|
الفصل الأول
المرتكزات العنصريّة للفكر الصهيوني، وتجلياتها الإرهابيّة
الصهيونية دعوة وحركة عنصرية -
دينية استيطانية إجلائية، مرتبطة نشأةً وواقعاً ومصيراً بالإمبريالية العالمية،
تطالب بإعادة توطين اليهود وتجميعهم وإقامة دولة خاصة بهم في فلسطين بواسطة الهجرة
والغزو والعنف كحلّ "للمسألة اليهودية".
والكلمة نسبةً إلى صهيون،
اشتقها "ناتان برنباوم" (1890) ليصف بها تحوّل تعلّق اليهود بجبل صهيون وأرض فلسطين
من البُعد الديني "الماشيحاني" القديم إلى برنامج سياسي استعماري إقليمي يستهدف
"عودة الشعب اليهودي" إلى فلسطين.
تأثر العديد من المفكرين
اليهود بالنزعة القومية العنصرية التوسعية التي سادت أوروبا في القرن التاسع عشر،
مثل هيرش كالبشر (1795-1874) في كتابه "البحث عن صهيون" وموسى هس
(1812-1875) في كتابه "روما والقدس" وليوبينسكر (1821-1891) في
كتابه "التحرير الذاتي" وتيودور هرتزل (1860-1904) في كتابه "الدولة اليهودية".
لا يدخل في عداد هذا البحث
التأريخ للحركة الصهيونية وإنما تسليط الضوء على المرتكزات والمكوّنات العنصرية-
العقيدية للفكر الصهيوني، والممارسات الإرهابية التي تستقي مفرداتها وأساليبها من
تلك المنابع، أو المتفرعة عنها، كنماذج من شأنها إبراز الطبيعة العدوانية- الفاشية
لهذه الأيديولوجيا (1)، وخطورة أعمالها وسياساتها الاستيطانية، الإحلالية -الحاقدة،
ليس على الشعب العربي وحسب، بل على شعوب كثيرة في العالم. فالصهيونية بدلاً من أن
تحلّ ما سُمّي بـ "المشكلة اليهودية" خلقت ما يمكن تسميته "المسألة الإسرائيلية"،
التي أصبحت تشكّل عبئاً ماديّاً ومعنوياً ونفسياً كبيراً على اليهود. ونشير في هذا
السياق إلى قرار الأمم المتحدة الصادر في العاشر من تشرين الثاني 1975 باعتبار
الصهيونية شكلاً من أشكال العنصرية والتمييز العنصري، وضرورة معاملتها العالمية"،
ودعا في نهاية السبعينيات إلى التخلّي عن الصهيونية كحلّ للمشكلة (الإسرائيلية)
(2).
فالصهيونية أكثر من قضية
سياسية أو ثقافية، إنّها أيديولوجية استغلت الأفكار الدينية، الأفكار الراسخة في
العقل الجمعي والمخيال العام لليهود، ومن السهل تحريكهم عن طريق ذلك الموروث. حيث
ثبت عملياً أنّ القوى الصهيونية بتياراتها وفرقها المختلفة أدركت أهمية العقيدة
الدينية، واستثمرت عناصرها لأبعد الحدود. فالدين هنا
يساهم في تدعيم البنية الروحية -الذهنية لعامة الناس، وأداة لخدمة الاستراتيجية
الصهيونية الشاملة.
وعند صدور قرار الأمم المتحدة،
الذي يدين الصهيونية بوصفها شكلاً من أشكال العنصرية، هبّ زعماء اليهود في مختلف
أنحاء العالم لمجابهته، مدّعين بأنه "إعلان للحرب من جانب الأمم المتحدة على الشعب
اليهودي واليهودية".
وممّا قالوه فيه: "إنه ليس
موجّهاً ضدّ الصهيونية وحدها. إنه موجّه ضد الشعب اليهودي، ضد اليهودية، لأنه ليس
هناك من فرق بين الصهيونية وبين اليهودية"(3).
فالواقع أنّ اليهود بغالبيتهم
يعتقدون، كما يقول الكاتب اليهودي المعروف نعوم تشومسكي، بأنه "لا يمكن أن تكون
هناك أمّة، أو دولة (إسرائيل)، بمعزل عن الشعب اليهودي. لأن الشعب اليهودي يتألف من
اليهود المقيمين في (إسرائيل)، ومن يهود المنفى أيضاً"(4).
ونشر المؤتمر اليهودي الأمريكي
إعلاناً في صحيفة "نيويورك تايمز"، تضمّن عبارات مثل: "نحن
فخورون بأننا يهود. نحن فخورون بأننا صهيونيون"(5).
ثم عقد مؤتمر "مؤتمر أورشليم
لوحدة الشعب اليهودي" يوم 3/12/1975 في "الكنيست الإسرائيلي"، شارك فيه 170 من
زعماء اليهود في العالم، ألقى فيه رئيس "دولة إسرائيل" أفرايم كاتسير، كلمة قال
فيها: "إنّ هذا المؤتمر يشكّل رمزاً لوحدة إسرائيل واليهود والصهيونية"(6).
