الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

عودة

 

 

موشيه ديان يزدري الخطر

 

أيلول 1968

 

نابلس 1968 هي مدينة التناقضات ، ففيما كان (المخرّبون) يهدّدون و حتى يحاولون اغتيالي شاركت في لقاءات اجتماعية لوجهاء نابلس التي حملت طابع صالون سياسي . و قد عرف الجميع أنني رجل "شاباك" إلا أن ذلك لم يزعجهم ، كانت هذه اللقاءات تعقد في منزل ريموندا الطويل ، النشيطة سياسياً (حماة عرفات فيما بعد) و كانت الشاعرة فدوى طوقان – التي كتبت قصيدة شهيرة عن توقها إلى التهام كبد جنديّ (إسر ائيلي) – تلقي أحياناً على المجتمعين بعض إبداعاتها الجديدة عن الاحتلال الصهيوني .

كنت أجري الكثير من المحادثات مع ريموندا ، و هي عربية فخورة تحتقر الصهيونية و لم ترَ حلاً وسطاً بين كلا الشعبين. و لم ننجح في التوصل إلى تفاهم حولَ أي موضوع مرتبط بـ (إسرائيل) . و مع ذلك فهي امرأة حكيمة و محادثة مثيرة للاهتمام و كانت الزيارات إلى منزلها تعلّمني الكثير عن مزاج القيادة العربية في المناطق . و أحياناً كنت أزور الشاعرة الوطنية فدوى طوقان و لم أكن (الإسرائيلي) الوحيد الذي يدخل منزلها ، فقد كان وزير الدفاع موشيه ديان يشمل تقريباً في كلّ جولة له في نابلس زيارة إلى بيتها و يجري معها محادثات طويلة .

أنا أحترم موشيه ديان بسبب كونه سياسياً استثنائياً و عسكرياً محترفاً ، و لم يغب عني أي تصريح له أو مقابلة صحافية معه . و كنت أؤمن أنه الشخص الذي يستطيع أن يقود إلى حلّ بهذا الشكل أو ذاك يؤدّي في نهاية الأمر إلى السلام .

جرى لقاؤنا الأول في ظروفٍ غير عادية و قد حدث ذلك في أعقاب بلاغٍ عاجل تلقّيته من يهودا أربيل ، فقد أمرني هاتفياً قائلاً : "يوم السبت كن في مفترق بيت ليد الساعة السابعة و النصف صباحاً . أحضر لوحدك بدون حرّاس . ستلتقي هناك مع موشيه ديان و تسافر معه إلى حيث يريد" .

وصلت إلى المكان قبل الموعد و انتظرت على أهبة الاستعداد داخل سيارتي "الكرمل" . و في الساعة السابعة و النصف بالضبط توقّفت سيارة خلفي و خرج منها شخص ما و دقّ بأصابعه على زجاج سيارتي . كان هذا موشيه ديان بدون كمّادة العين يضع نظارات شمسية قاتمة .

قفزت من السيارة متأثّراً و رحّبت به بشكلٍ رسميّ ، "مرحباً سيدي الوزير" فابتسم ديان لي و قال : "ادعني موشيه ، تعال و تعرّف على صديقتي" .

توجّهنا إلى السيارة و كانت تجلس فيها امرأة شقراء جميلة تعرّف نفسها باسم راحيل . (في عام 1972 ، بعد طلاقه من زوجته روت ، تزوجّها) .

بدا كلاهما كمن خرجا لقضاء نزهة سبت مريحة . طلب ديان أن أدخل إلى السيارة و قال : "أريد أن أسافر إلى اسكاكا" . شحب وجهي فالاسم ليس غريباً بالنسبة لي و أنا أعرف جيداً القرية التي تقع على طريق القدس – نابلس ليس بعيداً عن مفرَق تفوح في قلب منطقة مليئة بـ (المخرّبين) .

