|
الترحيل
بقينا على حالنا هذا حتى طرق
مسامعنا صوت حافلة (باص) ، و للوهلة الأولى استغربنا وجود حافلة في منتصف الليل ،
فقد أصبح من المألوف و المعتاد أن تتوقّف حركة السير مع غروب الشمس ، لم ندرِك
حقيقة الحافلة التي توقّفت على بعد أمتارٍ منا حتى جاء الجندي اللئيم ليأمرنا
بالسير أمامه ، حينها تأكّدت أنه يريد إخراجنا من ساحة المخفر ، و لكن إلى أين ؟
اللّه أعلم .
سرت و أنا أخشى الارتطام
بالسياج الحديدي المحيط بالمخفر ، و وقع المحذور ، فقد تركنا اللئيم نسير حتى
ارتطمنا بذاك السياج الحديدي ، ثم أمسك بنا بعنفٍ حتى أصعدنا الحافلة ، لم أعلم أنّ
ما صعدت إليه حافلة إلا في مرحلة تالية بعد أن أزيلت العصب عن العيون ، و لم أعلم
إلاّ متأخرا أن الحافلة قديمة قدم عاد و ثمود ، مخلعة النوافذ ، مثقوبة السقف ،
حديدية المقاعد ، تسوؤك رؤيتها فكيف بالجلوس فيها .
جلست حيث أجلسوني على المقعد
الذي يضيق بالواحد فضلاً عن الإثنين ، و كانت سيارة الجيش في حركة دائمة دائبة ،
تذهب فارغة و ترجع محمّلة ، و كلما توقّفت صعدت إلينا منها جموع الشباب المسلم ،
المقيّد الأيدي ، المعصوبي العيون ، أصواتهم مألوفة ، أسماؤهم معروفة ، لم أستطع
مخاطبة أحدهم ، أو التسليم عليه ، لأن الأوامر كانت صارمة بخفض الرؤوس ، و التزام
السكوت ، و من خالف ناله نصيب وافر من الضرب و السب و الاستهزاء .
كانت النافذة التي أُجلِست
بجوارها مفتوحة ، و لم يكن بمقدوري إغلاقها ، و كان الهواء البارد ، و البرد القارص
، يتدفّق إليّ منها فتدفعه أنفاسي الحرّى المكتومة بالكوفية الحمراء ، و أذكر أنني
شكوت من الألم في معدتي فصرخت على الجندي (شوتير) فلم يلتفت إليّ و لم يأبه بي ، و
لم ينسني آلام معدتي و البرودة التي تسري في أعضائي من تيار الهواء المتدفق و ثيابي
المبللة سوى أنّات الشباب ، و همسات المأسورين الذين بدءوا التساؤل عن بعضهم و عمّن
يجلس بجوارهم ، و راح بعضهم يستصرخ الجنود كي يفكّوا قيده ، و لن أنسى ما حييت ذاك
الحديث الذي سمعته أذناي و لم تبصره عيناي ، حينما استصرخ أحد الشباب الجندي فلم
يلتفت إليه ، و استمر الشاب في الصراخ علَّ الجندي يستجيب له فيكّ قيده الذي أدمى
يديه، أو يقيّدهما من الأمام ، و أخيرا نظر الجندي في القيد و قرر تضييقه و شدّه
أكثر مما جعل الشاب يصرخ (اللّه أكبر) مستنكراً هذا التصرّف الوحشي ، و لم أكن
أتخيّل كم يزعجهم هذا النداء و يخيفهم و يرهبهم ، فما إن سمع الجندي نداء (الله
أكبر) حتى جن جنونه ، و انهال على الشاب المسلم يضربه و يحرّض الجنود عليه ، و هو
الإمام الذي اعتاد لسانه (الله أكبر) في حالتي الإعجاب و الاستغراب ، و لم يتوقّف
الجنود عن ضربه و لكمه حتى رضيت نفوسهم بما أنزلوه به من ألم و إيذاء شديدين
.
في تمام الساعة الثانية و
النصف من بعد منتصف تلك الليلة كانت الحافلة قد أُتخمت ، و تكدّس عشرات المعتقلين
في جوفها و لم يعد هناك متّسع ، إذ بلغ عدد الذين غصّت بهم مقاعد الحافلة ثلاثة و
ثلاثين شاباً مسلماً ، فيهم الشيخ ، و العامل ، و الحدّاد ، و الزّجاج ، و الدّهان
، و البنّاء ، و الميكانيكي ، خليط عجيب ، و جمع غريب كطبقات المجتمع ، جمعها كلّها
إيمانها بربّها ، و تصديقها لنبيّها ، و حبّها لشعبها و أمتها و أرضها و مقدّساتها
، و جريرتها الوحيدة الإسلام .
