الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

عودة

 

 

الاستيطان الصهيوني ونظرية "أرض بلا شعب" العنصرية

 

لقد شبّه بن غوريون المعارك العنيفة، والمذابح الجماعية التي نفّذها الصهاينة ضد الفلسطينيين بتلك التي "شنّها المستوطنون البيض ضد الطبيعة الوحشية وضد الهنود الأكثر وحشية" (55).‏

وقد وصف هرتزل (1860-1904) الفكرة الصهيونية بأنها "فكرة استعمارية"، ولذا أرسل بمشروعه للسير سيورودس ليضع ختم "شرعيته" على هذا المشروع (56). أمّا ناحوم سوكولوف، المنظّر والداعية والمؤرخ الصهيوني المعروف، فقد قرّر حسم التناقض بين الصهيونية كحركة انبعاث روحي والصهيونية كحركة استعمارية بأن قرّر أن "نكون صهيونيين في استعمارنا وروحنا وديننا" (57).‏

وإذا كانت الصهيونية أيديولوجية عنصرية، استعمارية، إرهابية.. فإنّ كلّ مؤسّساتها وممارساتها وتربيتها وثقافتها لا بدّ وأن تتصف بهذه الصفة، القائمة على الحقد والكراهية والاستعلاء واستعباد السكّان الأصليّين. فاليهود - في فلسطين المحتلة- لم يكتفوا باحتلال الأرض، وإنما كانت استراتيجيتهم -وما زالت- تقوم على أخذ الأرض دون سكانها، ولذا كان لا بدّ من إرهاب الفلسطينيين وترويعهم، ومحاصرتهم، واقتلاعهم.. وإبادتهم. فالهدف من المذابح التي نفّذها الصهاينة من أربعينيات هذا القرن إلى هذه اللحظة يكمن في الإجهاز على عرب الأراضي المحتلة. وبهذا يسهل على الصهيونية الوصول إلى غايتها الكبرى، المتمثلة بالطرد والاقتلاع والإبادة، ومن ثم الإسكان والتوطين والإحلال.‏

إنّ إحلالية الاستعمار الصهيونية هي نتيجة حتمية "لصهيونيته"، بل يمكن التأكيد أنّ الإحلالية والصهيونية هما مترادفان يعبّران عن الشيء ذاته. فالصهيونية تهدف لإقامة دولة يهودية خالصة، ووجود أي عنصر غير يهودي داخل هذه الدولة سيؤدي إلى فشل المشروع الصهيوني من أساسه، أي أنّ البرنامج الصهيوني، لأنه صهيوني، كان يتطلب إحلال اليهود محل العرب، وليس مجرّد استغلال هؤلاء العرب. وغالبية الصهاينة تدرك الطبيعة الاستعمارية، الاستيطانية، الإحلالية، العدوانية، الفاشية للمشروع الصهيوني، ولعل شعار "شعب بلا أرض لأرض بلا شعب" هو الجوهر الحقيقي لهذا المشروع الخطير. والنزعة الإحلالية واضحة في كتابات هرتزل من البداية، حينما تحدث عن استخدام "المواطنين الأصليين" في قتل الثعابين الكبيرة والحيوانات المفترسة الأخرى ثم إعطائهم وظائف في دول أخرى يقيمون فيها بصفة مؤقتة إلى أن يتم اختفاؤهم بشكل كامل(58).‏

وقد ذكر جوزيف وايتنر، ممثّل "الوكالة اليهودية" المسؤول عن الاستيطان، في جريدة "دافار" (29/ أيلول/ سبتمبر 1967) إنه هو وغيره من الزعماء الصهاينة توصلوا في عام 1940 إلى نتيجة مفادها أنه ليس هناك "مكان يتسع لكلا الشعبين (العربي واليهودي) معاً في هذا "البلد" وأنه لتحقيق الأهداف الصهيونية لا بد وأن تقام دولة غرب نهر الأردن ليس بها عرب، ولذا كان من الضروري -وفق قوله- "نقل العرب من هنا ومن الدول المجاورة.. نقلهم جميعاً، وبعد انتهاء عملية النقل هذه سيكون في مقدور (الدولة الصهيونية) استيعاب الملايين من إخواننا" (59).‏

