الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

عودة

 

 

كانت لـ (المخرّبين) جدّة يهودية

      

من جانبنا واصلنا تشغيل العميل الذي ساعدَنا في إلقاء القبض على كابوتشي . و في العاشر من آذار 1990 قتل بعد إطلاق النار عليه من قبل شابين من "القوة الضاربة" التابعة لحركة فتح ، و التي أشاعت (الإرهاب) أيام الانتفاضة . و تم إلقاء القبض على القتلة فيما بعد ، و اتضح من التحقيق معهما بأنهما لم يقصدا قتله و لكن التحقيق معه . و لكن العميل هدّد خلال التحقيق معه بأنه يعرِف واحداً منهما ، مما دفع الإثنان إلى قتله في الحال . و حدث القتل عندما قام الشاب الذي تعرّف عليه العميل بطعنه بالسكين في جميع أنحاء جسده حتى فارق الحياة .

و اتضح فيما بعد أنه كان باستطاعتنا تعقّب آثار كابوتشي حتى بدون الاستعانة بالمعلومات التي حصلنا عليها من العميل عن قيام المطران بتهريب أسلحة إلى (إسرائيل) . لكن الخيط بأيدينا قبل ذلك ، و قد توصّلنا إليه أثناء التحقيق مع خلية (تخريبية) مدرّبة . لقد كانت خلية فريدة من نوعها : كانت مكوّنة من ثلاثة إخوة من عائلة ملاعبة تسكن بجوار مسجد شعفاط . لقد كانوا ستة أخوة ، و كانت جدتهم يهودية ، و كان أحد الإخوة تهوّد و غيّر اسمه إلى اسم يهودي ، و لكن ذلك لم يصرف الإخوة عن القيام بمهمات (تخريبية) أطارت النوم من أعيننا . و على عكس ذلك أراد الإخوة أن يثبتوا بأنه على الرغم من قرابتهم مع اليهود فإنهم مستعدون للمساهمة في النضال الفلسطيني .

و بدأت القصة عندما "قام أحد الإخوة و اسمه زهير حسن عبدالكريم ملاعبة بزيارة للأردن ، للالتحاق بصفوف فتح . كان زهير يعمل كهربائياً ، و كان يبلغ الثامنة عشرة من العمر ، و كان قومياً متشبّعاً بكراهيته لـ (الإسرائيليين) . و لدى وصوله إلى الأردن توجّه زهير إلى أحد أقاربه و اسمه حسن أبو نجمة الملقّب بأبو داود و الذي كان من العناصر البارزة في حركة فتح . و روى زهير على مسمع أبو داود أنه اشتغل لمدة عدة سنوات عند اليهود - حيث عمل مرة في أحد محلات بيع الحلويات في عمارة جاد بالقدس ، و مرة في شركة "زيجلر للأدوات الكهربائية" . و أنه ضاق ذرعاً من هذه الأعمال . و قال إنه يتطلّع بلهفة إلى اليوم الذي يعبّر فيه عن الشعور الوطني الذي يملأ صدره .

و على عكس المتبع ، لم يتحمّس ابو داود لفكرة ضمّه إلى فتح و قال له "إنك لا تزال شاباً صغير السن ، و عليك أن تواصل مشروع التعليم حتى تنضج ، و ليس من الضروري الآن أن تنفق السنوات الجميلة من عمرك في الحروب" . في الحقيقة يجوز الاعتقاد بأن نصائح أبو داود لم تكن نابعة من واقع حرصه على مستقبل قريبه ، و لكن من شبه المؤكد أنه لم يولِ هذا الشاب المتحمّس الثقة الكافية بعد الأخذ بعين الاعتبار أن الدم اليهودي يسري في عروقه . و لكن زهير أبدى إصراره ، و عاد إلى (إسرائيل) ثم سافر إلى الأردن ثلاث مرات ، حاول كلّ مرة التأثير على أبو داود و إقناعه بأنه عقد العزم على محاربة اليهود . و في نهاية الأمر استجاب أبو داود لطلب زهير ، و قام بإرساله إلى بيروت ، بعدما زوّده برقم هاتف أحد السكان المحليين هناك . وصل زهير إلى بيروت ، و اتصل فوراً هاتفياً مع هذا الشخص ، و بعد مضيّ وقتٍ قصير حضرت سيارة كانت تقلّ مصطفى عيسى اللفتاوي "أبو فراس" ، قائد المنطقة الغربية في حركة فتح ، الذي قام ، كما قلنا ، بتشغيل المطران كابوتشي . و بعدما خرج أبو فراس بانطباع جيّد عن زهير قام بإرساله إلى معسكرات التدريب في سورية و لبنان . و قبل عودته إلى (إسرائيل) منح زهير لقباً حركياً هو "نادر" . و قد زوّد كذلك بمبلغ من المال ، كي يجنّده في تنظيم أعمال (تخريبية) ضد (إسرائيل) ، و زوّد كذلك بأسماء النقاط الميتة التي كان من المقرّر أن يعثر فيها على السلاح و الذخيرة و المواد (التخريبية) التي سيتم تهريبها من أجله . و أبلغ كذلك بأن الأوامر ستصدر له عن طريق الشفرة التي ستذكر في بيانات يتم بثها عبر إذاعة بيروت .