كانت تلك فترة قاسية على نحوٍ خاص ، فنابلس تشتعل و الضفة تضطرب و العمليات بلا توقّف . و كلّ سفرة إلى اسكاكا بدون مرافقة عسكرية ثقيلة بمثابة عملٍ غير مسؤولٍ في نظري . و السفر إلى هناك في تلك الظروف مع موشيه ديان الرجل الذي أشرف على احتلال الضفة بدا لي حماقة مطلقة . و ليس هذا فقط ، بل إن (الإسرائيلي) المكروه أكثر في المناطق و الهدف المنشود لكلّ مغتالٍ عربيّ ليس مسلحاً . فقد كان بحوزتي مسدس و مشطي طلقات لا أكثر .

تجرأت و سألت : "ما الذي سنفعله في اسكاكا ؟" .. "حفريّات" ، أجاب ديان باختصار و شغّل السيارة دون أن ينتظر جوابي و بدأ بالسفر . وصلنا إلى اسكاكا بعد أقل من ساعة ، و هي قرية صغيرة تعد 400 نسمة عموماً ، و على غرار القرى النائية في الضفة لا يوجد هنا ماء و كهرباء و تتدفّق المجاري في الأزقة الترابية . و في هذا الوقت يوجد الكثير من الأشخاص في الخارج .

و بالنسبة للقرويين الذين ينامون عند الغروب مع الدجاج و ينهضون معها صباحاً فإن ساعة الصباح التي ندخل فيها إلى اسكاكا هي منتصف اليوم . و لأنه يوم سبتٍ فإن غالبيتهم لم يخرجوا للعمل في (إسرائيل) . و خلال دقائق معدودة كنا نقف على أية حال في مركز الاهتمام .

توقّف ديان و نشر خارطة و قال لي : "إسألهم كيف نصل إلى مركز القرية" فسألتهم و أروني . و اتضح لي بعد ذلك أنه كان لدايان مستكشفين يبحثون له عن مواقع حفريات أثرية في الضفة و هم الذين أرسلوه إلى اسكاكا .

توجد في مركز القرية فوهة تذكّر صورتها بحفريات تمّ هجرها خلال العمل . أخرج دايان من صندوق السيارة عدة أدوات حفرٍ و قال لي : "أشرِف على راحيل" و دخل في الفوهة .

بدأ عشرات القرويين الذين شخصوه فوراً بالإسراع نحونا و بدأوا يصرخون من كلّ اتجاه "هذا الوزير" و يتجّمعون حول موقع الحفر . بقيَت مع راحيل في السيارة و اختفى دايان عن أنظارنا و شعرت بأن كارثة قد تحدث في كلّ لحظة .

أمسكت بيدِ راحيل و رحت أشقّ طريقاً لها و لي بين القرويين و نزلنا في الحفرة و افترضت أنهم لن يتجرّأوا على المس بامرأة و لا بنا نحن الثلاثة معاً .

حفَر دايان ببطء و حذرٍ و هدوء متجاهلاً تماماً كلّ الضجّة حوله و أخرج من الأرض قطعاً فخارية و زجاجية رائعة الجمال فيما تقف كلّ القرية حولنا و تنظر بانفعال .

كان دايان يتوجّه إلينا منفعلاً كلّما كشَف قطعة إضافية قائلاً : "أنظروا .. شاهدوا كم هي رائعة" ، و بدا أنه كان مأسوراً تماماً في عالم آخر .

المفاجأة الكبرى ، تصرّف السكان بعكس ما توقّعت تماماً ، فقد أحضر شخصٌ ما كرسياً صغيراً لراحيل فيما قدّم لنا آخرون العصير و القهوة و الفواكه و كان يمكن لأجنبي لو صادف وجوده في المكان أن يعتقد أنه يشاهد تصوير مشهدٍ من فيلم سريالي .

و لكنّني لم أعتزم تحدّي القدر أكثر من اللازم فاستدعيت حرس الحدود عبر جهاز الاتصال الموجود في سيارة دايان ، و خلال دقائق معدودة دخلت كلّ قوات الأمن في المنطقة حالة التأهب خوفاً على مصير دايان .

