|
ثلاثة من اليهود و معهم عبوة ناسفة
نيسان 1984
و في نهاية المطاف بعد مرور
أربع سنوات على قيامنا بأعمال التحرّش ، و في السادس و العشرين من نيسان تلقّينا
معلومات من أحد مصادرنا عن وجود استعدادات لتنفيذ اعتداء . فقد شوهد ثلاثة من
المشبوهين و هم يضعون رزماً داخل سيارة خصوصية في مستعمرة كريات أربع ، و أن
السيارة توجّهت في طريقها إلى القدس ، عندئذ هبّ رجالنا لملاحقة السيارة . حدث ذلك
في ساعة متأخرة من الليل و كانت الملاحقة صعبة إلى حدّ ما ، لأن حركة السير في هذه
الساعة ، خاصة في القدس الشرقية قليلة جداً . و في بعض قطاعات الطريق كانت تقتصر
حركة السير على السيارة المشبوهة و سيارة جهاز الأمن العام التي كانت تقوم
بملاحقتها . و في مثل هذه الحالات يمكن أن يثور الشك لدى المطاردين في كلّ لحظة
لذلك حاولنا القيام بعدة مناورات و كنا نستبدل السيارة و نجري المراقبة و نحن في
حالة عصبية مشدودة . و كان إيهود يتوم ، رئيس قسم العمليات قائد حملة الملاحقة و
كنت قائد هيئة العمليات الكائنة في لواء القدس . و ظلّ أبراهام شالوم رئيس جهاز
الأمن العام يتابع التطوّرات من منزله عبر جهاز اللاسلكي .
و حاول عددٌ من رجال الأمن
العام الذين لهم علاقة بالتحرّي إجباري على توقيف سيارة المشبوهين و تفتيشها .
كانوا على اعتقادٍ شبه مؤكّد بأن السيارة تحتوي على عبوات ناسفة . و لذلك أرادوا أن
نقوم باعتقال المشبوهين في أقرب وقتٍ قبل أن يحاول المشبوهون الاختفاء عن أعيننا .
و لكني قرّرت الانتظار رغم الأخطار المترتبة على ذلك . و إذا كان في نية المشبوهين
الثلاثة القيام بتنفيذ اعتداء كنت أود أن ألقي القبض عليهم و هم متلبّسون في وضع
العبوة . و هكذا سنكون قد وصلنا إلى إثبات تورّطهم في العمل و ستكون هذه أكبر
انطلاقة كنا نأمل في تحقيقها .
في حوالي الساعة الثانية بعد
منتصف الليل وصلت سيارة المشبوهين إلى موقف للسيارات في أحد الأحياء العربية في
القدس الشرقية . و نزل من السيارة ثلاثة رجال حيث دخلوا إلى خمس حافلات للركاب كانت
تقف في المكان و وضعوا فيها عبوات ناسفة و عادوا إلى السيارة . و لم نلقِ القبض
عليهم لأننا أردنا التأكّد من عدم نيتهم القيام باعتداءات أخرى . و لكنهم على ما
يبدو انتهوا من المهمة التي كلّفوا بها و قرّروا مغادرة المكان . و سرنا وراءهم حتى
وصلوا إلى منزلٍ في حيّ "رامات هشكول" و عندما نزلوا من السيارة قمنا بإلقاء القبض
عليهم . كانوا من أصحاب الذقون إخوان هما شاؤول و براك مير ، من سكان كريات أربع ،
و عوزي شريف ، من سكان القدس و هو صهر الحاخام موشيه ليفنجر . كان شاؤول مير يعمل
مساعداً لمناحيم ليفني في تأسيس رابطة تهدف إلى استئناف الاستيطان اليهودي في
الخليل و كان طالباً في قسم الهندسة الإلكترونية في جامعة تل أبيب . و كان عصبيّ
المزاج متهوّراً تمكّن من أن يجرّ أخاه إلى الالتحاق بالتنظيم الذي كان يعمل فيه .
