الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

عودة

 

  

 

 

الترحيل

 

بقينا على حالنا هذا حتى طرق مسامعنا صوت حافلة (باص) ، و للوهلة الأولى استغربنا وجود حافلة في منتصف الليل ، فقد أصبح من المألوف و المعتاد أن تتوقّف حركة السير مع غروب الشمس ، لم ندرِك حقيقة الحافلة التي توقّفت على بعد أمتارٍ منا حتى جاء الجندي اللئيم ليأمرنا بالسير أمامه ، حينها تأكّدت أنه يريد إخراجنا من ساحة المخفر ، و لكن إلى أين ؟ اللّه أعلم .

سرت و أنا أخشى الارتطام بالسياج الحديدي المحيط بالمخفر ، و وقع المحذور ، فقد تركنا اللئيم نسير حتى ارتطمنا بذاك السياج الحديدي ، ثم أمسك بنا بعنفٍ حتى أصعدنا الحافلة ، لم أعلم أنّ ما صعدت إليه حافلة إلا في مرحلة تالية بعد أن أزيلت العصب عن العيون ، و لم أعلم إلاّ متأخرا أن الحافلة قديمة قدم عاد و ثمود ، مخلعة النوافذ ، مثقوبة السقف ، حديدية المقاعد ، تسوؤك رؤيتها فكيف بالجلوس فيها .

جلست حيث أجلسوني على المقعد الذي يضيق بالواحد فضلاً عن الإثنين ، و كانت سيارة الجيش في حركة دائمة دائبة ، تذهب فارغة و ترجع محمّلة ، و كلما توقّفت صعدت إلينا منها جموع الشباب المسلم ، المقيّد الأيدي ، المعصوبي العيون ، أصواتهم مألوفة ، أسماؤهم معروفة ، لم أستطع مخاطبة أحدهم ، أو التسليم عليه ، لأن الأوامر كانت صارمة بخفض الرؤوس ، و التزام السكوت ، و من خالف ناله نصيب وافر من الضرب و السب و الاستهزاء .

كانت النافذة التي أُجلِست بجوارها مفتوحة ، و لم يكن بمقدوري إغلاقها ، و كان الهواء البارد ، و البرد القارص ، يتدفّق إليّ منها فتدفعه أنفاسي الحرّى المكتومة بالكوفية الحمراء ، و أذكر أنني شكوت من الألم في معدتي فصرخت على الجندي (شوتير) فلم يلتفت إليّ و لم يأبه بي ، و لم ينسني آلام معدتي و البرودة التي تسري في أعضائي من تيار الهواء المتدفق و ثيابي المبللة سوى أنّات الشباب ، و همسات المأسورين الذين بدءوا التساؤل عن بعضهم و عمّن يجلس بجوارهم ، و راح بعضهم يستصرخ الجنود كي يفكّوا قيده ، و لن أنسى ما حييت ذاك الحديث الذي سمعته أذناي و لم تبصره عيناي ، حينما استصرخ أحد الشباب الجندي فلم يلتفت إليه ، و استمر الشاب في الصراخ علَّ الجندي يستجيب له فيكّ قيده الذي أدمى يديه، أو يقيّدهما من الأمام ، و أخيرا نظر الجندي في القيد و قرر تضييقه و شدّه أكثر مما جعل الشاب يصرخ (اللّه أكبر) مستنكراً هذا التصرّف الوحشي ، و لم أكن أتخيّل كم يزعجهم هذا النداء و يخيفهم و يرهبهم ، فما إن سمع الجندي نداء (الله أكبر) حتى جن جنونه ، و انهال على الشاب المسلم يضربه و يحرّض الجنود عليه ، و هو الإمام الذي اعتاد لسانه (الله أكبر) في حالتي الإعجاب و الاستغراب ، و لم يتوقّف الجنود عن ضربه و لكمه حتى رضيت نفوسهم بما أنزلوه به من ألم و إيذاء شديدين .

في تمام الساعة الثانية و النصف من بعد منتصف تلك الليلة كانت الحافلة قد أُتخمت ، و تكدّس عشرات المعتقلين في جوفها و لم يعد هناك متّسع ، إذ بلغ عدد الذين غصّت بهم مقاعد الحافلة ثلاثة و ثلاثين شاباً مسلماً ، فيهم الشيخ ، و العامل ، و الحدّاد ، و الزّجاج ، و الدّهان ، و البنّاء ، و الميكانيكي ، خليط عجيب ، و جمع غريب كطبقات المجتمع ، جمعها كلّها إيمانها بربّها ، و تصديقها لنبيّها ، و حبّها لشعبها و أمتها و أرضها و مقدّساتها ، و جريرتها الوحيدة الإسلام .