انطلقت الحافلة المتخمة لدقائق
، استقرت بعدها في ساحة بناية الحكم العسكري ، بينما كنا قابعين في مقاعدنا لا نملك
أن نتكلم أو نتحرك ، أو نفكّ القيودَ التي صفّدنا بها ، و العصبَ التي غشيت أبصارنا
بها ، و ازداد الوضع سوءاً مع ازدياد البرد و تساقط الثلج ، و انخفاض درجات الحرارة
تحت الصفر ، و احتياجنا لقضاء الحاجة ، و صار الأمر الأخير ضرورة ملحة لا يمكن
تأخيرها ، فإما أن ننزل إلى الأرض لقضاء حاجتنا و إما التبول في الثياب و على البدن
، و ارتفعت الأصوات تطالب الجنود بالسماح لنا بالنزول ، و جاء الجواب كالعادة :
ممنوع ، ممنوع . غير أن الضرورة كادت أن تجعل من الطلب
إستنفاراً ، إذ أوشك البعض أن يتبوّل في ثيابه ، و غدا الأمر لا يمكن تأخيره ، و
شعر الضابط و جنوده أن الوضع تفاقم و الخطر ادلهمَّ ، و أيقنوا أنه لا بد من السماح
للشباب بالنزول و بدأوا بإنزالنا واحداً واحداً للتبول و قضاء الحاجة في الساحة
المكشوفة تحت المطر و الثلج المتساقط .
نزلت كما نزل غيري ، معصوب
العينين ، مقيد اليدين ، لم يكن باستطاعتي فك الأزرار أو إنزال الثياب بسبب البرد و
القيد ، فتقدّم نحوي أحد الإخوة الكرام الذي جعل من نفسه خادماً لإخوانه المعتقلين
، فأنزل الثياب ، و فك الأزرار ، و يسّر الأمر لقضاء الحاجة ، ثم راح بعد ذلك يرفع
الثياب كما كانت ، و هكذا فعل مع جميع الشباب الذين ألجأتهم الضرورة إلى قضاء
الحاجة على هذا النحو المفضوح الذي لا يمكن أن يكون إلا في ظلّ نظام يؤمن بالإرهاب
و العنف و السّاديّة .
أقمنا في ساحة بناية الحكم
العسكري حتى الساعة التاسعة من صباح يوم الثلاثاء 15/12/1996 ، كانت أصوات حافلات
بين الفينة و الأخرى تقرع أذني ، إلا أنه لم يدر بخلدي و لو للحْظَة أنها أصوات
لحافلات تكدّس فيها عشرات المعتقلين الذين يربو مجموعهم على المئة من مدينة واحدة
من مدن فلسطين الحبيبة ، و خلال تلك المدّة كانت الملفات تعد ، و أوراق الإبعاد
– الذي لم نكن نعلم به وقتها –
تجهّز ، و كان ضباط المخابرات يتناوبون المرور علينا ، سائلين عن أسمائنا ،
متأكّدين من وجودنا ، ساخرين منا ، مستهزئين بنا .
حمِّلنا بعدها إلى معتقل
الظاهرية الذي كنّا ندخله معتقلين ، كلّما عنّ لأجهزة المخابرات الصهيونية أن تجمع
مئات الشباب المسلم كي ترضي أحقادها ، و تسكت شعبها ، كنا ما نزال على هيأتنا
الأولى ، و في الطريق كانت تنتاب الواحد منا جملة من الخواطر و المشاعر و التساؤلات
: أين يأخذنا القوم المجرمون ؟ كم سيستمر الاعتقال ؟ كم مدّته ؟ هل هو لبضعة أيام
(احترازي) ؟ أم أن الاعتقال إداري ؟ أم هو التحقيق .... و ..... و ... ؟ ، و في
نهاية المطاف كان الواحد منّا يسلم أمره إلى اللّه ، و يسأله السلامة و العافية فهي
خير ما يسألُ العبدُ ربَّه .
كان يجلس بجواري أخ فاضل أحبّه
و أحترمه ، هامسني و هامسته و سرّى عني و سرّيت عنه ، و ارتاح لي و ارتحت له ، حتى
أننا لم نشعر بالقيود التي أدمت أيادينا ، و كم ترجم لي من أقوال الجنود ، إذ كان
يجيد العبرية ، و كم طالبهم بالسماح للشباب بالنزول لقضاء الحاجة .
كما كان يجلس في آخر الحافلة
رجل جاوز الأربعين ، يتقن العبرية إتقاناً لا يحسنه كثير من اليهود أنفسهم ، خاصة
أولئك الذين جيء بهم من الاتحاد السوفييتي (سابقاً) و الحبشة ، و غيرهما من دول
العالم ، لم يكن ينتمي إلى الإسلام إلا كما ينتمي كثير من المسلمين في زماننا من
خلال شهادة الميلاد ، و الأوراق الثبوتية و ركعات يؤدّيها حيناً و يتركها أحايين
كثيرة ، سألهم و ألح في سؤالهم : (لماذا أتيتم بي ؟ ما هي تهمتي ؟ أنا مش حماس !!)
.
سمعوه لكن لم يجيبوه ، و لم
يلتفتوا إليه إلا ليشتموه ، أو يضربوه ، و أخيراً ، و بعد أن وصلنا إلى معتقل
الظاهرية ، أدرك الجنود و رجال المخابرات أنهم قد اعتقلوه خطأ ، فردّوه إلى معتقل
المدينة ، ثم أطلقوا سراحه من هناك بعد ليلتين قضاهما في البرد و الثلج و المطر
.
|