|
رسائل مُبْعَد
إلى ابنتي
إليك يا ابنتي العزيزة .
إليك يا حبيبة قلبي وأنيسة
روحي .
إليك أطيّر هذا البالون
.
بعد مرور شهرين على فراقك
.
بعدما حيل بيني و بينك
.
حرموني منك حينما اقتادني
الجنود مكبّل اليدين معصوب العينين .
لم أقوَ وقتها على إشعال ضوء
الغرفة التي تنامين فيها .
آثرت حمل لهيب أشواقي بين
ضلوعي على أن أُوقظك من نومك .
ابتعدت عنك رغماً عني دونما
وداع .
دونما عناق و دونما ابتسام .
يا حبيبتي الصغيرة
لعلك تنتظرينني صباح كلّ يوم
لأنتزعك من سريرك
و أضمّك إلى صدري أو أدثّرك
بدثاري .
لعلك تنتظرين مساء كلّ يوم كما
عوّدتك و عوّدتني
أحمل إليك أكياس البمبا و
البسكويت .
أنا لم أنسَ ابتسامتك و أنت
تفترشين الأرض و تأكلين البمبا .
تهربين إليَّ و تلوذين بي كلما
ضايقك إخوانك .
لم أنسَ أني كنت لك الحصانَ و
كنتِ الفارس .
و لم أنس أول كلمة أفْتَرَّ
عنها ثغرك الباسم .
لعلك نسيتها ، نسيت كلمة بابا
.. بابا .
تلك الكلمة التي كان يطيب لي
سماعها من فمك الصغير بصوتك العذب .
لعلك نسيتها اليوم بعدما
أبعدوني عنك .
فأنت لم تتجاوزي العام و النصف
.
أو لعلك تذكرينها و لا تزالين
تردّدينها .
يا حبيبتي الحلوة.
لقد وصفني الأعداء بالإرهابي
.
و أنا لست أدري من الإرهابي .
أنا الإرهابي ؟! أم من فرّق
بين و بينك .
أنا يا ابنتي لا أهوى البعد
عنك و لا أحبه .
ليس الذنب ذنبي إذ ابتعدت عنك
.
لكنه ذنب الذي لا يعرف قلبه
الرحمة .
و لا تعرف مشاعره معنى الأبوة
.
و لا تعرِف عيونه الدموع لبكاء
طفل يبحث عن أبيه .
ذنب الذي يأمر جنوده بقتل
الأطفال .
ذنب الذي منعني من ضمّك إلى
صدري .
ذنب الذي مسح الابتسامة عن
ثغرك .
يا فلذة كبدي ، يا حبيبتي
.
أنا أعلم أن البالون لن يصل
إليك .
فدونه رصاص الجنود .
و دونه مدافع اليهود .
و دونه حدود و حدود .
فإن كُتِبَتْ له السلامة و
النجاة ..
و رأيتهِ يطير في جو الفضاء ..
و يحلّق في سماء بلدنا ..
و يمر فوق بيتنا..
أو سمعت في الأخبار عبر
الإذاعة و التلفزيون ..
إن أباك قد أُرسل لك بالوناً
..
و كتب عليه اسمك .
فاعلمي أني أحبك
و أني ما نسيتك
و أني مشتاق إليك .
و عسى أن نلتقي قريباً ..
والدك المحب المبعد :
غسان عيسى محمد هرماس
17/2/1993م
إلى أخي
الحمد لله رب العالمين و
الصلاة و السلام على رسوله الأمين .
الأخ الحبيب رعاك اللّه و
أيّدك و أراني وجهك عن قريب .
السلام عليكم و رحمة اللّه و
بركاته :
أنا لم أنسَ نظراتك إليَّ و قد
اقتادني الجنود أمامهم .
أنا لم أنسَ تلك النظرة
الساهمة المودّعة .
لم تنطق شفتاك و لم تقوَ على
النطق .
إذ منعت السلام و المصافحة
.
بكلّ حب ، بكلّ صدق ، كلّ دعوة
صالحة .
آه كم أتعبتك و كم أزعجتك .
لكنك كنت الأخ الأكبر دوماً
.
كنت الأكبر سناً و كنت الأكبر
فضلاً و مَنْزِلة .
فأنت الذي لم تنسني في كلّ
مرات اعتقالي .