قمنا في الحال بإدخال الثلاثة إلى غرفة الدرج في أحد المباني القريبة و ربطنا
أيديهم بالقيود . لقد أصيبوا بصدمة لأنهم لم يكونوا يتوقّعون هذا الاعتقال . و في
غضون دقائق معدودة اعترفوا بأنهم قاموا بوضع العبوات الناسفة في الحافلات و لكنهم
رفضوا الإفصاح عن أسماء الأفراد الذين قاموا بإرسالهم . بقيَ علينا أن نعمل على
إبطال مفعول العبوات الناسفة التي كان من المقرّر أن تنفجر في الصباح الباكر . بدأ
الصباح يلوح في الأفق لذلك كان لا بدّ أن نتخذ إجراءات سريعة كي نحول دون تعرّض
الناس للضرر . و بناء على خبرتنا السابقة كنا ندرك أن العبوات وضعت بطريقة محكمة و
أنها ستلحق الضرر بكلّ من سيحاول تفكيكها . و توجّهنا في الحال إلى واحدٍ منهم
المدعو شاؤول مير و قلنا له : "لقد قمنا بمطاردتكم طوال الليل . و الآن يتوجّب
عليكم أن ترشدونا إلى المكان الذي قمتم بوضع العبوات فيه داخل الحافلات ، و إذا لم
تفعلوا ذلك فإن تفكيك العبوات سيؤدّي إلى وفاة عددٍ من خبراء المتفجّرات في الجيش و
الشرطة (الإسرائيلية)" . و بعدما أفاق من الصدمة قال لنا هيا اتبعوني كي أريكم على
مكان العبوات ، و قال : "إنني أحترم جهودكم فأنتم أقوى جهاز أمن في العالم" .
عدنا إلى الحافلات و أصِبنا
بدهشة شديدة عندما تمكّنا من العثور على أربعة فقط . كانت الحافلة الخامسة قد خرجت
من الموقف و توجّهت إلى العمل في نقل الركاب . قمنا بإرسال عددٍ من رجالنا للبحث
عنها . و عثروا عليها بعد وقتٍ قصير و لحسن الحظ كانت خالية من الركاب . و عكف
الثلاثة على تفكيك العبوات و بعد جهدٍ طويل قاموا بإبطال مفعولها دون وقوع أضرار .
خلال الفترة التي قمنا فيها
بمطاردة المشبوهين لم نبلغ أحداً عن المهمة التي كنا نقوم بتنفيذها طيلة الليل . و
لكن بعد اعتقالهم مباشرة قمت باستدعاء المستشار القانوني للحكومة و قائد شرطة لواء
القدس و عدد من كبار الضباط في القيادة القطرية و أبلغتهم عما حدث . في الساعة
الخامسة صباحاً صدرت أوامر اعتقال ضد جميع الأشخاص الذين أردنا اعتقالهم منذ زمنٍ
طويل و لكن لم تتوفر الأدلة الكافية ضدهم . و قد قمنا باعتقال سبعة و عشرين شخصاً
على دفعتين . كان خمسة و عشرون منهم ينتمون إلى حركة غوش إيمونيم .
و قد تمت الاعتقالات في وقتٍ
واحد في مناطق القدس و الضفة الغربية و مرتفعات الجولان . كان مناحيم ليفني يجلس
داخل مكتبه في كريات أربع عندما حضر إليه أحد رجالنا و طلب منه أن يرافقه . كان
شاحباً و متوتّراً و كانت والدة الأخوين مير و شاؤول اتصلت فيه قبل وقتٍ قصير
لتسأله عن مصير ولديها . و قالت له إنها حاولت العثور عليهما منذ ساعات الصباح
الباكر و لكنها لم تفلح في ذلك . كان ليفني متوتراً لأنه اعتقد أن كارثة وقعت ، و
أن العبوات انفجرت عند وضعها و أدّت إلى مقتل الثلاثة .
