|
"زوجتك و طفلك في خطر"
طوّرنا تدريجيّاً وسائل عملنا
في نابلس و أقمنا شبكة استهدفت إعطاء ردودٍ على غالبية المشاكل التي قد تبرز أمام
أنظارنا. عملنا كمجانين وسط شعور أننا في سباقٍ مع الزمن . و قد عرفنا أن المدينة و
خاصة القصبة تكتظ بـ (المخرّبين) و يوجد فيها مخازن ضخمة من الأسلحة و المتفجرات تم
تهريبها من دولٍ مجاورة أو تم جمعها بعد انسحاب القوات الأردنية في حرب الأيّام
الستة .
و لم يغب عنّا أمر وجود مصانع
سرية صغيرة لأننتاج المتفجرات و أدوات إطلاق و وسائل (تخريب) ، و كنا نتنفّس
الصعداء كلّما اعتقلنا (مخرّبين) أو اكتشفنا مخازن وسائل قتالية ، لأننا عرفنا أننا
نجحنا في منع عملية أخرى ، و حادث قتلٍ (دنيء) .
طاردنا (المخرّبين) بلا توقّف
و اضطررنا مراراً إلى تكريس أسابيع و أشهر كاملة لإلقاء القبض على (مخرّب) واحد . و
ذات مرة بعد وقوع عملية في منطقة "هشارون" أبلغنا شهود عيان عن سيارة "مرسيدس" هربت
من المكان ، و كلّ ما تذكّروه هو خط أسود مرسوم على طول السيارة . و قد اتخذنا خطوة
استثنائية للعثور على السيارة : جمعنا كلّ سيارات المرسيدس في نابلس و محيطها و
وضعناها في حقلٍ مفتوح . كانت هناك مئات السيارات و فحصناها واحدة واحدة إلى أن
كشفنا السيارة المطلوبة ، و في نهاية الأمر وجدنا أيضاً (المخرّب) الذي قادها و
اعتقلناه مع شركائه في العملية .
كانت "فتح" حينئذ منظمة
(المخرّبين) الأكبر و نفّذ أعضاؤها حوالي ثلثي العمليات . و كان ياسر عرفات يحتل
مكانة عليا في قيادة التنظيم و قد اعتاد على الاختباء في كهوفٍ و غير أماكن اختبائه
بصورة يومية تقريباً . و قد دافع عنه السكان الذين كانوا متعاطفين معه في غالبيتهم
، و لم يألُ "الشاباك" جهداً من أجل إلقاء القبض عليه .
و ذات يوم تلقّينا بلاغاً من
عميلٍ موثوق بأن عرفات يختبىء في منزلٍ محدّد في رام الله فتوجّهنا إلى هناك تحت
جنح الظلام يرافقنا جنود من وحدة مختارة و أوقفنا سياراتنا بعيداً عن البيت حتى لا
نثير الشكوك و واصلنا طريقنا سيراً على الأقدام . التفّت القوة حول بيوتٍ و كانت
حذرة في أن لا يلاحظها أحد و عند وصولنا إلى الهدف حاصر الجنود البيت و اقتحموا
داخله ، و كلّ ما وجدناه هناك كان فرشة ما زالت دافئة و جهاز راديو يبث أغانيَ
عربية .
تمكّن عرفات من المغادرة لأن
أحداً ما حذّره مسبَقاً كما يبدو . و قد صودر الراديو و استخدمته في قيادة
"الشاباك" في نابلس و في أماكن أخرى وُضعت فيها خلال خدمتي .
و قبل سنوات معدودة و فيما
أصبح عرفات رئيساً للسلطة الفلسطينية أحضرت له الراديو و رويت له قصة المطاردة ، و
لكنه رفض قبول الراديو و قال : "احتفظ به كذكرى منّي" .
