|
الإبعاد

كانت عقارب الساعة تمضي مسرعة
و نحن نعيش لحظات الأخوة الصادقة التي زادها الاعتقال صدقاً و عمقاً ، و جاء المساء
، مساء يوم الأربعاء 16/12/1992 ، ذلك المساء الذي تسرّب إلينا فيه نبأ مقتل الجندي
المختطف (نيسيم طوليدانو) على يد كتائب الشيخ عز الدين القسام التابعة لحركة
المقاومة الإسلامية (حماس) بعد رفض الحكومة الصهيونية مقايضته بالشيخ الجليل
(القعيد) أحمد ياسين مؤسس حركة المقاومة الإسلامية (حماس) .
ذاك المساء الرعيب الرهيب الذي
ما كان يدور بخلدي أنه سيكون الحد الفاصل بين فلسطين و لبنان ، بين الوطن الحبيب و
الوطن البديل ، بين الأهل و الأحباب و الألفة و الأنس و بين الغربة و البعد و
الوحشة و الفراق ، جاء المساء ، و جاء معه السجّان يناديني و يردّد رقمي ، و فتح
الباب و قال : إلبس ، فجهّزت نفسي ، و لبست ثيابي ، في الوقت الذي قال فيه صحْبي و
هم يودّعونني و يحسبون أنني راجع إلى أهلي : (مبارك ، ترويحة ، اللّه يسهل عليك) ،
و راح بعضهم يوصيني ، فمن قائل : (اتصل بأهلي و طمئنهم عني) ، و آخر يقول : (لا
تنسَ أن تزور أهلي) .. الخ .
ظنَّ الشباب أني عما قريب
سأكون بين أهلي و أولادي ، حتى أن بعضهم دعا لنفسه قائلاً : (اللهم ألحقني به عن
قريب) و لقد لحق بي فعلاً ، لا إلى البيت و لكن إلى مرج الزهور ، و كنت و أنا
العليم بسياسة اليهود ، و طرقهم في المكر و الخداع و الاستهزاء أستبعد الإفراج
لعلمي أنهم يصرّحون بالشيء و هم ينوون خلافه ، لذا توجّست خيفة من هذا الاستدعاء ،
فلم يمضِ على اعتقالي سوى يوم واحد ، فكيف سيفرج عني ؟! أيقنت أن الأمر أعظم و أخطر
مما يدور في أذهان الشباب .
و جاء السجان ليفتح باب الغرفة
الموصد بقفلين ، بعد ذلك فتح عدة غرف ، و أخرج من كلّ غرفة عدداً من المعتقلين ، ثم
تقدّمنا ليقودنا واحداً تلو الآخر عبر باب الزنازين الرئيسي ، ليستقبلنا خمسة جنود
بأيديهم العصب و القيود البلاستيكية ، عصبوا عينيّ ، و قيدوا يديَّ ، و دفعني أحدهم
في ظهري حتى أوقفني أمام حافلة ، أصعدني إليها الجندي المكلّف بمن فيها ، ما كان
فيها متسع ، بل كان عدد الشباب أكثر من عدد المقاعد ، غير أن الأعداء ما كانوا
ليفقهوا حقوق الإنسان ، لهذا –و قهراً لنا و رغماً عنا
- أمرنا الجندي بالجلوس على الأرض بين المقاعد ، و أمرنا أن نجلس القرفصاء دون
الوصول إلى الأرض ، أو الاستقرار عليها .
جلست كما أمرني ، و أسندت ظهري
إلى ساقَي غيري كما أسند من جلس أمامي ظهره إلى ساقَي ، لم تكن بالجلسة المريحة ،
بل كانت تبعث الإشمئزاز ، و الضيق و التعب .
و لم تلبث معدتي أن آلمتني
نتيجة هذا الوضع المزعج ، فصرخت على الجندي (ياشوتير) فلم يلتفت أليّ ، و لم أستطع
أن أتمالك نفسي من شدّة آلام معدتي فأفرغت كلّ ما في جوفي على ثيابي و على الأرض ،
و لا أدري إن كنت آذيت من كان يجلس أمامي ، لقد كنت في حالة تستدرّ العطف ، و
تسترعي الانتباه ، غير أن قلوب الجنود كانت كأنما قدّت من صوان أو حديد (فهي
كالحجارة أو أشد قسوة و إن من الحجارة لما يتفجّر منه الأنهار و إن منها لما يشقّق
فيخرج منه الماء و إن منْها لما يهبط من خشية اللّه) .
لم يرحم ضعفي في تلك اللحظات
إلا أصحاب القلوب النقيَّة التي ربّاها الإسلام على الرحمة و المودة و كلّ خلق كريم
، لم ينتبه إليّ الجنود المبصرة عيونهم ، المقفلة قلوبهم ، و اهتم بحالي من عصبت
عيونهم ، و تفتحت قلوبهم ، فقد هتف بي أحد الجالسين على المقاعد قائلاً : من بجواري
؟
قلت : أنا فلان ..
قال : أهلاً يا أستاذ ، سلامتك
، تفضّل إجلس مكاني ..
كنْت بحاجة ماسة إلى الجلوس
على المقعد ، و لكن أبت مروءتي و عزة نفسي أن أستجيب له ، و أنا أعلم أنّ من سيجلس
مكاني يلقى من التعب ما ألاقي ، ما كنت لأجلس و أدع آخر يشقى بدلاً مني ، كنت أدرك
طبيعة النظرة التي ينظر هؤلاء الشباب بها إلينا كأساتذة و كبار في السّن ، إنهم
يرون فينا النموذج و الأسوة و القدوة ، كان ذلك الأخ يلحّ عليّ إلحاحاً شديداً
ليجلس مكاني ، و كنت أصرّ على الرفض ، و في النهاية طلب هذا الشاب المهذب من صديق
له أن يقوم ليجلسني مكانه ، و بقيت على إصراري و لم أقبل حتى رضيَ من جلس مكاني أن
يكون الأمر بيني و بينه بالتسوية و التناوب ، فجزاه اللّه خيراً .
لم تمضِ إلا دقائق حتى جاء
الجنود و بدأوا بإنزالنا من الحافلة واحداً إثر آخر ، يذهبون بالواحد منا لا ندري
إلى أين ؟ و لا ما يفعل به ؟ أعداد من المعتقلين سيقت أمامي قبل أن يقف الجندي فوق
رأسي و يمسك بكتفي ليدفعني أمامه ، و أنا أتخبّط و أتعثر لا أرى شيئاً ، و لا أقدر
على إمساك شيء ، أنزلتُ إلى الأرض و أوقفت برهة كنت أصرخ خلالها من ألم القيد
الشديد الذي أدمى معصمي ، لقد أصبح من المألوف الصراخ ، لأنك إن لم تصرخ تركت على
حالك ، فإذا كانت قيودك غير مشدودة فسكوتك ينجيك في أغلب الأحيان ، و هو كارثة عليك
إن ضّيقت القيود و توسعتها كي يتخلّصوا من الصراخ و الإزعاج ، هذا ما علمتناه
التجربة الاعتقالية المتكررة .
