الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

عودة

 

 

التنظيم السري يفاجىء "الشاباك"

 

في مساء يوم السبت الموافق الثاني من أيام من العام 1980 ، كانت مجموعة من سكان "كريات أربع" يبلغ عددها ثلاثين شخصاً في طريق عودتها بعد الصلاة في الحرم الإبراهيمي إلى "بيت هداسا" في الحيّ العربي من مدينة الخليل . و قبل أن تتمكّن المجموعة من عبور الفتحة أطلقت عليهم نيران الرشاشات من ثلاثة مصادر و ألقيت باتجاههم ست قنابل يدوية .

على إثر ذلك قتِل ستة من المصلّين ، و أصيب ستة عشر آخرين . و أعلنت فتح مسؤوليتها عن الحادث . و بعد مضي حوالي أربعة أعوام على وقوع هذا الحادث ، عندما اعتقل مناحيم ليفني ، من رؤساء المستوطنين في الخليل ، بتهمة انتمائه لعصابة يهودية ، ردّد على أسماع المحقّقين المشاعر التي انتابته عند وقوع الحادث و قال : "تم تنفيذ القتل على خلفية تحريضٍ آخذ في الازدياد في الشارع العربي ضد اليهود" . كان هذا التحريض مصحوباً بعنف كلامي و جسماني ، و قد وجد تعبيراً له في قذف الحجارة ، و إحراق إطارات السيارات ، و الخروج في مظاهرات ، و إغلاق الطرق . و استمرت لجنة التوجيه الوطنية في ممارسة التحريض الشديد حتى بعد وقوع حادث القتل . ادعى المستوطنون أن الأجهزة الأمنية لا تؤدّي دورها على الوجه الأكمل من أجل حمايتهم ، صدرت الأوامر إلى الجنود تحظر عليهم إطلاق النار ، حتى في الهواء . لقد تحوّلت ظاهرة قذف الحجارة و هروب الجنود إلى شيء روتيني . انتشر الخوف في أرجاء كريات أربع . ألغى بعض أرباب الصناعة برامجهم لإقامة مصانع في المنطقة ، و حاولت عدة عائلات مغادرة المستوطنة ، و بعض العائلات التي كانت في طريقها للانتقال إلى كريات أربع ألغت خطتها . لقد ألقت الصدمة و الضياع ظلاً كئيباً على سكان المستوطنة . ساد الشعور بأن الحكومة أهملت تماماً هؤلاء الناس . كان من الواضح أن استمرار فعاليات لجنة التوجيه الوطنية ، التي حظيت بالتأييد من قبل الجماهير العربية المتحمّسة ، يشكّل خطراً على حياة اليهود في يهودا و السامرة . أما في كريات أربع فقد التهبت المشاعر ، و كان هناك من دعوات إلى ضرورة تنفيذ اعتداء عام ضد السكان العرب لتحذيرهم و ردعهم عن ارتكاب اعتداءات مسلحة أخرى ضد المستوطنين اليهود" .

و خلال اجتماعٍ تضامني عقد بعد الكارثة في "بيت رومينو" في الخليل دعا الحاخام ليفنجر ، من زعماء المستوطنين ، إلى القيام بعملية انتقامية ضد العرب . و قد أيّد ذلك الحاخامان دوف ليئو و بوعيزر آريئيل اللذان حضرا الاجتماع .

في الثاني من حزيران من العام 1980 ، بعد مضيّ شهرٍ على وقوع حادث الاعتداء في "بيت هداسا" ، سمعت أصوات انفجار قويّ في المناطق المحتلة . في الساعة 6.10 انفجرت عبوة ناسفة في بسطة تقع في سوق القصبة في الخليل . و أدّى الانفجار إلى إصابة سبعة من العرب . و قد وقع الانفجار بالقرب من المكان الذي اغتيل فيه يهوشاع سلومو أحد تلاميذ المدارس الدينية اليهودية عندما كان في طريقه لشراء الخضار من السوق . و قد قتِل هذا التلميذ بعد إطلاق النار عليه من مسدس .