لم تكن حياة رجل "الشاباك"
سهلة في نابلس فقد كان ذلك عملاً شاقاً سلَب كلّ وقتنا تقريباً – على مدى أيام و
ليالي و نهايات أسابيع . و كما ذكِر فقد كنا هناك ثلاثة رجال "شاباك" و لكن كميّة
العمل كانت تكفي لكتيبة كاملة . ركّزنا مهمة جمع المعلومات الاستخبارية و تجنيد
العملاء و التحقيقات . و يومياً كنا نكتب تقارير بحجم كتب . لم يعرِف أيّ منا
استخدام الآلة الكاتبة كما ينبغي لهذا ضمّوا إلينا موظّفاً للقيام بذلك ، و لكن
اتضح لنا بسرعة أنه هو أيضاً لم يكن مؤهلاً لإنجاز طباعة المادة بالسرعة المطلوبة .
تطوّعنا على أية حال لجهدٍ مشتركٍ و كنا نقضي وقتاً طويلاً مستخدمين إصبعين لطباعة
البرقيات الطويلة .
كنت أصل إلى منزلي في نتانيا
في فترات متباعدة فقط . و قد ولد ابني البكر ، أمير ، في آب 1968 و عادت زوجتي يعيل
للتدريس في مدرسة ابتدائية و أخذت على عاتقها رعاية الطفل . كان أمير طفلاً جميلاً
و حكيماً كبر دون أن يعرِف والده تقريباً ، و عندما اعتادت يعيل على التمشّي معه في
أسواق نتانيا اعتاد على مناداة كلّ رجل يصادفهما باسم "بابا" .
كانت تلك فترة عمليات قاسية
فقد بادرت "فتح" و الجبهة الشعبية و الجبهة الديمقراطية و نفّذت عملياتٍ دون توقّف
و هرّبت كميات ضخمة من الأسلحة و الذخائر عبر معابر نهر الأردن و خبّأتها بشكلٍ
خاصٍ في قصبة نابلس التي كانت دفيئة نموذجية لـ (الإرهاب) العربيّ . كان سكان
القصبة بغالبيتهم مجتمعاً منغلقاً منطوياً على نفسه حيث التغلغل إليه بمثابة مستحيل
تقريباً . و كانت غالبية مباني القصبة مرتبطة بعضها ببعض بجدران و سقوف مشتركة
إضافة إلى ممرات مخفيّة.
عرف (المخرّبون) المنطقة مثل
كفّ اليد و عندما كانوا يقتربون منهم فقط كانوا يسارعون في الركض على الأسطحة و
نجحوا في التهرّب مراراً . و كانت الكثير من الأزقة ضيّقة إلى درجة أنه لم يكن
ممكناً التحرّك بها بواسطة سيارات و كان من الممكن أن تقع الدورية (الإسرائيلية)
التي تدخل القصبة في فخّ مخطّطٍ له ، و كان إرسال قوة إلى القصبة للقيام بدورية أو
تنفيذ اعتقالات مرتبطاً طبعاً بعملية معقّدة .
و أحياناً عندما تطلّب الأمر
ذلك كان يتم تنفيذ عمليات واسعة النطاق أو كما دعوها "عمليات خنق" . و قد شاركت
بنفسي في أربع عمليات منها . و في إطار هذه العمليات كانت قوات جيش كبيرة تطوّق
القصبة و يتم إحضار جميع الرجال إلى نقاط تجميعٍ بهدف تشخيص مطلوبين و مشبوهين حسب
قوائم أعدّها "الشاباك" مسبقاً ، و في نفس الوقت تجري عمليات تمشيط من منزل إلى آخر
و من ساحة إلى أخرى و من سطحٍ إلى سطح .
كانت التحقيقات التي نجريها في
المكان تثمر عموماً عن نتائج مرضية : ألقينا القبض على عشرات (المخرّبين) و كشفنا
مخابىء أسلحة و مواد سرية و أماكن اختباء كثيرة و حتى مصانع بدائية لإنتاج الوسائل
القتالية . في تلك الفترة بعد شهورٍ على الاحتلال كان من السهل نسبياً العثور عمن
نبحث عنه ، فقد أجرى الأردنيون قبل الحرب إحصاءاً سكانياً و خلفوا وراءهم قوائم
سكانية منظمة .
"أن تُدحرج" كانت تعني بلغة
"الشاباك" أن تكشف نتيجة اعترافٍ خاضع للتحقيق . و قد "دحرجنا" يومياً في ذلك الوقت
عشرات كثيرة من المعتقلين و كميات كبيرة من الوسائل القتالية .