تقدّم نحوي جندي شعرت بأنه
مُصْدر الأوامر (كاتسيم) ، فكّ قيدي فاستبشرت خيراً ، غير أنه ما لبث أن عاد فجعل
قيداً في يمناي ، و آخر في يسراي و جمع بينهما بقيد ثالث ، ثم أمر بي بعض جنوده
فساقني أمامه حتى أركبني حافلة جديدة غير التي كنت فيها ، و أجلسني على مقعد متقدّم
في الحافلة ، و أمرني بالتزام جانب النافذة من المقعد ، كما أمرني برفع قدميّ فوق
المقعد ، قلت في نفسي –في لحظة غفلة عن أساليب الجنود
اللعينة – جلسة رائعة ، و لم أذهب بعيداً في تفكيري حتى
قطع الخبيث عليّ حديث نفسي بينما وضع في كلّ قدم قيداً ، و جمع بينهما بقيد ثالث ،
و فعل بهما ما فعل بيدي من قبل ، ثم أصدر إليّ جملة من الأوامر كان منها إنزال
قدميّ عن المقعد ، و التصاقي بجدار الحافلة ، و ثني ظهري ، و وضع رأسي على ظهر
المقعد الأمامي ، و التزام الصمت ، و البقاء على هذه الحالة و إلا …
كانت العقوبة .
كان كلّ من ينزل من الحافلة
الأولى يُصوَّر قبل أن يصعد الحافلة الثانية ، لمَ الصور ؟ و لم هذا العدد من الصور
لكلّ واحد ؟ و لم هذا العدد من المصوّرين ؟ لم يحدث مثل هذا في الاعتقالات السابقة
فلم هذه المرّة ؟ سؤال محيّر لم أعرف جوابه إلا فيما بعد ، و الجنود في حركة دائبة
، و في ذهاب و إياب مستمريْن ، لا يكادون يتوقّفون ، لم نكن ندري بما يجري ، فقد
كان خبر الإبعاد قد أُخفي عنا ، و غُمّي علينا ، فلا نفقه شيئاً مما يحدث .
انطلقت الحافلة و الفكر يبحث
عن جواب لما يعتمل في النفس من أسئلة : إلى أين المسير ؟ هل الوجهة النقب ؟ أم هو
التحقيق ، و الشبح ، و الأذى ؟ أم عملية نقل إلى معتقلٍ آخر ، لأن معتقل الظاهرية
ضيق بأهله ؟ أم ؟ أم ؟ أم ؟ .. و لكن ما الداعي للقيود الستة بحضور الجنود
المدّججين بالسلاح ؟ تساؤلات كثيرة كانت تشغل الذهن و ترهقه ، يقف عاجزاً عندها عن
حقيقة الأمر ، و لا يجد له ملاذاً إلا في (لا حول و لا قوة إلا باللّه ، حسبي اللّه
و نعم الوكيل) .
كانت الحافلة تنطلق مسرعة لا
تلوي على شيء ، و لما كنت عليماً بطريق النقب أدركت و منذ الدقائق الأولى أننا
سائرون إلى غير النقب ، و تأكّد لي ذاك الحدس حينما توقّفنا أمام سجن الخليل
المركزي ، لم تكن العصبة قد أزيلت عن عينيّ ، و إنما معرفتي بطبيعة بلادي و طرقها ،
و انحدارها و ارتفاعها ، و جبالها ، و وهادها ، و مدنها ، و قراها ، كانت كافية
لأعرف الموقع الذي توقّفت فيه الحافلة .
و عادت الحافلة لتنطلق من جديد
و هي تحمل بداخلها اثنين و عشرين معتقلاً ، كلهم من شباب المساجد و روادها ، لا
يدرون إلى أين يحمَلون و يرحّلون ، و لا أيّ سجن سيدخلون .. و وقع في نفسي أننا
نساق إلى مجزرة التحقيق في (بتاح تكفا) ، تلك البلدة العربية التي كانت تدعى قبل أن
تطأها أقدام اليهود (مِلَبِّسْ) ، فما عاد فيها من الحلاوة شيء ، بل أحالها
المحتلون إلى مركزٍ للتحقيق ، لكن ثلاث ساعات مضت و لم نصل بعد ، فأيقنت أن ظني خاب
، و أن حدسي ليس في محله ، و أن الوجهة غير ما توقعت ، إذ المسافة إلى (بتاح تكفا)
لا تستغرق سوى ساعتين فقط ، و رجعت إلى نفسي فقلت : لعل الوجهة إلى (معتقل مجدو) ،
و لكن سرعان ما اندحرت هذه الفكرة و غاب هذا الخاطر ، لعلمي أن حملة الاعتقالات
شملت جميع الضفة و القطاع ، و من المعلوم و المعروف أن الذين يعتقلون من مدن شمال
الضفة كجنين و طولكرم ، و نابلس ، و قلقيلية ينقلون إلى معتقل مجدّو ، فكان من
الطبيعي أن يكون هذا المعتقل قد غصّ بمن فيه كما غصّ معتقل الظاهرية الذي أسلفنا
الحديث عنه ، و لم يعد بالإمكان استقبال أحد من المناطق الأخرى خاصة البعيدة منها
.
و مضت الساعات و نحن على تلك
الحال التي وصفت من التقيّد ، و التضييق ، و التعمية ، إضافة إلى الضرب على الرؤوس
و السّباب ، لكلّ مقدّس و طاهر و غال ، فالرب يشتم كما يشتم الدين ، و القرآن، و
النبيّ ، و الآباء ، و الأمهات و الأخوات و الأعراض مع التهديد بهتك العرض و ممارسة
اللواط ، إلى غير ذلك من التطاول على الشخصيات القيادية ، و الرموز الإسلامية
كالشيخ أحمد ياسين (فرج اللّه كربه ، و فك أسره) .
بين الفينة و الأخرى كانت
تنبعث صرخات لبعض الأخوة تطالب الجلادين بالسماح لهم بالنزول لقضاء الحاجة ، و كان
الجواب يأتي في كلّ مرة بالمنع ، حتى بلغ الأمر بأحد الشباب المرضى أن بال في ثيابه
ثلاث مرات ، و كان ردّه فعل الجلاوزة و الظلمة الفورية الضرب المبرح ، و التعرّض
لدينه و عرضه ، و ربّه بالشتم و الإستهزاء .
و أذكر أنهم في ساعة من ساعات
سعادتهم أعطوا كلّ واحدٍ منا رقماً ، و طالبوا بحفظه و الرد عند سماعه بقولنا : نعم
يا كابتن (كين كابتن) ، و من نودي على رقمه و لم يُجب لغفلة أصابته أو سِنَة ألمت
به ، وجّه إليه الجندي اللعين عدّة ضربات على رأسه ، و سيلاً من الشتائم الفاجرة
البذيئة و لست بناسٍ ذلك الشاب الذي رفض أن يضرَب و أن يشتم عرضه ، و أن يوصف بأنه
ابن زنا ، و لفرط حنقه و نقمته عليهم ، و كرهِهِ لهم ردّ المقولة مثلها ، فهجم عليه
ثلاثة جنود يضربونه ، و هو يدافعهم بصدره و رأسه ، و لم يكفّ حتى كفوّا هم .
كنا قد أُمرنا بخفض الرؤوس و
عدم النوم ، و كان الجنود من حين لآخر يتفقّدوننا ، و يتأكّدون من وجود القيود ، و
عصب العيون ، و من استيقاظنا ، و قد نالني نصيب وافر من الضرب على رأسي بحجة النوم
الذي هو نعمة من اللّه يمنُّ بها على المظلومين ، إذ ينسون به ألم القيد ، و طول
الطريق ، و عهر الجنود ، تلك السِّنات التي لم يزل الصالحون يتعرّفون بها معية
اللّه لهم ، يستريحون فيها من العناء و الشقاء و الضيق ، و تسرَح أرواحهم في ملكوت
اللّه تلك السّنات القليلة كانت تعيد للواحد منا نشاطه ، و قوته ، و جَلَدَه ، و لم
يكن يقطعها إلا ضربات من قبضة الجندي الواقف فوق الرؤوس يرقبها ، و يرمقها ، و
يزعجها بأساليب الإزعاج المختلفة المتعدّدة .