في الساعة 7.50 خرج رئيس بلدية رام الله ، كريم خلف أحد رؤساء لجنة التوجيه الوطنية ، من منزله ، و توجّه إلى سيارته الخصوصية من نوع كاديلاك كان قد استعارها من أخيه . كان خلف يدرك جيداً أن سيارته معروفة و خشي أن تكون هدفاً للاعتداء من قبل عناصر يهودية . و لذلك حاول استعمال سيارته من واقع اعتقاده بأنها أكثر أمناً . و ما كاد خلف يدير محرك سيارته ، و الرجوع بها إلى الخلف كي يصل بها إلى الطريق حتى انفجرت عبوة قوية في السيارة أدّت إلى قطع إحدى رجليه .

بعد ربع ساعة خرج رئيس بلدية نابلس بسام الشكعة ، من منزله . و كان هو الآخر من رؤساء لجنة التوجيه الوطنية و كان شديد الحذر . كان بسام يمتلك ثلاث سيارات ، و في كلّ مرة ، كان يختار واحدة من هذه السيارات بصورة عشوائية . و في ذلك اليوم حاول بسام استعمال إحدى سياراته من نوع "أوبل" ، و عندما قام بتشغيل محرّكها انفجرت عبوة . و أدّى الانفجار إلى قطع رجليه .

و فيما توالت التقارير في الوصول إلى جهاز الأمن العام (الشين بيت) أصدر الحكم العسكري أوامر بضرورة فحص جميع سيارات رؤساء البلديات في منطقة الضفة الغربية . و بالفعل قامت طواقم من خبراء المتفجرات في الشرطة (الإسرائيلية) و حرس الحدود ، يرافقهم ضباط من الجيش (الإسرائيلي) ، بالتوجّه بسرعة إلى منازل رؤساء البلديات لإجراء الفحص اللازم . و في إطار هذه الحملة توجّه خبير المتفجّرات الدرزي ، سليمان حرباوي إلى منزل رئيس بلدية البيرة ، إبراهيم الطويل ، يرافقه ضابط (إسرائيلي) يدعى روني جيلا . و لم يتضح أن هذا الضابط كان على علاقة بالعصابات اليهودية إلا بعد مضيّ عدة سنوات .

كان حرباوي خبير متفجرات متفوّق . و قام فعلاً بإجراء فحصٍ دقيق على سيارة رئيس بلدية البيرة و سيارة زوجته اللتين كانتا تقفان بالقرب من المنزل ، و لم يجد بهما شيئاً . و لدى انتهاء الفحص أبلغ رئيس البلدية خبير المتفجرات عن وجود سيارة أخرى يقوم أحياناً باستعمالها . توجّه حرباوي إلى الكراج . كان باب الكراج مغلقاً و لم تظهر أية علامات تدلّ على أن أحداً قام باقتحام الباب .

نظر حرباوي إلى داخل الكراج عن طريق نافذة جانبية و تأكد له أن أحداً لم يمسّ السيارة . و لكي يطمئن على سلامة السيارة قرّر مع ذلك الدخول إلى الكراج و فحص السيارة الثالثة التي كانت تقف فيه . و لدى وصوله إلى باب الكراج ارتطمت رجله بشرك خداع أدّى إلى تشغيل عبوة ناسفة . و أدّى ذلك إلى إصابة حرباوي بجراحٍ خطيرة و فقدانه البصر .

