الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

عودة

 

 

نزهة شارون

                  

منذ اليوم الأول الذي طرحت فيه المشكلة اللبنانية على جدول الأعمال السياسي بدأ رجال جهاز الأمن العام "الشين بيت" يشاركون في جلسات المجلس الوزاري المصغر . و قد ظهر هذا الدور بشكلٍ واضح خلال الفترة التي تولّى فيها إسحاق رابين الحكم . و كنت بحكم عملي كرئيسٍ للجهاز أشارك في الجلسات الأسبوعية للحكومة . كنت أجلس إلى جانب رئيس الأركان و القائد العام للشرطة و منسّق أعمال الحكومة في المناطق المحتلة و كان كلّ واحدٍ منا يقدّم تقريراً عن مجال عمله . كنت أستعين عند إعداد التقرير بقسم الأبحاث و بالمسؤولين في مكتب و تعوّدت خلال الجلسات أن أقدّم استعراضاً مزوّداً بالرسوم و التصاوير عن النشاطات التي كان يقوم بها جهاز الأمن العام لإحباط الاعتداءات المسلحة . و لأن الوزراء لم يكونوا عادة موجودين في موقع الأحداث فإن تقارير الشين بيت كانت تقدّم لهم صورة صادقة و أمينة عن الوضع . و كان من بين الوزراء الذين اهتموا بمعرفة كلّ صغيرة و كبيرة وزيران هما آرئيل شارون و موشيه شاحال . بدأت أتعرّف على شارون عندما كنت قائداً للواء القدس . كان يعمل في ذلك الحين وزيراً للدفاع و أكثر خلال هذه الفترة من مرافقته خلال الجولات التي كان يقوم بها في الضفة الغربية . كان من عادته أن يجلس بالقرب من نافذة الطائرة المروحية و أن يتطلّع إلى جميع المناطق التي يمكن مشاهدتها من الطائرة ، و مع مضيّ الزمن عرفت أنه كان خلال هذه الجولات يبحث عن أماكن لزراعة مستوطنات جديدة و في كثيرٍ من الأحوال كان يطلب من الطيار الهبوط في أماكن قاحلة و كان يخرج من الطائرة و يقارن بين المنطقة على الطبيعة و على الخرائط التي كان يحملها . و بعد انتهاء كلّ جولة كانت لا تمرّ أيام حتى نرى الجرافات و هي تمهّد الأرض لوضع البيوت النقّالة "الكرفانات" .

و على الرغم من أنني كنت أحياناً لا أتفق مع شارون بشأن جميع القرارات التي كان يتخذها إلا أنني وجدت نفسي مضطراً على تقدير إصراره و إلحاقه بتفاصيل الأمور . كان يحمل قصاصات من الورق تحتوي على جميع المعلومات التي كان يقوم بجمعها من أي مصدر كان . لقد أحببت الجولات التي كان يقوم بها . كنا في بعض الأحيان نخرج في جولة بالسيارات و كان شارون إذا مرّ بغابة أو منظر طبيعي يتوقّف عنده و يقوم مساعدوه بإخراج كميات كبيرة من الطعام و كأننا نقوم برحلة و خلال تناول الطعام كان شارون يروي لنا الفكاهات و كان أول من يضحك بصوتٍ عالي عند الانتهاء من الفكاهة .

يعتبر شارون من الأشخاص الذين يجيدون الحديث و تقديم المرح و كان يهتم بالقادة و المسؤولين حتى بعد استقالتهم من الخدمة أو عندما كانوا يتعرّضون للأذى خلال قيامهم بأداء مهمامهم . و من رجال السياسة الذين أكنّ لهم التقدير آريه درعي . اجتمعت معه عندما كان وزيراً للداخلية كنا نحتاجه في بعض الأمور مثل طرد بعض الجهات المعادية من البلاد و إغلاق بعض الصحف العربية التحريضية أو إلغاء الجنسية من بعض السكان العرب أو تقديم المساعدة لبعض السلطات المحلية العربية كي نتجنّب الشعور بالظلم .