و كان يحلو لبعض الجنود أن يقف
بجوار بعض الشباب يسائلهم عن أسمائهم ، و أعمارهم ، و أولادهم ، و سبب اعتقالهم ، و
كان من يُسأل يلحظ من خلال الأسئلة التي توجه إليه أن جلّ اهتمام الجنود ينصب على
العلاقة الجنسية ، الأمر الذي إن دلّ فإنما يدل على المستوى العقلي و التفكير
البهيمي الذي وصل إليه الجندي من خلال التربية التي يتلقاها ، و الحياة التي يحياها
، حيث أصبح لا يعرف من الحياة إلا تلك العلاقة الآثمة بين الرجل و المرأة ، و كان
أكثر ما يغيظ الجندي السائل عدم إجابة الشباب ، أو التزامهم الصمت مما يشكّل
إستفزازاً سافراً لمشاعر الجندي الشيطانية ، فيروح يضرب الشباب ذات اليمين و ذات
الشمال لا يفرّق بين أحد ، ثم ينصرف خائب الآمال ، كسير الخاطر ، إذ لم يحقّق ما
كان يرجو .
و مضت الساعات ، و طالت
المسافات ، و تلاشت من ذهني كلّ الأفكار السابقة ، و لاح لي شبح الإبعاد ، أهو
الإبعاد ، أحقاً نحن مبعدون ؟ فكرة ما كانت لترِد على بالي لولا أني أيقنت أننا قد
تجاوزنا في مسيرنا الطويل هذا حدود فلسطين ، و استيقنت الأمر و لم تعد مجرد فكرة
حينما فتح الجنود المذياع لينبعث صوت المذيع معلنا باللغة العبرية أننا مبعدون عن
بلادنا و أهلنا إلى جنوب لبنان .
دهشت مما سمعت ، و أدركت دهشة
إخواني الواحد و العشرين من خلال الهمسات التي نطقت بها شفاههم ، و سمعت أخاً يجلس
على المقعد الذي يليني يقول (إبعاد يا شباب) ، فتكاثر الهمس بين الشباب رغم الأوامر
المشدّدة بعدم الكلام ، فمنهم من يريد التأكد مما سمع ، و منهم من يستجلي حقيقة
الخبر ، و سرعان ما انتشر الخبر ، و أدرك الجميع أنهم مبعدون ، غير أناّ لم نكن
نملك وسيلة تعبير نعبّر بها عن رفضنا للإبعاد ، و نحن على تلك الحال التي وصفت من
قبل ، و هل يحقّ لك الاعتراض إذا كان الكلام قد منع ؟ و هل تملك المخالفة إذا كانت
الرؤوس مأمور أصحابها بخفضها طوال مدّة السفر الطويلة ؟ و من سيسمع منك لو اعترضت
أو خالفت ؟ و الجندي الواقف فوق رأسك ، و الضارب نافوخك بعصاه الغليظة، أو بقبضة
يده ، متى ما شاء تكلم العربية ، و متى ما أراد تكلم العبريّة ، و متى ما أحب سبّ و
شتم ، و لعلّ وقاحة بعضهم قد بلغت به أن يضرط في وجه أحد الشباب ، و يبول عليه و
على ثيابه ثم يقول له : لم تبولت في ثيابك ، و يضربه .
كشف الصبح عن وجهه الوضاح ،
فتسللت إلينا خيوط من شعاعه عبر عصب العيون ، و أبت إلاّ تمزيق الظلام الذي فرضه
علينا أعداؤنا و مبعِدونا ، فاستأنست الروح بتلك الخيوط النورانية ، و استروحت به
النفس من عتمة الليل ، و ظلمة الظلم ، و سرى فيها أملُ زهوق الباطل ، بمجيء الحق ،
و اندحار الكفر بقوة الإيمان كشروق الشمس بعد الظلمة ، و انحسار الليل بطلوع النهار
.
توقّفت الحافلة أخيراً بعد طول
مسير ، و وقع في خلدي أننا وقوف في منطقة (المطلّة) الواقعة على الشريط الحدودي بين
لبنان و فلسطين ، تلك المستعمرة التي يسمّونها بالعبريّة (ميتولا) و التي سبق لي
المرور بها في يومٍ من الأيام الخالية مع طلاب المدرسة التي أعمل فيها .
كانت تظهر لنا عن بعد جبال
لبنان المرتفعة عن حوض طبريا ، ما خطر ببالي في يوم من الأيام أني سأمر بلبنان ،
سأقف فوق أرضه مبعداً ، لكنها المقادير ، أرض لبنان التي طالما سمعت و قرأت عنها ،
عن جبالها و وديانها ، و أنهارها و ثلوجها ، عما قريبٍ سألقى في أحضانها ، لا أعرف
طريقي في مسالكها و دروبها ، و لا أعلم عن مستقبلي شيئاً ، غيبٌ يكتنف رحلتي ، و
مجاهيل تنتظرني ، و الهادي و المسلّم مما أنا فيه اللّه وحده .
بقينا جلوساً في الحافلة
ساعات ، نتجرّع فيها غصص الألم ، و مرارة الفراق ، فراق الوطن و البلد ، و الأهل و
الولد ، و فراق المعاهد و المساجد ، و الروّاد و العبّاد ، لَكُنَّ اللّه يا
أمهاتنا ، و أخواتنا ، و زوجاتنا ، و بناتنا لكم اللّه يا آباءنا ، و إخواننا ، و
أبناءنا ، لك اللّه أيها الأخ الحبيب الذي حمّلته عبء عائلتي مع عائلته ، لك اللّه
أيتها الزوجة الصابرة التي لا أكاد ألقاها حتى أفارقها ، لكم اللّه أيها الأحباب
الصغار ، و الله ما يسلّينا عنكم سوى الرضا بقضاء اللّه و الأمل باللقاء ، فعسى أن
يكون اللقاء قريباً .
كنا نتجرّع الألم الذي يؤيّده
الجنود إيلاماً بعهرهم و غطرستهم و سوء خلقهم ، كانوا لا ينفكون عن السخرية بنا ، و
بمشاعرنا ، و معتقداتنا ، و أفكارنا ، و أهلنا ، أنا أجزم أنّ الأوامر الصادرة
إليهم كانت تقضي بمثل هذه التصرفات الشاذة ، إضافة إلى السادية التي يتصف بها
الجنود بصورة عامّة ، و إلاّ فما معنى أن يستأذن الشاب للتبول فيقال له : بل في
ثيابك ، فإذا اضطر لفعلها ناله من الأذى ما لو نزل بجبل لهدّه ، و طلبت ماء لأشرب
فجاءني الرد : راح تشرب في لبنان ، كما كان بعض الشباب يعترض على سبّهم الربّ و
الدين و العرض فيأتيه السبّ مضاعفاً ، و وقف جنديّ يضرط بجوار أحد الشباب ، ثم سأل
الشاب : إيش هذا ؟ شو اسمه ؟ ها ؟
كان الحياء قد نزِع منهم ، بل
هو معدوم فيهم ، فما عادوا يراعون حُرْمة ، و لا شيبة ، و لا أدباً ، و لا خلقاً ،
و صدق رسول الله إذ يقول : "إنّ مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستح
فاصنع ما شئت" .
إن الذي ولد من الفاحشة ، و
تربّى في محاضن اللقطاء ، و نشأ في الرذيلة ، أنى يكون صاحب خلق ، و أنى له الأدب ،
هذا ما كانت تستشعره النفس حينما تستعرض شريط الممارسات الشاذة .
