|
رئيس
الشاباك يفرِض تعتيماً
في مساء يوم الخميس ، 12 نيسان
1984 ، صعَد أربعة (مخرّبين) من سكان قطاع غزة ، مسلّحين برشاشات ، إلى حافلة ركاب
رقم 300 في محطة الباصات المركزية في تل أبيب ... انطلقت الحافلة إلى عسقلان في
الساعة 18:20 . كانت تقلّ حوالي أربعين راكباً . اثنان من الركاب نزلا في الطريق و
أبلغا عن الاختطاف . المطاردة التي بدأت على الفور لم تنجح في إيقاف الحافلة ، إلى
أن ثقب المطاردون إطاراتها قرب دير البلح في قطاع غزة .
كنت في ذلك الوقت قائداً للواء
القدس و منطقة الضفة الغربية ، منشغلاً في عملية تعقّب و ملاحقة مستمرة لتنظيمات و
خلايا (المخرّبين) .. قائد المنطقة العسكرية الوسطى اتصل بي ، و أخبرني عن حادث
اختطاف الحافلة ، و قال إنه سيطير إلى مسرح الحادث ، و سألني إن كنت أرغب بالانضمام
إليه .. تردّدت و أجبت بالسلب .
أثناء سيطرة قوات الأمن على
الحافلة ، قتِلت إحدى الراكبات ، المجنّدة عيريت بوتوغاز .. خلال الاشتباك قتَل
الجنود اثنين من (المخرّبين) ، فيما أُسِر المخرّبان) الآخران و نقلا للتحقيق لدى
جهاز الشاباك . و على الرغم من أن حادث الاختطاف لم ينشر في وسائل الإعلام ، إلا أن
النبأ ذاع بسرعة ، و عجّ مسرح الحادث بالصحافيين و المصوّرين من وسائل الإعلام
المحلية و العالمية .. و سادت في المكان حالة من الفوضى ، حيث تجوّل الصحافيون قرب
الحافلة كما يحلو لهم ، صوّروا و حاولوا استدراج و سماع حديثٍ على لسان الخاطفين ..
بعد انتهاء استجواب (المخرّبين) ، أعطى رئيس جهاز المخابرات ، أبرهام شالوم ، أمراً
بقتلهما .. رئيس قسم العمليات ، إيهود ياتوم ، و عددٌ من رجاله ، اقتادوا
(المخرّبين) إلى حقلٍ و نفّذوا ما أمر به رئيس الجهاز . في بيانٍ رسميّ صدر من
المتحدّث بلسان الجيش (الإسرائيلي) ، قيل إن جميع (المخرّبين) الأربعة قتِلوا أثناء
عملية السيطرة على حافلة الركاب المخطوفة .
بعد مرور بضعة أيام ، نُشِرت
في صحف أجنبية أنباء أولية عن أن اثنين من (المخرّبين) قُتِلا في مرحلة متأخّرة
أكثر . و قد استندت هذه الأنباء إلى تقارير و صور أرسلت من البلاد ، كانت قد شطِبت
و مُنع نشرها كلياً على يد الرقابة العسكرية (الإسرائيلية) .. فاضطرت وسائل الإعلام
(الإسرائيلية) للاكتفاء باقتباس ما نشِر في وسائل الإعلام و الصحف الأجنبية .. بعد
وقتٍ قصير من ذلك ، خرقت صحيفة "حداشوت" أوامر الرقابة و نشرت صورة (المخرّبين) ،
اللذين اعتقلا و هما لا يزالا على قيد الحياة ، بينما كانا مقتادين على يدِ آسريهما
خارج الحافلة .. في (إسرائيل) قامت ضجّة عيّن في أعقابها وزير الدفاع موشيه آرنس ،
في 26 نيسان 1984 ، لجنة فحصٍ برئاسة الجنرال (احتياط) مائير زورع .