أما بالنسبة ليهودا عتصيون
الذي كان اسمه مدونا في قائمة المشبوهين لم نقم باعتقاله في نفس اليوم . أعطيناه
فرصة لسماع الأنباء عن اعتقال زملائه على أمل أن ندخله في حالة من التوتر النفسي
بحيث يدفعه التوتر إلى الإسراع في نقل المواد التخريبية من المكان التي وضعت فيه
إلى مكانٍ آخر و عندئذٍ سيكون باستطاعتنا اعتقاله و هو متلبّس . و لكن عتصيون لم
يفعل ذلك و لم يتأثّر بالتوتر و التزم الصبر حتى قمنا باعتقاله .
كان رجال الأمن العام يداهمون
المشبوهين في بيوتهم و في أماكن عملهم . و كان المشبوهون يفاجأون عندما تأتي قوات
الأمن لاعتقالهم . و لم يحاولوا معارضة الاعتقال ، و في إحدى المرات قالت لنا زوجة
أحدٍ منهم "لقد أحسنتم إلينا و في النهاية هذا الكابوس" . و كان يشوع بن شوشان في
مقدمة الأشخاص الذين تم اعتقالهم و كان يخفي السلاح في مخبىء داخل جدران بيته .
قمت بالتحقيق معه بمعرفة
مخطّطاته الرامية إلى تفجير مسجد قبة الصخرة . كنت أحضر إلى منزله في ليالي السبت و
العمل معاً بعض قطع الخبز و الشموع و كان يطلب مني أن أقدّم له البديل عن قيامه
بالإدلاء بشهادته و ذلك أن أعمل على عدم تقديم المتورّطين للمحاكمة و قلت له إنني
لا أستطيع أن أضمن ذلك (لكنه أثناء محاكمته ادعى أنني وعدته بذلك و أخلفت وعدي) .
أوضح لي بن شوشان أن فكرة
تفجير قبة الصخرة قد ولدت من ذهن دان باري البالغ من العمر 39 عاماً من مواليد
فرنسا يعود أصله إلى عائلة كاثوليكية ، تهوّد ثم هاجر إلى (إسرائيل) . كان من أصحاب
الأفكار الداعية إلى إنقاذ (إسرائيل) ، و كان من المؤمنين بالدور التاريخي الذي
تقوم به (إسرائيل) و على ضرورة التخلّص من الوضع القائم بين الديانات في (إسرائيل)
لصالح اليهود ، و هو الذي اقترح على مناحيم ليفني و يهودا عتسيون و يشووع شوشان
فكرة تفجير قبة الصخرة .
و لقد لقيت هذه الفكرة
استحساناً لديهم . و بعد حوادث الاعتداء على رؤساء البلديات فكّروا في التخطيط
لتنفيذ الفكرة التي اقترحها باري . و بدأ ليفني في اتخاذ الاستعدادات اللازمة و
جنّد معه لهذه الغاية يوسي تسوريا و هو ضابط احتياط في كتيبة جولاني ، و نتان زون
سكرتير حركة غوش إيمونيم و رجل الاتصال بين الحركة و الكنيست ، و شاؤول نير .
في بداية الأمر عقدت المجموعة
اجتماعاً في إحدى مزارع الأبوكادو في مرتفعات الجولان ، و بعد ذلك قامت بمراقبة
المسجد الأقصى . و قام أفراد المجموعة بتصوير الموقع من زوايا مختلفة من على جبل
الزيتون و من المدرسة الدينية الواقعة بالقرب من حائط المبكى و من حديقة عامة صغيرة
بالقرب من مستشفى المطلع ، و قاموا بفحص ترتيبات الحراسة و وضعوا خطة للانسحاب . و
لم يكتفوا بذلك بل قاموا بمراجعة جميع المنشورات التي كتبت عن المسجد الأقصى و عن
مكوّناته الداخلية و عن الثروة الفنية الموجودة فيه . و عندما شرعوا في التخطيط
لتنفيذ عملهم طرحوا عدة احتمالات ، منها اقتحام بوابات المسجد الأقصى بسيارات
مصفّحة و دخول باحة المسجد بالزي العسكري و إخلاء المصلين بحجة وقوع اعتداء مسلحٍ و
استغلال حالة الهلع لوضع مواد ناسفة في المسجد . و بلغ بهم الأمر أنهم درسوا
إمكانية تفجير المسجد من الجو . و قامت المجموعة بإجراء حسابات دقيقة لتحديد
الأماكن الملائمة لوضع المواد المتفجّرة بحيث تؤدّي إلى إحداث أكبر قدرٍ من الضرر .