وقفت الحافلة ساعات أدركنا
خلالها أننا وقوف ريثما يصدر قرار المحكمة بالموافقة على قرار رئيس أركان الجيش
الصهيوني (يهودا براك) بإبعادنا ، و كان قرار رئيس الأركان قد صدر منذ زمن ، لكن
دولة (إسرائيل) الديمقراطية !!! ما كان لها أن تنفّذ القرار إلا بعد موافقة المحكمة
كي يُلبَس قرار الإبعاد لباس القانون و العدالة ، ذاك القانون الذي كنا ضحاياه، و
الذي ما كان يمكن لدولة (إسرائيل) تنفيذه إلا و نحن وقوف اثنتي عشرة ساعة في منطقة
الحزام الأمني ذات الحرارة المتدنية ، و الثلوج المتساقطة ، لم تستطع دولة الكيان
الصهيوني و لم تسمح لها أخلاقياتها أن تبقينا في معتقلاتها حتى يصدر القرار ، و أبى
عليها ضميرها الميت إلا زجنّا في تلك الحافلة التي علمنا فيما بعد أنها ليست حافلة
و إنما حافلات بلغ عددها اثنتين و عشرين حافلة ، و رأت إبقاءنا في أرض الثلوج و بين
هراوات الجنود و استفزازاتهم ساعات طويلة .
لم ينسَ الجنود تقديم وجبة
الغداء لنا من باب حقّ الأسير و كرم الضيافة ، أما وجبة الإفطار فلم يعد بالإمكان
تقديمها إذ مضى وقتها ، و يغني عنها طعام الغداء الذي لم يكن ليكفي الواحد فضلاً عن
أن يسدّ مسد وجبتين ، لقد قدّموا لكل واحدٍ منا كيساً بلاستيكياً حوى : بيضة ، و
شطيرة لبنة ، و قطعة جبن ، و تفاحة صغيرة ، لكن كيف نأكل و القيود بأيدينا ، و
أيدينا خلف ظهورنا ؟ لقد كان من مستلزمات الضيافة و الكرم اليهودي أن يقدّم لنا
الطعام فرادى واحداً تلو الآخر .
و جاء دوري فرفعوا العصابة عن
عينيّ ، و فكوا القيود من يديّ و كانت تلك هي المرة الأولى التي تتحرّر فيها يداي
من القيود خلال خمس عشر ساعة ، و لم أستطع التقاط الكيس من يد الجندي و لا أن أمّد
يدي نحوه نتيجة تمزق أصاب كتفيّ بسب شدّهما إلى الخلف ، فألقى الجندي الكيس بين يدي
و انصرف ، فاغتنمت غيابه و بدأت أدلك معصميّ بيديّ المنتفختين من شدّ القيود عليهما
، غير أن الفرصة لم تطل و الفرحة لم تدم ، فسرعان ما عاد الجندي و هو يحمل قيداً
حديدياً في يده ، لم يلبث أن وضع يدي فيه من الأمام ليتأكد أني لن آتي بحركة ، و
ليمضِ قرار أسياده ، فالأكل بلا قيود غير مسموح به في عرف الحكومات الإرهابية
. ماذا سآكل ؟ و هل مثلي يشتهي الطعام و هو على تلك
الحالة ؟ و إذا ما أكلت و اضطررت إلى قضاء الحاجة ، فهل سيسمح لي بقضائها أم أنني
سأبوء بثقلها و شرّها؟
تناولت لقيمات من شطيرة اللبنة
، و قضمت قضمات من التفاحة الصغيرة ، كلّ ذلك ليس بهدف الشبع و إنّما لتغيير رائحة
الفم ، و إشغالاً للمعدة ، و إسكاتاً للجَوعة ، و قد أمضيت في تناول تلك اللقيمات
القليلة أكثر من ربع ساعة كان الهدف من الإطالة نيل أكبر قسط من الراحة ليديّ
المتعبتين قبل شدهما خلف ظهري مرّة أخرى .
كان الجندي الواقف قريباً مني
يرمقني شزراً و هو ينتظر فراغي من تناول تلك اللقيمات القليلة كي يعيدني في قيودي
لينتقل إلى آخر غيري ، و ما إن شعر بتوقّفي عن الأكل حتى عمد إليّ ، و انشغل في فتح
القيد الحديدي ، و استعصى القيد على السجان كما استعصى السجين عليهما ، و راح يحاول
فتحه بشتى الوسائل و السبل ، و قد بدأ محاولاته الأولى بتعقّل و لين ثم لم تلبث أن
أصبحت مشادة فمصارعة ، و الضحية الوحيدة يدي .
كنت أدعو اللّه ألا يفتح القيد
، و أن تتعطل سائر المفاتيح التي جاءوا بها ، ففي عدم فتحه راحة لي ، و إبقاء ليديّ
كما هما دون شدّهما خلف ظهري ، و كان الجنود يتناوبون المحاولات تلو المحاولات ،
كلٌ يستعرض قوته ، و القيد لا يزال على عناده و صلفه لا يلين و لا ينثني ، أكثر من
نصف ساعة و هم يحاولون ، و يدي بين أيديهم كريشة في مهب الريح لا تستقر في مكان
.
و انفتح القيد أخيراً و لكن من
جهة واحدة ، و حاولوا فتح الحلقة الثانية فلم تنفتح ، فقرروا جمع يديّ خلف ظهري ، و
تركوا القيد الحديدي معلّقا بيدي اليمنى ، و كان إبقاؤه بهذه الطريقة و على هذه
الهيئة أمراً غير محمود النتائج ، فهو من جهة ثقيل الوزن ، و من الجهة الأخرى ضيق
جداً ، و ما كان ينجيني منه بعد اللّه سبحانه و تعالى سوى الصراخ المستمر حتى جاء
جندي أدرك ما أعانيه فحاول فكه مراراً ، و لما لم ينجح أمرني بالنزول من الحافلة و
كانت فرصة غالية لا تقدر بثمن ، إذ يكفيني فيها أن أشم هواء نقياً غير هواء الحافلة
المقفلة ، و إن قدّر و أذن لي بقضاء الحاجة فتلك نعمة تستوجب الشكر العظيم ، و
الحمد الكثير للّه تعالى .
غير أنّ النّزول كان فيه من
العناء أضعاف عناء القيد و ألم الحديد ، إذ كيف أنزل و أنا مقيّد اليدين و القدمين
، معصوب العينين ، أدرك الجندي أني لا أستطيع كذلك تجاوز الصناديق الكرتونية
المرصوصة وسط الحافلة ، و المملوءة بمعاطف البلاستيك العسكرية التي لم نعرف لوجودها
سبباً إلا حينما غادرنا الحافلات في جنوب لبنان ، أدرك الجنود ما أعاني ، و أدرك أن
العقبة أمامي كؤود ، و أني لا أستطيع القفز أو المشي فوق الصناديق للوصول إلى باب
الخروج ، فرفع العصابة عن عينيّ و جذبني إليه جذبة تجاوزت بها الصناديق رغم العثار
و السقوط ، و وقفت في أعلى درجات سلم الحافلة لا أقوى على النزول ، كيف أنزل و
القدم لا يمكن إزاحتها بسبب القيد سوى سنتيمترات معدودة ، لا بّد من النزول ، و لكن
كيف ؟ و أخيراً نزلت زحفاً على إستي حتى استقر بي الأمر بجوار الحافلة .
بدأت محاولات فك القيد الحديدي
مرّة أخرى ، و عاد الجنود يخلف بعضهم بعضاً في تلك المحاولات الفاشلة ، كم صرخت من
الألم ، و هم يشدّون و يشدّون و لكن ظننت أن يدي ستكسر أو ستخلع من معصمها ، لقد
استمرت المحاولات أكثر من نصف ساعة نجح في نهايتها أحد الجنود في فك القيد .