أنت الذي كنت توكِل لي
المحامين .
و أنت الذي كنت تدفع لهم
المئين .
أنت الذي كان أولادي يرون فيك
شخصي .
أنا لم أنسكَ إذ كنت تحملهم في
سيارتك .
و لم أنسَك إذ كنت تضع اللقم
في أفواههم .
و تمسح الدموع من عيونهم و
الأحزان عن وجوههم .
و تضمّهم إليك إذ أبعدهم عني
..
و ترضيهم إذ أغضبهم …
و تعطيهم إذ أحرمهم …
و تضحكهم إذ أبكيهم .
أنا لا يمكنني أن أنسى عبد
اللّه و هو يتسلّل إلى أحضانك صباحاً .
فتضمه إليك و أنت تفطر فيفطر
معك .
و لا أنسى أولادي و هم يهتفون
كلما سمعوا بوق سيارتك .
عمي ، عمي ، أجا عمي ، أجا عمي
.
أنا أشهد أني قصّرت معك و لم
تقصّر
تقاعستُ و لم تتقاعس
و غضبتُ و لم تغضب
كنتَ الطاعم إذ جعتُ
و كنت الساقي إذ عطشتُ
و كنت الكاسي إذ عريت .
ما زلت أتخيّلك و أنت تتنقل
بين ضيوفي تكرِمهم و كأنهم ضيوفك .
و تطعمني و تطعمهم و أنت آخرُ
من يأكل .
و تضع اللقمة في فمي قبل أن
تضعها في فمك .
إن لم أعرِفك فعتبة داري و
درجات بيتي تعرفك .
تعرفك و تعرف خطواتك .
و أنت تزورني صباحاً و مساء .
في صحتي و في سقمي .
في لحظاتي كلّها .
حبات الدواء التي أسعفتني بها
كلّما مرضت .
و أبواب الصيدليات التي لا
أعرفها إذ كفيتنيها أيها الصيدلي .
تشهد لك يوم القيامة بأنك كنت
المتفضل دوماً .
و الأكبر دوماً ، و الأجود
دوماً .
في حِلّكَ و تَرحَالِك ، و
غيبتك و حضورك .
يقول لي صديق بأنك طيّب و
رجالك قيلي .
و حسبي بهذا فخراً أن كنتُ لك
شقيقاً .
تركت لك حملاً تحمله فوق حملك
.
و أعتذر لك عنه إذ كنت السبب
فيه .
و أعتذر إليك من ثقفه .
لكنك كنت الراعي الأمين و ما
زلت .
و الأخ الفاضل و لا زلت
.
أنا مطمئن غير قلق ،
و سعيد غير تعيس
فقد استودعتهم عند من لا تضيع
ودائعه (الله) .
و جعلتهم بعد ذلك في عهدتك
.
هذي خواطر اصطدتها .
و مشاعر سطّرتها .
و ضممتها إلى بعضها باقة ورد
.
و جعلتها رسالة لك .
فهي أصدق عندي من كلّ الرسائل
.
إذ كتبتها من قلبي و عواطفي
.
و دموعي و أحزاني .
أستسمحك أخي أن أمسح دموعي
.
و أُوقف سيل خواطري .
و أطوي صفحات مشاعري .
إذ أن ساعي البريد يستحثّني
.
و حتى نلتقي لك حبي و تقديري
.
أخوك المحب المبعد :
غسان عيسى هرماس
20/2/1993م
رسالة العيد
الحمد لله رب العالمين و
الصلاة و السلام على رسول اللّه
إلى أحبائي الصغار شقائق الروح
و فلذات الكبد بمناسبة عيد الفطر المبارك أسطّر هذه الرسالة .
هاهو ذا العيد يأتي .
و أنا بين صخور المرج قابع .
أذكر ابتساماتكم .
و أذكر فرحتكم .
أذكر حركاتكم و أصواتكم
و أذكر ثيابكم و أشكالكم
.
أذكر صلاة العيد .
و جلوسكم بجواري .
أذكر فرحتكم بالشواقل .
و فرحتكم باللعب .
أذكر أمّكم تقول لكم تعلّمكم :
سلّموا على أبيكم .
قولوا له : كل عام و أنت بخير
.
مبارك عليك العيد .