عاد زهير إلى القدس و بعد ذلك أرسل اثنين من إخوته و هما زكي و رياض ، لتلقّي التدريب في سورية . و زهير نفسه انضمّ إليهما فيما بعد كي يتلقّى تدريبات خاصة على إطلاق صواريخ الكاتيوشا . و بعد الانتهاء من التدريبات عاد زكي و رياض إلى أرض الوطن . أما زهير فقد سافر إلى بيروت ، حيث قام أبو فراس بترتيب لقاءٍ بينه و بين أحد عناصر فتح ، يدعى "أبو سامح" ، و دار الحديث بين الاثنين ، حيث أكّد أبو سامح على الحاجة إلى تنفيذ اعتداء (تخريبي) كبير في (إسرائيل) يكون الهدف منه زعزعة (الإسرائيليين) و التأثير على روحهم المعنوية . و طرحت خلال الاجتماع عدة احتمالات و اتفق في النهاية على القيام بقتل سائق سيارة أجرة ، و الاستيلاء على سيارته و تفخيخها و وضعها في أحد الأماكن الآهلة بالسكان في قلب مدينة القدس .

و عاد زهير إلى القدس و هو مزوّد بهذه التعليمات و الحماس يملأ صدره و قام بشرح خطة الاعتداء لأخيه . في هذه الفترة كانت المناطق المحتلة تعاني من نقصٍ في المواد (التخريبية) المتطوّرة ، نتيجة للنشاطات الدائبة التي قام بها جهاز الأمن العام (الشين بيت) و تعزيز الرقابة على المعابر الحدودية خاصة مع الأردن . و لكن هذا الواقع لم يصرِف الأخوين عن تحقيق مآربهما . فقد قرّرا تنفيذ المهمة التي أنيطت بهما عن طريق اللجوء إلى مواد (تخريبية) بسيطة و متوفرة .

في 14 نيسان من العام 1974 استأجروا سيارة فولكسواجن حمراء اللون ، و اشتروا خزّان وقود و اسطوانة غاز و قاموا بإخفائهما في ساحة منزلهما . و بعد يومين ، في ساعات ما بعد الظهر انطلقت السيارة المأجورة باتجاه مسشفى "أوغسطا فكتوريا" الواقع على جبل الزيتون . و كانوا على حقّ حين افترضوا بأن المنطقة في هذه الساعة ليست مزدحمة بالناس . لذلك تهيّأت الفرصة للاتصال تلفونياً و استدعاء سيارة أجرة من القدس ، و قد وصلت السيارة خلال وقتٍ قصير و قبل أن يتمكّن السائق ، تسيون أبرجيل ، من معرفة غاية الشباب الثلاثة الذين تحوّطوا السيارة ، أشهر زهير مسدساً على السائق و هدّد بالضغط على الزناد إذا أقدم على التفوّه بكلمة واحدة . في غضون ذلك دخل زكي إلى السيارة و انهال ضرباً على رأس أبرجيل و شرع في خنقه . و بعدما فقد السائق الوعي ، انهال الإخوة عليه بالضربات حتى فارق الحياة . و قاموا بجرّ الجثة و وضعها في صندوق السيارة ، ثم انطلقت السيارتان (سيارة الأجرة و سيارة الفولكسواجن الحمراء) باتجاه منزل العائلة في شعفاط . و بسرعة قام الإخوة بربط خزان الوقود و اسطوانة الغاز مع جثة أبرجيل ، و وضعوا إلى جانبها عبوة ناسفة ، و قاموا بتجهيز التوصيلات الكهربائية اللازمة ، و أغلقوا صندوق السيارة و انطلقوا بها إلى شارع بن يهودا في وسط مدينة القدس .