و قبل أن أصعد قفزاً ذاك السلم
الذي نزلته زحفاً طلبت من الجندي الموكل بي الإذن في قضاء الحاجة ، فأذِن ، و وقفت
يرقبني و أنا على تلك الحالة ، مما اضطرني إلى الانحراف عنه حتى لا يطلّع على عورتي
، و اغتنمت الفرصة فاختلست نظرة لما حولي ، ما كان يمكنني اختلاسها إلا و أنا كذلك
، كانت المرّة الأولى التي أشاهد فيه المعبر الواقع في منطقة الحزام الأمني ، و
الذي سلخ من جسد لبنان عام 1982م ، لمحت عن بعد عدّة حافلات تتقدّمنا ، دهشت
لوجودها ، و رحت أسأل نفسي : لم هذه الحافلات ؟ أيعقل أن توجد حافلات سياحية في هذا
الموقع الخطر ؟ لم أكن أعلم أنها من ضمن الحافلات التي أبعد فيها أكثر من أربعمائة
فلسطيني مسلم .
عاد بي الجندي إلى مقعدي الذي
كنت أجلس عليه ، و على الصورة التي كنت عليها لحظة بدء رحلة الإبعاد ، في تلك
اللحظات تنازعتني مشاعر جمّة ، و خواطر كثيرة منها ما أفرحني ، و منها ما غمّني ،
فرحت .. إذ بالإبعاد – و الإبعاد وحده- كان يمكن أن تتاح
لي فرصة رؤية إخواني الذين لم أرهم منذ سنين خلت ، و ما كان يمنعني من رؤيتهم إلا
تلك الحواجز العسكرية و الاعتقالات الأمنية ، و القيود المخابراتية ، و الهويات
الخضراء ، و الأوامر بمنعي من السفر ، ما كان يمكنني رؤية أخٍ لي لم أره منذ عشرين
سنة ، و الآن و أنا على مقعدي من تلك الحافلة اللعينة يلوح لي طيفه ، و أتذكر قسمات
وجهه ، و فرحته بلقائي و أنا الأخ الصغير ، و فرحتي به و هو الأخ الحبيب الكبير
.
استعرضت أطياف ذرية أبي التي
قّدّر عليها أن يعيش أكثر أفرادها في الشتات ، بدءاً بالبحث عن اللقمة ، و انتهاءً
بالمنع من العودة ، كان أكثر أفراد عائلتي يقطن الكويت بعدما منعوا العودة إلى
الوطن ، و الآن و بعد حرب الخليج توزّعوا و تفرّقوا في الأصقاع و البلاد ، لقد كان
يطيب لي أن ألقاهم ، و ألقى أزواجهم و ذرياتهم ، و ها هو ذا الأمل قد لاح .
كانت هذه الخواطر تفرِحني ، و
يحلو لي تصيّدها ، و السباحة في بحرها ، و الركض في دروبها ، و لم يكن يفسدها عليّ
إلا خواطر و مشاعر تبعث الحزن ، و تُجري الدمع ، و تُبكي القلب ، و تُذهب الفرحة ،
كان القلب يعتصر أسىً ، و الصدر يضيق بما فيه ، و أنا أرى المسافة تزداد و الهوة
تتسع بيني و بين مرابع الصبا ، و دروب الحيّ و معالم البلد .
أيعقل أني لن أراك يا بلدي ؟
أيعقل ألا أصلّي فيك مرة أخرى
يا مسجدي الغالي ؟ أيها الأقصى الحبيب الذي خضب ترابك جبيني و أنست روحي في رحابك و
أنا أنتقل بين القبة و المسجد ، و بين المعتكف و المكتبة .
أيعقل أن يأتي رمضان و لا أفطر
في ساحاتك مع عصبة الإيمان ؟ أيعقل أن أحرم من حضور الجُمَع فيك ؟ و أنا الذي لم
أكن أُرى إلا فيك ، أنا ما زلت أذكر تلك المجزرة التي ذهب ضحيتها عشرون من خيرة أهل
فلسطين في الذود عنك و عن حرماتك .
أأقتل و إخواني اليوم بالإبعاد
عنك لأننا نحبُك ؟!!
تذكّرت صلاتي فوق مصاطبك ، و
في نواحيك و أرجائك ، أيعقل أن أحرَم منك ؟ قاتل اللّه الظالمين (و من أظلم ممن منع
مساجد اللّه أن يذكر فيها اسمه و سعى في خرابها) ..
خطر ببالي شقيقي الذي أحبّه ،
و أحبّ أولاده حبّي لأولادي ، شقيقي الذي كنت أبدأ يومي و أختمه بالسلام عليه ، و
الذي ما كان ينام حتى يدخل بيتي ، و ما كنت أغفو حتى أطمئن عليه ، كانت القلوب
متآخية متآلفة فهل سيفرّقون بينها ؟
خطرت ببالي شقيقتي التي كانت
عندي في مقام أمي رحمها الله ، أختي التي أحبّها حباً يربو على الوصف ، أختي تلك
التي رضيَت لنفسها أن تقطع المسافات الطويلة لزيارتي في كلّ مرات اعتقالي ، و ما
تأخرت عن زيارة قط ، و لا ردّها يوماً صراخ سجان و لا مشقة سفر ، أختي التي كنت
أسُّر برؤيتها ، و ينشرح صدري بابتسامتها ، لقد كانت تزورني و أنا خلف القضبان فكيف
ستزورني اليوم و أنا مبعد ؟
أنا أحلف أن من قال إن الإبعاد
خير من السجن أضلّ من حمار أهله . أما زوجتي و صغاري ،
فمن الطبيعي أن يلحقوا بي إلى أرض المنفى ، إلى حيث ستلقي بي رياح الغربة ، و عواصف
الإبعاد ، و لكن ما أقسى أن يترك هؤلاء الأطفال مدارج طفولتهم ، و أبناء عمّهم
الذين يعيشون معهم كأنفسهم ، و مدارسهم التي يتعلّمون فيها ، و زملاء دراستهم ، و
أناشيدهم ، و لعبهم ليعيشوا حياة جديدة هم غرباء عنها ، جهلاء بها .
كم سيستغرقهم التأقلم و اتخاذ
الأصحاب ؟ و هل سينسون أصدقاءهم ؟ و هل سينسى ولدي مسجده الذي اعتاد الذهاب إليه
بصحبة تربه و ابن عمه ؟ لقد كانا يذهبان إليه دونما استئذان مني ، لعلمهما أن الأمر
يسرني غاية السرور .
و هل ستنسى ابنتي مدرستها التي
تقف أحياناً أمام ميكرفونها من خلفها صباحاً لتتلو سورة من القرآن أو تصدح بأنشودة
تحفظها ، و أترابها من خلفها يردّدن ؟ أيمكن لأطفالي أن ينسوا بسهولة ذكرياتهم و
ينسجوا غيرها ؟
تُفَتِّتُ قلبي و تذهب بلبّي
تلك المشاعر التي تنتابني كلما تذكّرت زملاء الدراسة و التدريس ، وإخوة المسجد و
رفقاء المعتكف ، و المعارف و الخلاّن ، و الأقارب ، و الجيران ، و الطلاب و
الطالبات من تخرّج منهم و من لم يتخرّج ، أكثر أهل بلدتي أعرفهم و يعرفونني
.