وقبل ثلاثة عقود كان الحاخام
يهودا ماغنس (7) قد أشار إلى هذه الوحدة في معرض تعليقه على جرائم الإرهابيين
الصهاينة في الأيام الأولى من عمر الكيان الصهيوني، بقوله: "من السهل طبعاً أن نتهم
الصهيونيين الإرهابيين بأنهم وحدهم المسؤولون عن هذه الجرائم الوحشية التي ارتكبت
في الأرض المقدّسة. ولكن من هو المسؤول عن هؤلاء الإرهابيين؟ إنّ كلّ يهودي منّا
يحمل نصيباً من المسؤولية. فمن السهل أن يتبرّأ كل يهودي من الصهيونية عند اللزوم،
لكن كل يهودي في الواقع يُعَدّ مسؤولاً عن وجود الصهيونية نفسها". وأضاف ماغنس:
"كيف نعفي من المسؤولية اليهود الذين يشتركون في خمسة آلاف جمعية يهودية في
الولايات المتحدة، وكلّها تجمع التبرعات (لإسرائيل)؟ كيف نعفي من المسؤولية يهود
العالم الذي لا يقولون كلمة واحدة ضد الصهيونية، ولا يبذلون أي مجهود حقيقي
لمحاربتها؟ وأنهى تعليقه بقوله: "إنّ اليهودي الصهيوني، واليهودي الذي يسكت عن
الصهيونية، هما شيء واحد، أشبه ما يكون بالعملة النقدية ذات الوجهين"(8).
وبرأي بن غوريون، فإن
"الصهيوني هو اليهودي الذي يحسّ ويعترف بأنه يعيش في منفى، إذا كان من مواطني أي
بلد غير (إسرائيل)، ولذلك يقرّر العودة إلى جبل صهيون" (9).
والواقع أنّ كلّ يهودي أو غير
يهودي يؤمن بضرورة استمرار وجود "دولة إسرائيل"، ويساعدها بأي شكل من أشكال
المساعدة، هو صهيوني، حتى وإن بقي في بلده: إنجليزياً
كان أم فرنسياً أم ألمانياً أم أمريكياً.. الخ.
كما أنّ هناك ترابطاً عضوياً
لا تنفصم عراه بين كلّ من اليهود والصهيونيّة و(إسرائيل).
فاليهود يعدّون أنّ كلّ يهودي في العالم هو جزء منهم، وأن لا
فرق من الناحية القومية، بين اليهود الذين يعيشون في (إسرائيل)، وبين اليهود في
أمريكا أو روسيا مثلاً، فالدين اليهودي بالنسبة إليهم يُعَدُّ عنصراً أساسياً في
القومية، خلافاً لكلّ النظريات والدراسات والأبحاث، التي أجمع عليها العالم كلّه في
هذا السياق.
والصهيونية تهدف إلى تطبيق
التعاليم اليهودية، وتلتزم بالطابع الديني للدولة اليهودية، وتؤمن عموماً بأنّ
الدين هو الدافع الأول لخلق الدولة اليهودية.
فالدين في نظر المفكرين اليهود
والصهاينة، "هو الأساس الذي تقوم عليه الأيديولوجية أو القومية اليهودية" (10) كما
يقول البروفسور إسرائيل شاحاك- وهو القاسم المشترك بين
اليهود، الذين يضمن "نقاءهم العنصري وولاءهم القومي" الأمر الذي عبّر عنه البروفسور
يعقوب تالمون، أستاذ التاريخ في الجامعة العبرية، بقوله: "إنّ
الكنيس اليهودي هو وحده محور الهويّة الذاتية في دول الغرب" (11).
و(إسرائيل) تربط كيانها
السياسي بالدين، وتجعل من الدين أساساً لوجودها وحجّة في اغتصاب الأرض ومن ثم
استملاكها. فقد حُدّدت أهداف الدولة في "إعلان
الاستقلال" بما يلي:
"دولة (إسرائيل) ستكون مفتوحة
أمام الهجرة اليهودية ولجمع الشتات وستعمل على تطوير البلاد لصالح كافة سكانها".
كما جاء في البند الأول من "قانون العودة" لسنة 1950 ما يلي: "
يحقّ لكلّ يهودي أن يهاجر إلى إسرائيل وأن يستقرّ بها". فالهدف
الرئيس من إقامة (إسرائيل) هو جعلها دولة لليهود المقيمين فيها أو في أي مكان آخر
في العالم، ولكل يهودي في العالم الحق في المجيء إلى (إسرائيل) ونيل الجنسية
(الإسرائيلية).
وقد ألغى القانون الأول الذي
أصدره مجلس الدولة جميع الأنظمة التي كانت تحدّ من دخول اليهود واستيطانهم في
فلسطين، وأعطيت المواطنة الشرعية لكل يهودي داخل فلسطين قبل قيام (إسرائيل)، وفتحت
أبواب فلسطين لدخول اليهود، وألغيت جميع القيود القانونية على تملكهم الأرض
الفلسطينية. وقد فرضت هذه القوانين على جميع المناطق الفلسطينية التي سقطت تحت
الاحتلال، بما فيها المناطق الخارجية عن حدود الدولة اليهودية المبينة في خريطة
التقسيم.
وفي الأعوام الأولى لقيامها،
سنّت (إسرائيل) القوانين اللازمة لتثبيت كيانها وخدمة أهداف الحركة الصهيونية
والهجرة اليهودية، ونزع ملكية العرب الذي غادروا البلاد وأصبحوا لاجئين، وتقليص
ملكية العرب الذين صمدوا في أرضهم تحت الاحتلال.
ومن أهم هذه القوانين: قانون
العودة لسنة 1950، قانون أملاك الغائبين لسنة 1950، قانون أملاك الدولة لسنة 1951،
قانون الجنسية لسنة 1952.
وبمرور السنين، تقلّصت وأبطلت
القوانين العثمانية والإنكليزية (الانتدابية)،وازداد الاعتماد على مفاهيم
و"تقاليد""الشرائع" اليهودية القديمة(12).
