الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

عودة

 

 

"الشيطان في عباءة"

 

في العام 1972 قام يهودا أربيل بنقلي من طولكرم إلى وظيفة جديدة حيث عيّنت رئيساً لقسم ملاحقة التنظيمات السياسية في منطقة القدس ، و الضفة الغربية . و بناءً على ذلك اتخذت موقعاً لي في قيادة أركان جهاز الأمن العام (الشين بيت) في القدس . و كانت أولى المهمات التي أوكلت لي هي إلقاء القبض على هيئة تحرير و مطبوعات صحيفة الحزب الشيوعي "الوطن" ، التي كانت تصدر في المناطق المحتلة . و في ذلك الحين كان الحزب الشيوعي الفلسطيني على علاقة مع الحزب الشيوعي في الأردن ، و الصحيفة الشهرية التي كانت تطبع بشكلٍ سريّ كانت مليئة بالشعارات التحريضية ضد (إسرائيل). و كانت الصحيفة توزّع فقط على المشتركين . و مع كونها ناطقة باسم الحزب الشيوعي ، كانت جميع أقسامها و فروعها محاطة بسياج من السريّة و الكتمان بحيث كان من الصعب تعقّب آثارها . و حتى بعدما تمكّنا من إلقاء القبض على موزّعي الصحيفة ، بعد جهدٍ جهيد ، اتضح لنا أن الأشخاص الذين كانوا يقومون بتوزيع الصحيفة لم يكونوا على معرفة بمكان هيئة التحرير و دار الطباعة . و قد بذلنا جهداً كبيراً للعثور على مصادر الورق و المعدات اللازمة للطباعة ، و لكن جهودنا ضاعت هباء . لقد كان الأمر أشبه بلعبة القط و الفأر ، استمرت حتى مطلع الثمانينيات ، عندما كنت قائداً للواء القدس و منطقة الضفة الغربية . في ذلك الوقت تمكّنا بفضل عملية منهجية و مقارنة متعدّدة بين عددٍ من المعلومات الاستخبارية العثور على هيئة التحرير و دار الطباعة في مكانٍ يقع في طابق تحت الأرض بأحد المباني السكنية الخاصة ، في ضاحية الرام بالقرب من القدس . و بعد ذلك توقّفت صحيفة الوطن عن الصدور .

و بحكم عملي كرئيس قسم ملاحقة التنظيمات السياسية السرية ، انحصر عملي في المجال التنفيذي و بشكلٍ خاص في تحليل الأوضاع ، و متابعة التطوّرات السياسية في منطقة عملي و التنظيمات على مختلف أنواعها . و قد اجتمعت مع العديد من الشخصيات العربية كي أستمع إلى أفكارهم . و كان من أبرزهم عبدالرؤوف الفارس ، عضو البرلمان الأردني السابق . لقد كان شخصيّة ذات طلقة مهيبة . و كان يقطن في بيت فاخرٍ في قرية طلوزة بالقرب من عيون وادي البيذان . و في أولّ مرة تقابلنا فيها كان على وشك الاستقالة من البرلمان الأردني . و كان من الشخصيات التي لعبت دوراً في الحياة السياسية في الضفة الغربية ، و كانت له علاقات سياسية و اجتماعية مع العديد من كبار الزعماء الفلسطينيين . و قد تهيّأت لي الفرصة للجلوس معه ساعات طويلة حيث استمعت إلى آرائه الصريحة . من ناحية أخرى قضيت وقتاً طويلاً في اجتماعات مع شخصيات عربية أخرى ، استطعت من خلالها أن أحصل على صورة واضحة المعالم عن الوضع و عن ما آلت إليه الأحوال .

في صبيحة أحد الأيام ، عندما كنت في منزلي في "عين حرود" أصبت بوعكة ، تناولت أقراصاً كي أخفّف من آلامي ، و خرجت من البيت و صعدت إلى سيارتي وغادرت الكيبوتس و معي سيّدتان من السويد حضرتا للعمل كمتطوّعات ، و طلبا مني أن أنقلهما معي إلى القدس حيث يقع مكان عملي . و بالفعل بدأنا الرحلة في الساعة السابعة و النصف صباحاً و سرنا بالسيارة وقتاًً طويلاً دون حدوث أية مشكلة ، حتى بدأت الأقراص تحدِث أثرها في جسمي . و فجأةً بدأت سحابة من الغثيان تغطّي عينيّ فقدت على إثرها السيطرة على نفسي و غلبني النوم أثناء قيادة السيارة في الطريق المليئة بالمنعطفات التي توصل إلى رام الله . و في هذه لحظات اصطدمت سيارتي مع سيارة عربيّة من المناطق المحتلة بقوة شديدة ، ممّا أدّى إلى خروج السيدتين المتطوّعتين إلى خارج السيارة و إصابتهما بجروحٍ بسيطة . أما أنا فقد انحشرت بين أنقاض السيارة و فقدت الوعي . و لحسن حظّي تصادف قدوم أحد الأصدقاء إلى مكان الحادث بعد عدة دقائق ، قام باستدعاء النجدة عن طريق جهاز اللاسلكي . و مرّت ساعات طويلة قبل إنقاذي من بين حطام السيارة . ثم نقلت بعد ذلك إلى مستشفى هداسا في القدس .