لقد أحدثت محاولات اغتيال رؤساء البلديات دهشة شديدة لدى جهاز الأمن العام (الشين بيت) . و كنا قبل وقوع هذه الحوادث تلقّينا معلومات استخبارية عن خطط لاستعمال العنف ضد العرب ، تقوم بنسجها جماعات من المستوطنين المتطرفين . و علمنا أن عدداً كبيراً من هؤلاء المستوطنين ينتمي إلى حركة "غوش إيمونيم" المتطرفة . تأسّست حركة غوش إيمونيم في شباط من العام 1974 ، في أعقاب حرب الغفران . و قد تأسّست الحركة بمبادرة من الحاخام موشي ليفنغر و الحاخامين أليعيزر فيلدمان و حاييم دروكمان و أعضاء الكنيست زبولون هامر و يهودا بن مئير (من كتلة المفدال) و ثلاثة من المستوطنين في المناطق المحتلة و هم - يهودا هرئيل (من مستوطنة ماروم جولان) ، و حنان بورات (من كفار عتصيون) ، و يوئيل بن نون (من ألون شافوت) . و كان الهدف الأساسي إقامة كتلة تناضِل من خلال حزب المفدال و تعزّز المطالبة بعدم الانسحاب من الضفة الغربية ، على خلفية الروح المعنوية المتديّنة و اتفاقات الفصل التي كانت مرتبطة بالانسحاب من سيناء و من مرتفعات الجولان . لقد تحدّث عددٌ من مؤسسي الكتلة عن "فعاليات اجتماعية و ثقافية" و لم يتحدّثوا عن إقامة مستوطنات في أقرب وقتٍ ممكن . و صدرت أدلة وثيقة عن مؤسّسي الحركة جاء فيها "أن الهدف إقامة حركة تعمل على تجديد الانتماء للحركة الصهيونية . و لكن فيما بعد شرعت الحركة في تنظيم المظاهرات . و بعد مضيّ عدة شهور ازداد عدد المطالبين من أعضاء الحركة بإقامة المستوطنات . في بداية الأمر قام أعضاء الحركة بإقامة مستوطنة "كيشت" في مرتفعات الجولان ، و بعد ذلك جرت أول محاولة للاستيلاء على المنطقة التي أقيمت فيها مستوطنة ألون موريه بالقرب من نابلس . و في هذه المرحلة انضم إلى الحركة الحاخام تسفي يهودا هكوهين كوك ، رئيس المدرسة الدينية المسماه "مركاز هراف" ، و شرع زعماء الحركة في إلقاء الخطب و توزيع المنشورات المتطرّفة . و انضم إلى حركة "غوش إيمونيم" فيها بعد رؤساء بعض التنظيمات المعتدلة ، الذين رأوا في نشاطات الحركة امتداداً لحركة الاستيطان في الفترة التي سبقت قيام الدولة (و امتداداً للاستيطان الزراعي الكلاسيكي) ، و انضمت إليهم جهات أعلنت أن نشاطاتها تدخل في إطار بداية "إنقاذ الأرض" ، لذلك لا يجوز إخضاع هذه النشاطات لقواعد اللعبة الديمقراطية و الانتظار حتى يتم الحصول على إذنٍ من السلطات الحاكمة . أما أشدّ هذه العناصر تطرّفاً فقد وضعت نصب أعينها هدفاً واحداً و هو "استيطان أرض (إسرائيل) لدوافع دينية" و أن هذا الهدف يبيح لهذه الفئة اللجوء إلى جميع الوسائل اللازمة لتحقيق هدفها بما في ذلك أساليب العنف . و كانت الفئة المتطرّفة التي نمت داخل الحركة ذات نزعات دينية غريبة تقترب من التشبه بالمسيح المنقذ . و وفقاً لهذا المفهوم دعت الفئة إلى عدم الانتظار حتى قدوم المسيح ، و لكن يجب العمل على تسريع قدومه . فعلى سبيل المثال ساد الاعتقاد في صفوف هذه الفئة بأنه في حالة تدمير المسجد الأقصى ، ستعلن الدول العربية عن الجهاد ضد (إسرائيل) ، الأمر الذي سيدفع الله إلى إنقاذ شعبه . و اعتقدت ذلك بأن تدمير المسجد الأقصى سيؤدّي إلى تحقيق الحلم في إقامة دولة (إسرائيل الكبرى) التي كانت قائمة في عصر الهيكل الثاني . و قد علمنا عن وجود فئة من هذا النوع داخل حركة "غوش إيمونيم" ، و قمنا بمراقبة نشاطاتها ، و لكنها كانت حركة منطوية على نفسها ، و محاطة بستار من السرية التامة ، لذلك فشلت جميع محاولاتنا الرامية إلى ختراق صفوفها . لم يخطر ببالنا ، مع ذلك ، بأنه في يومٍ من الأيام ستتحوّل أقوال هذه الفئة إلى أفعال . و جاءت الاعتداءات على حياة رؤساء البلديات لتثبت لنا أننا أخطأنا . و في الحال دعا رئيس جهاز الأمن العام (الشين بيت) أبراهام أخينوف إلى عقد جلسة طارئة . كانت الأجواء خلال الجلسة مشحونة للغاية . لقد شعر الحضور بالاستياء بسبب الفشل الاستخباري الذي انتموا إليه ، و الدهشة التي أصابتهم بعدما اتضح للجميع أنهم كانوا يتحسّسون طريقهم في ظلامٍ دامس . كان من الواضح لنا تماماً أن من واجب الجهاز أن يبذل أقصى طاقاته للعثور على الأشخاص الذين يقفون وراء عمليات محاولات الاغتيال . و في الحال صدر الأمر إلى قائد منطقتي القدس و الضفة الغربية لتولّي هذه المهمة، كما صدر الأمر إلى أحد كبار المسؤولين في الجهاز أن يقوم بمساعدته . و بالفعل قام الإثنان فوراً بإعداد قائمة بأسماء المشبوهين .