و مثل معظم العاملين في جهاز
الشاباك ، لم أعرف في البداية أن عناصر الجهاز هم الذين قتَلوا (المخرّبين) اللذين
تم أسرهما على قيد الحياة .. فقد فُرِض في الجهاز تعتيم كامل على القصة ، و لم
تُسرّب تفاصيلها .. أبرهام شالوم حرص على عدم إطلاع أي شخصٍ على سرّ الموضوع
باستثناء أولئك الذين كانوا متورّطين و مشتركين في الحادث بشكلٍ مباشر ، و حفنة
أشخاص كانوا مقرّبين منه بصفة خاصة .. روبين حزاك ، القائم بأعمال رئيس جهاز
"الشباك" ، لم يكن في مسرح الحادث أثناء سيطرة قوات الأمن على الحافلة المختطفة ..
فقد غادر دير البلح في وقتٍ مبكر ، ليسافر في زيارة عائلية إلى الولايات المتحدة ..
عند عودته إلى البلاد ، التقيناه في مكتبي .. كنا مرتبطين بصداقة حميمة جداً ..
سألته عما إذا كانت الشائعات عن قتل (المخرّبين) صحيحة .. "دعك من ذلك" أجاب . ردّه
المبهم هذا ، ولّد شكاً لديّ بأن الشائعات صحيحة ..
فكّرت مراراً بيني و بين نفسي
– و سُئلت أيضاً في غير مرة - كيف كنت سأتصرّف في هذا الحادث لو أنني كنت أنا
رئيساً للجهاز .. حاولت أن أضع نفسي في مكان أبرهام شالوم و أن أحلّل اعتباراته ، و
إن كان ذلك يعدّ من قبيل حكمة بعد فوات الأوان .. لقد أشغلني جداً السؤال الذي حلّق
مراراً في الأجواء ، و هو ما إذا كان الأمر بقتل (المخرّبين) قد أعطيَ "بإذن و
تفويض" .. إسحاق شامير (رئيس الحكومة في حينه) ادعى أن التقرير الذي تلقّاه من مسرح
الحادث لم يكن صحيحاً .. رئيس الجهاز ألقى بداية المسؤولية عن إعطاء الأمر على وزير
الدفاع ، ثم عاد و عدّل روايته ليدّعي أن (المخرّبين) كانا "شبه ميتين" عندما
أُقتيدا على يد عناصر جهاز "الشاباك" للتحقيق .. بعد سنوات ، اعترف أبروم (أبراهام
شالوم) بأنه أعطى الأمر (بقتل الأسيرين) على أرضية السياسة العامة التي رسمها في
هذا الشأن ، رئيس الحكومة إسحاق شامير .. و بصرف النظر عما إذا كان الأمر قد جرى
على هذا النحو أو ذاك ، فأنني لم أجد لنفسي حتى اليوم إجابات قاطعة .. و مع ذلك ،
لا تزال تُدهشني حقيقة أن أبراهام شالوم بالذات ، و هو المعروف بكونه رجل عمليات
حذر ، دقيق ، و يقظ للغاية ، لم يستطع تكهّن ما يمكن أن ينتج عن حادث ، كان ممثّلو
وسائل الإعلام يتجوّلون خلاله بحريّة أكبر من أفراد قوات الأمن ..
عندما عُيّنت لجنة الفحص
برئاسة الجنرال مائير زورع ، طلب رئيس الجهاز من يوسي غينوسار العمل كممثّلٍ لجهاز
"الشباك" في اللجنة .. لاحقاً ، روى غينوسار أن أبروم أخبره أثناء ذلك اللقاء
بينهما ، بأن أفراد الجهاز هم الذين قتَلوا (المخرّبين) ، و أنه أبلغ بنفسه عن ذلك
بعد مرور يومين إلى رئيس الحكومة .
غينوسار ، قصير القامة ، متين
البنية ، ذكي و صارم ، كان قد تعرّف و ألمّ قبلي بأوضاع جهاز "الشباك" و ما يدور
داخله بشكلٍ متعمّق .. ولد غينوسار في "فيلنا" في العام 1946 ، قدِم إلى (إسرائيل)
مع والديه في العام 1957 ، ضمن موجات الهجرة الروسية – البولندية ، في المدرسة التي
تعلّم فيها بروسيا ، دعوه باسم "غيد" و في (إسرائيل) نعته الأولاد بألقاب من قبيل
"روسي" و "شيوعي" .. لم يروِ عن ذلك لأبويه ، مفضّلاً الردّ على الألقاب و النعوت
المهينة بلكمات قبضته ..