وقد اتفق جميع الزعماء الصهيونيين، باختلاف اتجاهاتهم السياسية، على إحلالية الاستعمار الصهيوني، سواءً كان سوكولوف الصهيوني السياسي اليميني (60)- أو بوروخوف، زعيم "اليسار" الصهيوني (61)، وكلّ التيارات والاتجاهات والقوى والأحزاب السياسية والدينية الصهيونية، التي ظهرت بعد إقامة الكيان الغاصب في أرضنا المحتلة.‏

والواقع أنّ أبرز التّيارات المسيطرة في "إسرائيل" وبين يهود العالم، هو تيّار الصهيونية القومية، أو "الجابوتنسكية" في صيغتها المعاصرة أو "صهيونية الحدّ الأقصى"، التي يُعرّفها بعض الباحثين بأنها تمثّل "الدين المدني الجديد". وهي نزعة صهيونية تشدّد على العرقية، والعداء لغير اليهود، وعلى الأهمية الرمزية المتزايدة لأحداث النازية. وهي نظرة تبدو مُلائمة للأكثرية من كتلة "الليكود" ومعظم أعضاء "الحزب الديني القومي" (المفدال) وأعضاء حركة "جوش إيمونيم" (كتلة الإيمان) وترفض الصهيونية القومية إعادة الأراضي المحتلة للفلسطينيين، وكذلك الجولان لسورية، وترفض مبدأ إقامة "دولة فلسطينية" (مهما صغر حجمها وتضاءلت صلاحياتها)، وتسعى بعض الفصائل في هذا الاتجاه (مثل حزب "موليدت") وعدد من قادة "الليكود" (أرئيل شارون وبنيامين بيغن) إلى تحقيق عملية "ترحيل" (ترانسفير) كاملة للعرب، من المناطق الفلسطينية المحتلة، حفاظاً على الطابع اليهودي للدولة في حال ضم المناطق (لإسرائيل).‏

أما التيّار الآخر، الذي يصبّ في هذه الرؤية العنصرية- الاستئصالية، فهو يتمثل بالصهيونية القومية المتطرفة. ويشترك مع التيار السابق في تبنّي الشعارات العنصرية والانعزالية نفسها. وتستند هذه العقيدة الصهيونية إلى خليط من التراث اليهودي المتطرّف. وبالنسبة لهم يشكّل "شعب إسرائيل" و"أرض إسرائيل" و"التوراة" ثلاثية لا تنفصم عندما يتحقق اندماجها التام سيأتي "المسيح المخلّص"، لأنّ تخليص الأرض هو شرط مسبق لتحرير الشعب اليهودي، وتهويد الضفّة الغربية ثم الشرقية لنهر الأردن شرط أساسي لتحرير الشعب اليهودي، وهي مهمّة يزعمون أنها جاءت "بأمر الرب". وهم مستعدون لعمل أي شيء من أجل تحقيق أهدافهم ويلجئون للقوة في سبيلها.

وأكثر من يمثّل الصهيونية القومية المتطرفة حركة "جوش إيمونيم" وحركة "كاخ" وحركة "آيل" وحركة "دولة يهودا"، وكلها حركات تقوم بالاستيطان اليهودي في الضفة الغربية وبقية الأراضي العربية المحتلة، بالإضافة إلى أنها تحظى بالدعم ليس فقط من ممثلي "الصهيونية القومية" بل من عناصر علمانية كثيرة في أوساط "حزب العمل" (الإسرائيلي)، ومن الأحزاب الدينية سواء الصهيونية أو "الحريدية" (الاتجاه الديني)، وخاصة في مجال جهودها الاستيطانية(62).‏

ولذلك لم يكن غريباً التقاء الأحزاب اليمينيّة المتطرفة- الفاشية مع الأحزاب والجماعات الدينية المتشدّدة، التي يجمعها مبدأ التوسع الإقليمي، وعدم التخلّي عن الأراضي العربية المحتلة، وأن ترتبط بها المؤسّسة العسكرية في (إسرائيل)، وهو ما شكّل دحضاً مباشراً وقوياً للصورة "الديمقراطية" الزائفة عن الحكم في "إسرائيل". وهكذا صبّ اليمين الصهيوني المتطرّف جام غضبه على إسحق رابين، الذي عَدّه المتطرفون "خائناً لأرض إسرائيل" لمجرّد أنه فكّر بإعادة بعض الأراضي للفلسطينيّين. ويعتقد "عامير" قاتل رابين ومؤيدوه، أنّ الربّ سيصب لعناته وغضبته على "شعب إسرائيل" لأنّ التخلّي عن جزءٍ من (إسرائيل) الواردة في التوراة، ومنحه للفلسطينيّين لا يهدر من (إسرائيل) فحسب، بل يهدّد أيضاً روح الأمة وعلة وجودها. فالقضية بالنسبة إليهم قضية أمن، وهي القضية السياسية، التي عملت على انقسام الأجنحة الصهيونية المختلفة، وإنما القضيّة هي قضية لاهوتية.‏