لقد تعامل معي الأطباء على أنني ميّت ، و توصّلوا إلى استنتاج بأن إصابتي كانت بالغة جداً و أنه لا توجد احتمالات لبقائي حياً . و مضت فترة من الزمن تأرجحت خلالها بين فقدان الوعي و صحوات قصيرة . و كانت الآلام شديدة بحيث لم تترك لي مجالاً للراحة . و قد أجريت لي عدة عمليات جراحية ، و في مرحلة معيّنة فكّر الأطباء في ضرورة قطع إحدى رجلاي ، و قرّروا إجراء عملية سريعة لاستئصال الرجل – و لكن لسببٍ من الأسباب غيّروا رأيهم في اللحظة الأخيرة . و لحسن الحظ أعطيت مهلة لقطع رجلي .

مكثت لمدة عامٍ كاملٍ و جسمي مغطّى بالجبس . و قد تم إنقاذ الرجل التي كانت ستقطع ، و لكن كان من الواضح أنها لن تعود في يوم من الأيام إلى تأدية وظيفتها على الوجه الأكمل . و ساد الاعتقاد لدى الأطباء بأنني سأخرج بعاهة دائمة ، و هذا ما حدث بالفعل . عندما غادرت المستشفى أفاد تقرير طبي أنني أعاني من عجز دائمٍ بنسبة خمسين في المائة . لقد عانيت من عرجٍ بسيط و من نوبات متكرّرة من الآلام التي كانت تعاودني من حين لآخر . لقد وصلت حالتي إلى وضعٍ أنني لا أستطيع الرقص مثلاً طوال سهرة ليليّة راقصة .

من عادة جهاز الأمن العام أنه لا يمنح العاملين فيه إجازاتٍ طويلة ، و هكذا رغم وجودي في الجبس ، و الآلام التي كنت أعاني منها ، تعوّد الجهاز إحضار بعض المهمات التي كنت أقوم بعملها و أنا في المستشفى . فعلى سبيل المثال ، أحضروا إلى غرفتي الطيّار الليبي الذي ضلّت طائرته و اضطر إلى الهبوط في صحراء سيناء . لم يكن الطيّار يعرفني ، و طلب منّي التحقيق معه للتأكد من صحة دعواه بأنه لم يكن يقصد دخول المجال الجوي (الإسرائيلي) . و هذه المهمة لم تكن سهلة . لقد كان الطيار الشاب البالغ من العمر خمسة و ثلاثين عاماً يعاني من حروقٍ في جميع أنحاء جسده ، و كان في بعض الأحيان يهذي بكلمات غير مفهومة ، و مع ذلك أصر في أقواله على أنه لم يكن ينوي اختراق المجال الجوي (الإسرائيلي) . و بعد ذلك أحضروا إلى غرفتي بعض (المخرّبين) الذين أصيبوا بجراح ، كي أحاول الحصول منهم على اعترافات قاموا بإخفائها عن المحقّقين .  من ناحية أخرى تعوّدت جوقة الطلاب المقدسية زيارتي للتخفيف من آلامي و الترويح عني .

في تشرين الثاني من العام 1973 ، مرّت إحدى الأيام الصعبة ، حين اشتدت بي الآلام فجأة و لم تتمكّن الأدوية من تخفيفها ، و في نفس اليوم أبلِغت عن مقتل زميلي و صديقي الحميم ، باروخ كوهين ، في مدريد . لقد كان رجلاً ذكياً و حذِراً و لم يخطر ببالي أنه سيقع ضحيّة لخدمة معينة .

و علمت أن حادث القتل وقع في وضح النهار في أحد الشوارع الرئيسة بمدريد . و نشرت إحدى الصحف الأسبانية نبأ قالت فيه إنه قبل عدة دقائق من قتلِه شوهد و هو يتحدّث مع قاتله . لقد اعتدى عليه القاتل بمسدّس كاتم للصوت و أثناء محاولته الهرب أصاب أحد عابري الطريق بجراحٍ بسيطة . لقد توفيّ باروخ قبل أن يتمكّن الأطباء من إجراء عملية جراحية له . و آخر كلمات تفوّه بها باروخ أنه قال : "إن القاتل فلسطيني" . و عندما غادرت المستشفى لم أتوجّه مباشرة إلى منزلي ، و لكن توجّهت إلى المقبرة حيث قمت بزيارة قبر باروخ كوهين .