و بعد إجراء فحوصات دقيقة توصّلوا إلى استنتاج بأنه في الإمكان صنع حاويات بصورة
معينة و أن تعبأ هذه الحاويات بالمواد الناسفة و توضع إلى جانب جدران المسجد . و
بهذا الغرض طلبوا من أحد مصانع الألمنيوم في نس إتسيونا أن يصنع لهم 20 حاوية تتّسع
كلّ واحدة لحوالي 350 كيلوغراماً من المواد الناسفة . و سرقوا من سلاح الهندسة
منشئة تحتوي على مئات الكيلوغرامات من المواد الناسفة تستعمل في تمهيد الطرق
الملغومة أمام الدبابات أو تدمير الحواجز المانعة و قاموا بإيداع المتفجرات في منزل
أحد المعتقلين في كفار نوف . (و قد وجدنا الحاويات مخبأة في منزل أحد المعتقلين .
كما اكتشفنا مخبأ فيه مسدّسات كاتمة للصوت ، لحراسة واضعي المتفجرات في المسجد) ..
و قد جمّدت مخطّطات تفجير
المسجد في نهاية الأمر بعد المشاورات التي جرت بين أفراد العصابة و عددٍ من
الحاخامات اليهود الذين نصحوهم بعدم ارتكاب هذا العمل لأن الشعب ليس مستعداً لوقوع
مثل هذا الاعتداء و من المحتمل أن يسقط عددٌ كبير من الضحايا نتيجة لهذا الاعتداء .
و قد جُمعت البيانات من
المتهمين بعد الاستعانة بقوات كبيرة من أجهزة الأمن و قدّمت البيانات إلى المحكمة .
و لولا الحصول على هذه البيّنات و إلقاء القبض على المتهمين و هم متلبّسون بالعمل
لكان من الصعب تقديمهم للمحاكمة و إدانتهم.
لقد علّمتنا تجارب الماضي أن
أصحاب الأفكار الأيديولوجية يصمدون أمام المحقّقين و أن من الصعب انتزاع الإفادة
منهم . و قد حكم على أفراد العصابة اليهودية البالغ عددهم سبعة و عشرين عضواً
بالحبس لفترات مختلفة تراوحت من خمسة و عشرين شهراً إلى المؤبّد . و مع مضيّ الزمن
تم الإفراج عن اثني عشر منهم بعد حصولهم على عفوٍ من رئيس الدولة حاييم هرتسوغ
بعدما أبدوا الندم على فعلتهم . و في نهاية القضية حاولنا حساب الوقت الذي استهلك
في ملاحقة هذه العصابة حتى تم القبض عليها . و اتضح لنا أنه خلال الشهور العشرة من
تموز 1983 و حتى نيسان 1984 30.000 ساعة عمل في تعقّب هذه العصابة و استعملنا مئات
الألقاب و الأسماء المزوّرة للأشخاص و العمليات .