عندما كان يدرس في الجامعة ،
اندلعت حرب الأيام الستة (حزيران 1967) .. جهاز الشاباك اتسع و احتاج إلى أشخاصٍ
جدد ، فقطع غينوسار دراسته ليلتحق بصفوف الجهاز .. "رأيت في ذلك رسالة و مساهمة
اجتماعية هامة" قال في إحدى المناسبات .. في نفس الفترة ، انخرط في صفوف الجهاز كلّ
من روبين حزاك و بيلغ رداي ، خريجا لواء "الناحل" المظلي ، اللذين نالا ودّ و محبة
قائدهما ، يهودا آربيل .. غينوسار وضع لنفسه هدفاً أن يكون واحداً من أفراد هذه
الشلة .. السبيل الوحيد إلى ذلك كان التميز في العمل ، و هكذا فعل .. ("الشاباك" هو
نهج حياة ، نمط حياة ..) اعتاد على القول فـ "السرية و عدم الانكشاف للمحيط الخارجي
يميّزان بدرجة كبيرة الثقافة الخاصة بالجهاز".
كنت مسؤولاً عن يوسي غينوسار
في طولكرم و منذ ذلك الحين تابعت عن قربٍ تقدّمه السريع . و يخيّل إليّ أنني لا
أبالغ إن قلت إنه كان المحقّق الأبرز في تاريخ الجهاز .. فقد أجاد بشكلٍ ممتاز
العربية و الروسية و لكنه تمتّع فوقَ كلّ شيء ، بالمؤهلات الفطرية التي تميّز
محقّقين و قادة لامعين : ذكاء ، دهاء ، سعة حيلة و معرفة و درجة نادرة من الدقة و
الإتقان في كلّ مجال و نشاطٍ أياً كان .. فعندما قرّر على سبيل المثال ، بعد
استقالته من الجهاز ، الانتقال إلى تدخين السيجار ، أضحى خلال وقتٍ قصيرٍ خبيراً من
الطراز الأول في كلّ ما يتعلق بهذا الموضوع .. لقد تعرّف على كلّ أصناف التبغ ، و
السيجار بمختلف أنواعه و أشكاله و عرف بالضبط أين يتم إنتاج كلّ صنف منها .. عند
سفره إلى الخارج ، كان يصل إلى هناك دوماًُ مستعداً و مهيئاً لاستنفاذ كامل المتعة
من فترة مكوثه .. و حتى في المرات التي تكون فيها زيارته هي الأولى لبلدٍ ما أو
مدينة معيّنة ، فقد كان يعرف أين توجد المطاعم الجيدة ، و نوع الطعام الذي يختصّ
كلّ منها بتقديمه ، و كم عدد النجوم الممنوحة لكلّ منها .. لقد مرت علاقاتنا في غير
مرة ، بصعودٍ و هبوط .. في فترة خدمتي كقائد لواء يهودا و منطقة الضفة الغربية ،
كان يوسي قائداً للواء الشمال .. في تلك الأيام كانت لديّ انتقادات معيّنة لمعاملته
الصارمة أكثر من اللازم ، من وجهة نظري ، لمستخدمي و عاملي جهاز "الشاباك" الذين
خدموا تحت مسؤوليته في لبنان .. لكن في المحصلة نشأت بيننا صداقة طيّبة ، أُمتحنت
في أكثر من مرة .. لقد وقف يوسي إلى جانبي في أصعب الأوقات التي مررت بها .. عندما
جلست طريح الفراش جريحاً في مستشفى "هداسا" في عين كارم ، بعد حادث الطرق الذي وقع
لي في العام 1972 ، حرص يوسي على عيادتي من حين لآخر ، بالرغم من انهماكه في العمل
المستنزف في قطاع غزة و في أماكن أخرى ، ليحضِر لي أصناف الطعام التي أحببتها و
ليحيطني بعنايته .. بعد سنوات من ذلك ، و عندما قتِل ابنه الجندي ، "شاحر" ، جرّاء
صدمه من قبل سيارة في قطاع غزة ، ذهبت إليه مع أمنون ليبكين – شاحاك ، و هو أيضاً
من أصدقائه المقربين ، لنزفّ له الخبر الفظيع .. كان "شاحر" حينئذ ضمن دورة مساعدي
ضباط استخبارات .. في البداية ظنّوا أنه أصيب جراء اعتداء ، لكن اتضح في نهاية
الأمر أن ما جرى كان حادث طرق تسبّب به عربيّ من سكان غزة .