كيف أنسى قبلاتي و ضمّي لكم ..
و عطفي عليكم .
أنا لا أستطيع أن أنسَى تلك
العيون الزاهرة ،
و تلك الوجوه الفرحة المسرورة
بمسدسات البلاستيك الكبسولية ،
و عرائس البنيّات الجميلة .
أنا إن كنت في هذا اليوم سأنسى
ذلك .
فإنما أنسى نفسي و روحي
.
أنسى وجودي و كياني .
و ماضيّ و آمالي
أنسى الجزء المهم من حياتي
.
أنا في هذا العيد .
إن حبست دموعي فلأنني أحبكم
و إن كتمت أشواقي في صدري
فلأنني أحبكم
و إن دحرت ضعفي و أعلنت عزيمتي
فلأنني أحبكم
و لأنني أردت لكم أن تكونوا
أبناء رجل .
يستعلي على الطغيان .
و يكره الضعف و الأحزان
.
أنا إن لم أبكِ في هذا اليوم
.
مع علمي أنّ من البكاء ما هو
رحمة .
فلأنني أعلنت استعلاءً على
استعلاء .
وعزيمة فوق عزيمة .
و صبراً على صبر .
ما كنت لأبكي .
و ما كنت لأجبن .
و ما كنت لأعلن ضعفي و حزني .
فخلفي دينٌ
إن لم أحمله أَثمت .
و إن تركته جحدت نعمة ربي
عليَّ .
أنا أجزم بأن الألم في هذا
اليوم
يحز بقلبي و قلوبكم .
إذ أنا بعيد عنكم .
لا أقدر على ضمّكم .
و لا لثم أفواهكم .
و لا ملاعبتكم و مداعبتكم .
و لا شرائي الجديد من الملابس
لكم .
و لا أخذكم إلى بيت عمّتكم
.
كأني أراكم و قد احتفى كلّ
والد بأولاده .
و آنس كلّ صغير بأبيه .
كأني أرى في عيونكم دمعة
محبوسة .
حبسها الحياء من أترابكم .
أن يفضحوكم و هم لا يشعرون
.
و لو علموا حقيقة الأمر
لبكوا لبكائكم .
و حزنوا لحزنكم .
و للعنوا ألف مرة من أخرَج
أباكم .
كفكفوا الدموع أحبابي .
فما يليق بي الحزن و لا بكم
البكاء .
و سنلتقي يوماً بإذن الله ..
رغم الحدود .
رغم السدود .
و رغم آلاف اليهود ..
سنلتقي
لنمضي معاً إلى المسجد
مردّدين.
اللّه أكبر اللّه أكبر اللّه
أكبر ، لا إله إلاّ اللّه
اللّه أكبر اللّه أكبر و للّه
الحمد .
والدكم المبعد :
غسان عيسى محمد هرماس
23/3/1993
مسيرة اللّقاء
الحمد لله رب العالمين و
الصلاة و السلام على رسوله الأمين .
ترامى إلى مسامعي أنّ أبناء
المبعدين سيخرجون في محاولة لمقابلة آبائهم عبر رأس الناقورة و خلت أبنائي بينهم
فسَطرت هذه الأشواق و الخواطر
.
أعتذر إليكم يا أولادي
.
أعتذر إليكم إذ تتعبون
.
و إذ تشقون .
و إذ تسافرُون .
و أنا أعلم أَنَّه بيني و
بينكم حدود .
و أشواك و سدود .
و آلاف اليهود .
ها أنا ذا اليوم أسير .
تحت الشمس أسير .
علّي أراكم .
أسير و أجزم أنّي لن أراكم
.
غير أني سأقف فوق جبال الجنوب
.
أنظر نحو فلسطين .
نحو الجليل و المَطَلَّة
علّي أراكم
أرى حافلاتكم
أرى ثيابكم
أرى شخوصكم .
أرى أيديكم تُلَوِّح لي .
تشير لي : أنا هنا يا أبي
.
أرى عيونكم.
تتلفت يمنة و يسرة .
علّها تحظى بنظرة من أبيكم
.
أو بإشارة منه
وا .. لهف نفسي .
إذ ترجعون و أرجع و لا نلتقي .
وا .. لهف قلبي .
إذ يمنعكم اليهود و الجنود
.