و لدى إجراء فحصٍ شامل للحقائق المتعلّقة بمحاولات اغتيال رؤساء البلديات اتضحت عدة أمور من أهمها : أن جميع الأشخاص الذين تعرّضوا لمحاولات الاغتيال كانوا أعضاء في لجنة التوجيه الوطنية . و أن توقيت حوادث الاعتداءات تزامن بعد شهرٍ من حادث القتل في "بيت هداسا" ، و أن محاولات الاعتداء تزامنت في وقت واحد ، الأمر الذي أوحى بأن المعتدين خطّطوا لكسب تأييدٍ إعلامي قوي .

و من الطبيعي قادتنا هذه المعطيات إلى اتجاه واحد ألا و هو اليهود المتدينون المتزمتون ، الذين لم نكن على وعيٍ كامل بطبيعة نشاطاتهم .

و لم يكن هناك أدنى شكٍ في أن محاولات الاغتيال نفّذت وفقاً لمخطّطات عسكرية دقيقة و محكمة . في البداية قام المعتدون بجمع معلومات استخبارية مفصلة ، و بعد تحليل هذه المعلومات و دراستها قاموا بتنفيذ محاولات الاعتداء . و أظهر الفحص كذلك أن المواد المتفجرة التي استخدمت في محاولات الاغتيال كانت من نوع المتفجرات المستعملة من قبل الجيش (الإسرائيلي) .

و على أساس نتائج التحقيقات الأولية ، تأكّد لرئيس جهاز الأمن العام أخينوف أن محاولات الاغتيال ارتكبت من قبل مجموعة من الأشخاص ، تلقّى قسمٌ منها تدريبات على كيفية استعمال المواد التخريبية أثناء عملهم في الخدمة العسكرية ضمن إحدى الوحدات القتالية المختارة . و طرح كذلك احتمال كون قسمٍ منها مرتبط بعلاقة قرابة مع ضحايا حادث "بيت هداسا" ، و أن محاولات اغتيال رؤساء البلديات العرب كانت ضرباً من محاولات الثأر لمقتل أقربائهم . لقد كان هذا التصوّر واقعياً و على درجة كبيرة من الأهمية ، و لكنه لم يجدِ نفعاً ، على الأقل في المراحل الأولى من التحقيق .

حاول جهاز الأمن العام على مدى أربعة أعوام ، أن يعثر على خيوط هذه الأعمال و لكنه كان كمن يتحسّس الطريق في ظلامٍ دامس . لقد عملنا على مدار ساعات الليل و النهار ، و سخّرنا جميع الوسائل الاستخبارية ، و التنفيذية ، و التكنولوجية التي في حوزتنا بصورة لم يسبق لها مثيل .