وبناء عليه، فإنّ (إسرائيل) هي
تجسيد جزئي للمشروع الصهيوني، الذي لم يستكمل بناءه الذاتي النهائي، ولم تصل إلى
حدودها "التوراتية" المزعومة بعد وفي تصريح لرئيس الحكومة (الإسرائيلية) بنيامين
نتنياهو حول هذه المسألة قال "إنّ حدودنا النهائية حيث يقف الجنود الإسرائيليون
ومنابع المياه".
من هنا فإنّ (إسرائيل) كيان
سياسي استيطاني- عنصري، بجميع الخصائص والسمات الجوهرية
لمعنى الاستيطان العدواني والعنصرية الشوفينية. ولأنّ الصهيونية طرحت نفسها بصفة
"حركة تحرر قومي" لما أسمته "الشعب اليهودي"، فصنيعتها أو ثمرتها -إسرائيل- ورثت
هذا الدور والأيديولوجيا، وبالتالي حدّدت نفسها "دولة يهودية" في "إعلان الاستقلال"
(4 أيّار مايو 1948). وبهذه الصفة، وعلى أرضية الواقع اليهودي القائم، فإنّ
(إسرائيل)، وعلى أرضية الواقع اليهودي القائم، فإنّ (إسرائيل) هي الدولة الوحيدة في
العالم التي لا تنظر إلى نفسها، بحسبانها ممثّلة للمستوطنين فيها فقط، وإنّما
بوصفها دولة الشعب اليهودي كلّه في بقاع العالم بأسرها.
ووفق "قانون العودة"
الإسرائيلي، يمكن لأيّ يهودي اكتساب الجنسية في (إسرائيل) بمجرّد الهجرة إليها
بنيّة الاستيطان. ولأنها تمنح هذا الحقّ لليهود حصراً، وتحجبه عن سواهم، بمن فيهم
أهل البلد الأصليين -الفلسطينيون- وتميز ضدّ من وقع منهم تحت احتلالها، فإنّ
(إسرائيل) تُعدّ في الأعراف الدولية السائدة دولة عنصريّة، الأمر الذي أقرته
الجمعية العامة للأمم المتحدة في قرارها رقم 3379 لعام (1975)،
الذي يحدّد صراحة "أنّ الصهيونية هي شكل من العنصرية والتمييز العرقي . فالتزام
(إسرائيل) بالصهيونية، وبالتالي بيهودية الدولة، وعليه بالتمييز العنصري ضد غير
اليهود فيها، راسخ إلى درجة منع طرحه للمناقشة في المؤسّسة (الإسرائيلية) الحاكمة،
وذلك بموجب قانون أقرّه "الكنيست" (البرلمان) سنة 1985، يحظر طرح مشاريع قوانين
"تنفي وجود إسرائيل كدولة للشعب اليهودي". وانطلاقاً من المبادئ الصهيونية التي
تعتمدها (إسرائيل)، يعدّ الحكمُ فيها الأرضَ ملكاً جماعياً لما يسمّيه "الشعب
اليهودي" وصاية الدولة أو "الصندوق القومي اليهودي"، وهما معاً يسيطران على نحو 92%
من الأراضي الفلسطينية التي تم الاستيلاء عليها حتى نهاية 1948.
وحكومة (إسرائيل) الأولى (المؤقتة التي ألفت فور إعلان الاستقلال سنة 1948)، لم تكن
سوى "الوكالة اليهودية" (فرع فلسطين) بمختلف مؤسّساتها، مع تعدّد التسميات
والعناوين.
والكيان اليهودي الذي أقامه
الصهاينة في أرض فلسطين يستند واقعاً وديماغوجياً (دعاويّاً، تضليلياً) إلى مجموعة
من المرتكزات الدينية والعنصرية، والتزييف التاريخي الصريح والمكشوف. فهذا الكيان
تجمعه رابطة أساسية هي الديانة اليهودية بفرقها وطوائفها ومذاهبها المختلفة،
ويوحّده اعتقاد اليهود بأنهم يشكلون عنصراً جنسياً متميزاً. أمّا التاريخ فقد
"أعادوا كتابته" لينسجم مع تلك الأكاذيب والأضاليل، بحيث يسهم في ترسيخ القناعات
بأنهم إنّما ينفذون ما أملته عليهم الأحداث، وبذلك "يستعيدون حقوقهم التاريخية"
التي سلبها "الأغيار". وهذه العوامل أو المرتكزات الثلاثة مترابطة، فعنصرهم
"المتميّز" حدا بالإله "اليهودي "يهوه" كي يختارهم شعباً خاصاً به فهو "إلههم"
وحدهم، وهو الذي حدّد لهم شريعتهم" وطقوسهم وخرافاتهم وفحشهم وعدوانيتهم، وهو الذي
جعل من نصيبهم "أرض الميعاد"!!
والواقع أنّ الولاء للدين
والطقوس و"الشريعة" هي العناصر التي تجمع بين اليهود، في الظاهر على الأقل، وحجّة
الآخذين بهذا الرأي تقوم على العناصر التالية (14):
1/ إنّ الحقّ التاريخي الذي
يخوّل اليهود الاستيلاء على فلسطين، يستمدّ مقوماته الجوهرية من الديانة اليهودية.