بعد وقتٍ قصيرٍ وصلت إلى القرية قوات كبيرة من حرس الحدود فطلبت أن يتعاملوا جيّداً مع القرويين و أن يكتفوا بحراسة المكان و مراقبة ما يجري و ليس أكثر .

واصل دايان الحفر لفترة قصيرة و فجأة تم تلقّي نبأ إعلان تقديم استقالة حمدي كنعان رئيس بلدية نابلس ، و ما لم يفعله لدايان الخطر في القرية فعله هذا النبأ فتوقّف عن الحفر و جمع غنيمته و انطلق مسرِعاً برفقة سيارات جيب حرس الحدود إلى بيت كنعان .

و في الطريق إلى نابلس اتصل دايان مع سائقه و طلب منه شراء هدية كبيرة تتكوّن من الأطعمة اللذيذة و الشوكولاتة الفاخرة و أن يجلبها فوراً إلى منزل رئيس البلدية .

وصلنا إلى منزل حجري فاخر و استقبلنا بابتسامات حسب التقاليد العربية في استقبال الضيوف ، و كان هناك أيضاً حاكم نابلس العسكري البريغادير جنرال تسفي عوفر – الذي قتِل بعد وقتٍ ما عندما كان قائداً لدورية "حروب" و ذلك في اشتباكٍ مع خلية (مخرّبين) قرب شارع القدس – أريحا ليس بعيداً عن معاليه أدوميم .

كان اللقاء مع كنعان يكتسب أهمية خاصة على ضوء دعوة منظمات (المخرّبين) للعصيان المدني ، حيث خشي دايان أن تؤدّي استقالة رئيس بلدية نابلس ، أحد الوجهاء المقبولين جداً في الضفة ، إلى إضافة الزيت على النار ، و لهذا أراد منع هذه الخطوة بأيّ ثمن .

و هنا في منزل حمدي كنعان رأيته للمرة الأولى خلال عملية دبلوماسية . كان ليناً و صلباً في ذات الوقت ، محادثٌ رائع و واضح التعبير ، و قد فوجِئت أن إلمامه باللغة العربية أقلّ مما قدّرت . كان يتحدّث بالإنجليزية و يطعمها بعبارات عربية . تحدّث كنعان بالإنجليزية و العربية و كنت أترجم عندما تدعو الحاجة لذلك .

تحدّث دايان بارتياح و بنغمة مقنِعة حول فرصة إيجاد حلّ سياسي للشعب الفلسطيني و حول خطته لتوسيع نطاق انتقال الناس و البضائع عبر جسور نهر الأردن في كلا الاتجاهين . و قد بدأت هذه القصة في تموز 1967 عندما تراكمت منتجات زراعية في أنحاء يهودا و السامرة و لم يكن ممكناً تسويقها علناً شرقي نهر الأردن ، كما أن الجسور على نهر الأردن تم تفجيرها خلال حرب الأيام الستة .

بدأ مبادرون من القطاع الخاص بنقل الفائض في شاحناتٍ عبر المناطق الضحلة للنهر – معابر نهر الأردن حسب التعبير التوراتي – و سرعان ما بارك ذلك القيادات العليا فالأعلى بدءاً من قائد القطاع و مروراً بقائد المنطقة و وصولاً إلى وزير الدفاع . و عندما توسّعت الأنشطة و اقترب الشتاء تم إنجاز تسوية بشكلٍ غير مباشر مع الملك حسين بمساعدة حمدي كنعان و أقيم على نهر الأردن جسران ، قرب أنقاض جسر دامية و جسر اللنبي .

و بدأت تدبّ حركة كبيرة على الجسرين لم تتوقّف حتى في ذروة حرب "يوم الغفران" . و في أيلول 1968 عندما جلسنا في منزل كنعان في نابلس كانت المبادرة كلّها في مراحلها الأولى و لهذا كان هناك إمكانية أمام ديان للحديث بشكلٍ موسّع عنها . أصغى حمدي كنعان باهتمام و دعانا إلى مأدبة غداءٍ دسمة مع أبناء عائلته و في نهاية المطاف تكرّم بالتراجع عن استقالته .