كانت المحادثات مع درعي هامة و جذّابة . كان يحسِن استقبالنا و كان لا يتورّع عن تقديم أية مساعدة نطلبها . كان ملماً بجميع الأمور المتعلّقة بشؤون عمله و كان على معرفة شخصية بجميع رؤساء السلطات المحلية . و الحق يقال إنه لم يحاول في أية مناسبة أن يسألني عن أي مهمة سرية قمنا بها كي يتجنّب إجراحي .

في أحد الأيام ، و في ساعات ما بعد الظهر ، بعدما كنت قد تعرّضت لحادثٍ كسرت من جرائه رجلي و التزمت الفراش ، سمعت طرقات على الباب و كان الطارق هو آريه درعي الذي حضر لزيارتي دون بلاغٍ مسبق . و دار الحديث بيننا حول مواضيع مختلفة و في النهاية أحسسنا بالتعب . و بدأ درعي الذي كان جالساً على الكنبة يشعر بالنعاس .

كان درعي يحرص على الحصول على أية معلومة مهما كانت حتى أنه في إحدى جلسات الحكومة سألني لماذا لم أقم بوضع تعويذة على باب المنزل الجديد الذي انتقلت إليه . و قد أصبت بدهشة من وصول هذه المعلومة له . و قلت له إنني لست رجلاً كافراً و لكني لست متديّناً . و قلت له إنني أؤمن بالقدر و بأن هناك قوة خارقة تتحكّم في مجرى حياتنا ، و هنا قاطعني درعي و قال "أنت تعني الله" . و بعد ذلك أصر على أن يحدّد موعداً لزيارتي ، و في تلك الأمسية حضر إلى منزلي و قام بوضع تعويذة (مزوزا) على أبواب المنزل . و قبل أيام من تركي الخدمة في جهاز الأمن العام ، أثيرت قضية محاكمة درعي ، و خلال المحاكمة ادعى شاهد الدولة أن جهاز "الشين بيت" أجرى تنصّتاً خفياً على الشرطة و أن قائمة بأسماء الأشخاص الذين تعرّضوا للتنصّت تم تسريبها إلى درعي و أن درعي كان من بين الأشخاص الذين تعرّضوا للتنصّت . و قد علمت بذلك عن طريق الصحف التي كتبت عن الإفادات أمام المحكمة .

من حقّ جهاز الأمن العام ، الذي يمتلك أجهزة متطورة ، أن يجري تنصّتاً على الشرطة بعد الحصول على إذن من أحد قضاة المحكمة المركزية . و لكن تدخله في أعمال التنصت لا يعدو كونه عملاً تكتيكياً فقط . إنه يعمل بدور مقاولٍ ينفّذ العمل المطلوب منه دون الحاجة إلى الدخول في التفاصيل الدقيقة . و قد شعرت بغضبٍ شديد بعدما قرأت الأنباء التي نشرتها الصحف لأنه ما دام قد حدث تسريبٌ للأخبار فإن ذلك يدلّ على ارتكاب مخالفة خطيرة . كان من الضروري الشروع في التحقيق للكشف عن الشخص الذي قام بتسريب الأخبار لأنه لا يجوز تسريب أخبار ظلّت محفوظة في ملفات النيابة لمدة سنوات طويلة .

و بينما كانت الصحف أمامي حاولت الاتصال مع المستشار القانوني للحكومة ميخائيل بن يئير . و قد تمكّنت من العثور عليه بعد ساعاتٍ طويلة حيث كان يقوم بجولة في جنوب لبنان مع عددٍ من أعضاء الحكومة . طلبت منه التحقيق فوراً في أمرين هما : امتناع الشرطة و النيابة عن إبلاغنا بهذا الأمر و ضرورة معرفة الشخص الذي قام بتسريب الأخبار إلى درعي .