2/ إنّ البقاء اليهودي عبر
العصور هو أشبه بالمعجزة، أو الأعجوبة، التي لا يمكن تفسيرها إلا على أساس الدين،
الذي يُنظر إليه وكأنه قادر على التعويض عن غياب جميع العوامل الأخرى لحفظ التلاحم
"القومي" اليهودي. وبهذا الصدد يقول أحاد هاعام: "لقد كنّا يهوداً لمدة ثلاثة آلاف
سنة لأنه لم يكن بوسعنا أن نكون شيئاً آخر، ولأنّ قوة جبارة تربطنا بالديانة
اليهودية وتفرض نفسها على قلوبنا، ولأنّ الديانة اليهودية تعيش فينا جنباً إلى جنب
مع جميع الغرائز الطبيعية التي تنمو في الإنسان منذ ساعة ولادته"(15) .
3/ إنّ مبرّر وجود (إسرائيل)،
لا بل "حقها في الوجود" يزعمون أنه مُستَمدٌّ من الدين(16).
وإذا ما كانت إسرائيل قد أسّست
من أجل يهود العالم. وإذا ما كانت غايتها لم شمل اليهود الذين تنتظمهم ديانة
مشتركة، فهل يمكن فصل فكرة الوطن اليهودي عن الدين اليهودي؟"(17)، كما يتساءل أوري
أفنيري.
والحقيقة أنّ اليهود لا
يشكّلون أمةً واحدةً، ولا يُكوّنون مجموعة قومية أو عرقية، وليس هناك تركيبة إثنية
يهودية، ولا وجود لجنس يهودي متميّز، وإنّما هم عناصر بشرية تنتمي إلى جميع
الأجناس، من أوروبا إلى أمريكا إلى آسيا وافريقيا. وليس لهم لغة واحدة، بل يتكلمون
لغات الشعوب التي يعيشون بين ظهرانيها. وليس لليهود
عادات مشتركة وتاريخ مشترك، فسلوكهم يعكس تقاليد وعادات المجتمعات في أوطانهم
الأصليّة. و"الدولة اليهودية" القديمة، التي يشيرون إليها باستمرار لم تدم أكثر من
78 عاماً في عهدي داود وسليمان، وفي رقعة لا تتجاوز عشرة أميال مربعة (18).
علماً أنه ظهرت في الآونة الأخيرة دراسات وأبحاث لمؤرخين
إسرائيليين تشكّلت جذرياً بصحة تلك المزاعم.
وكان قد عبّر عن هذا الرأي
الوزير اليهودي في الحكومة البريطانية، السير أدوين مونتاجو، في مذكرة رسمية قدّمها
إلى حكومته بعد إصدارها تصريح بلفور، بقوله: "لا توجد أمة يهودية. إنّ أفراد أسرتي
مثلاً الذين عاشوا في هذا البلد (بريطانيا) عدّة أجيال، لا يربطهم بأيّ أسرة يهودية
في أي بلد آخر أي اتفاق في رأي أو رغبة. ولا يجمعهم بها أي شيء آخر أكثر من كونهم
يعتنقون بدرجات متفاوتة الديانة نفسها. ولا يصح القول إنّ اليهودي في إنجلترا
واليهودي في المغرب ينتميان لأمة واحدة. كما لا يصح القول إنّ المسيحي في إنجلترا
والمسيحي في فرنسا ينتميان لأمة واحدة" (19).
فالكيان الصهيوني، الذي أوجدته
القوى الاستعمارية الكبرى في أرض فلسطين، يحمل في تركيبته الأثنية- القومية كل
الخلافات العرقية. فما الذي يجمع قومياً اليهودي الروسي والألماني واليهودي المغربي
واليهودي الأمريكي واليهودي الأثيوبي مع اليهودي الفرنسي.. الخ؟!
الصهيونية بأحابيلها ودسائسها
وتضليلها ومزاعمها ساقت الأفراد اليهود باسم "العودة إلى أرض الميعاد"، وباسم
"الخلاص" و"التحرّر" من الاضطهاد وأوضاع "الجيتو" وتحت عنوان الهروب من "العداء
للسامية" والتمييز العنصري إلى فلسطين بدعم مباشر من الدول الغربية الكبرى.. فجلبت
إلى هذه الأرض العربية ملايين اليهود، الذين ينحدرون من مائة وخمسين بلداً، وينتمون
إلى أكثر من ثمانين شعباً ولغة. ويتوزعون على اتجاهات فكرية وثقافية تتجاوز خمسين
اتجاهاً متناحراً.
واليوم بلغت الصراعات ذروتها،
كالصراع بين الدينيّين والعلمانيّين، والصراع الطائفي والثقافي بين "الاشكنازيم"
و"السفارديم" والمهاجرين الروس والإثيوبيين والصراع بين العقائد والتقاليد المبنية
على الأساطير والموروث الجماعي من جهة، والتيارات والقوى السياسية البراغماتية من
جهة أخرى، والصراع بين "مركزية الشتات" و"مركزية إسرائيل"، وغيرها. حيث أدّت هذه
الصراعات إلى تفتت البُنية الاجتماعية -الثقافية والسياسية (الإسرائيلية) بين
ثقافات وطوائف وقوميات ومواقف واتجاهات وقوى متصارعة حول ماهية "هويّة الدولة": هل
هي كنعانية؟ أم يهودية دينيّة؟ أم يهودية علمانيّة؟ أم صهيونية؟ أم (إسرائيلية)؟ أم
"صبّارية" عبرانية؟.. (فإسرائيل) المصطنعة تعيش إشكالية "اليوم السابع"، إشكالية
الهوية التي لم تحسم بعد، ولن تحسم في المدى الزمني المنظور(20).