أجرينا تحقيقاتٍ لا حصر لها
غالبيتها بين جدران السجن في نابلس و اعتدنا على القول في تلك الأيام أنه إذا ما
رميت حجراً في نابلس فإن الاحتمالات القائمة هي أن تصيب قطاً أو (مخرّباً) . و كان
يخيّل إلينا أحياناً أنه لن تكون هناك نهاية للاعتقالات ، فقد كان هناك الكثير من
(المخرّبين) .
لم يتضمّن العتاد الشخصي لرجل
"الشاباك" قيوداً – كلبشات – إطلاقاً لأننا تركنا الاعتقال نفسه لأوساط الأمن
الأخرى – الشرطة و الجيش . صحيح أنه كانت لدينا صلاحيات كاملة لتنفيذ اعتقالات و
لكن كلا الوسطين الآخرين كانا أكثر تأهيلاً لذلك ، و وضعت وسائل كثيرة تحت تصرّفها
. إن قرار إيداع تنفيذ اعتقالات من قبل آخرين كان خطوة حكيمة بالنسبة للشاباك ، فقد
قلّصت ظاهرة الاستبداد من قبل رجالنا و منعت الشكاوى العقيمة للسكان ضد عاملي
الجهاز حول اختفاء مبالغ مالية و مقتنيات ثمينة خلال الاعتقالات . و عمليّاً كان
هناك شكاوى غير قليلة كهذه ضد رجال قوات الأمن و لكن جزءاً صغيراً منها فقط كان
يستند إلى أساس ، و على كلّ الأحوال فإننا لم نكن على صلة بذلك .
في إحدى الليالي خرجت مع قوة
مظلّيين إلى قرية بيت فوريك لاعتقال (مخرّبٍ) عمل في تهريب وسائل قتالية من الأردن
بأحجامٍ كبيرة . كان الظلام حالكاً و سرنا في طابور خلفيّ حوالي عشرة كيلومترات و
كنا نتوقف أحياناً من أجل الإصغاء إلى ما يدور في المنطقة لئلا يكونوا قد اكتشفونا
. (عملت بصورة شاقة جداً في تلك الفترة و كنت مرهقاً دائماً تقريباً . و عند كلّ
توقّف غفوت للحظات و أحياناً حتى خلال السير . و قد حرصت على أن أكون دائماً الثاني
أو الثالث خلف القائد بحيث إنني إذا ما غفوت اصطدم بمن يسير أمامي أو أن يصطدم
الشخص الذي يسير خلفي بي و يوقظني .
وصلنا ، و نبَحت الكلاب و لكن
القرية لم تستيقظ . و حسب المعلومات التي كانت لدينا فقد عاش المشتبه به في مبنى
صغير يتكوّن من غرفة واحدة في أطراف القرية . عثرنا على البيت و حاصرناه و كان ضوء
فانوس كازٍ صغير يومض عبر النافذة . عندما أعطيت الإشارة اقتحمنا داخلاً .
لم يكن هذا المنزل الأول الذي
نقتحمه تحت جنح الظلام من أجل اعتقال مشتبه بهم ، وقد خبرت جيداً مشهد الأطفال
النائمين باكتظاظ على فرشات موضوعة على الأرض و الاختناق و الرائحة النفاذة لدخان
الجمر الذي كانوا يستخدمونه للتدفئة و الطهي و نظرات الدهشة لأبناء العائلة الذين
كانوا ينطوون بذهول داخل البطانيات عندما كنا نأخذ ربّ العائلة أو أحد الأبناء . و
في حالات كهذه – و رغم معرفتي أن هذه حرب اللاخيار و كنت مصمّماً على القيام
بالمهمة حتى النهاية ، باعتقال كلّ مشتبهٍ به و التحقيق معه – كان يستيقظ لديّ شعور
الشفقة لدى رؤية أبناء عائلة يتألّمون لاعتقال والدهم أو أخيهم .
كان واضحاً لي و لهم أن الشخص
لن يعود قريباً إلى بيته و سألت نفسي ما الذي يفكّذذرون فيه في لحظات كهذه حول
المجازفة التي أخذها عزيزهم على عاتقه عند انضمامه لمنظمة (تخريب) . هل كانوا
يفضّلون أن يركّز على إعالة العائلة أم أنهم تحديداً شجّعوه على المشاركة في النضال
؟ و قد شغلني كثيراً السؤال كيف كنت سأتصرّف لو وجدت نفسي في الجانب الآخر من
المتراس .