لم تكن عملية شفائي من الإصابات سهلة ، لقد كانت عملية بطيئة و مؤلمة . كانت تمر بعض الأيام كنت أعتقد خلالها بأنه لن يأتيَ اليوم الذي أتمكّن فيه من السير على أقدامي . في صبيحة أحد الأيام حضر لزيارتي قائد اللواء ، إسحاق ، و جلس إلى جانب سريري و سألني قائلاً : "ما رأيك في تولي منصب رئيس قسم محاربة الإرهاب ؟" . و هذا الأمر كان يعني ترقيتي إلى رتبة جديدة ، و لكنه في نفس الوقت كان اقتراحاً جنونياً . لقد كنت هيكلاً عظمياً ، بعدما انخفض وزني إلى أقلّ من خمسين كيلوغراماً ، و كنت أسير مستعيناً بعكازين ، و كانت أنفاسي تخرج من صدري بصعوبة . و كنت أشعر بالإعياء بعد ممارسة أيّ جهد مهما كان بسيطاً . لم يكن أحد يتوقّع بأنّني سأعود إلى ممارسة أعمالي و أنا في هذا الوضع . و لكن من بين جميع الأشخاص الذين عرفتهم كان إسحاق هو الشخص الذي لم يكفّ عن محاولة إقناعي بأنني يمكن أن أعود إلى تنفيذ الأعمال التي حرمت من القيام بها . و كنت في كلّ مرة أبتسم في وجهه ابتسامة باهتة و أقول له "ربما حدث ذلك" .

في تلك الأيام كثر الحديث عن المطران هيلاريون كابوتشي ، رئيس الكنيسة الإغريقية الكاثوليكية في القدس منذ العام 1965 . ولد كابوتشي في سوريا في العام 1922 ، و كان شاباً يافعاً ، أسمر البشرة ، يميل إلى الصلع ، ذا لحية سوداء كالفحم ، و كان يتباهى بلبس عباءة القساوسة من أغلى الأصناف (و تعوّد المقربون منه أن يطلقوا عليه لقب "الشيطان في عباءة" و عرفنا عنه أنه كان رجلاً طيب الحديث ، ذكيّ يقظٌ لم ينقطع عن ملذات الحياة و كان لطيفاً يحبّ المرح . و في أحد الأيام تقدّم بشكوى إلى الشرطة على إثر سرقةٍ وقعت في بيته و أبلغ عن سرقة خمسين ألف دولار .

و عندما حضر محقّقو الشرطة إلى منزله فجأة قرّر سحب الشكوى . و قد أثّر هذا التراجع المفاجىء شكوك المحقّقين و عندما قاموا بفحص الأمر اتضح أنه قبل وقتٍ قصير خسر مبلغاً مماثلاً في لعب القمار ، و على ما يبدو قام بتسديد الخسارة من أموال رابطة مساعدة النصارى في بيت لحم التي كان يترأسها . في بداية الأمر ادعى أن النقود سرقت منه ، و لكن عندما بدأ التحقيق و أحسّ بأن الحقيقة ستظهر في النهاية قرّر التنازل عن الشكوى في اللحظة الأخيرة .

و اشتهر كذلك عن المطران أنه يحب مغازلة النساء . و علمنا فيما بعد أنه كانت له غراميات مع عددٍ من النساء المسيحيات و المسلمات و اليهوديات .

و ذاعت شائعة قوية عن أنه كان على علاقة حب مع إحدى ضابطات الجيش (الإسرائيلي) و اتضح فيما بعد صحة هذه الرواية . و قد قمنا باستدعاء الضابطة و تحدّثنا معها ثم أطلقنا سراحها . لقد أكثر كابوتشي من الانشغال بتهريب الذهب و الخمور و السجاير و غيرها من البضائع التي عادت عليه بربحٍ وفير . و بناء على طلب الفاتيكان كان يسمح لكبار المطارنة بالدخول من الدول العربية إلى (إسرائيل) دون أن تخضع سياراتهم و أمتعتهم للتفتيش . من جانبه أعرب جهاز الأمن العام (الشين بيت) عن معارضته لهذه التسهيلات على أساس أن (المخرّبين) يمكن أن يستغلّوا هذه الثغرة لتحقيق أهدافهم ، و لكن الحكومة تجنّبت تعكير صفو العلاقات مع العالم المسيحي و رفضت موقف جهاز الأمن العام .

من ناحيتهم أدرك موظّفو الجمارك في جسر اللنبي الذي تعوّد كابوتشي أن يمر عبره من حين لآخر أن تصرّفات المطران كانت تختلف عن غيره من رؤساء الكنائس الأخرى . تعوّد المطارنة أن يجلِسوا في المقعد الخلفي من السيارة و يمرّوا عبر الجسر دون أن ينطقوا بكلمة واحدة .