و في الساعة 19.30 أوقفوا السيارة الملغومة في الشارع . و أسرعوا في الانصراف من هناك ، و هم متأكّدون بأن جهاز التوقيت سيعمل بعد ساعة . جدير بالذكر أن زكي كان كهربائياً ماهراً و الإخوة الثلاثة بالإضافة إلى ذلك كانوا قد اجتازوا تدريبات خاصة في معسكرات فتح .

و في ساعة مبكرة من صباح اليوم التالي تلقّيت بلاغاً من شرطة القدس يفيد أن سيارة مشبوهة تقف منذ ساعات مساء اليوم السابق في شارع بن يهودا ، و قام خبراء المتفجّرات في الشرطة فتح صندوق السيارة و وجدوا فيه جثة لم يتمّ التعرّف على هويتها بعد و خزانين للوقود مربوطين بها . و قد تم إخلاء المنازل المجاورة من مكان وقوف السيارة من جميع سكانها ، و منع المارة من الاقتراب من المكان و أغلقت جميع الطرق المؤدّية له . في هذه الحالة ساد القدس جوّ من الهلع .

في وقتٍ لاحق ، بعدما عاد الهدوء إلى المنطقة اتضح أن العبوة لم تنفجر بسبب عطل فنّي في جهاز التفجير و لكن عندما وصلنا إلى السيارة ، أخذنا بعين الاعتبار احتمال انفجار العبوة في كلّ لحظة ، و لذلك توجّب علينا إبطال مفعولها في أسرع وقتٍ ممكن . و خطر ببالي أن إحدى السيدات التي تعمل معنا ، و اسمها داليا ، زوجة الكولونيل ميرتشي ، قائد وحدة إبطال مفعول العبوات الناسفة التابعة للجيش (الإسرائيلي) . و في الحال قمت باستدعائه ، و خلال ساعة كانت الأعصاب خلالها مشدودة حضر و معه طاقم من المتخصّصين في إبطال مفعول العبوات ، و كانوا يرتدون ملابس واقية . لقد كان ميرتشي رجلاً قوياً من مواليد يوغسلافيا . و بعد ما ألقى نظرة على السيارة و على جهاز التفجير الموجود بداخلها اقترح أن نحاول نقل السيارة أولا إلى موقف للسيارات في القشلة ، في البلدة القديمة . و قرّرنا عدم تكليف أي شخصٍ بقيادة السيارة نظراً للخطر الكامن فيها ، لذلك قمنا بربطها مع عمود جرّ طويل و قمنا بربط العمود مع سيارة جيب ، و سار الجيب ببطىء شديد ، حتى وصلت السيارة إلى مكانٍ مكشوف ، عندئذ تقدّم ميرتشي من السيارة و بدأ في العمل بالتعاون مع رفاقه . لقد استغرقت عملية تفكيك العبوة عدة ساعات ، كان الجميع خلالها في حالةٍ من التوتر . و بعدما انتهت العملية بسلام تنفسنا الصعداء . و من الطبيعي لم يكن هناك ما يدعو إلى الذهاب بعيداً لمعرفة ما كان سيحدث لو لم نقم بالاستيلاء على السيارة .