لم يكن المشتبه به الذي بحثنا
عنه موجوداً في البيت ، و تذكّرت أنه في إحدى المحاضرات في معهد اللغة العربية حكوا
لنا عن عادة القرويين النوم على أسطح المنازل في ليالي الصيف القائظة ، ركضت خارجاً
و تمكّنت من رؤية رجلٍ يقفز من السطح إلى المقبرة المجاورة محاولاً الهرب . فتح
جنديان النار باتجاهه و مشّطنا المقبرة و لم نعثر على هذا الشخص .
عدنا إلى نابلس بخيبة أمل
شديدة و وجدت صعوبة في التسليم بالفشل و لم يبقَ لي سوى التشبّث بالإمكانية
المستبعدة بأن إحدى العيارات التي أطلقت من أسلحة الجنود أصابته و أنه سيحتاج إلى
علاج طبيّ . طلبت من الشرطة و تلقيّت قائمة بأسماء كلّ الأطباء في المنطقة و في
الصباح انتقلنا من عيادة إلى أخرى و حاولنا استدراج كلّ طبيب . و قد نفوا جميعاً
أنهم عالجوا جريحاً جراء إطلاق نارٍ في الليل . مضى اليوم و كلّما مرت الساعات كانت
تتضاءل إمكانية أن نعثر على أعقاب المطلوب .
التقيت مساء في مكان سرّي مع
عميلٍ عاش في أحد مخيمات اللاجئين قرب المدينة و كانت كلماته الأولى التالي : "هل
أطلقتم النار أمس على شخصٍ ما في بيت فوريك ؟" فأجبت بالإيجاب ، فقال العميل :
"مطلِق النار قنّاص ممتاز حيث نجح في أن يسدّد عيارين في الساق اليسرى للشخص الذي
تبحثون عنه" ، و حسب أقواله فقد وصل الجريح للعلاج لدى طبيب يعيش في مخيّمه و لم
يكن لديه تفاصيل أخرى .
كان عميلنا مقرّباً من نفس
الطبيب و لو أننا سارعنا إلى استدعاء الطبيب للتحقيق لكنا قد "حرقنا" عبثا رجلنا ،
و من شبه المؤكّد أننا كنا سنعثر في أحد الأيّام القريبة على جثته ، و قد اخترقها
الرصاص ملقاة في حقلٍ ناءٍ .
و مع ذلك لم يكن هناك مناص من
اعتقال المطلوب فهو لم يكن تافهاً و ألحق نشاطه ضرراً كبيراً بنا . و كان علينا على
أية حال أن نخلق ظروفاً تسمح لنا بالحصول على المعلومات المطلوبة دون إثارة شكوك
الطبيب .
عمل ضابط لشؤون الصحة في قيادة
يهودا و السامرة في الحكم العسكري و قد طلبت منه أن يستدعي كل الأطباء الذين يعيشون
في نابلس و مخيمات اللاجئين قرب المدينة لاجتماع طارىء حول موضوع مهنيّ ما . و في
صبيحة اليوم التالي اجتمع الأطباء لديه و بينهم الطبيب الذي عالج الجريح . طلبنا من
رجل "شاباك" عمل في منطقة أخرى – و لذلك لم يكن معروفاً لأيٍّ من الأطباء – أن
يشارك في الاجتماع تحت ستار ضابط قيادة لشؤون الصحة ، و قد وصل ، و في إحدى
الاستراحات فتح محادثة مع الطبيب الذي تحدّث له عن عمله و عن المشاكل المهنية التي
يواجّهها .
طرح رجلنا أيضاً مشكلة مهنية و
روى للطبيب أن قوة من الجيش (الإسرائيلي) قامت بدورية روتينية في بيت فوريك و دخلت
إلى منزل أحد السكان و أطلقت النار عليه عندما حاول الهرب ، و تأوّه رجل "الشاباك"
قائلاً إن "المشكلة هي أن يتضح لنا فيما بعد أن هذا الشخص بريء . لقد أطلقت النار
عليه خطأ و يخشى الجيش من أنه إذا ما توفيّ متأثّراً بجراحه أن تثار فضيحة" .