كانت هويّة العصابة اليهودية
فريدة من نوعها . كانوا معظمهم من المثقّفين من خريحي المدارس الدينية و من مسرّحي
الجيش (الإسرائيلي) المشبّعين بالأيديولوجية الصهيونية الدينية . كانوا من
المثقّفين الذين يؤمنون بأهمّيات العمل لتحقيق الحلم . و هذا ما يفسّر الصعوبة التي
واجهت جهاز الأمن العام عند محاولته زرع عملاء داخل صفوف هذه الفئات المتطرّفة . و
علاوة على ذلك فإن معظم التنظيمات اليمينية و اليسارية المتطرّفة تدرك جيداً أن
قوات الأمن تضعهم تحت المراقبة و أنها تتعقّب نشاطاتهم الخطيرة بهدف إحباطها . لهذا
سيطر عليهم الشك إزاء كلّ شخصٍ يحاول الانضمام إليهم ، و كانوا شديدي الحذر من كلّ
شخصٍ يحاول أن يطرح عليهم أسئلة كثيرة .
من هنا يمكن معرفة الصعوبة
التي واجهت جهاز الأمن العام "الشين بيت" عندما قام بزرع عميلٍ مثل "أفيشاي رفيف"
في صفوف هذه الفئات المتطرّفة قبيل مقتل رئيس الحكومة السابق إسحاق رابين .
و عندما تتحدّث أجهزة الأمن عن
اليمين المتطرّف فإنها لا تعني بذلك الفئات اليمينية المنشغلة بالفعاليات
الاحتجاجية أو التي تطلق التصريحات الحادة كما يحدث عندما يدعو رؤساء مجلس
المستوطنات اليهودية إلى إغلاق الطرق احتجاجاً على الاتفاق مع الفلسطينيين . و لكن
جهاز الأمن يقصد بالفئات اليمينية المتطرفة الأفراد و المجموعات التي تحرّكها عقائد
أيديولوجية منها على سبيل المثال الفئات التي تؤمِن بقدوم المسيح لإنقاذ العالم و
لكنهم يسعون إلى الإنقاذ عن طريق اللجوء إلى أعمال العنف أو أولئك الذين لا يعترفون
بصالحيات المؤسسات الحاكمة بسبب مبادىء عنصرية أو عقائد دينية أصولية. و الخط
العقائدي الذي يجمع هذه الفئات اليمينية المتطرّفة ليس واحداً و لكنه يمكن أن يكون
مكوّناً من عدة خطوط أو من قسمٍ منها . و من أهم المكوّنات العقائدية لهذه الفئات :
إلغاء الحكم الديمقراطي في الدولة و تطبيق الشرائع الدينية بكلّ معانيها ، و طرد
العرب لأسبابٍ عنصرية و الإسراع في إنقاذ أرض (إسرائيل) و اتخاذ جميع السبل اللازمة
لإقامة الهيكل اليهودي . و تجدر الإشارة إلى أن هناك مجموعة من الحاخامات تعتبر أن
تسليم مناطق من أرض (إسرائيل) للعرب لا يختلف عن سفك الدماء . و إذا كانت هذه
الأفكار لا تراود الكثيرين من حاخامات (إسرائيل) فإنهم لا يجرؤون على رفع أصواتهم و
معارضة هذه الأفكار .
و شبيهاً بالتنظيمات الأخرى ،
توجد لدى التنظيمات اليهودية المتطرّفة درجات متعدّدة من التعصب و الأصولية . فبعد
إخراج حركة "كاخ" عن القانون برزت مجموعتان تؤيّدان مئير كهانا و تعتبران أنفسهما
استمراراً لحركته . هاتان المجموعتان تحتويان على نواة من الطباع الغريبة و الحمق
المستوردين من الولايات المتحدة و قد انسجمت هذه الحركة مع حركات أخرى متطرّفة داخل
(إسرائيل) . و من التنظيمات التي اشتهرت بالتطرّف التنظيمي المسمّى بأمناء جبل
الهيكل التي قرّرت تغيير الوضع القائم في هذا المكان الحساس و ارتكاب أعمالٍ
اعتبرتها دائرة الأوقاف الإسلامية على أنها أعمال استفزازية ، و إلى جانب هذه
التنظيمات التي كانت تخطّط لإقامة الهيكل المقدّس و تعدّ العدّة لإقامته و تزويده
بما يلزم كانت تعمل جماعات أخرى في منطقة الضفة الغربية وصفت نفسها بأنها من مؤيّدي
أرض (إسرائيل الكبرى) . كلّ هذه المجموعات سواء كانت مكشوفة أو سرية استوجبت نشاطاً
استخبارياً مستمراً لأن أعمالها كانت تتميّز بالخطورة و تهدّد حياة الناس و كفيلة
بأن تعطّل مجرى الحياة اليومية و أن تزجّ (إسرائيل) إلى منزلقات سياسية .