و بالطبع احتلّ حادث قتل السائق و قصة محاولة تفجير السيارة المفخّخة في القدس عناوين بارزة في وسائل الإعلام العالمية . و قام المسؤولون في فتح باستدعاء الإخوة الثلاثة إلى سورية ، حيث حاولوا معرفة الأسباب التي حالت دون انفجار السيارة . و على الرغم من فشل العملية أثنى المسؤولون في فتح على الإخوة و كالوا لهم المديح بسبب إقدامهم على مثل هذه المحاولة ، و قاموا بإرسالهم لتلقّي التدريبات على إطلاق صواريخ الكاتيوشا . و كانت المهمة التي أنيطت بهم بعد انتهاء التدريبات إطلاق الصواريخ على إحدى المباني الهامة ، كأحدى الوزارات الحكومية أو أحد الفنادق عند نزول أحد الشخصيات السياسية الهامة به . و حسب ما علِمنا كانت هذه أول مرة من المقرّر أن تقوم فيها خليّة (تخريبية) بتنفيذ اعتداء مسلح بصواريخ الكاتيوشا من داخل منطقة (إسرائيلية) . اجتمع أبو فراس معهم و أبلغهم بتعليمات واضحة مفادها أنه يتوجّب عليهم في السابع من أيّار أن يوقِفوا سيارتهم دون أن يقفلوا أبوابها في مكانٍ معين في قرية بيت حنينا و أن ينصرِفوا من هناك لمدة نصف ساعة .

و لدى عودتهم كان من المقرّر أن يجِدوا صواريخ كاتيوشا في السيارة و قنابل و راجمات بازوكا صغيرة ، و مواد (تخريبية) و أجهزة توقيت . و تم إرسال زكي و رياض إلى القدس مرة ثانية أما زهير فقد بقيَ في بيروت .

إن شخصية أبو فراس القاتمة لم تخفِ حقيقة كونه رجلاً ذكياً و ماكراً. فقبل أربعة أيام من الموعد الذي طلب فيه من الإخوة أن يحضروا سيارتهم إلى بيت حنينا التقى مع زهير في بيروت ، و أبلغه أن الخطة تغيّرت و قال له "لقد أخذت بعين الاعتبار احتمال إلقاء القبض على إخوتك من قبل أجهزة الأمن (الإسرائيلية) لدى دخولهم إلى (إسرائيل) عبر الجسر .

و في حالة التحقيق معهم ، سيضطرون إلى الاعتراف عن النقطة الميتة التي حدّدت في بيت حنينا . و في هذه الحالة سيذهب (الإسرائيليون) إلى هناك حيث لن يجدوا شيئاً .

"و الآن بعدما اتضح لي أن إخوتك عادوا إلى بيوتهم بسلام ، باستطاعتي أن أكشف لك عن المكان الحقيقيّ للنقطة الميتة . عليكم الذهاب إلى بيت حنينا و أن توقفوا السيارة في مكانٍ آخر ، و في الساعة الثامنة و النصف مساء ستدخلون إلى مدرسة الكنيسة الكاثوليكية و أن تقوموا بالبحث عن الوسائل القتالية في غرف دورات المياه ، هناك ستجدون ثلاث حقائب و فيهم صواريخ الكاتيوشا و القنابل" .

لقد عمل الإخوة الثلاثة بإخلاص لصالح حركة فتح ، و لكن النقود التي تلقّوها لم تكن تكفي للإنفاق عليهم و لتغطية نشاطاتهم . كانوا يعمَلون في التركيبات الكهربائية و الصيانة و في اليوم الذي كان من المقرّر أن يحصلوا فيه على الحقائب من غرف دورات المياه في المدرسة ، استدعِي اثنان منهم على سبيل الصدفة لتركيب أنتين تلفزيون على أحد البيوت المجاورة . و عندما كانت الشمس تميل إلى الغروب شاهدا سيارة مرسيدس سوداء و هي تدخل إلى ساحة المدرسة حيث استدار الجانب الخلفي منها باتجاه مدخل المبنى . لقد كانت سيارة المطران كابوتشي .

شاهدا الإخوة رجلين و هما يخرجان من السيارة ثم دخلا إلى ساحة المدرسة و أخرجا الحقائب من غرف دورات المياه .

و الآن و بعدما أصبحت صواريخ الكاتيوشا بحوزتهما ، كان عليهما أن يحدّدا الهدف الذي ستطلق عليه هذه الصواريخ . لقد طرحت عدة احتمالات ، و وقع الاختيار على فندق الملك داود ، الذي كان من المقرّر أن ينزل فيه وزير الخارجية الأمريكي هنري كيسنجر ، الذي كان يقوم بجولة مكوكية بين (إسرائيل) و مصر بهدف إنجاز اتفاقية السلام بينهما في أعقاب حرب يوم الغفران . قاموا بنصب صواريخ الكاتيوشا فوق جبر المكبّر القريب من قصر المندوب السامي و صوّبوها باتجاه الفندق .

