ شيء متحرّك و لا تستثني من ذلك سيارات الإسعاف أو غيرها .

و استشهد أيضاً عواد موسى المالحي و هو شقيق الشهيد محمود المالحي الذي استشهد ، كما ذكرنا سابقاً ، قبل استشهاد شقيقه عواد بأسبوعين ، و لم يستطع أهله دفنه مثل باقي الشهداء الآخرين .

و استشهد أكثر من عشرة شهداء من بينهم صديق قديم هو عمر شحادة محمد صلاحات - 39 عاماً – و الذي استشهد في ساحة المهد ، قرب مسجد عمر بن الخطاب ، بعد أن نزفَ حتى الموت من إصابةٍ في رجله و لم يسمح لسيارات الإسعاف للوصول إليه .

و حمل استشهاد عمر مفارقة شخصية و وطنية .

 

***

ففي الخمسينيات من القرن الماضي أصيب المواطن شحادة صلاحات (70 عاماً) ، برجله في ساحة المهد برصاص جنود النظام الأردني خلال الهبة التي شهدتها الأراضي الفلسطينية الواقعة تحت الحكم الأردني آنذاك ضد الحلف الاستعماري المعروف باسم حلف بغداد .

و أورث ذلك الحاج شحادة عاهة مستديمة في رجله رافقته طوال السنوات التالية ، و مع ذلك كان أحسن حظاً من آخرين استشهدوا في تلك الأحداث مثل الشهيد الطالب عبد الله تاية من مخيم الدهيشة الذي أصبح رمزاً لنضال الحركة الطلابية آنذاك .

و استمر شحادة في عمله في المطعم الشعبي الصغير الذي يديره في ساحة المهد و من مكانه رأى الكثير من ممارسات احتلالية و نضال بطولي و مقاومة ، و لكنه لم يخطر بباله أن ابنه سيصاب في رجله أيضاً و في نفس المكان بعد أكثر من أربعين عاماً على إصابته .

و لكن هذا ما حدث مع ابنه عمر و هو أحد المقاومين عن ساحة المهد ، الذي أصيب في رجله و ترك ينزف في مكانه ، و لم يسمح لأيّ من الطواقم الطبية للوصول إليه ، حتى استشهد .

و لم يستطع أحد الوصول إليه أثناء نزيفه و حتى بعد استشهاده ، و تم نقله إلى المستشفى بعد يومين من استشهاده .

و الشهيد عمر صلاحات هو الشهيد الثاني للعائلة خلال شهرين ، حيث سقط ابن عمه الشهيد فراس صلاحات أحد كوادر كتائب الشهيد عز الدين القسام أثناء قيامه بدكّ مستوطنة "جيلو" جنوب القدس بقذائف الهاون ، و أثناء تشييع جثمانه في مسيرة حاشدة كان الشهيد عمر و آخرون يطلقون النار تحية للشهيد فراس ، و كان الشهيد عمر يدرك بأنه سيلحق بابن عمه ما دام اختار طريق المقاومة و لكنه ربما لم يكن يعرف بأنه سيصاب في نفس الموضع من الجسم و في نفس المكان الذي أصيب فيه والده ، و رغم تغيّر الأنظمة التي توالت على فلسطين فإن هذا الشعب ما زال يدفع ثمن دفاعه عن حرّيته .

و قبل أشهر شعر عمر بحزنٍ شديد على فقدان صديقه الشهيد عماد قراقع ، الذي سقط برصاص المحتلين قرب قبة راحيل شمال بيت لحم و أصيب ابنه و زوجته و شقيق زوجته بجروح .

و مثلما كان في استشهاد عمر مفارقة إصابته و إصابة والده في نفس المكان ، فإن الشهيد عماد استشهد في نفس العمر الذي مات فيه والده و تركه طفلاً عمره خمس سنوات ، و عندما استشهد عماد ترك ابنه ذي السنوات الخمس .

و كان سقوط عمر و مواطنيه ، بداية لما عرف فيما بعد أزمة حصار كنيسة المهد التي استمرت نحو أربعين يوماً .