و في الحقيقة لم أشهد طيلة فترة عملي في جهاز الأمن العام حملة على هذا المستوى من السعة و الشمولية .

في نفس الوقت ، و على الرغم من جميع الجهود ، لم نتمكّن من الإمساك بطرف خيط . و بطبيعة الحال أصبح الأمر مدعاة للإحباط ، لأن المهمة لم تكن في غاية الصعوبة . من الناحية النظرية كان يكفي أن نتعقّب الفئات اليمينية المتطرّفة ، و أن نراقب تصرّفاتها ، و أن نبحث عن الأماكن التي تقوم بتخبئة السلاح فيها ، و الشروع في اعتقال المشبوهين . و لكن حدث ما لم نكن نتوقّعه إطلاقاً . لقد اتضح لنا أننا نبحث عن إبرة في كومة من القش . اكتشفنا أن الفئات اليمينية المتطرّفة تغلق نفسها بشرنقة من السرية التامة . و أدركنا أن الدوافع الآيديولوجية التي تحكم تصرفات هذه الفئة تحول دون قيام بعض أفرادها بالتعاون معنا . و على الرغم من الوسائل المتعدّدة التي لجأنا إليها في تحليل محاولات الاغتيال ، لم نتمكّن من التوصل إلى نتيجة و باءت جميع محاولاتنا بالفشل و وصلنا إلى حالة من اليأس التام .

و أثناء التحقيق وقعت بطبيعة الحال عدة أخطاء على سبيل المثال كان القرار بشأن إرسال بعض رجالنا إلى مستوطنة كريات أربع بعد حوادث الاعتداء على رؤساء البلديات كي يتعقّبوا بعض المشبوهين خاطئاً . فبعدما وصل رجالنا إلى المستوطنة في زي جنود من الجيش (الإسرائيلي) لم يتمكّنوا من الكشف عن أيّ مشبوه من المستوطنة . و اكتشف أمرهم بعد فترة قصيرة .

و بعد ذلك اتضح لنا أن إرسال أفرادٍ من جهاز الأمن العام كان أمراً مبكراً و كان يثير الشبهات . قمنا بفرض تعتيمٍ كامل على مجريات التحقيق . حاولنا التوصل إلى أية معلومة مهما كانت صغيرة و كنا مستعدين لفعل أي شيء كي نتوصل إلى طرف خيط . و اتضح ، على سبيل المثال أن شاباً من ذوي الميول المتطرفة كنا قد وضعناه تحت المراقبة متورّطاً في قصة غرامية يمكن أن يؤدّي نشرها إلى إحراجه .

اقتراح أحد العاملين في جهاز الأمن العام ممارسة الضغط على هذا الشاب ، و إبلاغه بأننا سنقوم بنشر تفاصيل قصة غرامية لجميع الناس . و كان الهدف من ذلك إرغام الشاب على الإدلاء ببعض المعلومات التي يمكن أن نستعين بها في التحقيق .

و هكذا قمنا باعتقال الشاب ، و أثناء التحقيق معه أوضحنا له أن جهاز الأمن العام على علمٍ بتفاصيل قصة الحب التي وقع فيها . و لكن الشاب ، بدلاً من أن يخضع لهذه الممارسة ، توجّه إلى محاميه و طلب منه التقدّم بشكوى ضد جهاز الأمن العام . و بالفعل قام المحامي برفع رسالة إلى رئيس الحكومة مناحيم بيغن شرح له فيها أساليب الضغط التي مورست ضد الشاب أثناء التحقيق معه من قبل جهاز الأمن العام . و على إثر ذلك استدعى مناحيم بيغن رئيس جهاز الأمن العام إبراهام أخينوف . و أثناء الاجتماع الذي عقده معه أعرب بيغن عن استهجانه للأساليب التي يمارسها جهاز الأمن العام ، و أعرب عن رفضه للادعاء بأن المقصود عصابة متطرّفة و أنه لا بد من اللجوء إلى جميع الوسائل اللازمة للقضاء عليها . و طلب بيغن من أخينوف الكفّ عن استعمال هذه الأساليب الدنيئة ضد الشاب . على ما أذكر كانت المرة الوحيدة التي حاول فيها جهاز الأمن العام استغلال قصة حبّ كوسيلة للضغط على أحد الخاضعين للتحقيق .

