|
(مخرّب) ذو علامة فارقة منذ الولادة
نيسان 1968
نابلس . في ساعة مسائية وديعة
على غير العادة . فقد حلّ الربيع هنا . و أريج أزهار أشجار الحمضيات تفعم الأنوف من
بيارات المدينة ، تتسلّل من النوافذ المحمية لمبنى القيادة فتغمر الحجرات برائحتها
المسكِرة . و الأذان من المساجد المتنافسة تتناهى من حيّ القصبة في المدينة .
صمت غريب يلف المدينة . فقد
نسيت الهواتف أن ترن . و شبكات الاتصال غافية . و لغرض التغيير لم تصل اليوم أي
أنباء عن عمليات أو اشتباكات ، أو حتى معلومات عن انتظامٍ لخلايا (المخرّبين)
استعداداً للتسلّل إلى (إسرائيل) . و إذا ما استمر الحال هكذا ، فسيكون بوسعي أن
أغادر إلى منزلي بعد عدة ساعات فأمضي مع عائلتي عشاء الفصح . يؤتون من المطبخ
بالقهوة الساخنة الحلوة .
و لكن الصمت مثلما هو دوماً في
نابلس المحوطة بالمؤامرات ، يظهر كالوهم ، ليس أكثر . فأحد ما يفتح الباب على حين
غرة و يسلّمني معلومة وصلت على وجه السرعة من عميلٍ عربي ، من سكان إحدى قرى ظهر
الجبل . يقول إن خلية لـ (المخرّبين) توشك على اجتياز النهر عند منتصف الليل في
طريقها لتنفيذ عملية كبرى في (إسرائيل) ، في ذروة عيد الفصح . و قد بتّ الآن أعرف
على وجه مؤكد أن على عائلتي أن تقضيَ عشاء الفصح بدوني .
أنا منسّق لـ "الشباك" حديث
العهد في نابلس . كنت أنهيت قبل وقت قصير مدة التأهيل في الجهاز . و هذا منصب لا
بأس به لرجل مخابرات يكاد لا يبلغ الرابعة و العشرين من عمره ، و لكن لهذا ثمن باهظ
. فأنا لا أصل إلى منزلي في ناتانيا إلا في فترات متباعدة . زوجتي (يعيل) تستقبلني
في الغالب و أنا منهك من التعب . و معظم وقتي ، الليل كالنهار ، أقضيه في الميدان ،
أجنّد العملاء من بين السكان المحليين و أوجّههم ، و أجري الاعتقالات كي أمنع
انتظام (المخربين) ، و أفتش عن مخابىء السلاح و العبوات الناسفة . أعمل بحماسة ،
مفعم بالإحساس بالرسالة . و مثل كلّ رجال المخابرات الذين يخدمون معي في غمرة
اللهيب المتلظي الذي يسمّى نابلس ، أقوم بما أكلّف به دون أن أنظر إلى الساعة .
فلدينا جميعاً نساء في المنازل ، بل و بعضنا آباء لأطفالٍ صغار ، و لكننا نعرف أن
المهمة التي وضعت بين أيدينا تستوجب منا التفاني شبه التام .
تلك كانت فترة عسيرة ، منهكة
لا مثيل لها . في نابلس – المدينة غير الحديثة ، المكتظة ، و لكنها بالغة الحيوية ،
و التي تثير غير مرة الإحساس بأنها قرية كبيرة – يسود جوّ من العداء المشوب بالخوف
و المخاوف الكبيرة مما سيأتي . قوات عسكرية غفيرة تجوب المدينة و محيطها ، و تحت
السطح يحوم النشاط (التخريبي) . منظّمات (المخربين) تدعو إلى العصيان المدني ضد
"الاحتلال الصهيوني" و إلى القيام بالعمليات في (إسرائيل) و في المناطق .
و تكاد لا تمرّ ليلة دون أن
تحاول خلية من (المخرّبين) المدجّجين بالسلاح و الذخيرة و العبوات الناسفة اجتياز
نهر الأردن غرباً . و غدت مطاردات جنود لواء الغور في قيادة المنطقة الوسطى أمراً
اعتيادياً . و في الليالي الطويلة يقومون بتمشيط المنطقة و نصب الكمائن . و عندما
كنت ألتقيهم و هم في طريقهم إلى الكمائن أو عودتهم منها ، أتذكّر أغنية "يحيئيل
موهير و موشيه فيلنسكي" ، "يا مولاي" :
"في تل أبيب
الآن سينما ،
و فتيات
بألوان مختلفة ،
و نحن نضجع
هنا بلا حراك
ننظر إلى
النجوم ..."