ترى كم من الوقت سأحتاج حتى
أجد غيرهم ؟ و هل سأجد مثلهم ؟ و من هم بمثل طبيعتهم ؟ و هل يمكن نسيان الرفقة و
الصحبة ؟ إن لي في كلّ بلدٍ معارف و أصحاباً ، فهل يمكن إيجاد أمثالهم في بلاد
الغربة و الإبعاد ؟ كانت الخواطر تتسارع في ذهني ، فذهني بها مشغول ، و قلبي منها
في ذهول ، تلك المشاعر و الخواطر المتصارعة ما كان يقطعها غير صوت الجنود و
قهقهاتهم ، و ضربات عصيّهم ، و لطمات أكفهم .
و أقبل المساء يجرّ رداءه
الأسود يجلّل به وجه الأرض ، و ينشر على الدنيا السكوت و الهدوء ، و نحن في حافلتنا
على النحو الذي أسلفت الحديث عنه ، و جيء بطعام العشاء ، و شرع الجنود يمرّرونه
علينا ، واحداً إثر آخر ، و كنت من آخر من قدّم إليهم الطعام الذي لا يختلف في
نوعيته و كميته كثيراً عن طعام الغداء ، و لم تكد يدي تمتد نحوه حتى صدرت إليّ
الأوامر بكفّها ، و كنت قد قضمت ثلاث قضمات من حبة التفاح الصغيرة فلم أتمها ، و
طلبت كأساً من الماء فلم أسقه ، و بقيت ظمآناً حتى أذهبت حرّ كبدي من سيلٍ متدفع
على قارعة الطريق حيث أنزلنا الجنود من الحافلات ، و استعجل الجندي المسمى جريس
فقيدني –كان المدعو جريس أسوأ الجنود و أشرسهم ، و كان
متزعّما لحملات القمع و البطش و الاستهزاء - شعرت لحظتها بأن المحكمة قد أصدرت
قرارها بالموافقة ، و أن الأمر صدر للجنود بالانطلاق ، فقد كان الجنود في هرجٍ و
مرج عارمين ، في ذهاب و إياب ، و انشغال و استعجال ، قيّدونا قبل فراغنا من طعامنا
، و راحوا يعدّون عدّتهم، و جاء الضابط المسؤول يحمل الأوامر للجنود ، و يحمل لنا
مفاجأة ، ألقى على جنوده التعليمات و لم يزل يوصيهم و يحذّرهم حتى أدركنا من خلال
كلامه الذي لم نفهم منه إلا القليل أنه رحيم بهم ، حريص عليهم ، ثم التفت إلينا
وشرع يضع في جيب كلّ واحد منّا ورقة لم أميّزها إلا بعد حين ، حيث تردّدت مقالة بين
الشباب مفادها : أنّ اليهود وضعوا في جيب كلّ واحدٍ منا خمسين دولاراً ، فمددت يدي
إلى جيبي في مرج الزهور لأجد صدق المقالة ، و سألت نفسي متعجّباً : ما الذي حملهم
على إعطائنا الدولارات ؟ أهي الرحمة التي يدّعونها ؟ أم هو الخوف علينا من الضيّعة
و الفقر ؟ أم أنّ هذه الدولارات ثمن إبعادنا ، و طردنا عن أوطاننا ، و مفارقتنا
لأهلنا ؟؟؟!!! .
كانت الساعة قد جاوزت السابعة
مساء ، حينما تحرّكت حافلتنا و راحت تجوب أرض الجنوب اللبناني ، أرض الحزام الأمني
و المنطقة الأمنية ذات التعرجات الكثيرة ، لقد كانت تسير و لا ندري إلى أين تسير ،
إلى أي مدينة تسير ؟ إلى أي قرية تسير ؟ لكننا كنا نعرف حقّ المعرفة أنها تسير إلى
أرض الإبعاد ، إلى أرض لبنان .
و في طريقنا نحو تلك الأرض
الجرداء التي قرّرت الحكومة قذفنا إليها كانت الحافلة كثيراً ما تتوقّف لينزل بعض
الجنود هنيهة من الزمن ثم يصعدون أليها مرة أخرى لتنطلق في نواحي ذاك الجنوب ، لقد
كانت مركز تفتيش ، و معسكرات جيش ، و إن نسيت فلست أنسى تلك اللحظات التي ذعر فيها
الجنود و استنفروا ، و لبسوا الخوذ الحديدية ، و وضع كلّ جندي إصبعه على زناد
بندقيته الآلية ، و أخذ موقعه بين الشباب المقيّدين على طول الحافلة و عرضها ،
متترّسين بهم ، أيقنت وقتها أن تلك المنطقة من المناطق الخطرة التي تكثر فيها
الاشتباكات و المعارك .
كانت الأفكار تتقاذفني ، و
التصورات المختلطة تجتاحني و أنا أساق إلى حيث لا أدري ، كنت أتخيّلهم سليقوننا
زرافاتٍ و وحداناً قرب تلك القرى المنبثة في الجنوب اللبناني ، و كنت أتخيّل حالنا
و قد تشتّتنا في أنحاء تلك الأرض التي لا نعرف دروبها و مسالكها ، و أين ترانا
سنذهب في الليل البهيم ؟ و من سيستقبلنا ؟ و إن عثرنا على بيتٍ فهل سيفتح صاحبه
الباب لنا ؟ و أين سنبيت حتى يطلع الفجر ؟ لعلّ المسجد هو أفضل مكانٍ نبيت فيه ، و
لكن من سيهدينا إلى بيت الإمام أو بيت المؤذن ليفتح لنا المسجد ؟ و إن فرّقونا على
طول خط السير فكيف سنلتقي؟
لربما كان السير على قارعة
الطريق حتى يطلع الصبح أفضل حلّ لمشكلتنا ، و كيف أسير و المطر منهمر ، و البرد
شديد و الظلمة حالكة ؟ و لو أني نجحت في الإبقاء على حياتي حتى يطلع الفجر فكيف
سأصل إلى بيروت و أنا لا أعرف الطريق ؟
و كيف سأصل و أنا لا أملك ليرة
واحدة ؟ (لم أكن أعلم وقتها أن ما وضع في جيبي مال) و كيف سأصل و أنا لا أحمل وثيقة
سفر أو أية ورقة تثبت هويتي أو تصدقني إن عرّفت بنفسي و قلت إني فلان .. ؟
خواطر و أفكار ، هموم ، و غموم
، آمال و طموحات كانت تتجاذبني و أنا بينها بحّار تكسّرت مجاديفه ، و سفينة تمزّق
شراعها ، و ما كان ينجيني منها سوى الذكر و الاستغفار ، فقد كان الدعاء و الابتهال
هما الملاذ الوحيد لمستضعف سيم أصناف الخوف ، و مورس عليه الإرهاب ، و تفنّن في
تعذيبه ، كان للذكر و الدعاء و القرآن معاني ما كان يمكنني استشعارها لولا هذه
المحنة .
المحنة الربانية التي لا يقوى
عليها إلاّ من ربط قلبه بربه ، و توكّل عليه ، و ألزم نفسه الاستغفار و حمّلها على
الصبر حملاً ، فقد كان لدعاء سيدنا يونس عليه السلام و هو في بطن الحوت (لا إله إلا
أنت سبحانك إني كنت من الظالمين) ظلالٌ وارفة من الأنس بالله ، و الثقة بعونه ، و
الصبر على قدرة ، و تسليم الأمر له ، و كان لسورة الفاتحة أنوار و إشاراقات لم
أتبيّنها على كثرة ترديدي لها ، و كانت كلماتها تقع من نفسي موقع البلسم الشافي من
القلب العليل ، فتبعث فيه الدفء ، و السكينة ، و اليقين .