هذه النشاطات التي كان يقوم
بتأديتها جهاز الأمن العام لم تكن معروفة لدى عددٍ كبيرٍ من الناس . و من الصعب حصر
الحالات التي نجح فيها جهاز الأمن في إحباط محاولات من جانب العصابات اليهودية
للاعتداء على حياة السكان العرب و قذفهم بالحجارة و إغلاق الطرق و ارتكاب أعمال
العنف و غير ذلك من الفعاليات العدائية التي تمكّن جهاز الأمن العام من إحباطها .
إن المستوطنين المتطرّفين يعرفون أن هناك فريقين من أجهزة الأمن العام : الفريق
المحبوب لديهم الذي يقوم بالعمل داخل الوسط العربي و يحاول منع وقوع اعتداءات ، و
يقوم باعتقال (المخرّبين) و يبحث عن المطلوبين . و الفريق الثاني هو الفريق السيء
الذي يقوم باعتقال أعضاء العصابة اليهودية و هو الذي قام بزرع آفيشاي رفيف في
صفوفهم بهدف محاولة منعهم من ارتكاب الأعمال التي تحلو لهم .
إن زرع عميلٍ أمر محفوف
بالصعاب . و إن تجنيد عميلٍ للعمل في منطقة الضفة الغربية يعتبر مهمة صعبة و معقّدة
. إن تجنيد مثل هذا العميل يشبه السير في حقل ألغامٍ سواء كان المقصود المحافظة على
سلامة الجمهور أو المحافظة على حرية العمل و حرية التعبير اللتين لا بد من وجودهما
في النظام الديمقراطي ناهيك عن الأبعاد السياسية العامة . لذلك يتوجّب قبل كلّ شيء
التعامل مع هذا الموضوع بشيء من اللين و الصبر و بالإضافة إلى ذلك إذا حاولنا أن
نطلب من أحد العملاء أن يدلي بمعلومات استخبارية عن زميله فإنه يخاف و ربما يؤدّي
ذلك إلى تحقيق هدفٍ مختلف عما كنا نتوقّع .
من شأن هذا الشخص أن يتوصّل
إلى استنتاج بأننا نطلب منه أن يخون صديقه و أن يتنكّر للمبادىء التي يؤمن بها .
لذلك من الضروري التمهيد لذلك بوسائل الإقناع غير المباشرة و المحكمة و الإيجابية .
على سبيل المثال يمكن التمهيد لذلك بأن نقول له : "في المنطقة التي تقيم بها يوجد
توتر مقلق بين اليهود و العرب و نحن نريد أن نحافظ على الهدوء . لذلك نرجو منك أن
تنتبه لما يجري و أن تبلِغنا عن أيّ عملٍ شاذ من شأنه أن يؤدّي إلى حدوث فوضى و
اضطراب في مكان سكناك".