أما نحن ، منسّقي "الشباك" ،
فقد درجنا بين الحين و الآخر على الانضمام إلى الجنود . حين تقودنا آثار الخطى إلى
ظهر الجبل مثلاً ، أو حين تثور في المنطقة مشاكل ينطوي حلّها على التحقيقات و غيرها
من الأعمال في مجال خبرتنا . و قد ألقي القبض على العديد من (المخرّبين) في أعقاب
هذه الجهود المشتركة ، و لكن ليس جميعهم . العبوات الناسفة تنفجر في (إسرائيل)
الواحدة تلو الأخرى ، نتوقع خسائر فادحة . و أيادينا مليئة بالعمل . كلّ يوم ، و
أحياناً عدة مرات في اليوم ، نتلقّى معلومات عن خلايا توشك على اجتياز النهر أو عن
تلك التي باتت في طريقها إلى إحدى مدن (إسرائيل) .
في المعلومة التي تلقّيناها
لتوّنا ، في يومٍ ربيعيّ ، قبل وقتٍ قصير من عشاء الفصح ، ثمة نقطة جذبت ناظري .
جاء فيها أن سمير ، قائد الخلية التي توشك على اجتياز نهر الأردن في منتصف الليل ،
على ما يبدو هو نفس ذاك (المخرّب) المطلوب جداً . و نحن نعرِف عنه القليل . و
التفاصيل الوحيدة التي تمكّنا من جمعها هي تقدير عمره و وصفٍ عامٍ عن مظهره
الخارجيّ . فقد قيل عنه إنه في منتصف الثلاثينات من عمره ، قويّ البنية و له علامة
فارقة ولد و هو يحملها على رقبته . و ليس واضحاً إذا كان سمير هو اسمه الحقيقيّ أم
لقبه . و قد حصل لنا غير مرة أن فوّتنا فرصة القبض عليه . فهو يتملّص كثعبان الماء
، سريع كالشيطان و ماكر كالثعلب . (مخرّب) جسور ، لا تلين له قناة ، يعرِف كل زاوية
و كل مخبأ في ظهر الجبل . و قرى ظهر الجبل هي المحطّات الأولى في رحلات (المخربين)
إلى داخل (إسرائيل) . فهم يجتازون النهر مع الليل ، يشوّشون على السيّاج الإلكتروني
، يخفون آثارهم بلفّ نعالهم بفرو الخراف ، أو يتقدّمون بخطى خلفية ، و وجوههم نحو
النهر ، و ذلك لإثارة الانطباع بأنهم قطعوا النهر عائدين إلى الشرق و ليسوا قادمين
. و الطائرات الدورية التي تصل مع الفجر لتمشيط دروب التشويش على طول السياج ، و
الدوريات الراجلة و المؤلّلة لمقاتلي لواء الغور التي يقودها قصاصو الأثر البدو
(وهؤلاء هم قصاصو الأثر في المطاردات) – كل أولئك لا يكتشفون بشكلٍ عامٍ إلا دلائل
التسلّل ، و ليس الخلايا نفسها . و تتمكّن هذه الخلايا من إيجاد مأوى لها في القرى
المطلة على الغور ، أو يختبئون في الكهوف و في ثنايا الجبال . و لهذا فإن من المهمّ
جداً إلقاء القبض على (المخرّبين) في وقتٍ أقرب ما يكون إلى موعد اجتيازهم للنهر .
فنحن نعرف أنهم إذا ما تمكّنوا من الوصول إلى إحدى القرى و الاختباء فيها طوال
الليل ، فسيقلّ جداً احتمال العثور عليهم .
و سكان قرى ظهر الجبل هم
فلاحون قساة ، بسطاء و أقوياء ، تكيّفوا على العيش في ظروف بدائيّة . و هم يخافون
الاتصال بالغرباء ، و يضاف إلى ذلك الخوف منا نحن (الإسرائيليين) . و بطبيعة الحال
، فإنهم يتعاطفون مع (المخرّبين) أكثر ممّا يتعاطفون معنا – رغم الخوف منهم – و
يعملون كلّ ما في وسعهم ، و غير مرة رغماً عنهم ، كي يخبّئوهم و يساعدوهم على
التحرّك في الغداة نحو أهدافهم – و تجنيد العملاء من بين سكان ظهر الجبل لهو إحدى
المهمات الأصعب التي نقوم بها .
ها قد انتهى اليوم . و أظنّ أن
زوجتي قد سافرت إلى أبويها ، اللذين يسكنان هما الآخرين في نتانيا ، لقضاء عشاء
الفصح في حضن عائلة كبيرة محبّة . و في ذات الوقت فإني أسرِع مع وحدة المظلّيين نحو
النهر كي نكمن لخلية (المخربين) في مسار التسلّل المقرّر . و هذه هي أول عملية
أتحمّل المسؤولية عن دور "الشباك" فيها .