أن تركضوا نحْوي .
أن تنادوني باسمي .
أن تقولوا بابا نحْن نحبك .
وا .. حسرتاه
إذ تمنعني الحدود
و الرشاشات و الجنود .
أن أضمّكم إلى صدري
أن ألثم وجناتِكم.
و أبكي فرحاً بكم .
أنا أعلم أنّهم سيمنعوني من
رؤيتكم .
و سيتحجّجون لكم بالأعذار
.
و يقولون لكم :
كنا سنسمح لكم لو كنتم تحملون
تأشيرة دخول .
و أقسم أنكم لو حملتموها
لتعللوا بعشرات الأعذار .
لا تألموا إذا علمتم أنكم
سترجعون
لا تحزنوا إذا منعتم من الدخول
.
فأنا فرح بكم .
فرح بقدومكم .
فرح إذ تجاهدون و تسافرون
و إذ تتعبون و تنصبون
و أنتم تصنعون تاريخاً للأمة
.
و تبنون مجداً لبلادكم لا يزول
.
صغاري
كبار أنتم إذ تصنعون تاريخاً
عظماء أنتم إذ تبنون مجداً
أعتذر إليكم .
إذ ولدتكم للهموم و الغموم
.
في زمن الرويبضات .
و الشقاء و النحوس .
في زمن المساومات و المفاوضات
.
لا تحزنوا .
فإني سألت اللّه إذ أنجبتكم
.
أن تكونوا عدّة الحاضر
.
و أمل المستقبل .
و الله يحفظكم .
و يتولاكم بعنايته ..
والدكم المبعد :
غسان عيسى محمد هرماس
25/3/1993م
إلى الزوجة الغالية
الحمد لله رب العالمين و
الصلاة و السلام على رسوله الأمين .
إليك أيتها الزوجة الغالية .
أسطّر السطور .
و أكتب الحروف .
و أبعث باقات وردٍ
من مرج الزهور
أعيش الذكريات
و أصطَاد الخواطر
أحَيَّي الرسائل
و أشتم أريج الورود
تحمله نسمات الربيع
فلعله بعض عبير
ورود حديقتنا
حيث أنت
أنا ما نسيت الوَّد الذي
تعرفين
و لا هجرت البيت الذي تسكنين .
و لا بحثت عن سلوى في دروب
العاشقين .
فأمري أعظم مما تظنّين .
أنا مسلم أعلنت إسلامي
.
و سللت ضعفي من فؤادي و وجداني
.
و أعلنت التحدي لكلّ كفارٍ و
خوّان .
لا تلوميني/ إذ أعلنت التحدي .
على سجّاني و قيدي .
و رَفضت كل أنصَاف الحلول
و قلت :
دون رباك يا فلسطين حتفي .
لا تلوميني .
فأنا ما خنت قضيتي ،
و لا تاجرت بعروبتي .
و لا فرّطت بشبر
من مسرى النبي .
لا تلوميني / فقد أعلنتها
للمحقّق .
صريحة غير خافية .
أني أُريد بلادي كاملة
.
و أنني أريدها هي
لا أريد بلاداً ثانية .
زوجتي الغالية
أنا ما ابتعدت بخاطري .
و لا سعيت خلف دنيا مغرية
.
و متعة زائلة .
و فرش وثيرة .
و أموال وفيرة .
و لكنني أبْعِدْتُ و لم أبتعِد
و نُقلتُ و لم أنتقل .
و هُجِّرتُ و لم أهاجر .
و نُفيتُ و لم أنْفِ نفسي .
لم يكن لي اختيار .
و أي خيارٍ لمعتقل
بين الحراب و الرشاشات
.
و أي خيارٍ
لمعصوب العينين
مقيد اليدين و القدمين
.
ما كان لي أن أفارقكم .
و ما كان بودي أن أترككم
.
و لكنكِ تذكرين.
أنني أُنتزِعْتُ انتزاعاً
و أخرِجتُ إخراجاً
و أُبعِدتُ إبعاداً
و على بعد المسافات و طول
السفر .
سطّرت رسالتي على ضوء القمر
.
حمّلْتها خواطري .
و أشواق صدري المستعر .
و رجوت أن تحظى منك
بأجمل ردّ .