و قد استجاب بن يئير لطلبي و عيّن لجنة تحقيقٍ برئاسة مراقب الأجهزة الأمنية جنرال الاحتياط موشيه جدرون و عضوية محقّقي سلطة الأوراق المالية ريئوفن كونبت و عيزر صفرير . و قام طاقم التحقيق باستدعاء عشرات الأفراد من الشرطة و جهاز الأمن العام و غيرهم و استغرق التحقيق وقتاً طويلاً . و قد استدعيت للإدلاء بشهادتي و كنت في ذلك الوقت أعمل مديراً لشركة سيلكوم . حاول المحقّق كونبت أن يربط بين قضية التعاويذ الدينية التي قام درعي بوضعها على أبواب منزلي بحجة أنه ما دام قد حضر درعي إلى منزلي في ساعات الليل فهذا يدلّ على أنني كنت على علاقة قوية معه و أنني قمت بإبلاغه عن موضوع التنصّت أو أن أخباراً حول هذه المسألة تسرّبت مني عن غير قصد .

و قد استدعيت مرتين بعد استقالتي من جهاز الأمن العام للفحص على جهاز كشف الكذب و حاول المحقّقون ممارسة ضغط لإجباري على الاعتراف بأشياء لم أكن قد قمت بفعلها . لم يتوصّل جهاز فحص الكذب إلى نتائج ملموسة و بالتالي لم يكن في الإمكان استخلاص النتائج و في النهاية لم يتم العثور على أدلة تدين العاملين في جهاز الأمن العام .

أستطيع القول إن تقارير جهاز الأمن العام كانت تحظى بالتقدير خلال جلسات الحكومة و المجلس الوزاري المصغّر و كان الوزراء يهتمون بها دون الأخذ في الاعتبار الاتجاهات الحزبية . صحيح أن الأمر لم يخلُ أحياناً من توجيه بعض الانتقادات و لكنها كانت انتقادات موضوعية و جادة و بعيدة عن إثارة المشاعر . كان إسحاق رابين يولي عناية كبير بالاستماع إلى التقارير الصادرة عن أجهزة الأمن و المخابرات بشكلٍ حرّ و كان يعطي المسؤولين عن الأجهزة الأمنية فرصة لتقديم توصياتهم حتى مع كونها في بعض الأحيان لا تروق لبعض الوزراء لأنها كانت تتعارض مع مواقفهم أو الخط السياسي الذي يمثّلونه ، زيادة على ذلك كان رابين يرى أن هذا العمل من واجب الخبراء المختصين كلّ في مجاله .

كنت أشعر بالضيق من تسريب الأخبار عن جلسات الحكومة ، فعلى سبيل المثال إذا رفعت تقريراً عن الوضع في الشارع الفلسطيني كان الخبر ينشر بعد ساعة ضمن نشرات الأخبار و كان المذيع يبلغ الناس أن رئيس جهاز الأمن العام قدّم تقريراً صعباً للحكومة عن الأوضاع الفلسطينية أو أنه نقل إلى الحكومة مشاعر الرضا في الشارع الفلسطيني نتيجة لتصرّفات الحكومة . و قد بلغ هذا الأمر حداًّ أنني كنت أستشير إسحاق رابين حول إمكانية طرح بعض المواضيع أمام جلسات الحكومة أو من الأفضل التكتم عليه .

في الماضي طلِب من الجهاز أن يقوم بالتحقيق في تسريب بعض الأخبار عن الحكومة أو الجيش (الإسرائيلي) أو غيره من الجهات الرسمية ، و لكن سياسة الجهاز كانت و لا تزال تقوم على أساس عدم التدخل في مثل هذه الأمور و على الرغم من ذلك كان الجهاز يستجيب في بعض الأحيان لطلبٍ من هذا القبيل و على العموم لم يحدث طيلة مدة خدمتي في جهاز الأمن العام تحقيقٌ من هذا القبيل .