كانت طهارتنا تيمماً ، و
صلاتنا جمعاً و قصراً ، و لم نكن نقوى على الوضوء ، فإذا كان القوم لا يأتونك بماء
لشربك فهل سيأتونك بماء لطهورك ؟ و ما كانوا يطلقوننا لطعام ، فهل سيطلقوننا لصلاة
؟
إنها أمور محرّمة في تعاليمهم
و قوانينهم ، و إنّ النظم و اللوائح تأمر بعكس هذا ، لذا كانوا يوجّهون الضربات إلى
رأس من يشعرون بأنه يصلي ، و كم من المرات حاولوا أن يحولوا بيننا و بين صلاتنا
سواء بالحديث معنا ، أو بتهديدنا ، أو بنقلنا عن مقاعدنا إلى مقاعد أخرى ، أو
بضربنا .
لم يكن يقدر على التيمم إلا
القليل منا ، إذ كيف يمكننا التيمم و أيادينا خلف ظهورنا ، و على الرغم من كلّ
أساليب المنع كنا نصلي آحاداً نومئ بأعيننا حتى لا يشعر بنا أعداؤنا ، غير أن بعضنا
كان يرفع صوته بالتكبير ليأتمّ به إخوانه من خلفه ، هؤلاء كان ينالهم من الأذى
أضعاف ما كان ينال من يصلي منفرداً .
ما كنا لنترك الصلاة التي
رضعنا حركاتها مع اللبن ، و نشأنا عليها صغاراً ، و لم نزل نؤدّيها كباراً في سفرنا
و حضرنا ، في صحتنا و سقمنا ، أنتركها اليوم و نحن أحوج ما نكون إليها ؟!!!
و هي متنفسنا الوحيد وسط هذا
الجو الكئيب و الحال الرعيب (يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر و الصلاة إن
اللّه مع الصابرين) ، لذا كان بعضنا يؤدّي صلاته على الرغم من الثياب المتسخة
بالبول و الغائط ، و قد صلّيت يومين في ثيابي الملطخة بالقيء إذ كنت مريضاً .
و في الطريق كان الألم قد بلغ
مني مبلغاً عظيماً ، إذ كانت القيود قد أدمت قدمي فلم أعد أشعر بهما نتيجة الخدر
الشديد الذي سرى فيهما ، و رأيت أن أستصرخ الجندي علّه يستجيب و استجاب جريس هذه
المرّة ، و أمرني برفعهما على المقعد كي يتسنى له قطع القيود ، غير أني لم أقوَ على
رفعهما ، فاضطر إلى رفعهما و بدأ يقطع القيود البلاستيكية بقطاعته البليدة ، التي
لم تكن لتقطع إلا بعد الضغط الكبير عليها ، و هزّ القيد يمنة و يسرة ، و ارتفاعاً
و نزولاً ، و مراراً و تكراراً .
لقد تمكّن من قطعها جميعها
إلا أنه سرعان ما أبدلها بثلاثة قيود أخرى ، و لم أدرك مدى إصابتي إلا في مرج
الزهور حينما نظرت إلى قدميّ فرأيت أن القيد قد عمل فيهما عمل السكين ، و فقاعات
الصديد قد ظهرت عليهما ، الأمر الذي استغرقني شهراً كاملاً في معالجة الجروح و
القروح ، أما أثار القيود فهي باقية شاهدة على ظلم الظالمين و صلف المتكبرين
.
و توقّفت الحافلة أخيراً ، و
كثر حولها الهذر الذي لم نكن نفقه منه شيئاً ، و شرع الجنود ينزلوننا الواحد تلو
الآخر ، حتى جاء دوري ، فقُطعت القيود من قدمي ، و جذبني أحد الجنود حتى أخرجني من
الحافلة ، ثم فكّ قيودي و نزع العصابة عن عينيّ اللتين لم تبصرا سوى الظلام من شدّة
الإغماض و طوله ، و من حلكة الليل الذي غاب قمره خلف ساترٍ من الغيوم الكثيفة ،
فأحال الأشياء سواداً في سواد .
كان أول ما وقع عليه طرفي
جمهرة من الجنود المدجّجين بالسلاح بينهم ثلة من الضبّاط أصحاب النياشين و الرُّتب
، و لم أكد أسأل نفسي : أين أنا ؟ و من القوم ؟ حتى وجدت نفسي أدفع نحو شاحنة
(قلاّب) ، و وجدتني أحاول صعودها ، و ما إن مددت يديّ أحاول الإمساك بأحدِ أطرافها
حتى تلقفني بعض الرجال الذين على ظهرها ، و سمعت قائلاً يقول : الحمد لله على
سلامتك .
وقفت مشدوهاً أسأل نفسي : ما
الذي يجري ؟ لم كل هذه الحافلات الواقفة ؟ أين أنا ؟ من هؤلاء الرجال الذين يركبون
ظهر الشاحنة ؟ و من هؤلاء الجنود الذين يتكلّمون العربية بلهجة لبنانية ؟
تساؤلات خطرت ببالي و سألتها
نفسي و أنا أقف بين الرجال على ظهر الشاحنة ...
و رويداً رويداً بدأت الصورة
تتضح ، و الغشاوة تنجلي ، لقد أصبحت اليوم أقف في النقطة الفاصلة بين الجيش و بين
الدولتين و بين الحكومتين ، فها هم الجنود الصهاينة يوصلونني مع هذا النفر المتوضئ
من شباب فلسطين إلى نقطة اللاعودة ، إلى آخر موقعٍ يمكنهم وصوله بأمان ، إلى المكان
الذي عليّ أن أنطلق منه إلى عالم آخر ، و أرض أخرى غير فلسطين ، ليس فيها المسجد
الأقصى ، و لا قبة الصخرة ، و لا المسجد الإبراهيمي ، و لا مهد المسيح عليه السلام
، و لا .. و لا ..
بوصولنا إلى تلك النقطة
الحدودية كان الجنود الصهاينة قد أنهوا مهمتهم التي ساندهم و ساعدهم في إنجاحها جمع
من جيش لبنان الجنوبي الموالي للكيان الصهيوني ، ذلك النفر من الجنود الذين
يتكلّمون العربية بلكنة لبنانية ، أما الحافلات الكثيرة الممتلئة بالرجال المعصوبة
عيونهم المقيدة أياديهم ، فهي حافلات كتلك الحافلة التي أُبعدت فيها و من معي ، لقد
كان عددها كثيراً كثرة يعجب لها العاقل !! أيمكن أن يبعد اليهود حمولة اثنتين و
عشرين حافلة ؟ و لم لا ، و قد أبعدوا أكثر من أربعة ملايين من أبناء الشعب
الفلسطيني ، و تلفّت يمنة فرأيت خمس شاحنات مليئة بالرجال فأيقنت أن أخلاق اليهود
(النبيلة) ، و قلوبهم (الرحيمة) تأبى عليهم أن يتركونا نهيم على وجوهنا في أودية
لبنان و جبالها ، لذا فقد جهّزوا لنقلنا هذه الشاحنات ، و من قبل كانت تنقل الحجارة
و الدواب ، فهي قذرة وسخة تحمل من روث البهائم و بقايا الأتربة و الحجارة ما لا
يصلح الجلوس على أرضيتها ، فآثرنا الوقوف و الازدحام على الجلوس و التلطخ بالروث .
انتهت الرحلة و نفذ القرار ، و
غدونا مبعدين ، كثير ممن حكم الظلم بإبعاده كان ساعتها يعيش في دوامة لا يعرف لها
مخرجاً . كثير منهم لم يكن يفقه شيئاً مما يجري حوله ، بكى بكاء مريراً حينما علم
أنّه مبعد و أنّه يقف الآن على أرض لبنان .
