الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

عودة

 

 

الرؤيا خلال ثقب القفل

 

يعتبر قسم الإرشاد فرن الصهر في جهاز الأمن العام (الشين بيت) ، في هذا القسم يتم تأهيل و تجريب رجال الجهاز وفقاً لقدراتهم و وفقاً لمتطلبات الجهاز ، و في هذا القسم يمكن معرفة كلّ شيء عن أي شخص و تمييز المتفوّق و المجالات التي يصلح لها كلّ شخص و من هو المتخلّف بالمقارنة مع الآخرين ، و معرفة إلماماتهم بالأمور بشكلٍ كبير و من لا يولي أهمية كبيرة لها . في هذا القسم الذي كان يشرِف على إدارته إبراهام أخينوف ، كان الرجال يتعلّمون حب القيم ، و الدوافع و الإخلاص للعمل . و من بين آلاف الأشخاص الذين اجتازوا امتحانات التصفية الدقيقة ، و بعد ذلك اجتازوا الدورات المكثّفة التي كان ينظّمها قسم الإرشاد و التي كان يركّز فيها على غرس مبادىء الجهاز في نفوس الدارسين ، كان هناك عددٌ قليلٌ من الأشخاص الذين لم يتوفّقوا في ذلك . كان خريجو قسم الإرشاد من أمهر الرجال ، الذين يفخر بهم الجهاز . لذلك اعتبرت الأمر شيئاً عظيماً عندما اقترح عليّ أخينوف رئيس الجهاز ، الانتقال من منطقة القدس و الضفة الغربية إلى رئاسة قسم الإرشاد .

تسلّمت مهام المنصب الجديد في الأول من تشرين الثاني من العام 1975 ، و أسندت ليَ مهمة رئاسة قسم الإرشاد في وقتٍ كان هذا القسم في بداية تشكيله ، و كان عدد الطاقم العامل فيه بسيطاً حيث كان يضم : رئيس القسم و سكرتيرته ، و مجموعة من المدرّبين الذين يعملون في التدريب على إطلاق النار ، إلى جانب عددٍ من المسؤولين في مجالات مختلفة . كان القسم تابعاً لرئيس قسم التخطيط و التنسيق ، و حيث إن هذا القسم لم يكن قد تمّ تعيين رئيس له ، فقد أسندت إدارة القسم إلى رئيس الجهاز . و بعدما تولّيت منصب رئيس قسم الإرشاد أصبحت تابعاً بصورة مباشرة لرئيس الجهاز الأمر الذي كان شرفاً عظيماً بالنسبة لي . كان أخينوف معلّماً و مرشداً من الطراز الأول ، و كانت له مؤلّفات في مواضيع الإرشاد . و على ضوء ذلك أولى عناية كبيرة لموضوع الإرشاد ، الأمر الذي جعله يهتم بصفة خاصة بالقسم الذي أُسندت إلى رئاسته . و أدركت أنني سأحظى باحترامٍ خاصٍ من قبله و أنه سيحرص على "تدريبي و توعيتي بالسبل اللازمة لتطوير قسم الإرشاد" .

كان العمل في قسم الإرشاد يقوم على أكتاف مرشِدين خبراء على اطّلاع بما يجري في الميدان ، و كانوا على اطّلاع بآخر ما توصّلت إليه علوم الإرشاد ، و كانوا كذلك من ذوي الخبرات الواسعة في مجالات العمل الميدانية . و كان الهدف الاستعانة بهؤلاء المرشدين لتدريب رجال الجهاز على أحدث ما توصّلت إليه علوم الإرشاد .

و مع مضيّ الزمن بدأ قسم الإرشاد في التوسع ، و قد حملنا على كاهلنا مهمات كثيرة و متعددة في مجال الإرشاد . على سبيل المثال ركّزنا بصفة خاصة على موضوع الحراسة ، الذي حاولنا من خلاله تغطية جميع مواضيع الحراسة المخصّصة لحماية السفارات ، و الطائرات ، و المؤسسات (الإسرائيلية) في الخارج و غير ذلك من المواضيع . و في هذا الإطار ركّزنا على موضوع التدريب على إطلاق النار ، و خاصة للأشخاص الذين يقومون بحراسة الطائرات . و قمنا ببلورة تعليمات مفصلة للحراس - في الطائرات ، و في المطارات ، و في مكاتب شركة "إل عال" - تحسّباً لتعرّضها لاعتداءات (تخريبية) . و استعنّا في هذا المجال بشخصٍ يُدعى دايب بكرمان ، كان قد حصل على خبرة في هذا المجال من الجيش الأمريكي و كان يتحدّث اللغة العبرية بطريقة مثيرة للضحك حيث كانت مخلوطة بكثير من الكلمات الإنجليزية ، و كان هذا الشخص خبيراً متمرساً في موضوع الحراسة ، و ساهم بالتالي مساهمة كبيرة في تطوير هذا الموضوع . لقد عمل في الجهاز كخبيرٍ من خارج الجهاز و مع ذلك حظيَ باحترامٍٍ كبيرٍ من جميع العاملين فيه بحيث أصبح يشعر و كأنه واحد منا . كانت أول مهمة ألقيت على عاتقي ، هي إعداد كتابٍ خاص في موضوع الإرشاد حول الوسط العربي تحت عنوان "علم التغطية الأساسي" . و كان الهدف استعراض المشاكل الفنية التي يمكن أن يتعرّض لها رجل المخابرات أثناء أداء مهماته الميدانية . منها على سبيل المثال كيفية العثور على مصدر معلومات قيم ، و ما هي المصادر الملائمة للحصول على معلومات استخبارية في مجال معين ، و كيفية تجنيدها في خدمة الجهاز .