في بعض الأحيان النادرة كان شامير و رابين يطلبان مني إجراء التحقيق في حادثة تسريب أنباء خاصة عندما كانت تقع حادثة حساسة أو محرجة و يعلم بها الجمهور ، و في بعض الأحيان توجّهت إلى جهات من رئاسة الأركان و بعض المديرين الصامتين للوزارات الحكومية و جهات أخرى و لكن ردّي كان صارماً و كنت أقول لهم لقد وضع جهاز الأمن العام نصب عينيه صفة الرسمية لذلك لا داعي إلى زجّه في الوحل السياسي ، و علاوة على ذلك كنت أتذرّع بحجة واقعية و هي أنه في مثل هذه القضايا من الصعب العثور على المتّهم . فإذا اختفى مثلاً مبلغ من المال من إحدى الخزائن و تجري محاولات لمعرفة السارق يمكن إجراء التحقيق مع كلّ الأشخاص الذين كانوا قريباً من المكان و يمكن لجهاز فحص الكذب أن يساعد في ذلك ، و لكن عندما يدور الحديث عن تسريب أخبارٍ فإن هذا أمر معقّد للغاية لأن الحديث يدور عن أحد الأشخاص قام بهمس المعلومة لشخصٍ آخر و الشخص الآخر قام بالتلميح عنها لغيره و هكذا دون نهاية .

و لا يمكن لأيّ محقّق أن ينجح في تعقّب مثل هذه القضايا المعقّدة و لذلك من الأفضل عدم التدخل فيها من البداية . و مع مرور السنين قامت علاقات صداقة بيني و بين عددٍ كبيرٍ من الوزراء من بينهم يوسي سريد الذي عارض تعييني رئيساً لجهاز الأمن العام تحوّل فيما بعد إلى صديق مقرّب .

و كذلك شولميت ألوني و إسحاق موداعي . كنت على علاقة جيّدة مع روني ميلو أثناء عمله وزيراً للشرطة و قد وقعت حادثة اعترف ميلو بنفسه أن معرفتي به أبعدت عنه الكثير من المشاكل التي كانت ستنجم عن هذه الحادثة .. و قبل أن أدخل في تفاصيلها أودّ القول إنه منذ أعلنت (إسرائيل) عن بسط سيادتها على القدس الشرقية في أعقاب حرب حزيران من العام 1967 ، تحوّل المسجد الأقصى إلى أحد المواقع الأكثر حساسية حيث وقعت فيه أعمال عنفٍ كثيرة شارك فيها اليهود و العرب على حدّ سواء و استوجبت حراسة المسجد تنسيقاً كاملاً بين الجهات السياسية و الاستخبارية و التنفيذية في (إسرائيل) بالتنسيق مع عددٍ من الجهات الإسلامية و على رأسها المجلس الإسلامي الأعلى و دائرة الأوقاف التي تقوم بخدمة المسجد و من الطبيعي أن يكون لجهاز الأمن العام دور في هذا الميدان و الجميع يذكرون ثورة الاحتجاج التي انتابت العالم العربيّ في آب من العام 1969 و الدعوة إلى الجهاد في أعقاب قيام الأسترالي مايكل دنيس روهان بإحراق المسجد الأقصى . إننا نبذل محاولات كبيرة لمنع حدوث مواجهات في هذا المكان الذي يعتبر مقدساً في نظر الديانتين .

في أواخر أيلول من العام 1990 أعلن (أمناء جبل الهيكل) اليمينيين المتطرّفين أنهم كلّفوا خمسين شخصاً للقيام بتنفيذ شعائر رمزية في باحة الحرم القدسي و وضع حجر الأساس لبناء الهيكل الثالث . و قد تحدّد الموعد لهذا الحدث في الثامن من تشرين الأول الذي يصادف موعد عيد المظلة . و رفضت المحكمة العليا السماح لأمناء جبل الهيكل بممارسة هذا الطقس و أوضحت الشرطة لرجال الدين المسلمين الذين يحرسون المسجد الأقصى بأن الشرطة ستمنع دخول أمناء جبل الهيكل إلى باحة الأقصى و مع ذلك وجّه المسؤولون عن الأوقاف الإسلامية دعوة إلى اجتماعٍ جماهيري في المسجد الأقصى و توقّعت أن يؤدّي ذلك إلى صدامٍ بين المسلمين و بين اليهود الذين قرّروا التجمّع في باحة الأقصى لتأدية شعائر دينية تقليدية .