و صدم البعض . و استرجع آخرون
. و أمسك قوم عن الكلام . بينما شمّر أهل الصبر و
المروءة عن ساعد الهمة و النخوة ، و راحوا يخفّفون عن إخوانهم عظم المصيبة ، و رهبة
الغربة ، فقائل يقول : (و بشر الصابرين) .
و آخر يحدّث بحديث خباب بن
الأرت رضي اللّه عنه عن رسول اللّه : "و الله ليتمّن اللّه هذا الأمر" ..
و من مذكّر بقول الرسول (عليه
الصلاة و السلام) : "إنّ عظم الجزاء مع عظم البلاء ، و إن اللّه تعالى إذا أحبَّ
قوماً ابتلاهم ، فمن رضي فله الرضا و من سخط فله السخط" .
و سرى بين الشباب قول اللّه
تعالى : (يا أيها الذين آمنوا اصبروا و صابروا و رابطوا) .
و قوله تعالى : (و لنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم و الصابرين) .
و انبرى أحد الأخوة يردّد قول
النبي الكريم : "ما يزال البلاء بالمؤمن و المؤمنة في نفسه و ولده و ماله حتى يلقى
اللّه تعالى و ما عليه خطيئة" . استعينوا بالله يا شباب .
لقد أُخرِج رسولكم و أصحابه رضوان اللّه عليهم ، أذكروا قصة أصحاب الأخدود .
سترجعون بإذن اللّه فاتحين . لا تقنطوا من رحمة الله
.
و في أثناء ذلك قام بعضنا
بتوزيع المعاطف البلاستيكية الرقيقة التي ألقاها إلينا الجنود ، فوزّعناها بيننا ،
و تدرّعنا بها في هذا الطقس الشتوي الذي تدنت فيه درجات الحرارة دون الصفر ، و حسبك
أنك في جبال لبنان ، جبال الثلج و البرد .
انطلقت بنا الشاحنات في تمام
الساعة الثانية و النصف من صباح يوم الجمعة المبارك 17/12/1992 باتجاه مركز الجيش
اللبناني ، كانت الطريق ذات منعطفات خطرة حادّة الانحناء ، شديدة المزالق ، يهوي
القلب ، و تزيغ الأبصار و هي تلحظ الخطورة الكامنة خلف السرعة الفائقة التي يقود
بها أصحاب الشاحنات شاحناتهم ، و كان لساني لا يكف عن الدعاء و التوجه إلى اللّه أن
يحفظ الشباب الذين ضاقت بهم الشاحنات ، حتى أصبح انقلاب شاحنة في الأودية السحيقة
يعني أحزاناً و أتراحاً في بيوت كثيرة في فلسطين ، و مجزرة رهيبة المسؤول الأول و
الأخير عنها حكومة الكيان الصهيوني العاتية المتمردة على كلّ القوانين الإلهية و
البشرية، و لكن اللّه سلّم .
وقفت الشاحنات بعد مسيرة ربع
ساعة أمام مركز الجيش اللبناني في قرية مرج الزهور ، و اقترب من الشاحنة الأولى بعض
الجنود كانت تظهر عليهم معالم الطيبة و الترحاب و التعاطف معنا بدخول لبنان ، إذ
الأوامر الصادرة إليه تقضي بمنعنا من الدخول ، فشكرنا له حسن خلقه و أدبه ، و لطف
تعامله ، و عدنا أدراجنا إلى المعبر ، تلك النقطة التي ترِكنا فيها ساعة إنزالنا من
الحافلات ، لم نتمكن من الوصول إليها غير أنّا اقتربنا منها حتى لم يعد بيننا و
بينها سوى أمتار معدودة .
و هناك كان حديث الشباب ينبّئ
بأننا سنقيم عند المعبر (معبر زمريا) لا نجاوزه ، و لا نتحوّل عنه إلاّ إلى فلسطين
، و بدأ الوجل يزول ، و الخوف يختفي ، و عادت أحاديث الصداقة و الأخوة ، و لقاءات
المحبة و المودّة ، و راحت السلامات و التحيات تتجاوز الشاحنة الواحدة لتصل إلى
شاحنة متقدّمة و أخرى متأخرة ، و طرقت سمعي أسماء عديدة ، عرفتها ، و عرفت أصحابها
.
قلت في نفسي : سبحان الله ،
لقد جاءوا بالشعب الفلسطيني ، لم يتركوا أحداً ، لقد أبعدوا معظم علماء الأمّة ، لم
يبقَ أحد من أهل فلسطين فيها !! كانت الأعداد كبيرة ، غير أن الرقم الدقيق لم أكن
أعرفه وقتها ، لكن النظر كان يخبر صاحبه أنها بالمئات ، في ذاك الموقع النائي
الموحش بين تلك الجبال المكسوّة بالثلج ، راح أحد الشباب يعلي نداء الإسلام و يرفع
ذكر اللّه في تلك البقاع التي لم يذكر اسم اللّه عليها منذ أمدٍ بعيد ، و يعلن بزوغ
الفجر ، و انحسار الظلام ، و مضى المؤذّن في أذانه حتى أنهاه رغم زخات الرصاص التي
أطلقها جنود اليهود فوق رؤوسنا .
و عقب الأذان نزل بعضنا من
الشاحنات لقضاء الحاجة ، بينما استعدت البقية الباقية لأداء صلاة الصبح ، و قد
تيمّمنا بالضرب على ملابسنا و ملابس بعضنا بعضاً ، ثم اصطففنا متراصين فوق الشاحنات
و صلينا صلاة إيماء لا سجود فيها، إذ العدد كثير ، و الشاحنات قذرة و وسخة .
و رحت أسال من حولي من الشباب
عن شربة ماء ، أطفىء بها ظمئي ، فقد كان الظمأ قد أخذ مني كلّ مأخذ ، و بلغ بي
منتهاه ، و لما لم أجد بغيتي عند الشباب سألت السائق الشاحنة الذي اعتذر بدوره ،
إلاّ أنه أخبرني بوجود نبعة تبعد عدّة أمتار ، و حذّرني من التوغّل في المنطقة إذ
أنها مزروعة بالألغام ، فآثرت السير على جادّة الطريق ، و على بعد مائتي متر وجدت
سيلاً متدفقاً بغزارة عبر الشارع ، و لم أدَع لنفسي فرصة للتفكير في أمر هذا السيل
المتغيّر اللون فغرفت منه غرفات أذهبت بها حرّ جوفي ، و أطفأت بها عطشي .
في تلك الأثناء كانت الأوامر
العسكرية الصهيونية قد صدرت بطردنا من تلك المنطقة (المعبر) و لو بالقوّة ، و على
الفور تحرّكت المدرعات نحونا ، و سلّطت الأضواء الكاشفة علينا ، و فغرت الرشاشات
أفواهها ، و صبّت فوق رؤوسنا صلياتها ، كما صدرت الأوامر لأصحاب الشاحنات بإنزالنا
، و حفاظاً على حياة الشباب فقد كان من الحكمة أن نبتعد عن مصادر النيران و نحن
العزّل من كلّ شيء إلا العزّة و الكرامة و الإيمان باللّه ، فتترّسنا ببعض الجبال
حتى يقضيَ اللّه أمراً كان مفعولاً .
و مع بزوغ الفجر ، و زوال
العتمة ، كانت سيارات الصحافيين واقفة تنتظر أربع مائة و خمسة عشر مبعداً لتستجلي
أخبارهم و تسمع آراءهم . و كانت مرج الزهور ، و كان القرار بالبقاء ، و كان مخيم
العودة و كانت جامعة ابن تيمية ، و كانت أيام ما زالت الأقلام تخطّ أحداثها حتى
كتابة هذه السطور .
تمت بحمد
اللّه
1/2/1993
|