تعوّدت أن أقوم بإعداد مادة الكتاب في ساعات الليل ، و كنت أقدّم المادة العلمية التي أقوم بجمعها لأخينوف الذي كان يقوم بتعديلها و حذف ما يمكن حذفه منها حتى انتهيت من إعداد الكتاب . كانت المادة العلمية من أولها إلى آخرها (إسرائيلية) صرفة و قامت على أساس الخبرة و المعلومات التي اكتسبتها خلال عملي في الجهاز . و على مدى بضع سنوات كانت مادة الكتاب خلالها تدرّس للعديد من رجال الجهاز العاملين في الخدمة الميدانية ، و قد اكتسب الكتاب شهرة عالمية . و قامت جهازات استخبارية مشدّدة في دول العالم باستدعائي لإلقاء محاضرات في المواضيع الاستخبارية .

و بعد مضي أكثر من عامٍ تم تعييني نائباً لرئيس القسم العربي ، و أنيطت بي مهمة تطوير قسم الأبحاث في الشؤون العربية . منذ عدة سنوات كان الجهاز يفتقر خلالها إلى وحدة مستقلة للبحث في هذا الميدان . كان يستعين بالأبحاث التي تقوم بإعدادها الاستخبارات العسكرية و وزارة الخارجية ، و بأبحاث من إعداد وحدة بحثٍ صغيرة كانت تابعة لوزارة الخارجية . و حسب تصوّراتي كان من الصعب تحمّل المسؤولية . كان جهاز  الأمن العام يفضّل الانشغال بجمع المعلومات و ترتيبها و توزيعها ، حيث كانت المسؤولية عن استخلاص النتائج الملقاة على جهاز الاستخبارات العسكرية . و بعدما تولّيت المنصب الجديد حاولت أن أضفي على أبحاث الجهاز صفة الاستقلالية ، مع أن الانطلاقة الحقيقية في هذا المجال لم تحدث إلا بعد مضيّ زمن طويل . بعد قيام الانتفاضة في كانون الأول من العام 1987 عندما ألقيت على جهاز الأمن العام (الشين بيت) مهمة تقويم الوضع لدى عرب (إسرائيل) و سكان المناطق المحتلة . و في هذه الفترة تردّدت أقاويل حول قدرات جهاز الأمن العام في مجال البحث و قيل إن الجهاز كان قادراً على التنبؤ بموعد حدوث الانتفاضة في وقتٍ مسبق قبل حدوثها . و على الرغم من أهمية الأبحاث التي كان جهاز الأمن قد أجراها فإنني أعتقد بأن هذا الادعاء لم يكن صحيحاً . حقاً كانت هناك علامات تدلّ على احتمال وقوع الانتفاضة ، و لكن كان من الصعب على أي بحثٍ مهما كان سابقاً لأوانه التنبؤ بالموعد الدقيق لانفجار الانتفاضة .

من المعروف أن جهاز الأمن العام تابع بصورة مباشرة لرئيس الوزراء ، حيث يقوم رئيس الجهاز برفع تقارير مباشرة له . و في الفترة التي تولّى فيها إسحاق شامير رئاسة الحكومة ، لم تكن الاجتماعات بين رئيس الجهاز و رئيس الحكومة تعقد وفقاً لجدول زمني محدّد ، و إنما كانت تعقد وفقاً لمقتضيات الأحوال . و لكن بعد قضية الحافلة رقم 300 أصبحت الاجتماعات بين الإثنين تعقد في موعدٍ محدّد و ثابت بمعدل مرة في الأسبوع . و أصبح بعد ذلك من حقّ رئيس جهاز الأمن العام أن يرفع تقريراً أسبوعياً لرئيس الوزراء خلال اجتماعه معه بصفة شخصية ، و أصبح من حقّه المشاركة في جلسات الحكومة و في جلسات المجلس الوزاري المصغر للشؤون الأمنية .

أخينوف لم يكن على علاقة حميمة مع إسحاق رابين ، كان أخينوف لا يتحمّس للاجتماع مع رابين ، و كان رابين من جانبه ، لأسباب خاصة ، لا يشتاق للاجتماع مع أخينوف . في أكثر من مرة كان أخينوف يطلب مني الذهاب إلى رابين و الاجتماع معه و إطلاعه على بعض المواضيع و كان يهمس في أذني قائلاً : "إذا سأل عن أسباب عدم مجيئي ، أخبره أنني في مهمة خارج المدينة" . و عندما كنت أتذرّع بهذه الحجة أمام رابين كان لا يبدي اهتماماً كبيراً و لا يسأل المزيد من الأسئلة .