وممّا يؤكّد بصورة جليّة سيطرة القوى الدينية، وزعماء الطوائف اليهودية على اتجاهات "المجتمع" "الصهيوني –الإسرائيلي" ، فقد "كشف النقاب عن أنّ عامير قد استفتى بعض الحاخامات لمعرفة رأي الدين اليهودي في اغتيال رابين، فأفتى اثنان منهم باستحلال دم رابين، لكنه رفض أن يعطي أسماء رجلي الدين، اللذين استند إليهما في تنفيذ عملية الاغتيال" (63)‏ .

إنّ التعصّب المسيطر في "المجتمع الإسرائيلي" والتمييز العنصري داخل هذا الكيان إنّما يشكّلان في واقع الأمر ترجمة أمينة للصهيونية بحسبانها أيديولوجية عنصرية. فقد مورس التعصّب والتمييز العنصري في التجمع اليهودي في أرض فلسطين، بناء على تطبيق القوانين ذاتها(64). أو بعبارة عالم النفس (الإسرائيلي) جرجس تامارين أصبح هناك أسس قانونية لممارسة التعصب والتمييز العنصري في المجتمع (الإسرائيلي) (65).‏

فالتعصب والعنف والإرهاب سمات وسلوك وممارسات يومية ضدّ العرب في "إسرائيل". وقد فضح هذه النزعات الخطيرة عددٌ من الباحثين والكتّاب والصحفيين (الإسرائيليين)، وفي مقدّمتهم البروفسور (إسرائيل) شاحاك في مقابلاته وفي بيانات "الرابطة (الإسرائيلية) لحقوق الإنسان والمواطن"، وفي كتابه "عنصرية دولة إسرائيل" الذي يزخر بمئات الحالات والنماذج من الاضطهاد العنصري، والعنف الصهيوني- الرسمي، والإرهاب المُنظّم ضدّ السكان العرب، الذين يخضعون للاحتلال الصهيوني، كالعقاب الجماعي، ونسف المنازل، والطرد والترحيل إلى ما وراء الحدود، والإقامة الجبرية، وإغلاق المؤسّسات التعليمية، والاستيلاء على الأحياء العربية، وإقفال المحلات التجارية، وامتهان كرامة الناس، عن طريق تحقيرهم وإذلالهم بوسائل كثيرة. فقد سرد داني روبنشتاين عدة حوادث "تتسّم بتحقير العرب"، منها مثلاً: إرغام قوّات الأمن (الإسرائيلية) بعض رجال الدين والمارّة على "تكنيس" الشوارع. وإيقاف مجموعات كبيرة من العرب ووجوههم إلى الجدران، وإرغامهم على خلع أحذيتهم، مع توجيه الشتائم والإهانات إليهم. وأضاف يقول: إنّ أعمال الضرب واللكم تتكرر يومياً وينتهي الأمر في بعض الحالات إلى الموت‏ (افار 30/3/1976).‏

وأشارت "هاعولام هازيه" (1/4/1967) إلى أن قوات الأمن (لإسرائيلية)في الضفة الغربية "كانت تمسك أناساً في الشوارع، أو تدخل إلى المنازل العربية ليلاً لتخرج الرجال منها، وتأمرهم بالركض حول مكان ما في وسط المدينة. أو يرغمون الناس في نابلس على الرقص وسط الشارع على قدم واحدة أو أن يركب واحد على ظهر الآخر في الشارع".‏

وفي هذا المنحى تقول عضو "الكنيست" شولاميت آلوني": "إنّ الشباب المتعصب الذي يدين بالصهيونية الدينية، يعد سكان يهودا والسامرة كلاباً ويعاملهم بمنتهى الاحتقار والإزدراء"(66).‏