في الثالث من تشرين الأول اتصلت بوزير الشرطة روني ميلو و أبلغته عن مشاعر القلق التي أحِسّ بها و طلبت منه عقد اجتماعٍ لمراجعة الوضع و لكنه لم يستجب فوراً بحجة أنه ليس لديه الوقت الكافي ، و لم أتوقّف عن الإلحاح عليه حتى وافق على تخصيص وقت لعقد الاجتماع . و في يوم الجمعة قبل أربعة أيام من الحادث المتوقّع اجتمعنا في ساعات الصباح المبكر في مكتبه بتل أبيب و حضر الاجتماع القائد العام للشرطة يعقوب تيرنر و قائد لواء القدس آريه بيبي و رئيس قسم المباحث في القيادة القطرية رافي بيليد و ممثل عن قائد المنطقة العسكرية الوسطى . قدّمت لهم شرحاً مفصلاً عن الوضع في القدس . و أعلن القائد العام للشرطة أنه اتخذ قراراً بتعزيز وجود الشرطة في القدس بمناسبة الأعياد و قد أمر الوزير باتخاذ هذا الإجراء بشكلٍ سريعٍ و وقعت بعد أربعة أيام أحداث لم أكن أحلم بها . في يوم الإثنين حوالي الساعة التاسعة صباحاً كانت جماهير يهودية قد ملأت باحة حائط المبكى ، و اجتمع في باحة الأقصى آلاف المسلمين الغاضبين ، و بدأت مكبّرات الصوت تدعو إلى إطلاق نداءات "الله أكبر" "الجهاد .. إذبح اليهود" و ما أشبه ذلك . و توالى وصول الشبان العرب إلى المكان . و ألغيت الدراسة في المدارس العربية في القدس الشرقية ، و قام المدرّسون بتشجيع تلاميذهم للتجمّع في المسجد الأقصى . و عاد ضباط الشرطة و أبلغوا المسؤولين عن الأوقاف الإسلامية بأن أمناء جبل الهيكل لن يُسمَح لهم بدخول باحة المسجد الأقصى ، و طلبوا منهم تهدئة الأوضاع ، و لكن دون جدوى ، فقد قام الخطباء المسلمون و على رأسهم نائب المفتي الشيخ محمد الجمل الرفاعي بتحريض المسلمين ضد اليهود . و في الحال اندفع آلاف المسلمين باتجاه حرس الحدود الذين كانوا يحرُسون المكان و انهالوا عليهم بالحجارة و قطع الحديد . و قام عددٌ من الشبان بالاستيلاء على مركز الشرطة مما دفع رجلا الشرطة اللذين كانا بها إلى الفرار . و على الرغم من إطلاق العيارات النارية في الهواء و إطلاق قنابل الغاز إلا أن الأمر ازداد سوءاً . و عاد الشبان المسلمون إلى الاقتراب من الشرطة و أعادوا إليهم قنابل الغاز التي أطلقوها . و قد أصيب عشرة من رجال الشرطة ، و تم إجلاء القوة من المكان . و في نفس الوقت استمرّت عملية إخلاء المصلّين اليهود من ساحة حائط المبكى . و لدى خروج الشرطة من باحة المسجد الأقصى ازداد قذف الحجارة . و تمّ قذف كتلٍ ضخمة من الحجارة إلى ساحة حائط المبكى و باتجاه رجال الشرطة التي تقوم بحراسة المكان . و تمّ قذف الحجارة باتجاه الطريق التي كانت تقف فيها حافلات مليئة بآلاف اليهود الذين عادوا إليها بعد تأدية الصلاة أمام حائط المبكى . و أدّى ذلك إلى إصابة عددٍ من ركاب الحافلات .

في حوالي الساعة الحادية عشرة بدأت قوات الشرطة في الدخول إلى باحة المسجد الأقصى و لكن الجماهير الغاضبة لم تتراجع أمام الشرطة التي كانت تطلق العيارات المطاطية و بعد ذلك بدأت تطلق الرصاص الحيّ في الهواء و بعد ذلك باتجاه الجماهير الغاضبة . و أدّى الاستيلاء على المسجد الأقصى إلى قتل واحدٍ و عشرين مسلماً من بينهم أحد العرب من مواطني (إسرائيل) و أصيب ثلاثة و خمسون شخصاً و نتيجة لقذف الحجارة أصيبب واحدٌ و عشرون شرطياً و تسعةً من المصلين اليهود .