لا يمكن تصوّر المشاعر التي أحس بها أخينوف عندما لاحظ أن رئيس الحكومة متضامن مع الحركة الاستيطانية ، و أن بيغن لم يتورّع عن توبيخه بسبب الأسلوب الذي انتهجه مع هذا الشاب . على أية حال ، انقضت ستة شهور قبل قيام أخينوف بترك العمل في صفوف الجهاز ، حجّمت خلالها إجراءات التحقيق للكشف عن العصابة اليهودية . و بالنظر إلى الوراء يحتمل أن يكون أخينوف قد فهم أقوال بيغن بصورة غير صحيحة . و لكن ليس لديّ أدنى شك من أن بيغن كان متضامناً مع عددٍ كبير من أفراد العصابة اليهودية .

كانت العصابة تضم شخصيات مرموقة ، طلاب مدارس دينية ، و عناصر أشربت بروح الصهيونية ، و عدداً من الدعاة إلى تحقيق حلم "أرض إسرائيل الكبرى" . و الذين كانوا يعتبرون قدوة لغيرهم . و لكن بيغن كان من مؤيّدي الرسميات و لم يكن من الأشخاص الذين يفكّرون في وضع العراقيل في طريق جهاز الأمن العام . لذلك لم يحاول أن يصدر أية تعليمات بصورة مباشرة أو غير مباشرة من شأنها تقليص إجراءات التحقيق ضد العصابة اليهودية . و يمكن تلمسّ جانبٍ من مشاعر أخينوف في تلك الفترة من المقال الذي نشره في صحيفة "دافار" في الثالث عشر من آب عام 1983م ، عبد انقضاء حوالي سنتين و نصف على تركه الخدمة في جهاز الأمن العام . يقول أخينوف في مقاله : "إن عدم إلقاء القبض على الأشخاص الذين تسبّبوا في قطع أرجل رؤساء البلديات في الضفة الغربية ... يعكس أولاً و قبل كلّ شيء الفشل الاستخباري الذي لا يمكن تبريره ... و السؤال الذي يطرح نفسه إلى أيّ حدّ أضاع جهاز الأمن العام الفرصة في تعقّب مجموعة معينة من السكان  مع كونه يعلم أن هذه المجموعة يمكن أن تمارس نشاطات سرية ... إن إقامة معظم المستوطنات غير القانونية لم تكن أمراً مفاجئاً للمستوى السياسي الأعلى الذي لم يعارض إقامتها و لم يكتفِ بإعطائها الصفة القانونية و لكنه حاول التصدّي لكلّ محاولة استخبارية لاختراق هذه المستوطنات و سكانها .. و إن الحصول على المعلومات الاستخبارية الكافية كان من شأنه أن يوقف التخبّط داخل جهاز الأمن العام و أن يضع نهاية لهذه العملية الخطيرة" .

قبل عدة أشهر من تركه الخدمة في جهاز الأمن العام أمر أخينوف بتعييني قائداً للواء القدس و لمنطقة الضفة الغربية . و تم الاتفاق فيما بيننا على أن أتولى هذه الوظيفة لمدة سنة . و بعد انتهاء السنة يتم إسناد الوظيفة إلى يوسي جينوسار القائد الجديد للواء الشمال . كان الهدف من وراء هذا الإجراء تهيئة الفرصة لجينوسار للحصول على الخبرة الكافية قبل توليه قيادة لواء القدس و الضفة الغربية المليء بالمشاكل . و لكن الواقع أملى أشياء مختلفة تماماً . عملت قائداً مؤقتاً لهذا اللواء لمدة ستة أعوام كاملة حتى تم تعييني نائباً لرئيس جهاز الأمن العام .