فالرابطة الدينية بقيت وحدها
التي تجمع، أو تحاول أن تجمع، في ما بين اليهود. مع أنّ ساحة الدين اليهودي، خصوصاً
في (إسرائيل) أصبحت هي الأخرى في وضع صراعي محتدم، لا يقلّ تنافراً ومواجهات
واتهامات متبادلة عن الساحتين الاجتماعية والسياسية -الثقافية (21).
وإذا كان الصهيونيون
المتدينّون لم يتمكنوا بعد من إقامة الدولة اليهودية الدينية، كما كانوا يأملون
ويسعون، حيث أنّ أكثرية يهود (إسرائيل) هم من العلمانيّين، لكنهم استطاعوا تثبيت
قاعدة من مفاهيمهم وتصرّفاتهم وطقوسهم في واقع الصهاينة و (الإسرائيليين) وفي
وعيهم، حتى وإن لم يكونوا معتقدين بتلك الشعائر والمفاهيم. ويبرز هذا التأثير قوياً
في مجالات التربية والتعليم والثقافة على الأقل. ومن أبرز تلك المفاهيم، القول بـ
"العلاقة التاريخية بين اليهود وبين أرض إسرائيل"، الذي أصبح جزءاً لا يتجزأ من
الوعي الصهيوني، متديناً كان أم علمانياً، ونقطة الانطلاق العقائدي الصهيوني
المحورية التي لا تقبل المناقشة.
ومن الواضح أن ترسيخ مثل هذه
المفاهيم يلعب دوراً بالغ الأهميّة، في دعم التطرف والتصلب والإرهاب الصهيوني. وهم
يزعمون - في هذا المنحى - أنّه إذا كانت "أرض إسرائيل" "ملكاً"
لليهود، وعلاقتهم بها "تاريخية" و"أزلية" و"ربّانية"، مستمدة من اللّه والتوراة،
فلا يجوز مطالبتهم بالانسحاب من أجزاء منها. وبالتالي فإنّ كل مطلب من هذا القبيل،
هو -بحسب أضاليلهم- عمل "غير أخلاقي" (22).
فالتراث اليهودي يشكّل المنبع
الرئيس لمكوّنات الوجدان الصهيوني المعاصر، الذي تأثر به تأثراً عميقاً، ووظّفه
مفكّرو الصهيونية وروّادها وقادتها ليصبّ في أهدافهم العنصرية الكبرى. ولذا فإنّ
العلاقة بين اليهودية والصهيونية علاقة عضوية. حيث أنّ الاهتمام الصهيوني-
(الإسرائيلي) باليهودية لا يعني البحث الحقيقي عن مُثل أو قيم روحية- أخلاقية قد
توجد في هذا التراث، وإنما يعني الاهتمام بمدى تعبير اليهودية عن "الذات القومية"،
التي يريدون لها "الانبعاث" في "أرض الميعاد".
فالمعتقدات اليهودية تنطوي على
انغلاق شوفيني وتعصّب عرقي وعنصرية حاقدة وأهداف سياسية خطيرة. حيث أنّ الفلسفة
العنصرية تشكّل معيناً ينهل منها الصهاينة جميعاً، أفراداً وأحزاباً وتيّارات
ومؤسّسات، فكراً وممارسة.
وهذه العنصرية هي التي تقبع
خلف المواقف والاتجاهات والأحزاب والسياسات المختلفة. وما الأفراد الصهاينة
والجماعات الصهيونية غير تجليّات متنوعة لجوهر واحد، هو العنصرية.
والخطورة تكمن في أنّ اليهود
يؤمنون بدرجات ونسب متفاوتة، أنّهم عندما يبنون "دولة إسرائيل"، فإنما يحقّقون بذلك
استرجاع الدولة اليهودية القديمة، التي تستوجب "إعادة" بناء هيكل سليمان. كما
يعتقدون بأنّ "الربّ اختار بنفسه "صهيون" لتكون مسكناً
له. فهي ليست عاصمة داود السياسية فحسب، وإنما هي العاصمة الدينية التي لا يمكن
للإله أن يستقر، أو يسكن، أو يُعبَد، إلاّ فيها "الربّ اختار صهيون، اشتهاها مسكناً
له" (مزمو ز132).
والذات اليهودية مجبولة من
مجموعة اعتقادات خلاصتها أنّ اليهود "يمثّلون دونما أدنى
ريب، أنقى عرق وأعرق أمّة بين جميع الأمم المتمدّنة" (23).
فالنفسية اليهودية مبنيّة على
فكرة أسطورية بتفوّق اليهود، وتساميهم على الآخرين. "واليهود يشعرون بأنهم متفوقون
أخلاقياً على جميع الأمم. وهذا الشعور يجسّد ذاته في فكرة الشعب المختار" (24) -كما
يقول أحاد هاعام-. "وهذا الشعب يقول ناحوم غولدمان - هو شعب فريد في التاريخ.
والشعور بالتفرد يستتبع الشعور بالتفوق على شعوب أخرى. ولا غرو فمفهوم "الشعب
المختار" يشكل جانباً أساسيّاً من الدين اليهودي" (25).
هذا الشعور التفوّقي متأصّلّ
في وجدانهم وعقلهم الجمعي المشترك كشعب "مختار". فهم يؤمنون بخصوصيتهم وتفرّدهم
وتفوّقهم على سائر الشعوب، لأنهم "خاصّة" الإله، وأقرب الناس إلى فؤاده. والزعم
بالاختيار والتفوّق راسخ في نفوسهم بفعل نصوص التوراة "العهد
القديم" التي يتشرّبها الطفل اليهودي مع نشأته في أحضان البيت والمدرسة والمعبد.