و قد أثار هذا الحادث الأليم العالم العربيّ . و دعت منظمة التحرير الفلسطينية إلى نشر قوات دولية في المسجد الأقصى . و سارعت الأردن إلى تقديم شكوى لمجلس الأمن و أعلنت لجنة المتابعة العربية في (إسرائيل) عن إضرابٍ احتجاجيٍ لمدة يومين و بدأت المحافل (الإسرائيلية) بتناول التهم و ارتفعت أصوات تنادي بفصل القائد العام للشرطة الذي تغيّب عن القدس عند وقوع هذه الأحداث .

في العاشر من تشرين الأول عين رئيس الحكومة إسحاق شامير لجنة تحقيقٍ برئاسة جنرال الاحتياط تسفي زامبر للتحقيق في أحداث المسجد الأقصى . و في التقرير الذي قدّمته اللجنة وجّهت النقد إلى قيادة الشرطة و ذكر أن قائد اللواء الجنوبي و قائد لواء القدس لم يأخذا بعين الاعتبار ظروف الانتفاضة المستمرة و الجو العام الذي تتزعمه مصادر (إرهابية) و امتدحت اللجنة الجهود التي قام بها جهاز الأمن العام الذي كان يتوقّع حدوث مثل هذه المواجهات في الوقت الذي لم تنتبه فيه الشرطة إلى ذلك . أما روني ميلو فقد خرج من هذه الورطة دون أن يتعرّض لنقدٍ شديد من معدّي التقرير و ذلك بفضل الاجتماع المسبق الذي عقده في مكتبه بمبادرتي و بهذا لم يخفِ ميلو مشاعر التقدير لجهاز الأمن العام و لي شخصياً . و قد أجرى مشاورات معي عدة مرات حول مستقبل القائد العام للشرطة تيرنر و كان ميلو يميل إلى إقالته و لكن اقترحت عليه أن يكتفي بتوجيه لفت النظر له و قد استجاب ميلو لهذا الاقتراح .

لقد ساعدتني العلاقات القوية مع أعضاء الحكومة في حلّ جميع المشاكل عن طريق الاتصال الهاتفي بالوزير الذي له علاقة بالمشكلة . كنت على علاقة مميزة مع دان مريدور الذي عمل وزيراً للعدل خلال الأعوام من 1988 و حتى 1992 . و بحكم وظيفته كان يتابع مواضيع متعدّدة لها علاقة بجهاز الأمن العام خاصة فيما يتعلّق بالجهات التي يخضع لها جهاز الأمن من الناحية القانونية .

تجدر الإشارة إلى أن التنصّت لا يستمر وقتاً طويلاً و إنما لفترة قد تصل إلى عدة شهور وفقاً لما ينصّ عليه القانون . و بعد انتهاء الفترة المحدّدة للتنصّت لا يجوز لجهاز الأمن العام الاستمرار في إجراء التنصّت وفقاً لرأيه الخاص . و بالإضافة إلى ذلك يجوز للجهاز أن يتنصّت على مواضيع أساسية بعد الحصول على إذنٍ من رئيس الحكومة . فإذا حدث أن قام رجالنا بالتنصّت على المكالمات التلفونية لشخصٍ مشبوهٍ بالتجسّس و خلال ذلك اكتشف الجهاز أن هذا الشخص أخفى معلومات عن ضريبة الدخل لا يجوز لجهاز الأمن أن يستغل هذه المعلومات لسببين الأول ان التنصت لم يكن لهذا الغرض و الثاني أن مثل هذه المخالفة لا تدخل في إطار عمل جهاز الأمن العام .

هناك أمور تحكم هذا النظام فلا يجوز إبلاغ الجهة المختصة إلا بعد الحصول على إذن من أحد كبار المسؤولين في الجهاز و ربما من رئيس الجهاز نفسه . مثلاً في حالة اكتشاف مخالفة جنائية خطيرة كالقتل أثناء التنصّت على موضوعٍ آخر من الضروري إبلاغ الجهات المختصة و هي الشرطة عن هذه المعلومات و لكن يجب اتخاذ الحيطة و الحذر بحيث لا يبدو أن كشف المعلومات تم بواسطة التنصّت .