يبدو لي أن منظومة العلاقات بين الرجلين تأثّرت بالاختلاف القطبي في تركيبة شخصيتهما و في مزاجهما المتناقض . كان رابين شخصاً منطوياً و خجولاً . أما تصرّفات أخينوف كانت مقابل ذلك شديدة و حازمة و واضحة . و حسبما علم من مجريات الأمور أن الخلاف بين أخينوف و إسحاق رابين احتدّ في أعقاب الانتخابات البلدية في المناطق المحتلة التي أجريت في العام 1976 ، حيث فازت منظمة التحرير الفلسطينية بنصيبٍ كبير في هذه الانتخابات . في ذلك الوقت شنّ شمعون بيرس الذي كان يعمل وزيراً للدفاع حملة شعواء ضد إسحاق رابين بوصفه المسؤول عن جهاز الأمن العام (الشين بيت) و ادعى أن الجهاز عجز عن التنبؤ بنتائج الانتخابات و تسبّب في حدوث ضررٍ كبير . و لكن رابين دحض دعوى بيرس و دافع عن هذه التهمة الموجّهة لجهاز الأمن العام ، و مع ذلك لم يخفِ مشاعر خيبة الأمل من أداء رئيس الجهاز أخينوف .

في أحد الأيام طلب مني أخينوف الحضور إلى مكتبه . و عندما دخلت إلى المكتب سألني "هل لديك قميصاً أبيضاً يا بري ؟" قلت له على سبيل الفكاهة "ليس لي ، و لكن يمكن أن أشتري واحداً إذا لزم الأمر" . قال لي "اعتباراً من اليوم ، يتوجّب عليك الذهاب إلى منزل رابين في كلّ يوم سبت في ساعات الظهر و أن ترفع له تقريراً مفصلاً عن نشاطاتنا قبل انعقاد جلسة الحكومة يوم الأحد من كلّ "أسبوع" . و أعطاني رقم تلفون رابين في المنزل ، و منذ ذلك الوقت اعتدت الاجتماع مع رابين كلّ يوم سبت ، و إطلاعه على آخر التطورات على الساحة الفلسطينية ، و على المواضيع المتعلّقة بالأمن الداخلي و غير ذلك من المواضيع . كان رابين يصغي لأقوالي ، و اعتاد أن يطرح بعض الأسئلة الهامة ، و لكنه كان يعتمد اعتماداً كبيراً على التقارير التي كنا نقدّمها له .

كذلك اعتدت الاجتماع في أوقات متقاربة مع وزير الدفاع ، شمعون بيرس ، في إطار وظيفتي كنائب لرئيس القسم العربي . كانت الاجتماعات معه تكتسب طابعاً هاماً للغاية و كانت تتركّز على مواضيع فنية قيمة . تعوّدنا أن يخاطب أحدنا الآخر بصفة شخصية و ودية و لكنه حرص كلّ الحرص على التركيز على الأمور المهنية و لم يتطرّق أبداً إلى أسئلة تتعلّق بحياتي الشخصية . و مثله مثل رابين كان بيرس يولي أهمية كبيرة لعمل جهاز الأمن العام (الشين بيت) . و لكن على عكس رابين ، كان أحياناً يتلقّى تقارير جهاز الأمن العام بشيء من التحفّظ و كان يتلقّاها على علاتها . كان بيرس يمتاز بروح التمرّد و كان يشك في الأمور . كان يقول لي دائماً "أنظر يا يعقوب ، أنتم في جهاز الأمن العام تشبهون الشخص الذي ينظر إلى داخل البيت من خلال فتحة القفل . إن ما ترونه هام للغاية ، بطبيعة الحال ، لا ترون جميع موجودات البيت ، إنكم ترون ما يمكن أن يسمح لكم ثقب القفل برؤيته ، أنا بصفتي وزير الدفاع ، من واجبي أن أرى ما بداخل البيت كلّه ، لذلك تراني أحياناً متّفقاً مع توصياتكم و أحيانا غير متفق معها" .

لقد شعرت في أكثر من مناسبة أن تقويماتي للأوضاع تضع عصا بين عجلات العربة المنطلقة و أنها تعرقل سير مشاوره و تطلعاته السياسية . و مع ذلك كان الصدام بين بيرس و جهاز الأمن العام (الشين بيت) قليلاً بالمقارنة مع صداماته مع أجهزة الأمن الأخرى ، خاصة و أن مهماتنا كانت منصبة على المشاكل الداخلية ، و لم تكن تتعدّى ذلك إلى المواضيع الإقليمية . كان بيرس يحرص على جمع المعلومات من أيّ مصدر مهما كان ، سواء من وزارة الخارجية ، أو من حواره مع الدبلوماسيين ، أو من الصحف المختلفة . و بعد ذلك كان يتوصّل إلى التقويمات الخاصة به و التي كان يتصرّف بموجبها .