و على عكس من ذلك كان كابوتشي يخرج من سيارة المرسيدس و يكثِر من الابتسامات و يتحدّث مع الجميع و يوزّع عليهم السجائر و الحلويات عن طيب خاطر . لقد زادت هذه التصرّفات الشكوك في أمره ، و لكن العاملين في الجسر لم يكن باستطاعتهم أن يفعلوا شيئاً . كان كابوتشي يقيم في بيتٍ جميل من الحجر محاطاً بحديقة واسعة في بلدة بيت حنينا ، على حدود الحيّ اليهودي نفيه يعقوب . و تعوّد أن يقيم في منزله حفلات صاخبة يتم خلالها شرب كميات كبيرة من الخمور . و كان يستضيف شخصيات بارزة من المجتمع الفلسطيني و من الطائفة المسيحية و من المجتمع و الحكم العسكري (الإسرائيلي) . و بسبب علاقاته القويّة مع (الإسرائيليين) اتهمته بعض المحافل العربية بالتعاون مع (إسرائيل) ، على الرغم من أن هذا الشيء لم يكن له أساس من الصحة . و لم يخفِ كابوتشي تأييده للقضية الفلسطينية .

و كان يجهر بالحديث ضد الاحتلال (الإسرائيلي) للمناطق ، و كثيراً ما بادر إلى تنظيم مسيرات . و بعد موت الرئيس المصريّ جمال عبد الناصر وقع على عرائض تدين (إسرائيل) ، و كان يوزّع الأموال على أسر (المخرّبين) الذين قتِلوا ، و هو الذي اقترح فكرة تشكيل لجنة سريّة تقوم بتنظيم المعارضة المكثّفة للاحتلال و أيّد فكرة منع العمّال العرب من المناطق المحتلة من العمل في (إسرائيل) ، و قال : "من الأفضل للعربيّ أن يأكل الخبز فقط من قيامه بخدمة (الإسرائيليين)".

كان السادس من آب لعام 1974 ، يوماً حافلا بالأحداث ، فقد تلقّيت محادثة تلفونية عاجلة من مركز عمل جهاز الأمن العام في القدس الذي قال لي "نحن نجلس الآن مع مناوب ، أحضر حالاً" . و كلمة مناوب كانت ترمز إلى العميل الفلسطيني الذي كان يعمل لحسابنا و الذي كنّا نزرعه في صفوف إحدى المنظمات الفلسطينية الموجوة في لبنان أو في سورية بهدف قيامه بتزويدنا بالمعلومات . و كان هذا العميل مدرساً يسكن في جبل المكبر ، بالقرب من قصر المندوب السامي .

و لكي نوهم عناصر فتح و نجعلهم يعطون الثقة لهذا الشخص قمنا بتلفيق تهمتين له ، و ادعينا أنه المسؤول عن حادثين وقعا في القدس : أحدهما الحريق الذي شبّ بالقرب من مصنعٍ للورق في حيّ روميما بالقدس ، و الثاني انفجار عبوة ناسفة وضعت بالقرب من منزل نائب مأمور ضريبة الدخل .

و بعدما زوّدنا العميل بالمعلومات ، أرسلناه إلى بيروت ، حيث اجتمع معه قائد القطاع الغربي من حركة فتح "أبو فراس" . و خلال اجتماعه مع أبي فراس ادعى العميد أنه بمبادرة شخصية قام بإضرام النار بالقرب من مصنع الورق و بوضع عبوة ناسفة بالقرب من منزل مأمور ضريبة الدخل .

في الحقيقة كان أبو فراس هو الاسم الحركيّ لمصطفى عيسى اللفتاوي ، و هو شخصية قوية ، من مواليد القدس ، و يتولى الآن منصب محافظ منطقة رام الله من قبل السلطة الفلسطينية ، و قد اشتهر عنه في تلك الأيام أنه كان من كبار قادة التنظيمات الفلسطينية ، و أنه كان منضبطاً و ذكياً ، و قويّ الشخصية . و قد قام أبو فراس بتنظيم عددٍ كبير من عناصر المنظمة ، و قام بإدخال وسائل قتالية إلى المناطق المحتلة من الأردن و من سورية و لبنان مستعيناً في ذلك بعددٍ من موظّفي وكالة الغوث الدولية و المطارنة . و كان مسؤولاً عن عددٍ من الاعتداءات المسلحة و التفجيرات الشديدة التي وقعت في (إسرائيل) . و قد اتسمت الحرب هذه صفة حرب العقول و قمت أنا شخصياً بقيادة الحرب هذه حيث تمترسنا أنا و هو على جانبي خندق المواجهة .