وكتاب التوراة يزخر بالنصوص التي تضفي على عنصرهم صفات القداسة والتميّز، مثلاً قول
"إلههم" لهم: "وأتخذكم لي شعباً وأكون لكم إلهاً" (الخروج، الأصحاح السادس: 7)،
و".. تكونون لي خاصّة من بين جميع الشعوب.. وأنتم تكونون لي مملكة كهنة وأمّةٌ
مقدّسةٌ" (الخروج، الأصحاح التاسع عشر: 5-69)، و"لأنّك أنتَ شعبٌ مقدّس للرب إلهك.
إياك قد اختار الربّ إلهك لتكون له شعباً أخصّ من جميع الشعوب الذين على وجه الأرض"
(تثنية، الأصحاح السادس: 6).
وكتبَ أحبارُهم على لسان
"إلههم" (يهوه) مخاطباً "ابنته" - إسرائيل: "وبنو الغريب يبنون أسوارك وملوكهم
يخدمونك.. ليُؤتى إليكِ بغنى الأمم وتُقاد ملوكهم.. وبنو الذين قهروك يسيرون إليك
خاضعين وكلّ الذين أهانوك يسجدون لدى باطن قدميك.. وترضعين لبن الأمم وترضعين ثدي
ملوكِ وتعرفين أنّي أنا الرب مخلصك.." (أشعياء، الأصحاح الستون: (10-16).
وكتبوا على لسان (يهوه)
مُخاطباً "شعبه المختار": "ويقف الأجانب ويرعون غنمكم ويكون بنو الغريب حرّاثيكم
وكرّاميكم. أمّا أنتم فتدعون كهنة الرب تُسَمّون خدام إلهنا. تأكلون ثروة الأمم
وعلى مجدهم تتأمّرون (أشعيا، الأصحاح الحادي والستون: 5-6).
هذه نماذج مما تحفل به "توراة
اليهود" وهي كتابهم "المقدّس" غُرست عميقاً جداً في ذهنية اليهود، في وعيهم وفي
عقلهم الجمعي، وموروثهم المتداول عبر آلاف السنين، فنبتت في نفوسهم وعقولهم
ووجدانهم وغريزتهم وسلوكهم أفكارُ التميز ومشاعر التفوق والاختيار، والإيمان المطلق
بالانتصار على الشعوب الأخرى، والنظر إليها نظرة استعلائية، عنصرية، احتقارية، نظرة
الطاهر إلى أنجاس، نظرة السيّد إلى العبيد والخدم، والمقدّس إلى الأشرار.
ورسّخت عصور الهزائم والضياع
والنبذ جذور الانعزالية والتعصب العنصري، والشكّ بكلّ الأمم والشعوب، وشكّلت،
بتقسيمها العالم إلى قسمين: الشعب اليهودي (المختار) والشعوب غير اليهودية
(الأغيار)، شكلت المرتكزات الأساسية للذهنية العنصرية، المتداخلة مع قراءات منتقاة
لنصوص مُعيّنة من دينهم اليهودي.
ومن تلك النصوص والتفسيرات
والاجتهادات انبثقت جملة من المقولات العنصرية، التي ترفعها الصهيونية شعارات
"مقدّسة" لا تقبل التشكيك أو المناقشة، مثل مقولات الشعب المختار، الشعب المميّز،
ورثة أمجاد الرّب، أرباب العهود مع اللّه، أمّة الكهنة والقديسين، "أنقى
جنس خلقه اللّه" (26)، و"المخلوق الفريد" (27)، "المُحاط بهالة من أشعّة الأمجاد"
(28) وغيرها وغيرها من مخزون الاستعلائية، الصهيونية الكريهة.
فالقومية الصهيونية لا تنفصل
بتاتاً عن العقيدة اليهودية ومفرداتها ومفاهيمها وتعاليمها، ومقولاتها، التي تنص
صراحة على أنّ اليهود يشكلون عنصراً مميزاً على سائر العناصر البشرية، وشعباً
متميزاً على الشعوب كافة، بخصائصه وفرادته، و"اختياره" من قبل "الربّ" ذاته. وهي
بذلك تجعل من نظرّية الجنس، أو العرق، أساساً جوهرياً لها. وعلى هذا الأساس تقوم
النظرية العنصرية في اليهودية -الصهيونية.
يقول يئير بار إيلان زعيم
منظمة "مزراحي" الصهيونية: "إنّ شعبنا وعقيدتنا الدينية يختلفان تماماً عن جميع
الشعوب والأديان الأخرى" (29).
ويقول ناحوم غولدمان: "إنّ
محاولة وصف الشعب اليهودي بأنه جماعة تتميّز بالجنس والديانة، أو بالوحدة الثقافية
والقومية، يُعدّ موضوعاً غير ذي أهمية. فتاريخه الفريد قد خلق وحدة جماعية فريدة".
ويضيف: "إنّ الشعب اليهودي هو ظاهرة تاريخية فريدة. وهو في الوقت نفسه أمّة، ووحدة
دينية كاملة، وعرق. وما من فكرة عن أمة أو شعب أو دين قادرة، إن لم تكن يهودية، على
أن تشرح بدقة هذه الظاهرة التاريخية الفريدة. فنحن أمةٌ عالمية تمثّل مجتمعاً خاصاً
لا شبيه له في تاريخ الإنسانية" (30).
و"الشعب اليهودي" - يقول
شموئيل أتينغر- احتفظ بتفرده التاريخي والثقافي والديني(31). لأنه "شعب يعيش وحده
وبمفرده" (32) كما يقول بن غوريون وكان تيودور هرتزل يردّد دائماً: "إنّ اليهود
بقوا شعباً واحداً وجنساً متميزاً" (33).