انطلقت الحافلة المتخمة لدقائق ، استقرت بعدها في ساحة بناية الحكم العسكري ، بينما كنا قابعين في مقاعدنا لا نملك أن نتكلم أو نتحرك ، أو نفكّ القيودَ التي صفّدنا بها ، و العصبَ التي غشيت أبصارنا بها ، و ازداد الوضع سوءاً مع ازدياد البرد و تساقط الثلج ، و انخفاض درجات الحرارة تحت الصفر ، و احتياجنا لقضاء الحاجة ، و صار الأمر الأخير ضرورة ملحة لا يمكن تأخيرها ، فإما أن ننزل إلى الأرض لقضاء حاجتنا و إما التبول في الثياب و على البدن ، و ارتفعت الأصوات تطالب الجنود بالسماح لنا بالنزول ، و جاء الجواب كالعادة : ممنوع ، ممنوع . غير أن الضرورة كادت أن تجعل من الطلب إستنفاراً ، إذ أوشك البعض أن يتبوّل في ثيابه ، و غدا الأمر لا يمكن تأخيره ، و شعر الضابط و جنوده أن الوضع تفاقم و الخطر ادلهمَّ ، و أيقنوا أنه لا بد من السماح للشباب بالنزول و بدأوا بإنزالنا واحداً واحداً للتبول و قضاء الحاجة في الساحة المكشوفة تحت المطر و الثلج المتساقط .

نزلت كما نزل غيري ، معصوب العينين ، مقيد اليدين ، لم يكن باستطاعتي فك الأزرار أو إنزال الثياب بسبب البرد و القيد ، فتقدّم نحوي أحد الإخوة الكرام الذي جعل من نفسه خادماً لإخوانه المعتقلين ، فأنزل الثياب ، و فك الأزرار ، و يسّر الأمر لقضاء الحاجة ، ثم راح بعد ذلك يرفع الثياب كما كانت ، و هكذا فعل مع جميع الشباب الذين ألجأتهم الضرورة إلى قضاء الحاجة على هذا النحو المفضوح الذي لا يمكن أن يكون إلا في ظلّ نظام يؤمن بالإرهاب و العنف و السّاديّة .

أقمنا في ساحة بناية الحكم العسكري حتى الساعة التاسعة من صباح يوم الثلاثاء 15/12/1996 ، كانت أصوات حافلات بين الفينة و الأخرى تقرع أذني ، إلا أنه لم يدر بخلدي و لو للحْظَة أنها أصوات لحافلات تكدّس فيها عشرات المعتقلين الذين يربو مجموعهم على المئة من مدينة واحدة من مدن فلسطين الحبيبة ، و خلال تلك المدّة كانت الملفات تعد ، و أوراق الإبعاد الذي لم نكن نعلم به وقتها تجهّز ، و كان ضباط المخابرات يتناوبون المرور علينا ، سائلين عن أسمائنا ، متأكّدين من وجودنا ، ساخرين منا ، مستهزئين بنا .

حمِّلنا بعدها إلى معتقل الظاهرية الذي كنّا ندخله معتقلين ، كلّما عنّ لأجهزة المخابرات الصهيونية أن تجمع مئات الشباب المسلم كي ترضي أحقادها ، و تسكت شعبها ، كنا ما نزال على هيأتنا الأولى ، و في الطريق كانت تنتاب الواحد منا جملة من الخواطر و المشاعر و التساؤلات : أين يأخذنا القوم المجرمون ؟ كم سيستمر الاعتقال ؟ كم مدّته ؟ هل هو لبضعة أيام (احترازي) ؟ أم أن الاعتقال إداري ؟ أم هو التحقيق .... و ..... و ... ؟ ، و في نهاية المطاف كان الواحد منّا يسلم أمره إلى اللّه ، و يسأله السلامة و العافية فهي خير ما يسألُ العبدُ ربَّه .

كان يجلس بجواري أخ فاضل أحبّه و أحترمه ، هامسني و هامسته و سرّى عني و سرّيت عنه ، و ارتاح لي و ارتحت له ، حتى أننا لم نشعر بالقيود التي أدمت أيادينا ، و كم ترجم لي من أقوال الجنود ، إذ كان يجيد العبرية ، و كم طالبهم بالسماح للشباب بالنزول لقضاء الحاجة .

كما كان يجلس في آخر الحافلة رجل جاوز الأربعين ، يتقن العبرية إتقاناً لا يحسنه كثير من اليهود أنفسهم ، خاصة أولئك الذين جيء بهم من الاتحاد السوفييتي (سابقاً) و الحبشة ، و غيرهما من دول العالم ، لم يكن ينتمي إلى الإسلام إلا كما ينتمي كثير من المسلمين في زماننا من خلال شهادة الميلاد ، و الأوراق الثبوتية و ركعات يؤدّيها حيناً و يتركها أحايين كثيرة ، سألهم و ألح في سؤالهم : (لماذا أتيتم بي ؟ ما هي تهمتي ؟ أنا مش حماس !!) .

سمعوه لكن لم يجيبوه ، و لم يلتفتوا إليه إلا ليشتموه ، أو يضربوه ، و أخيراً ، و بعد أن وصلنا إلى معتقل الظاهرية ، أدرك الجنود و رجال المخابرات أنهم قد اعتقلوه خطأ ، فردّوه إلى معتقل المدينة ، ثم أطلقوا سراحه من هناك بعد ليلتين قضاهما في البرد و الثلج و المطر .