و إذا كان الرجل معنياً
بالمحافظة على الهدوء في البيئة المحيطة به ، من شأنه أن يوافق على التعاون معنا
دون أن يرى في ذلك خيانة أو إخلالاً بالأمانة . و كلّ ما أعرفه أننا لم نقم أبداً
بتجنيد شخصٍ لهذا الغرض كانت دوافعه الحصول على المال فقط و ذلك لسببين الأول الخوف
من الطعن في القيم التي يؤمِن بها لأن معظم المستوطنين اختاروا هذا الأسلوب من
الحياة لأسباب أيدولوجية ، و الثاني يعود لاعتبارات استخبارية ذلك أن العميل إذا
كان في حاجة ماسة إى المال فإنه قد يحاول اختلاق المعلومات الاستخبارية كي يحصل على
مزيدٍ من المال . لا شك أن المال على درجة كبيرة من الأهمية و لكن لا يجوز أن يكون
الدافع الوحيد . لا بد من وجود دوافع أخرى و شخصية تتميّز بصفات معينة أو تعاني من
ضائقة اجتماعية . فعلى سبيل المثال تعاون معنا عددٌ من المستوطنين اليهود في
المناطق الفلسطينية لأنهم كانوا لا يؤيّدون العناصر المتطرفة التي تعمل في
مستوطناتهم .
لقد آمن هؤلاء الناس بأن أعمال
العناصر المتطرّفة تعيق تطوّر الاستيطان في الضفة الغربية . لقد تطلّع الأشخاص
الذين تعاونوا معنا إلى الاستمرار في العيش بدون مضايقات . و كانوا تواقين إلى
تحقيق التعايش و السلام مع جيرانهم من العرب بعيداً عن المضايقات التي يتعرّضون لها
من العناصر المتطرّفة في الجانبين العربي و اليهودي . و بفضل المساعدة التي قام
هؤلاء الأشخاص بتقديمها لجهاز الأمن العام ، دون أن يكون الهدف من ورائها الحصول
على المال ، تمكّن الجهاز من إحباط الكثير من أعمال العنف التي كان من شأنها أن
تلحق أضراراً يصعب التنبؤ بنتائجها . لقد ألحقت قضية العصابة اليهودية ضرراً كبيراً
بالأيدولوجية التي كانت تحدو زعماءها . فحقيقة وجود عصابة يهودية أثار قسماً كبيراً
من سكان الدولة . فالأعمال التي ارتكبتها العصابة و التي كان من بينها التسبّب في
قطع أرجل رئيس بلدية نابلس و رئيس بلدية رام الله و قتل طلاب الكلية الإسلامية في
الخليل و الإصابة التي تعرّض لها خبير المتفجّرات الدرزي حرباوي و زرع العبوات
الناسفة في الحافلات المدنية ، كلّ هذه الاعتداءات اعتبرت لدى الشارع (الإسرائيلي)
على أنها أعمال انتقامية منبوذة و ألحقت ضرراً بجميع المستوطنين و جعلت العرب
ينظرون إلى المستوطنين على أنهم وباء لا بد من التخلّص منه . و عدا ذلك فإن إلقاء
القبض على أعضاء العصابة و هم متلبّسون بجرائمهم أوضح لغيرهم من العناصر المتطرّفة
أن أعين أجهزة الأمن ساهرة و أن مصيرهم يمكن أن يكون كمصير أولئك الذين أقدموا على
ارتكاب أعمال العنف . إن الإقرار بأن أعمال الإرهاب لا يمكن أن تؤثّر على المسيرة
السياسية و الاستراتيجية و الاعتراف بأنه من الصعب الحصول على تأييدٍ جارف لأعمال
العنف من قبل المستوطنين في الضفة الغربية ، و زج أعضاء العصابة إلى داخل السجون -
كلّ هذه الأمور دفعتني إلى الاعتقاد و إلى الأمل في أن تؤدّي إلى نتيجة واحدة و هي
أن أعمال العنف و الانتقام لا يمكن أن تحقّق الأهداف المنشودة على المدى البعيد .