بعد منتصف الليل بقليل نسمع
حفيفاً مشبوهاً . شخوص تسير بين أشجار الشيح . الجنود يفتحون النار فيشرع
(المخرّبون) بالفرار . نطارد الخلية حتى ضوء الفجر ، و في النهاية نتمكن من
محاصرتهم . معركة قاسية و عنيدة تنشب . (المخرّبون) يطلِقون النار بلا انقطاع ، و
يظهر أنهم متدرّبون جيّداً . بضع من جنودنا يصابون في أثناء تبادل النار . أحد
المقاتلين عريف من لواء المظليين يقتَل .
في نهاية المطاف نصيب فنقتل
بعضاً من رجال الخلية و يستسلم الآخرون . و سرعان ما يتبيّن لنا أن هذه إحدى
الخلايا الأكثر خطراً التي تقع في أيدينا حتى ذلك الحين . و لكن و للأسف الشديد ،
فإن (المخرّب) الذي أردنا القبض عليه أكثر من أي شخص آخر ، القائد الذي قاد الخلية
نحو مهمة العملية في (إسرائيل) ، لم يكن بينهم . و يبدو أنه في غمرة المعركة تمكّن
سمير ، بهذه الوسيلة أو تلك ، من التملّص من أيدينا هذه المرة أيضاً .
نفرِض في الحال حظر التجوّل
على القرية المجاورة ، بيت فوريك ، و التي تطلّ على مسار التسلّل للخلية ، و لهذا
فثمة أساسٍ معقول للافتراض أن سمير قد فرّ إليها . و هذه قرية سيئة الصيت ، أخفت
غير قليل من خلايا (المخربين) في الماضي ، بل و قدّمت العديد من المجنّدين من
أبنائها المحليّين في صفوف منظمات (المخربين) . و قد بات لدينا الآن أساليب مجرّبة
للعثور على (المخربين) في مثل هذه الظروف : سيارات جيب عسكرية ، مزوّدة بمكبرات
الصوت ، تمرّ في أزقة القرية ، تفرِض حظر التجوّل العام و تدعو كلّ الرجال إلى
التجمّع في ساحة القرية أو في ساحة المدرسة . و في نفس الوقت يقتحِم جنود الجيش
(الإسرائيلي) و حرس الحدود كلّ منزل ، و ينتقلون من ساحة إلى ساحة يجرون التفتيشات
الدقيقة ، للتأكد من أن أحداً لا يختبىء فيها . و بعد تجميع الرجال في مكانٍ ما ،
تصل إلى سيارة أحد منسقي المخابرات . في المقعد الخلفي يجلس (مخرّب) ألقي القبض
عليه قبل ذلك ، و إلى جانبه حارس - شرطيّ من حرس الحدود ، أو جندي و أحيانا رجل
مخابرات ، يخفيه شادر سميك ذو "نافذة" صغيرة عن أعين الجميع ، مثابة من يرى دون أن
يُرى . و يستدعى كلّ الرجال إلى الوقوف صفاً واحداً أمام السيارة ، فيقوم (المخرّب)
المتخفّي ، كما يفترض منه ، بتشخيص المشبوهين ، أو يقول إنهم ليسوا موجودين . و
لاعتبارات مفهومة لا يكون ممكناً دوماً الثقة بموقف مثل هذا المعتقل ، و لكن في
حالات عديدة أثبتت الطريقة نجاعتها .
لقد جرى طابور التشخيص في بيت
فوريك مع الفجر فوراً . و نحن نبحث عن سمير بين الرجال الذين جمعناهم في ساحة
المدرسة ، في محاولة استمرت طوال الليل لإقناع (المخرّبين) الذين ألقينا القبض
عليهم بالتعاون معنا . و بدا ظاهراً أنهم موافقون . فأدخلناهم إلى السيارات و
اقتدناهم إلى مكان التجمّع . فأخذوا يستطلعون الرجال من وراء نافذة الشادر و يدّعون
أن قائدهم ليس بينهم . و على الرغم من ذلك فقد عدنا لنحقّق مع سكان تلك القرية
واحداً واحداًَ ، يحدونا الأمل بأن يكون (المخرّبون) قد كذبوا ، بحيث نجد ذاك الرجل
الذي نبحث عنه ، أو أن نجد على الأقل من أخفاه أو يعرِف أين يستتر .