زوجك المحب المبعد :
غسان عيسى محمد هرماس
10/4/1993م
إلى صهري العزيز
صهري العزيز الغالي
كنت أودُّ أن أراكَ
قبل مسيري هذا
بعدما بلغني أنك ستأتي .
و لقد انتظرتك و لم تأتِ.
و اليوم أسير و لم أركْ
.
فإن كتب اللّه عليّ الموتَ
.
فأسأله أن تكون شهادة
و أسألك أن تدعو لي .
و إنْ تكن الأخرى
فعسى أن نلتقي .
و أستودعك الله .
و السلام عليكم و رحمة اللّه
صهرك و أخوك المشتاق :
المبعد غسان عيسى محمد هرماس
16/4/1993م
إلى طالبات مدرسة رياض الأقصى
الإسلامية الثانوية للبنات - صور باهر
بناتي العزيزات .
الآنسات المؤنسات
الغاليات الغاليات
إليكن أخط الكلمات
و أُرسل التحيات
من والدٍ عاش بين بناتهِ
يحنو عليهن .
يعلّمهنّ .
يرفق بهنّ .
يؤدبهنّ .
يَرَاهُنَّ الكون كلّه
.
يَرَاهُنَّ المستقبل و الأمل
.
بناتي الغاليات .
عشت بينكن .
أحب لَكُنَّ الخير كلّ الخير .
و أكره الإسفاف .
أكره الحقير مِنَ الأمور .
أكره التبذّلَ و السفور.
عشت بينكنّ .
أَنظر إليكنّ كما أَنظر لبناتي
لهاجر و صفيّة
كم حملت همومكنّ معي إلى بيتي
.
كم استشرت في شأنكنّ زوجتي
.
كم حزنت لحزنكنّ .
و كم مقتّ نفسي لإغضابي بعضكن
.
تالله ما بخلت لَكُنّ بالنصيحة
.
و ما كتمتها إذ عرفتها
.
أردت لكنّ الخير
وأردت لكنّ الصلاح
و الفلاح .
و اليوم أكتب إليكنّ و أنا
بعيد
لا أعلم من أخباركنّ شيئاً .
خواطر تزورني .
و هواجس تقتحم عليّ غربتي
.
تسُرني تلك الذكريات .
و أنا بينكنّ أهمس في آذانكن
بكل نصيحة صادقة
أطوف على الصفوف
صفاً صفاً .
أقتحم الأبواب
لأستجلي الأخبار .
فلعل فيكن حزينة .
أو كسيرة خاطرٍ .
أو كسولة .
أذرع الساحة جيئةً و ذهاباً .
أعدّ الجداول .
و أحمل المقاعد .
و أنا رغمَ التعب
مسرورٌ مسرور .
وتكاد تقتلني هواجس
إذ أراكن فيها تعيسات
عن الإسلام بعيدات
و للصلوات تاركات
تائهات مستهترات .
و يمسح أحزاني
علمي بأنكنّ فاضلات بنات
فاضلات
مجتهدات غير كسولات
مصليات عابدات
محتشمات غير سافرات
مؤدّبات غير عاصيات
أنا سعيد رغم البعد
و يزيد سعادتي
أني والد لمثلكن
و أنكن بنات لمثلي
و مع الاعتذار و الموّدة
والدَكُنّ المبعد :
غسان عيسى محمد هرماس
23/4/1993م
مسيرة الأكفان
أسير نحو زمريا و أخط هذه
السطور إلى أهلي الأحبة
و لست أدري فلعلها الرسالة
الأخيرة ، و لذا فقد
حمّلتها همومي و خواطري و
هواجس نفسي .
أهلي الأحبة .
من معبر زمريا أكتب إليكم
.
من وسط مسيرة الأكفان أقول لكم
.
أنا ما سلكت طريقاً لا أعرف
آخره
و لا أقحمت نفْسي خطراً أجهله
.
أنا إن رزِقت الشهادة فلست
بنادم
بل أنا إليها ساعٍٍ و عازم
أنا إنْ لبست الكفن.
و أعلنت الحرب على الوثن
.
و قررّتُ المسير
نحو أهلي و الوطن .
فلا تحسبوني
قد سلبت عقلي .
و سرت نحو حتفي .
و أهلكت نفسي بنفسي .
فلست بالمغامر دون تدبّر .