كان يبدو أن الطبيب قد تشجّع
على الاعتقاد أن (الإسرائيليين) يبحثون عن الجريح من أجل تقديمٍ علاجٍ طبي أفضل له
لإنقاذِ حياته . و أكثر من ذلك و لأن رجل "الشاباك" المتخفّي أكد أن الجريح بريء
استنتج الطبيب أن الحديث يدور عن مسألة إنسانية و لهذا من الجدير به أن يتعاون . و
فعلاً نجح تكتيكنا و طلب الطبيب مسبقاً أن يضمن له ألا يعاقب بعد ما سيقوله ، و
قدّم له الضمان فوراً .
اعترف قائلاً : "عالجت هذا
الجريح و أخرجت الرصاصتين من رجله و نقلته إلى منزل أحد أقربائي حتى يستريح قليلاً"
. و قد زوّد رجلنا بالعنوان فخرجنا إلى هناك فوراً و اعتقلناه . هدّدت منظمات
(التخريب) باستمرار باغتيال رجال "الشاباك" في نابلس و لهذا اعتدنا على التوجّه إلى
المدينة مع مرافقة مسلّحة من قبل جنود أو شرطة حرس الحدود . و قد ألقيَت باتجاهي
مرتين قنابل انفجرت و فقط بأعجوبة لم تصبني . و ذات مرة ألقيت قنبلة إلى داخل الجيب
الذي أقلّني و لحسن حظي لم تنفجر القنبلة .
عندما ولد ابني البكر أمير عرف
بذلك مذيع راديو "فتح" قبل أن تصل البشرى إلى عددٍ من أفضل أصدقائي ، فأعلن المذيع
بنغمة تهديدية قائلاً : "ميجور يعقوب نحن نعرِف بالضبط أين تتنزّه زوجتك مع الطفل
الذي ولد لكما .. إذا لم تتوقّف عن ملاحقتنا سيقوم رجالنا بتفجير العربة مع الطفل و
سيقومون بتصفية زوجتك .." و في أول إجازة لي بعد ذلك البث أحضرت ليعيل مسدساً
محشواً بالرصاص حتى تحمِله معها في كلّ مكان ، و فعلاً فقد اعتادت التنزه مع أمير
لفترة طويلة حسب تعليماتي فيما كان المسدس مخفياً تحت حرامه .
واجهت في نابلس للمرة الأولى
نساء عملن في (التخريب) ، كان عددهن ضئيلاً و لكن المهام التي قمن بها لم تقلّ في
أهمّيتها عموماً عن مهام الرجال . و في أحد أيّام السبت دوّى في المدينة صوت انفجار
هزّ البيوت و حطّم زجاج النوافذ ، و تصاعدت كتلة من النيران وسط الدخان من داخل
القصبة . سارعنا إلى هناك و اكتشفنا أن منزلين كبيرين متجاورين قد انهارا و اتضح
بعد استيضاح قصير أن المبنيين يعودان إلى عائلة أبو غزالة ، إحدى العائلات المعروفة
في القصبة .
لم يكن ربّ العائلة في البيت
عندما وقع الانفجار و قد عثرنا عليه و سافرنا معه إلى المستشفى حيث جمعت أشلاء شخصٍ
أحضرت من مكان الانفجار . أريناه الأعضاء المحروقة فشخص ابنته شادية ، و حتى تلك
اللحظة لم يكن يعرِف لا هو و لا نحن أن المرأة الشابة كانت عضوة في إحدى منظمات
(التخريب) ، و قد قتلت فيما أسميناه – و نسمّيه حتى الآن – حادث عملٍ عندما كانت
تعدّ عبوة كبيرة من المواد الناسفة من أجل عملية في (إسرائيل) . و منذ ذلك الوقت
قابلت عدة (مخرّبات) اعتقلن و القاسم المشترك لهن جميعاً كان القدرة على الصمود في
التحقيق . كن يصمّمن على آرائهن ، يتغلغل فيهن الكبرياء الوطني و يثقن بعدالة
نضالهن .
|