كان هدفه الأول تهريب السلاح و الوسائل القتالية إلى (إسرائيل) . و كان هدفي الأول التصدي لذلك . لقد وضع نصب عينيه إقامة بنية تحتية للمنظمات الفلسطينية في القدس و الضفة الغربية . و وضعت نصب عيني إحباط هذه المهمة . و تمكّنت من تحقيق إنجازات كبيرة في هذا المجال ، حيث تمكّن جهاز الأمن العام من إلقاء القبض على عددٍ من أفراد التنظيمات و بذلك أحبطنا وقوع اعتداءات مسلحة . و نتيجة لهذه الفعاليات عانت التنظيمات الفلسطينية من نقصٍ شديدٍ في الوسائل القتالية المتطوّرة مما اضطر عناصر فتح في المناطق إلى تجهيز عبوات ناسفة محلية الصنع ، و هو عمل يتطلّب خبرة كافية لم تكن تتوفر لعناصر فتح بصورة دائمة ، كما اضطر (المخرّبون) إلى المخاطرة بشراء مواد خام من السوق السوداء .

و بالإضافة إلى ذلك كانت العبوات المحلية عبوات بدائيّة ليس باستطاعتها إلحاق أضرارٍ بالغة عند انفجارها . كان من طبيعة أبي فراس عدم تصديق القصص من هذا النوع الذي قام العميل بنقلها إليه ، و لكنه صدّق ما رواه العميل في هذه المرة . و تركت أعمال العميل انطباعاً جيداً لدى أبي فراس الأمر الذي دفعه إلى تنظيم العميل في صفوف فتح . لقد تعوّد العميل أن يزوّدنا بمعلومات موثّقة عن فعاليات المنظمات (التخريبية) ، و لكن هذه المعلومات لم تكن تشكّل مرجعية لنا من الدرجة الأولى . لذلك كان من الصعب تصديق المعلومات التي نقلها العميل هذه المرة على الرغم من أنها بالغة الأهمية . و على الرغم من ذلك طلبت من السكرتيرة تأجيل عدة اجتماعات مع العميل كان من المفروض أن أستمع خلالها إلى عددٍ من البلاغات التي أحضرها .

كنت أجتمع معه في شقة تعود لوالد أحد عملاء جهاز الأمن العام (الشين بيت) . و تقع الشقة في مبنى قديم عند مداخل مدينة القدس . و عندما وصلت إلى المنزل أوقفت سيارتي بعيداً عنه حتى لا أثير الشكوك و واصلت المشوار سيراً على الأقدام . في إحدى الغرف كان يجلس العميل برفقة رجلين من رجال جهاز الأمن العام و هما مركز اللواء ، روني ، و مركز المنطقة ، شلومو . لم يكن يعرِف العميل شيئاً عن هويتي ، و لكنه أدرك أنني من كبار موظّفي جهاز الأمن العام (الشين بيت) و عندما وصلت إلى الغرفة طلب منه أحد المركزين أن يروي على مسمعي ما حدث أثناء وجوده في الخارج . و كان العميل قد عاد لتوّه من دمشق . و في دمشق اجتمع مع أبي فراس الذي قاده إلى كراج يقع في إحدى ضواحي دمشق . و عندما وصلا إلى الكراج شاهدا أن أبوابه كانت مقفلة ، لذلك دخلا إلى الكراج من فتحة جانبية . و كانت تقف في الكراج سيارة مرسيدس حديثة ، و قد انشغل عددٌ من العمال بتفكيك قطعها . عندئذ طلب أبو فراس من العميل "أن يتعلّم التفاصيل الكاملة للعمل الذي يجري على السيارة . بعد ذلك قال أبو فراس للعميل إن هذه السيارة ستتوجّه إلى القدس ، و هي تحمل أسلحة و ذخيرة مخبأة بداخلها . و عند وصولها إلى القدس سيكون دورك القيام بإخراج السلاح منها و تسليمه إلى عناصرنا هناك ، و سنزوّدك بأوامر بهذا الخصوص فيما بعد" .

مكث العميل لمدة ثلاثة أيام في الكراج حيث تعلّم عن كثب كيفية إخفاء السلاح في السيارة . كانت الأسلحة مكوّنة من مئات القذائف ، و المواد الناسفة البلاستيكية ، و أصابع المتفجّرات ، و أجهزة لتشغيل العبوات الناسفة ، و من الرشاشات و الذخيرة . و أصابتنا الدهشة عندما علِمنا من العميل أن سيارة المرسيدس هي سيارة المطران كابوتشي و أنها ستصل إلى القدس في اليوم التالي . كان البلاغ مثيراً للدهشة ، و لكننا تظاهرنا بعدم الاكتراث و كأننا نستمع لقصة روتينية عن فعاليات فتح .