و لا بالذي يسيرُ و لا يدري
إلى أين المسير .
أنا يا قوم مسلم
أفهم الحقيقة الحقيقة .
و أدرك التواطؤ و المؤامرات
الحقيرة .
و أحسب ألف حساب
مع الجموع
و حبذا هذي الجموع
جموع المبعدين الرافضين لكلّ
أصناف الخضوع .
أهلي الأحبّة .
لأنّ المكر المكر عظيم .
و التآمر خطير .
كان لا بدَّ مِنَ المسير .
علّنا بموتنا نوْقظ أحاسيس
ميتة ،
لأمة استطابت الخنوع
و استمرأت الهوان.
سنلقي بأنفسنا
في أحضان الموت
لنصنع حياةً للأموات
فإن نَمُت
فتلك شهادة طالما تمنّيناها
و إنْ تكن حياة
فحسبنا
أنّا بذلنا جهدنا
و جهدنا في نصرة ديننا
و الله غالب على أمره
إبنكم المبعد :
غسان عيسى محمد هرماس
16/4/1993م
رسالة إلى المسجد الأقصى
يا مسجدي المحزون ،
في ذكرى ضياعك
أرسل لك هذه الرسالة
بعدما ضمّنتها اللواعج و
الخواطر .
و الآمال و الآلام .
و الأنين و الحنين.
فأنا لم أنسكْ.
و هل يحقّ لمثلي أن ينسى مثلكْ
فأنت أنت الوحيد
و أنت أنت الفريد
و أنت بعد أخويك لنا عيد .
أنا يا مسجدي الحبيب
من خضّبَ ترابك جبيني .
و من كان شوقي إليك دوماً و
حنيني
و كنت ملء سمعي و عيوني
لا تلمني إن سكبت اليوم الدموع
و انطوت منّي على الشوق الضلوع
.
و أصبحت أذوي كما تذوي الشموع
.
لطالما حملت زوجتي و أطفالي
إليك
يسرحون و يمرحون في دروبك
و على مصاطبك و ساحاتك .
و لطالما حملت طالباتي إليك .
يؤدّين الصلوات .
و يسمعن المحاضرات .
ثم يرجعن إلى مسكنهن فرحات
مسرورات .
لله درّ تلك الليالي الغاليات
.
ليالي الصيام و الطاعات
.
ليالي الإفطار الجماعية
.
و الركعات الطويلات الرائعات
.
لله درّ تلك الجمعات الغرّاء .
و تلك الليلة الزهراء .
ليلة القدر و الخير و السَّناء
فيها الألوف المؤلفة .
الصفوف المرصوصة .
و الأكف المرفوعة الضارعة
.
تسأل المولى أن يَحْميكْ
و أن يرفع الأذى عنك و عن
محبّيك .
في نواحيك كانت لي ذكريات
و صلوات و دعوات
و في أرجائك كانت قصص و حكايات
و أحداث جسام داميات
فقبّتك تذكّر بأمجاد الملوك
الأمويين .
و منبرك يعبق بأريج صلاح الدين
.
و تحت قبتك النحوية كان
يُدَرِّس أبو حامد حجة الإسلام
و الدين .
و على ثراك شهداء ماتوا و هم
يدفعون عنك رجس اليهود .
و طمع اليهود .
و مكر اليهود .
أمجاد عظيمة عظيمة
و ذكريات حديثة قديمة .
تشينها في زماننا الحقيقة
الحزينة ،
حقيقة الضعف
و الجبن
و الهزيمة .
و ها أنا اليوم عنك بعيد
.
يمنعني من الوصول إليك اليهود
.
و أستارٌ من الحجارة و الحديد
.
غير أن شوقي إليك في كلّ يوم
يزيد .
فلا تلمني و ليس مثلك من يلوم
.
فأنا في غرْبتي
أحمل الهموم و الآلام و الشجون
و يشفع لي عندك
أنني لك محبْ .
و أنك عندي في سويداء القلبْ .
و حتى يأذن اللّه بالإيابْ
.
و العودة بعد طول الغيابْ .
لك مني التحية و السلامْ
.
و الدعاء لك بطول الحفظِ و
الدوام .
خادمك المبعد :
غسان عيسى محمد هرماس
5/6/1993م
|