و في مكانٍ آخر من المدينة قاموا بإعداد جهازٍ ارتجاليّ لإطلاق البازوكا باتجاه حي المصرارة . و كان الهدف إطلاق الصواريخ في وقتٍ واحد .

في نفس المساء ، قبل أن يحين موعد إطلاق الصواريخ بوقتٍ قصير ، مر أحد البدو في الطريق المؤديّة إلى تل الغول ، و هي تلة تقع بين القدس الغربية و حي نفيه يعقوب ، و قد أقيمت عليها أسس المبنى الذي كان ينوي الملك حسين استكماله و جعله قصراً له ، و كان قد شرع الملك في بنائه قبل حرب الأيام الستة . و فجأة مزّق الصمت صوت سيارة مقتربة . وقف البدوي وراء سياجٍ كان في المكان و رأى السيارة و هي تسير بالقرب منه . و أثناء سيرها فتح أحد الأبواب و ألقيت حقيبة إلى خارج السيارة . ثم أقفل باب السيارة ، و بعد عدة دقائق اختفت السيارة . اقترب البدوي من الحقيبة و هو يعتقد أنه ربما كانت تحتوي على أشياء ثمينة . و عندما قام بفتح الحقيبة وجد فيها مواد (تخريبية) و سلاحاً و ما كان منه إلا أن أسرع إلى استدعاء الشرطة . و حسبما هو متّبع تلقّينا في الحال بلاغاً من الشرطة و أسرع رجالنا إلى المكان . لم يكن لدينا أدنى شكّ بأن أحد الأشخاص قام بإيداع الحقيبة في مكانٍ متّفق عليه مسبقاً كي تقوم خلية (تخريبية) بأخذها .

لقد حصلنا من البدوي على خيط معلومات دقيقٍ ذلك أنه تمكّن من التعرّف على أحد ركاب السيارة و هو شخص من عائلة ملاعبة . و في الحال انطلقنا إلى الحيّ الذي يقيم فيه أبناء العائلة و معنا قوات كبيرة من الشرطة و حرس الحدود ، و فرضنا طوقاً شاملاً على المنطقة كي نتمكّن من العثور على أبناء عائلة ملاعبة ، في ذلك الوقت كان الإخوة الثلاثة منشغلين بوضع صواريخ الكاتيوشا على جبل المكبّر . لاحظ أحدهم أن شخصاً يراقبهم من أحد البيوت المجاورة . و على الرغم من أن الأوامر الصادرة لهم تنصّ على ضرورة القيام بقتل أي شخص يشتبه أنه يراقبهم ، فقد نشب خلاف بين الإخوة . طلب زهير أن يقوموا بقتل الشخص الذي كان يراقبهم و زوجته التي كانت تقيم معه في نفس المنزل . و لكن أخواه عارضا هذه الفكرة بشدة . و في النهاية تقرّر عدم اللجوء إلى القتل و مغادرة المكان و العودة إلى البيت . في الحقيقة لم ينسجم هذا القرار مع إصرار هذه العصابة و كان ذلك ثغرة حقيقة في سلوكها المعروف بالعناد و القوة .

عاد الثلاثة إلى شعفاط في سيارة البيجو التي كانوا يمتلكونها . و عندما شاهدوا ما يجري في المكان أدركوا أن قوات الأمن (الإسرائيلية) اكتشفت أمرهم . و في الحال قاموا بتلفيق قصة كي يحتالوا بها على تصرّفاتهم ، و اتفقوا على أن يعود زهير إلى المنزل بالسيارة و يدّعي أنه كان عائداً من العمل . أما الأخوان الآخران فقد اتفق على أن يصلا فيما بعد مشياً على الأقدام و أن يقولا بأنهما كانا في نزهة . و قبل ذلك قاموا بوضع السلاح الذي تبقّى في السيارة في معطف قديم و قاموا بإلقائه و التخلّص منه .