القاعدة تقول إنه لا يجوز لرجل المخابرات أن يبدي اهتماماً بالغاً بما يسمعه من العميل ، كي لا يترك لديه انطباعا بأن المعلومات التي قام بنقلها هامة للغاية .

و حول الأحداث الدراماتيكية التي استمعت إليها من العميل كتبت في مذكراتي ما يلي :

"نحن نجري سلسلة من المشاورات العاجلة ، شارك فيها عددٌ من كبار المسؤولين في رئاسة الأركان في تل أبيب . أسرع رئيس جهاز الأمن العام (الشين بيت) ، يوسف هرملين ، برفع تقريرٍ مفصل لرئيس الحكومة ، إسحاق رابين ، الذي أصرّ على معرفة مدى صحة المعلومات . و حذّر رئيس الحكومة من أنه في حالة اعتقال كابوتشي دون أسبابٍ فإن ذلك سيؤدّي إلى أضرارٍ سياسية خطيرة . و لكن هرملين أقنعه بأن المعلومات مؤكّدة ، و في الحال استدعى رئيس الوزراء وزير الخارجية يغئال ألون ، و وزير الجيش شمعون بيرس ، و وزير العدل حاييم تسادوك ، لدراسة الأبعاد السياسية المحتملة بعد اعتقال أحد رجال الدين المسيحيين من ذوي المناصب الرفيعة . و في نهاية الأمر حصلنا على إذن لاعتقال كابوتشي ، شريطة أن نعثر عنده على وسائل قتالية . في السابع من آب عبر كابوتشي جسر اللنبي بسلام ، و واصل طريقه إلى البلدة القديمة في القدس الشرقية و أوقف سيارته إلى جانب الكنيسة الإغريقية الكاثوليكية . في هذه الأثناء أرسلنا عنصرين من جهاز الأمن العام رجل و امرأة متخفّيين في زيّ سائحين حيث قام أحدهما بتصوير الآخر على خلفية المبنى مع حرصهما على أن تظهر سيارة المرسيدس في الصور . كان كابوتشي عرضة للاشتباه منذ زمنٍ طويل بانه يقوم بتهريب بضائع و أشياء أخرى ، لذلك كانت مؤخّرة السيارة منخفضة باتجاه الأرض بسبب الحمولة الثقيلة التي كان يحملها في صندوق السيارة الخلفي . و بعدما حصلنا على الصور ، شاهدنا أن مؤخرة السيارة هابطة لذلك تأكّد لدينا الاستنتاج .

وضعت رقابة حول الكنيسة . و في اليوم التالي ، في ساعات الصباح المبكرة ، علِمنا من المراقبين أن كابوتشي استقل سيارته و انطلق بسرعة باتجاه رام الله . قرّرنا المخاطرة و إصدار الأمر بإلقاء القبض عليه . فقامت سيارة تابعة لجهاز الأمن العام بسدّ الطريق أمام سيارة كابوتشي في طريق القدس - رام الله . و توجّه رجالنا إلى المرسيدس متخفّين في زي شرطة مدنية ، و اتهموا كابوتشي بأنه كان يسير بسرعة فائقة ، و طلبوا منه فحص رخصة السواقة و مستندات السيارة . و في هذه الأثناء قام أحدهم بفتح أبواب السيارة ، و عاد و أغلقها و انحرف إلى جانب الطريق حيث أبلغنا باللا سلكي أن أبواب السيارة ثقيلة أكثر من اللازم . و في هذه الحالة صدرت الأوامر باعتقاله" .

و نقِل كابوتشي مع سيارته إلى كراج الشرطة في المسكوبية ، و تم إخراج جميع السيارات التي كانت في الكراج . و أحيط الكراج بحراسة مشدّدة ، منعت أي أحدٍ من الدخول إلى الكراج . و بذلت محاولات جمة للتعتيم على موضوع الاعتقال . و كان همنا الأكبر ألا ينكشف موضوع اعتقال كابوتشي في هذه المرحلة .