و في ذروة التحقيق تناهى إلى
سمعي صوت محرّك مروحية قادمة . فهبطت هذه على مبعدة قصيرة من وسط القرية . فخرَج
منها قائد منطقة القدس و منطقة يهودا و السامرة في المخابرات ، يهودا أربيل ، و
قائد المنطقة الوسطى ، عوزي نركيس ترافقهما حاشية غفيرة من المساعدين . فاتخذوا لهم
مجلساً في جوارنا . و كان مسؤولو المخابرات يلبسون البزات العسكرية و على أكتافهم
رتبهم . و كان على كتفي رتبة نقيب . فأشار أربيل إليّ فتوجّهت إليه بسرورٍ تواقاً
لأن أروي له بافتخار عن عمليتنا و التي كانت أول مهمة تلقى فيها مسؤولية حقيقيّة
عليّ . صحيح أننا لم نعثر على قائد الخلية بعد ، و الذي يدعى سمير ، و لكننا نجحنا
في القبض على بضعة (مخرّبين) خطرين ، و هذا بحدّ ذاته إنجاز لا بأس به . و لكن
أربيل لم يعطِني الفرصة حتى لأفتح فمي . فقد حدجني بنظرة حجرية ثاقبة و قال : "تعال
إلى هنا يا يعقوب . أعد فنجان قهوة للواء ..." فذهلت . لم أنم ليلتين متتاليتين ، و
غبت عن عشاء الفصح العائلي ، و طاردت (المخرّبين) و عرضت حياتي للخطر . و بعد كلّ
هذا تأتي هذه الإهانة على لسان قائدي ، الذي يبدو أن كلّ ما يهمّه هو أن يحتسي
اللواء فنجاناً من القهوة . و قمت بتنفيذ الأمر بصمت ، دون أن أحرّك ساكناً ، و لكن
الإهانة كانت عظيمة .
عدت إلى التحقيق في ساحة
المدرسة . و استمرّت عملية التشخيص ساعاتٍ طوال دون أن نتمكّن من العثور على القائد
بعد . و لم يتبقَّ سوى القليل من القرويّين الذين لم يجتازوا عملية التشخيص و
التحقيق . و كان أحدهم رجلٌ متوسط القامة ينفي مثل الجميع ، كلّ صلة بالخلية التي
ألقيَ القبض عليها . و هو يقول إنه أعزب ، فلاح محليّ . لا لم يعرف سمير المطلوب و
لم يره أبداً . و أقواله تشبه على نحو مدهش أقوال الرجال الآخرين الذين مرّوا
بالتحقيق ، و لكن شيئاً في مظهره بدا لي ملفتاً للنظر . فعلى رقبته تبرز كتلة دهنية
صغيرة ، ليس علامة فارقة من الولادة كما توقّعت أن أرى . و تساءلت إذا كان هذا ما
قصدته مصادري حين تحدّثت عن "الكتلة" (العلامة الفارقة) . ليس لديّ أي طرف خيطٍ
أمسك به ، باستثناء تلك الانتفاخة الصغيرة على رقبة العربيّ ، و لكن لديّ مجرّد
الإحساس الداخلي أن هذا هو الرجل "خاصتنا" . فأقرّر الرهان ، فأمسك به بذراعيه و
اقتاده خلف جدار لا يرانا عنده أحد .
"إسمع" ، أقول له ، "أعرف
بالتأكيد أنك سمير ، قائد خلية (المخرّبين) ، و لديك الآن خياران : أن تروي لي عن
كلّ الخلايا و الوسائل القتالية التي نقلتها حتى الآن ، و العمليات التي كان لك ضلع
فيها ، و العمليات (الإرهابية) المقرّرة - أو الذهاب إلى السجن و هناك نعرِف كيف
نجعلك تتكلم" .
فحدجني بنظرة ثاقبة و قال بصوت
خافتٍ مكبوح : "خسارة على الجهد . أنا الرجل الذي تبحث عنه..." .
و اتضح أن سمير ليس متزمّتاً
دينياً أو وطنياً ، بل مرتزق ذو كفاءات في مجال العمليات ، كان يتلقّى المال من
منظمات (المخرّبين) لقاء خدماته . و هو يرغب في العودة إلى قريته ، و لكنه يعرِف أن
بانتظاره سنوات سجن طويلة . و بعد تحقيقٍ عميقٍ و حديث طويل - يمكن في مناسبات أخرى
تسميته بحديث النفس - روى لي عن حياة الفقر التي عاشها و عن طموحه لأن يستبدل
السلاح بالمحراث و الزراعة و أن يتزوّج و يعيش بأمان ، بعيداً عن منظمات
(المخرّبين) .
و قال : "أنظر إليك فأرى شخصاً
مختلفاً عني تماماً - رجل جيش محترف ، جنديّ منذ الولادة . و أنا مستعد لأراهن أن
أباك كان ضابطاً في وحدة حربية . و أنك حلمت منذ الصبا بأن تلبس البزة العسكرية ، و
ها أنت توجد بالضبط في المسار الذي خطّطت له" .
فضحكت ... "أبي" ، أجبت ،
"عامل بناء بسيط ، أما أنا فرغبت أكثر من أيّ شيء آخر بأن أكون موسيقاراً ..." .
|