و حسبما تم الاتفاق عليه ، عاد زهير إلى البيت في السيارة ، و بعد مضيّ وقتٍ قصير حضر الأخوان الآخران . و قد تم اعتقال الإخوة الثلاثة و أحضروا إلى التحقيق في مركز شرطة المسكوبية في القدس . و في نفس الوقت أطلقت صواريخ الكاتيوشا بصورة تلقائية وفقاً للخطة التي رسمها الإخوة . ثلاثة صواريخ أطلقت باتجاه حيّ المصرارة و لكن لم تقع إصابات في الأرواح ، و أحد الصواريخ التي وضعت على جبل المكبر عثرت قوات الأمن فيما بعد عليها . و بعد عدة أيام تم العثور على الأسلحة التي تخلّص منها الإخوة في أحد الحقول بالقرب من منزلهم .

جرى التحقيق مع الإخوة ببطىء شديدٍ لأنهم رفضوا في البداية التعاون مع المحقّقين . و قد قمنا بعقد لقاءات بينهم و بين أقاربهم بهدف الوصول إلى شيء و لكن ذهبت هذه الجهود هباء . و في مرحلة معينة اقترح أحد المحقّقين أن نعزف على أحد الأوتار الحساسة لدى الإخوة بأن نذكّرهم بأن جدتهم يهودية . و بالفعل قمنا بإحضار الجدة و لكن اتضح لنا أن هذا كان تصرّفاً خاطئاً من جانبنا . و قالوا للمحقّقين : "لو كان الأمر بأيدينا لا مانع من شنقها على شجرة ، و سنقوم بمساعدتكم في فعل ذلك" .

و في الوقت الذي التزم فيه الإخوة الصمت و رفضوا التعاون مع المحقّقين ، حاولنا أن نتعرّف على كيفية وصول المواد (التخريبية) إليهم . فقد كانت الحدود مغلقة تماماً أمام أية محاولة للتهريب . كان السياج الحدودي مراقباً بواسطة دوريات مستمرة بحيث أصبح من الصعب التسلّل عن طريقه . و هكذا لم يبقَ أمامنا سوى التركيز على احتمال التهريب عبر نقاط العبور الحدودية الرسمية التي يسمح لبعض الشخصيات بدخولها دون الخضوع للتفتيش الأمني . و من هذه الشخصيات المطارنة على سبيل المثال .

و بعدما تمكّنا من انتزاع الاعتراف من الإخوة ، اتضح لنا أنهم حصلوا على ثلاث حقائب مليئة بالوسائل القتالية من مدرسة بيت حنينا حيث يقيم المطران كابوتشي .

و على ضوء معرفتنا لهذا الشخص و تصرّفاته الفاسدة و مواقفه الوطنية لم يكن من الصعب علينا الربط بين الأشياء . و هكذا قرّرنا مراقبته و التنصّت على اتصالاته الهاتفية . و فيما كنا منشغلين بذلك أكّد العميل صحة الشكوك التي كانت تساورنا .

في الثامن من آب اعتقل كابوتشي عندما كان يهرّب المزيد من الأسلحة و الوسائل القتالية و هكذا أسدل الستار على هذه القضية .

أما الإخوة الثلاثة من عائلة ملاعبة فقد قدّموا للمحاكمة و حكم عليهم بالحبس المؤبد ، و لكن أفرج عنهم في إطار صفقة أحمد جبريل . أما زهير فقد غادر البلاد إلى الأردن ، و تزوّج و فتح محلاً تجارياً للأدوات الكهربائية في عمان .

و بعد مضيّ عدة سنوات قام بزيارة عائلته في شعفاط بعدما تحايل على السلطات (الإسرائيلية) و قام بتزييف اسمه ، و لكن جهاز الأمن العام اكتشف الحيلة و قام بطرده من البلاد . و أما زكي فقد ذهب إلى الأردن و أصبح اليد اليمنى لأبي فراس و قام بتجنيد عددٍ من (المخرّبين) . و حاول التسلّل إلى (إسرائيل) بواسطة شهادات مزيفة و لكن اكتشف أمره و طرد من البلاد و بعد ذلك مكث فترة في مصر . و أما الأخ الثالث رياض فلا تتوفر معلومات عن مكان وجوده .