من هنا فإنّ دراسة الصهيونية
ومرتكزاتها العنصرية، تقتضي دراسة مقولات ومفاهيم العقيدة اليهودية، لأنها المنبع
الرئيس، الذي تستمدّ الصهيونية منها توجهاتها وقيمها وديماغوجيتها العنصرية،
الشوفينية، ومنه استقت الحركات والجماعات الصهيونية الإرهابية، المتطرفة بغضها
للعرب وحقدها على الفلسطينيين وعلى الشعوب والأمم الأخرى.
ولسنا من "اخترعوا" هذه
العلاقة العنصرية - الجدليّة بين اليهودية والصهيونية، فقد أشرنا (ولو بصورة موجزة
لأنّ المجال لا يسمح بالتوسّع والتفصيل) إلى آراء أبرز الشخصيات الصهيونية، ومفاهيم
مؤسّسي هذه الحركة العنصرية- الإرهابية حول التداخل، الذي لا ينفصم عراه بين
الصهيونية والدين والتراث اليهودي- الأمر الذي يعني أنّ الصهيونية هي الوجه
السياسي- الفكري والأيديولوجي لليهودية، كما أن اليهودية هي المرتكز الديني
للصهيونية. أما "إسرائيل" فهي التجسيد العملي والسياسي والكياني للظاهرتين معاً.
وفي هذا الإطار يقول الكاتب الصهيوني هيرمان ووك في كتابه "هذا هو إلهي": "إنّ
دولة (إسرائيل)، التي هي أحدث تحقيق لأقدم حلم ديني في الأرض، وضع مُخَطّطها مؤسّس
لا ديني، وأوجدها رجال هم بالأغلب لا يراعون أحكام العقيدة. ومع ذلك فإنّ الصهيونية
التي ازدهرت حالياً في (إسرائيل) تقع بالتأكيد ضمن مجال النظر البعيد للديانة
اليهودية" (34).
من هنا لا تُفرّق أغلبية
اليهود بين دينها وقوميتها ، إنهما وجهان لأيديولوجية شاملة. فكلمة "يهودي" تشير
إلى دين. وكلمة "صهيوني" تشير إلى أرض، وعليه فهناك وضع تلاحمي -تكاملي
بين النواحي الدينية والقومية والأيديولوجية في فكر الصهاينة وممارساتهم العدوانية-
الإرهابية. وهذا الحاخام الأكبر لتل أبيب، شلومو غوريون، يعلن أنه "لا يمكن الفصل
بين أرض (إسرائيل) وبين تعاليم اليهودية، وإنّ فصل قيم التوراة عن وصايا استيطان
البلد هو بمثابة فصل الروح عن الجسد" (35).
وكان بن غوريون يرى أنّ أهمَ
ركنٌ من أركان الدين اليهودي هو الارتباط بالأرض "أرض الميعاد"، وأن تعلّق اليهودي
"بأرض الميعاد" ناتج عن الصبغة القومية والإقليمية في الدين اليهودي. وأنّ اليهودي
الحقيق هو الذي "يرجع إلى هذه الأرض. أمّا من يرفض "العودة"
والاستيطان في فلسطين فيُعَد برأي بن غوريون خارجاً على الدين، تاركاً للّه، لأنّ
الإله "يهوه" ظهر مرتبطاً بالأرض. أما موسى هس فكان يرى "أنّ الدين اليهودي هو
المسوّغ الأول لولادة القومية اليهودية.. وأن المعتقدات اليهودية هي قبل كل شيء
عقائد قومية ووطنية وكل من يدين بها هو قومي وطني" (36).
وكان الحاخام أبراهام كوك
(1865-1935) يرى أنّ "فصل الجانب الديني عن الجانب القومي في الروح اليهودية من
المستحيلات المطلقة، لأنّ روح (إسرائيل)، على حد قوله، ملتصقة بروح الله، لدرجة أن
أي قومي يهودي، بغض النظر عن مقدار علمانيّته، يجد النور والقدسية في الروح القومي"
(37).
وفي المؤتمر الصهيوني الثامن
والعشرين، الذي عقد في القدس المحتلة، أعلن مناحيم بيغن أنه "لا يمكن الفصل بين
القومية وبين الدين في اليهودية" (38).
الصهيونية في جوهرها عقيدة
متطرفة، استمدت أصولها من مفاهيم الديانة اليهودية وأساطير تعود إلى ثلاثة آلاف
سنة، والتي تنصّ على أنّ إله اليهود "يهوه" قد وعد شعبه
الخاص –"بني إسرائيل"، بأرض فلسطين، ملكاً أبدياً.. وخصّهم بها ميراثاً أزلياً.
وجاءت الحركة الصهيونية فوظّفت تلك القصص والحكايات والأساطير، وتبنّت -وفق خطة
استراتيجية متغيرة، متجدّدة -تحقق تلك التنبؤات والأحلام، القائمة في جذور الديانة
اليهودية، وفي أعماق العقل الجمعي اليهودي. وبذلك أصبحت الحركة اليهودية، التجسيد
العملي والواقعي للرؤى اليهودية. وهذا ما عبّر عنه بن غوريون بقوله: "إنّ الصهيونية
تستمدّ وجودها وحيويتها وقوتها من مصدر عميق، عاطفي، دائم، مستقل عن الزمان
والمكان، وقديم قدم الشعب اليهودي، هذا المصدر هو الوعد الإلهي، والأمل بالعودة"
039).