كان وجه كابوتشي قاتماً ، و قد لاحظت أن يديه ترتعشان و هو يشعل سيجارة و هو داخل الكراج . و عندما شاهد الاستعدادات التي اتخذت للشروع في تفكيك سيارته سيطرت علامات الوجوم على تقاطيع وجهه ، و اقتربت منه و قدّمت له كرسياً كي يجلس عليه . و قد حاول الحديث و لكنه لم يفلح في ذلك . قلت له "بعد الانتهاء من تفكيك سيارتك سأعطيك الفرصة للحديث" . و بدأ في اللعب بأصابعه بصورة الوزراء التي كانت معلّقة على صدره ، بينما أخذ يتمتم ببعض الصلوات . و بطبيعة الحال شعرت بالارتياح بعد إلقاء القبض عليه . ليس من الصعب تصوّر الكارثة التي تجنّبنا وقوعها بفضل اكتشاف الوسائل القتالية التي قام كابوتشي بتهريبها ، و بفضل إلقاء القبض على (المخرّبين) الذين كانت له علاقة معهم .. إنني لا أستطيع فهم ما حدث ، ذلك أن أحد رجال الدين ، الذي من المفروض أن يحاول منع سفك الدماء ، ينضم إلى مجموعة من (المخرّبين) هدفها الوحيد سفك الدماء . و استغرق تفكيك السيارة المرسيدس حوالي أربع ساعات و نصف . جرى خلالها تفكيك جميع أجزاء السيارة . و إخراج جميع الوسائل القتالية التي كانت مخبّأة فيها و وضعها على شكلِ كومة خارج السيارة . و في هذه الأثناء كان رئيس جهاز الأمن يجلس في مكاتب الشرطة في مبنى مجاور حيث كان في انتظار الانتهاء من العمل .

إن الكشف عن دور كابوتشي في تهريب الوسائل القتالية كان على درجة من الأهمية ، و لكن الأهم بالنسبة لنا معرفة الجهة التي كانت الوسائل القتالية ذاهبة إليها ، خاصة و أنه وفقاً لجميع الدلائل ، ليست هذه أول مرة يقوم فيها كابوتشي بتهريب وسائل قتالية للمنظمات (التخريبية) في المناطق المحتلة . و قام بإجراء التحقيق فيكتور كوهين ، رئيس شعبة الاستحقاقات في جهاز الأمن العام (الشين بيت) .

في بداية الأمر حاول كابوتشي الادعاء بأنه لم يكن على علمٍ بما وقع في سيارته عندما كانت موجودة في دمشق . و بدت علامات الشحوب على وجهه عندما قلت له إن السلاح كان الغرض منه قتل الأبرياء . و في اعتقادي لم يقدِم كابوتشي على مساعدة حركة فتح حباً للمال و إنما رغبة منه في التعبير عن مساندته للصراع الفلسطيني و دحض جميع الادعاءات و الأقاويل التي تردّدت عن علاقته الوثيقة مع (الإسرائيليين) . في إحدى مراحل التحقيق اعترف كابوتشي أنه قام بتهريب وسائل قتالية بناءً على توجيهات أبي فراس و أنه قام قبل ذلك بتهريب وسائل قتالية و حصل على أموال مقابل ذلك . و بناء على توصيات جميع الجهات التي كان لها علاقة بالتحقيق و توصيات رئيس الوزراء قرّرنا تحويل كابوتشي خلال فترة قصيرة إلى أشبه ما يكون بعميلٍ لنا .

و كان القصد إلقاء القبض عن طريقه على الأشخاص الذين كانت وجّهت السلاح إليهم . و عرضنا على كابوتشي هذا الاقتراح ، و وافق عليه . و أعتقد أنه وافق على التعاون معنا من واقع أمله بأن تكتفي الحكومة بطرده من (إسرائيل) أو أن يحظى مقابل ذلك بتخفيف العقوبة التي ستفرضها المحكمة عليه .

(فيما بعد ، أثناء إفادتي أمام المحكمة ، أوضحت لهيئة المحكمة كيف تعاون كابوتشي معنا ، و لكن المطران لم يكتفِ بذلك ، لقد أصرّ على اقواله بأننا وعدناه بألا نقدّم لائحة اتهام ضده في حالة تعاونه معنا . و بالطبع نفيت هذا الادعاء نفياً قاطعاً) .

و بعدما وافق على التعاون معنا ، حبَكنا له قصةً كي يستعين بها في حالة كون أحد الأشخاص رآه عندما استدعِي للتحقيق في شرطة القدس أو في حالة معرفة أحد أقربائه بأمر اعتقاله . و طلبنا منه أن يقول إنه استدعِي للتحقيق في مركز الشرطة بالقدس ، بعدما وصل بلاغ من نقطة العبور يفيد أن سيارته كانت أثقل من اللازم ، و لذلك اشتبه بقيامه بتهريب مشروبات روحية .