في كثيرٍ من الحالات كنا خلال التنصّت نسجّل مكالمات ليس لها علاقة بموضوع التنصّت . منها على سبيل المثال : محادثات تتعلّق بتشكيل تنظمات سياسية جديدة و عن مبادرات سياسية مختلفة و عن مخطّطات لإقامة مستوطنات جديدة . و كنت في غالب الأحيان أترك هذه الأمور لاعتباراتي الذاتية و لا أبلّغ عنها لأنني لم أرَ  فيها خطراً على الوضع السياسي . إن تدخّل رئيس الجهاز مباشرة مطلوب في مجالٍ آخر ألا و هو اكتشاف محادثات بين الشخص المراقب و رجال الحكم في هذه الحالة يجوز لرئيس الجهاز فقط أن يصادق على تسجيل هذه المحادثات و الإبلاغ عنها و في حالة عدم الحصول على مصادقته فإنه يتوجّب شطب هذه المحادثات من التسجيل .

و أودّ القول إن الجهاز حريصٌ كلّ الحرص على عدم تجاوز التنصّت الحدود المسموح بها و هذا الأمر يتضح من التقرير الذي أعدته مراقبة الدولة في حينها مريم بن بورات و كلّ من يطلع على هذا التقرير يلاحظ أنه لا توجد ملاحظات خاصة تشير إلى وقوع تجاوزات في هذا المجال.

إن التنصّت هو أحد المواضيع التي يقوم بها الجهاز بالتنسيق مع وزير العدل و هذا الأمر يستولي على جانب كبيرٍ من اهتمام الوزارة و النيابة العامة للدولة و نيابة الألوية . و كذلك الحال بالنسبة لمواضيع التحقيقات و تقديم المتهمين للمحاكمة و الاعتقالات الإدارية و الالتماسات المقدّمة إلى المحكمة العليا ضد جهاز الأمن العام و الطرد من البلاد و غير ذلك من الأمور .

و قد أبدى دان مريدور أثناء عمله كوزيرٍ للعدل اهتماماً كبيراً بهذه الأمور . و في عدة مرات قام باستدعائي لإجراء جولة في منشآت التحقيق الخاصة بجهاز الأمن العام و في بعض الأحيان كانت تنضم إلينا النائبة العامة للدولة دوريت بينيش . و في أعقاب كلّ جولة كان مريدور يبعث لي بكتاب تقدير و شكر و خلال المقابلة التلفزيونية التي أذيعت بعد الإعلان عن توصيات لجنة لينداو حول وسائل التحقيق التي يستعملها جهاز الأمن العام امتدح مريدور عمل الجهاز . و لم أتمكّن من إخفاء مشاعر الدهشة التي أصابتني عندما اتضح لي أنه يعمل من وراء ظهري في أعقاب تقديم توصيات لجنة فاردي التي باشرت عملها في أعقاب الشكاوي التي قدّمت و التي جاء فيها أنني خالفت الأنظمة المتبعة في الجهاز . و علمت فيما بعد أن مريدور اقترح على رئيس الحكومة إسحاق شامير تعيين شخصٍ آخر بدلاً مني و هو الجنرال ماتان فيلنائي و بطبيعة الحال لم يبلغني عن أشياء حول هذا الموضوع ، و على الرغم من العلاقات القوية التي تربط بيننا فإنني لم أتمكّن من الحصول على معلومات أخرى حول هذا الموضوع و لم أتمكّن من التغلغل إلى داخل نفسه . أما من ناحيته أبدى الكثير من مشاعر الصداقة تجاهي و الكثير من الحساسية و طيبة القلب مع أنني كنت أشكّ في مدى صدق هذه المشاعر . و في كثيرٍ من الأحيان كانت تصل إلى مسامعي أنباء عن انتقاداته لي و لكن هذا النقد لم يكن يمسّ كفاءتي في العمل.