ويُفهم من كلام معظم قادة
الصهيونية أنّ هذه الحركة أقامت (بالتعاون الوثيق مع الدول الغربية الكبرى) "دولة
إسرائيل" في أرض فلسطين، استناداً إلى أساطير وتنبؤات "العهد القديم". ويُفهم أيضاً
أن الصهيونية حركة قومية، عنصرية، إرهابية، لها جذورها العميقة في الديانة
اليهودية. فلا صهيونية من دون يهودية، لأن الصهيونية ما فتئت تعمل، بجهود هائلة
وأساليب شديدة التنويع والمكر، على تحويل التنبؤات والرؤى والأساطير والوعود إلى
حقائق واقعية. وقد اتخذ قادة الصهيونية ومفكّروها من عقيدة "العودة" إلى "أرض
الميعاد" وسيلة لإثارة حماس اليهود الديني والعاطفي، وتحشيدهم، ومن ثم استغلال ذلك
كلّه لاقتلاع اليهود من مواطنهم الأصليّة، وشحنهم إلى فلسطين.
ولهذا لا يمكن فهم أبعاد
العنصرية الصهيونية، والتطرّف والإرهاب (الإسرائيلي)، ما لم تتم العودة إلى المنابع
والمصادر والمرتكزات التي تقوم عليها وبها العنصرية الصهيونية، تلك القائمة على
الروح العنصرية والتمايز العنصري والعقلية الاستعلائية الحاقدة. إذ أن عقليتهم
الحاضرة، تضرب عميقاً في التراث الديني والتاريخي اليهودي، وتتغذى من نزعة التفوق
والشعور بالتميّز عن الآخرين، والتفرّد والاختيار.
والتوراة هي الكتاب "المقدّس"
الأول لدى اليهود، وهو المرآة التي أسقط عليها اليهود أخلاقهم ورؤيتهم وتطلعاتهم.
وقد وضع عددٌ من الكتّاب مؤلفات وبحوث ودراسات، تحلّل الصلة الروحية والنفسيّة
والذهنية بين نصوص التوراة وتصرفات اليهود الحاليين، والإرهاب الذي تمارسه
الصهيونية، سواء في فلسطين والأراضي العربية المحتلة، أو في أنحاء العالم الأخرى.
لكنّ الذي يعنينا هنا التأكيد على فكرة الترابط العضوي والتكاملي بين اليهودية
والصهيونية والكيان (الإسرائيلي) من جهة، وبين الفلسفة العنصرية اليهودية
-التراثية، وتجلياتها العديدة في الفكر الصهيوني الحديث والمعاصر، كأفراد أو
مؤسّسات أو حركات وجماعات من جهة أخرى.
فمن يستطيع محو الاعتقاد
اليهودي بأنّ الإله "يهوه" هو الذي حذّرهم من مخالطة الشعوب، أو قطع العهود معها.
ومن بإمكانه إلغاء الإيمان اليهودي المتوارث منذ آلاف السنين، بأنّ الربّ هو من فرض
عليهم إبادة الشعوب المجاورة أو طردها. كقوله (أو قول قادتهم على لسان الربّ): "متى
أتى بك الربّ إلهك إلى الأرض التي أنت داخل إليها لتمتلكها، وطرد شعوباً كثيرة من
أمامك الحثيين والجرجاشيين والأموريين والكنعانيين والفرزيين والحوريين واليبوسيين.
سبع شعوب أكثر وأعظم منك ودفعهم الربّ إلهك أمامك وضربتهم فإنك تحرّمهم. لا تقطع
لهم عهداً ولا تشفق عليهم" (تثنية، الأصحاح السابع:
(1-2. وقوله (أو بالأصحّ قول
قادتهم):" وأما مدن هؤلاء الشعوب التي يعطيك الربّ إلهك نصيباً فلا تستبق منها نسمة
ما، بل تحرّمها تحريماً" (تثنية، الأصحاح العشرون: 16) ومئات غيرها من "الوصايا"
و"التعاليم"، التي تنفجر حقداً وعنصرية ورُعْباً.
ومن يقدر على إقناع اليهودي
العاديّ أنّ الإله "يهوه" لن ينصرهم على "الأعداء"، ويمكّن "شعبه
الخاص" من الاستيلاء على أراضي الشعوب ومدنها ومزارعها ومياهها. أليسوا مؤمنين بأنّ
"يهوه" مقاتل باطش، مرعب، حقود، منتقم، يسير أمام المحاربين (اليهود) لأنه ربّ
الجنود وهو الذي "أمرهم" بتدمير المدن وتذبيح البشر في هجمات وحشية صاعقة، كاسحة.
ومنذ اتخذ بنو إسرائيل "يهوه"
إلهاً لهم، جعلوه إلهاً غاضباً، ظالماً، قاسياً، متعطشاً لدماء
الضحايا، حقوداً. فهو يأمر "شعبه المختار" بإبادة "كلّ ما في المدينة من رجل
وامرأة، من طفل وشيخ، حتى البقر والغنم والحمير بحدّ السيف" (يشوع: الأصحاح السادس:(
21).
فهل يمكن للإله الرحيم أن
يقول: "واقتل رجلاً وامرأة، طفلاً ورضيعاً، بقراً وغنماً، جملاً وحماراً" (سفر
صموئيل الأول، الأصحاح الخامس عشر: (3)؟! وهل غير "ربّ
اليهود" "يهوه" يمكن أن يأمر بقتل الأطفال والرضّع والحيوانات المسكينة؟!!
|