في كانون الأول من العام 1980 أنهى أخينوف مهام وظيفته كرئيسٍ لجهاز الأمن العام (الشين بيت) و عين بدلاً منه نائبه إبراهام شلوم الذي كان يتولى رئاسة قسم الحراسة .

كان شالوم رجلاً تنفيذياً بكلّ معاني الكلمة يتطلّع إلى الكمال . هاجر إلى (إسرائيل) مع والديه عندما كان طفلاً من فيينا . كان والده من أسرة أسبانية محترمة و أمه من عائلة يهودية عريقة كانت تعيش في إيطاليا . في الأربعينيات كان يخدم في صفوف إحدى التنظيمات اليهودية المسماة (بلماخ) و لكن لم يسطع نجمه في تلك الفترة ، و لكنه كان منضبطاً و حريصاً على تطبيق أسس العمل . و بعد حرب الاستقلال قام إيسار هرئيل بضمّه إلى صفوف أجهزة الأمن السرية . كان يتحدّث الألمانية و الإنجليزية بطلاقة و كان مخلِصاً في عمله . و بفضل معرفته الجيدة باللغة الألمانية عيّنه هرئيل عضواً في الطاقم الذي تولّى مهمة إلقاء القبض على أدولف آيخمن في الأرجنتين . من الصفات التي تميّز بها أنه كان شخصاً غريب الطباع من الصعب معرفة حقيقته . كان أبراهام من النوع الذي يمكن أن تراه في كلّ لحظة و تفتقده في كلّ لحظة ، ليس بسبب كونه شفافاً للغاية و لكن لكونه من النوع الذي لا يثير فيك الشعور و الرغبة في النظر إليه بإمعان . قرأت في ذلك الوقت مقالاً في مجلة (مونيتين) تتحدّث عن صفات أبراهام بقلم الكاتب (ران إيدليست) .

يقول الكاتب عن أبراهام : (إنه يمثّل عالمين مختلفين لا ينتمي أبراهام شالوم الحقيقيّ إلى واحدٍ منهما : أحدهما يتمثّل في كونه رقيقاً ليّناً و الثاني في كونه حازماً صارماً في التعامل مع رجاله و مركزياً يجب الإمساك بجميع الخيوط) .

حاول أبراهام شالوم أن يحافظ على حاجزٍ بينه و بين أصدقائه . كان يتحدّث مع الجميع في الأمور المتعلّقة بالعمل فقط و بلهجة صارمة ، و كان يميل إلى اتخاذ القرارات الحاسمة . كان من عادة العاملين في جهاز الأمن العام أن يتبادلوا الزيارات العائلية . و لكن أبراهام لم يشارك إطلاقاً في مثل هذه المجاملات و عندما كان يدعو إلى مناسبات اجتماعية كان يحرص على الحضور و لكنه كان يظلّ منعزلاً و بعيداً عن الناس . لذلك تجنّب أصدقاؤه و العاملون معه الإكثار من دعوته إلى مثل هذه المناسبات . لقد تعوّد أن يدعو العاملين في جهاز الأمن العام مرة واحدة في السنة إلى منزله بمناسبة حلول عيد الأنوار . و على عكس غيره من المسؤولين لم يحاول الدخول في محادثات ودية أثناء تناول الوجبات في غرفة الطعام . تعوّد أن يقف في الدور مع الجميع و أن يحمل في يده صينية يضع عليها الطعام بنفسه و أن يأكل قسماً من الطعام و أن يشرب الشوربة و هو واقف في الدور و أن يأتي على باقي الوجبة و الحلوى قبل أن يصل إلى صندوق الدفع لأنه كان يؤمن بأهمية الوقت . كان بدون شك رجلاً مثيراً للدهشة نادر الوجود . و قد أسس قسم العمليات و قسم الحراسة ، و كان يعد من المؤسسين و من ذوي الأفق الواسع . لقد طالع الكثير من الكتب و كان ملماً بالعلوم الاقتصادية .