و بعد اعتقال الإخوة قامت قوات الأمن (الإسرائيلية) بهدم منزل عائلة ملاعبة عن بكرة أبيه و كانت المرة الأولى و الأخيرة التي قامت فيها قوات الأمن بتفجير منزلٍ في القدس ، حيث جرت العادة بعد ذلك على الاكتفاء بسد المنزل و منع السكان من الإقامة فيه . و الساحة التي كان المنزل مقام عليها تحوّلت الى رمزٍ قومي حيث تعوّد الفلسطينيون أن يقيموا فيها الإضرابات و المظاهرات ضد الاحتلال (الإسرائيلي) .

و فيما بعد اجتمعت مع أبي فراس في رام الله بعد تعيينه محافظاً لمنطقة رام الله من قبل السلطة الفلسطينية ، كان في الستينيات من عمره . و في جوّ ودّي استعرضنا معاً تفاصيل قضية كابوتشي و محاولات أبي فراس تهريب وسائل قتالية عن طريق موظّفي الأمم المتحدة و محاولاته تنفيذ اعتداءات مسلحة في الضفة الغربية .

و قد تطرّقنا إلى بعض التفاصيل دون الإشارة إلى أسماء الأشخاص الذين قام بتنظيمهم و قمنا بإلقاء القبض عليهم . و خلال السنوات التي تلت قضية كابوتشي و عائلة ملاعبة استمرت المنظّمات في تهريب الوسائل القتالية إلى المطلوبين ، و مع ذلك تمكّنا من الكشف عن عددٍ كبير منها . و من الحوادث الفريدة التي وقعت في العام 1983 حين قمنا باعتقال شابٍ من قرية عين أثناء مروره بجسر اللنبي عائداً من الأردن . لقد ادعى الشاب أنه سافر إلى الأردن ليلتحق بالجامعة في عمان كما كان يفعل غيره من الشباب من سكان الضفة الغربية .

و حسب المعلومات التي توفّرت لنا سافر الشاب إلى الأردن كي يلتحق بالجبهة الديمقراطية بقيادة نايف حواتمة . و خلال التحقيق معه انهار الشاب و اعترف بذلك و أبلغ المحقّقين أنه كان من المقرّر أن يجتمع في رام الله مع مبعوثٍ من قبل التنظيم بعد وصول الأخير من لبنان كي يسلّمه وسائل قتالية و يحصل منه على تقريرٍ مفصّل عن تجمّعات السائحين في (إسرائيل) و عن مواقع الفنادق و الأماكن السياحية فيها ، و عن المصانع و السفارات الأجنبية و ذلك بهدف التخطيط لتنفيذ انفجارات .

و في اليوم الذي حدّد للاجتماع ، نصب رجالنا كميناً في المكان الذي كان من المقرّر أن يلتقي عنده الإثنان في رام الله .

و انتحل أحد رجال المخابرات (الإسرائيلية) شخصية الشاب العربي من قرية عين و أمسك بيده علامة التعارف المتفق عليها و هي نسخة من صحيفة "الهدف" اللبنانية .

و في الساعة المحدّدة وصلت إلى المكان سيارة من نوع "بي.أم.دابليو" تحمل لوحات ترخيص لبنانية . و هذا الأمر لم يكن شاذاً لأن (إسرائيل) كانت قد منحت تصريحاً لبعض الشخصيات من الجنوب اللبناني بالدخول إلى أراضيها مع سياراتهم الخصوصية . توقّفت السيارة إلى جانبه حيث كان بداخلها شابان من سكان جنوب لبنان و عندئذ انطلق رجالنا من الكمين و بسرعة فائقة قاموا بإلقاء القبض على الشابين دون أن يلاحظ ذلك أحد المارة في الطريق و نقِل الشابان إلى أحد منشآت التحقيق التابعة لجهاز الأمن العام حيث أحضرت سيارتهما و بعد فحص السيارة اكتشف أنها تحتوي على مخبأ بين الكرسي الخلفي و صندوق الحمولة في السيارة .

و لم يتمكّن أحدٌ من اكتشاف هذا المخزن أثناء عبور السيارة الحواجز اللبنانية المقامة على طريق بيروت و حواجز قوات الأمم المتحدة و الحاجز الحدودي في رأس الناقورة . و لدى الفحص اكتشفنا في المخزن رشاشاً و خزنات مليئة بالرصاص و قنابل يدوية و أجهزة كهربائية تستخدم في تركيب العبوات الناسفة .