و في نفس اليوم أطلقنا سراح كابوتشي مع سيارته ، بعدما قمنا بإعادة تجميع أجزائها دون ترك أية آثار . و عندما عاد إلى منزله ، اتضح أن القصة التي قمنا بتلفيقها كانت ضرورية له ، لأنه ما إن أفرِج عنه حتى قدم إلى منزله عددٌ من أصدقائه و معارفه لسؤاله عن الأسباب التي دفعت الشرطة إلى استدعائه . و عندئذ قصّ على مسامعهم القصة الملفقة التي قمنا بحبكها و أضاف عليها أشياء من عنده تظهر مدى براعته في التخلّص من الموقف حين قال لهم "لقد خدعت (الإسرائيليين)" . و كان يحكي لهم القصة و بسمة عريضة ترتسم على شفتيه ، "و صدّقوا الرواية التي قالها و مفادها أن السيارة كانت محملة بكتبٍ مقدسة" . خلال عدة أيام تعاون كابوتشي خلالها معنا . و في هذه الفترة تعوّدت و معي رئيس القسم العربي أن نجتمع معه سراً في مستوطنة موتسا المجاورة للقدس ، خلف المنزل المسمّى "البيت الأحمر" . و كان كابوتشي يحضر إلى الاجتماع في سيارته ، و هو في حالة من فقدان الثقة بالنفس و من الشعور بالخوف . كان يرجو بشدة أن نختصر وقت الاجتماع خشية أن تقع عيني أحد معارفه عليه . و في أحد الاجتماعات قمنا بتسليمه حقيبتين كي يضعهما في سيارته ، لأنه وفقا لتعليمات أبي فراس كان من المقرّر أن يوقف سيارته و هي محملة بالسلاح في مكان معينٍ ، و كان من المقرّر أن يحضر العميد إلى المكان و يأخذ السيارة و يقوم بتفريغ الحمولة منها و إرجاعها إليه . و بالفعل قام كابوتشي بتنفيذ المطلوب و قام العميل بالتنسيق معنا ، بوضع الحمولة في مكانٍ معين وفقاً لتعليمات مشغّليه من عناصر فتح . و نحن من جانبنا قمنا بمراقبة الشخص الذي حضر ليأخذ الحقيبتين اللتين كانتا مليئتين بمواد مزيّفة ، و هكذا تمكّنا من اكتشاف مجموعة كبيرة من (المخرّبين) كانت الوسائل القتالية ستصل إليها . في الثامن عشر من آب ، بعدما انتهينا من تشغيل كابوتشي ، قدّم للمحكمة لإصدار أمر لاعتقاله بتهمة تهريب السلاح و المواد (التخريبية) و بتهمة التعاون مع منظمات معادية .

و قدّم كابوتشي للمحاكمة حيث حكِم عليه بالحبس لمدة اثني عشر عاماً . و منذ اللحظة التي أدخل فيها إلى السجن بدأت موجة من طلبات الاسترحام التي قدِمت منه و من جهات مختلفة في العالم المسيحي . بالإضافة إلى ذلك وضع اسمه في رأس قائمة المحرّرين الذين طالبت المنظمات (التخريبية) بالإفراج عنها و استخدامها كورقة مساومة كلما حانت الفرصة و استولى (المخرّبون) على رهائن . و قد رفض جهاز الأمن العام (الشين بيت) جميع طلبات الاسترحام و رفض فكرة الإفراج عن كابوتشي قبل انتهاء مدة محكوميته . و لكن رئيس الحكومة ، مناحيم بيغن ، الذي سعى إلى تحسين العلاقات مع الفاتيكان ، قرّر طرد كابوتشي من (إسرائيل) بعد انقضاء ثلاث سنوات من مدة محكوميته . و أعتقد أن ذلك كان خاطئاً . فالحقيقة أن المطران ، الذي قوبل بالإعجاب من قبل الفلسطينيين ، عكف في مكان منفاه على نشر الدعاية لصالح المنظمات (الإرهابية) . و في العام 1986 كان من المقرّر أن ينضم إلى سفينة العودة التي كانت بمثابة رمزٍ للعودة الفلسطينية . ففي شباط من العام 1988 تم ترحيل 135 فلسطينياً إلى اليونان الذين كانوا قد طرِدوا من المناطق المحتلة في العام 1967 . و كان بعضهم من الشخصيات المرموقة مثل عبدالحميد السائح رئيس المجلس الوطني الفلسطيني . و كان من المقرّر أن يصعدوا على ظهر السفينة ، مع المئات من رجال الإعلام من جميع أنحاء العالم ، و الوصول إلى شواطيء (إسرائيل) ، كي يطلبوا السماح لهم بالنزول من السفينة ، و مواجهة معارضة من (إسرائيل) ، و بالتالي الإثبات للعالم مدى التعنّت (الإسرائيلي) و وضعنا في موقف حرج أمام العالم . و في نهاية الأمر وقع انفجار غريب في السفينة أدّى إلى إحباط الرحلة . في آذار من العام 1994 ، أثناء وجوده في دمشق ، اجتمع كابوتشي مع وفدٍ من عرب (إسرائيل) كانت تقوم بزيارة لسورية . و قد استقبله أعضاء الوفد بالأحضان و بالقبلات . و أكّد المطران لهم "أن العودة إلى الديار ستكون قريبة" .