إن إدراك الصعوبات التي تكتنف
تشغيل عصابة يشكّل عاملاً رادعاً و لكن ليس من شأن ذلك أن يسقط هذا الموضوع من جدول
أعمال جهاز الأمن العام . فعلى العكس من ذلك يتوجّب على جهاز الأمن العام أن يبذل
جهوداً كبيرة في هذا المجال و السبب في ذلك واضح و هو أن أي جهة متطرّفة تسعى إلى
تنفيذ اعتداءات ستنظر إلى ما حدث للعصابة اليهودية و بالتالي سيدفعها ذلك إلى اتخاذ
أسباب الحذر . و بالإضافة إلى ذلك فإن تشكيل عصابة منظّمة في هذا النوع من الواقع
الذي نعيشه كفيلٌ بأن يؤدّي إلى تكرار ظاهرة المجرم يغئال عمير التي يسعى جهاز
الأمن العام إلى الحيلولة دون تكرارها .
في كثير من الأحيان كنت أسأل
نفسي هل ستقوم عصابة يهودية جديدة في الدولة . و بطبيعة الحال لم أتوصل إلى إجابة
شافية لهذا السؤال . باستطاعتي القول إنه طالما ظلّ الجدل الأيدولوجي قائماً بين
اليمين و اليسار و طالما ظلّت الفوارق و التمزّقات قائمة داخل المجتمع (الإسرائيلي)
فإن احتمال ظهور عناصر عدوانية يظلّ قائماً و لا يستبعد أن تظهر مجموعات ثانوية
متعطّشة للانتقام أو مجموعات تسعى إلى تحقيق إنجازات سياسية بالقوة . و على ضوء ذلك
تبدو أهمية العمل الاستخباري و النشاطات الوقائية التي يقوم بها جهاز الأمن العام
في هذا المضمار و خاصة الملاحقة المستمرة لهذه العناصر المتطرفة و متابعة ما يجري
داخلها و وضع الأصابع على الزناد .
من الطبيعي أن فعاليات أجهزة
الأمن لا تكفي في هذا المجال الحساس . فالحقيقة أن جهات أخرى يتوجّب عليها أن تخلِص
العمل لخدمة هذه المهمة الحيوية و ثمة دوراً حاسماً للجهاز القضائي و للشرطة . ليس
سراً أن أقول إن الشرطة تراجعت في أكثر من مرة من فتح ملفات وإجراء التحقيقات ضد
عددٍ ممن اتهموا بالإخلال بالقانون و النظام العام . و كذلك النيابة العامة لم تتبع
أساليب كافية لتقديم المتطرفين اليهود للمحاكمة . أضف إلى ذلك فإن نشر قوات عسكرية
كبيرة في المناطق الفلسطينية أدخل الأمن إلى صفوف المستوطنين اليهود و أن غياب
الشعور بالأمن يعدّ من أهم العوامل التي تدفع بالناس إلى الانخراط في العصابات .
لذلك يتوجّب على الجيش
(الإسرائيلي) و على المستوى السياسي أن يجروا مفاوضات دائمة مع المستوطنين في كلّ
مكان و على جميع المستويات كي يقتلعوا من نفوسهم الشعور بالعزلة و الإنكار ، كما أن
زعامة الحاخامية في الدولة مدعوة إلى إصدار بيانات تدين فيها جميع أنواع التطرّف .
و من الضروري كذلك التفكير في كيفية التعامل مع اليهود الذين يدخلون إلى المسجد
الأقصى . و لا بد من وضع حراسة مشدّدة عند الأبواب المؤدّية إلى المسجد الأقصى. و
مع ذلك لا بدّ من البحث عن طرقٍ تحول دون تعرّض كلّ يهودي لفحصٍ دقيق عند دخوله
باحة المسجد الأقصى ، لأن أساليب الفحص و التفتيش الدقيق تؤدّي إلى تصلّب مواقف
أصحاب النظريات المتطرّفة و في هذا الصدد يرجى أن يسمح لي بالتعبير عن رأيٍ شخصيّ
يقوم على أساس أنه في إطار الحلّ الدائم مع الفلسطينيين لا مانع من النظر في
إمكانية تخصيص مكانٍ في باحة المسجد الأقصى يقوم اليهود بتأدية صلواتهم فيه .
|