لم يكن له عدد كبير من الأصدقاء و كان يقضي وقت فراغه القصير في رحلات بحرية مع ابنه الذي كان يعمل ضابطاً في سلاح البحرية . و كانا يخرجان في نزهة بحرية على قاربهما الذي كان يرسو في المرسى البحري قبالة تل أبيب .

تولى أبراهام رئاسة جهاز الأمن العام و هو مليء بالحيوية و الطاقة . و نجح في الحفاظ على المعايير التي أقرّها سابقوه و بذل جهداً في زيادة كفاءة الجهاز و الحفاظ على مركزه بين الأجهزة الاستخبارية و جعله مفخرة للجميع . لهذا حظيَ أبراهام باحترام و تقدير من جميع المحافل السياسية . و امتازت تحليلاته للأوضاع خلال جلسات الحكومة بالوضوح و الدقة و عندما كان يقف ليلقي كلمته أمام أعضاء الحكومة كان يسود الجلسة الصمت المطلق . و خلال حرب لبنان ازدادت قوته . و كلما اجتمعت معه في مكتبه أو في أي مكان آخر كنت أحاول التعرف على آفاق أفكاره . و لكن هذا الشيء لم يكن سهلاً . كان رجلا عنيداً متمسكاً بمبادئه و قد أصيب بدهشةٍ في أكثر من مرة نتيجة لتصرفاته الغريبة .

في أحد المرات بعد وقوع أعمال شغب شديدة في المسجد الأقصى ذهبت معه إلى هناك . كانت المنطقة تشبه ساحة حرب . و لدى مرورنا من أمام أحد جنود حرس الحدود الذي كان يبدو و كأنه خارج من معركة حيث كان يبدو عليه علامات التعب و الإعياء . و ما كان من أبراهام إلا أن أوقف الجندي و صاح به قائلاً : (إلبس الخوذة فوراً هل تسمع ذلك ؟) و أوشك الجندي الذي كان لا يعرفه أن ينهال عليه ضرباً .

لقد وضع أبراهام نصب عينيه دفع مجريات التحقيق في موضوع العصابات اليهودية بعدما كانت قد جمّدت . و كانت قد مضت فترة طويلة دون أن تضاف إلى ملف التحقيق معلومات هامة . في أيار من العام 1981م أوكل إلى رؤوبين حزاك ، رئيس قسم التنسيق و التخطيط ، و فيما بعد نائب رئيس الجهاز ، مهمة متابعة هذه القضية .

و بعد مضي عدة أسابيع قام حزاك بتشكيل هيئة خاصة برئاسته تكون مهمتها إجراء التحقيقات في هذه القضية المعقّدة . و ضمّ رؤوبين إلى الهيئة عدداً من كبار المسؤولين في جهاز الأمن العام . كان من أبرزهم كرمي جيلون الذي ترأس القسم اليهودي . و قد عكفت الهيئة على التفكير و التحليل و التخطيط الميداني و الاستعانة بمصادر المعلومات و الاستفادة من الدروس التي مرّ بها الجهاز . و خلال زمن قصير بدأت المعلومات تتدفق إلينا بصورة كبيرة بحيث أصبحنا ملزمين بفحصها و التعامل معها بشكلٍ موضوعي . و قد ساعدت الصلاحيات الممنوحة لأعضاء الهيئة على سرعة اتخاذ القرارات و السماح بالخروج إلى مهمات تنفيذية دون انتظار . و اتفق في أول جلسة لأعضاء الهيئة اتفقنا على عدم الاكتفاء بإصدار التعليمات للعاملين كي يقوموا بتنفيذ المهمات و لكن أن تقوم أعضاء الهيئة بأنفسهم بالخروج إلى ميدان العمل و الاجتماع مع مصادر المعلومات و القيام بفحصها و تدقيقها و اتفقنا كذلك على الحفاظ على السرية التامة و أن لا نسمح لأي شخص ليس له علاقة بهذا التحقيق بالاطلاع على مجرياته .