لجنة زورع قدّمت استنتاجاتها
بعد حوالي ستة أسابيع من الحادث في دير البلح . و قد وجدت أن (المخرّبين) توفّيا
بفعل كسورٍ في الجمجمة نتجت عن الضرب و أنه ليس واضحاً من هو الذي قتلهما .. و أكدت
اللجنة أنه ما من شكٍ في أنهما تلقيا ضربات على يد إسحاق مردخاي (الذي كان في حينه
ضابط مظليين و قائد مشاة رئيسي برتبة ميجر جنرال ، تولى قيادة عملية الإنقاذ لرقابة
الحافلة المختطفة) ، و كذلك على يد رئيس قسم العمليات في جهاز "الشاباك" ، إيهود
ياتوم ، و على يد رجل آخر من جهاز "الشاباك" و ضابط في الشرطة ..
بعد حوالي سنتين من تقديم لجنة
زورع لاستنتاجاتها ، كشفت قضية الباص 300 و انشغلت فيها وسائل الإعلام ليلاً و
نهاراً . في هذه المرحلة وجّهت السهام نحو يوسي غينوسار . قيل ضده إنه كان في ساعات
الصباح يشارك بصورة فعالة في عمل اللجنة ، بينما كان في ساعات المساء يلتقي مع
أبراهام شالوم و مع مستشارين قانونيين للجهاز ، ليطلعهم على الشهادات التي قدّمت في
نفس اليوم ، و ليُعجّ بالتنسيق معهم سلفاً إفادة شهود "الشاباك" الذين استدعوا
للمثول أمام اللجنة . في اليوم التالي ، أثناء مداولات اللجنة ، كان يصغي لأولئك
الشهود أنفسهم ، و يعطي رأيه حول شهادتهم ، سوياً مع أعضاء اللجنة الآخرين ..
غينوسار ، نفسه ، نفى بشدة الادعاء بأنه نسّق الشهادات .. لكن مائير زورع ، قال
لاحقاً إن غينوسار ، حسب تقديره ، "نظّم" شهادات أفراد جهاز "الشاباك" .. "لقد
اشتمّيت شيئاً ما .. حتى أنني قلت له مازحاً إن بإمكانه إعداد و تهيئة الشهود من
مكتب .. أعطيته عدة إيحاءات بأن الشهادات منسقة . قال زورع .. و حول السؤال كيف كان
ردّ فعل غينوسار ، أجاب : "لقد ضحكا سوياً معي و بدأ يستخدم التليفونات في مكتبي" .
غينوسار ردّ في وقتٍ لاحق بألم
بالغ ، في مقابلة مع أدام باروخ ، نشرت في صحيفة "سبعة أيام" ، على الاتهامات
القاسية بحقّه بقوله : "هل قاتلت مرة بينما يداك مكبلتان ؟ أي نوعٍ من البشر يستطيع
في رأيك أن يحتمل طيلة أكثر من سنة تلقّي ضربات بمثل هذه القوة مثلما تلقيت أنا" ،
و صمت .. و أنا مستمر في صمتي ، أحمل بصمة على ظهري ، في كلّ يوم ، الصليب الضم
.." ..
من الصعب معرفة كيف كان يمكن
لشخصٍ آخر أن يتصرّف لو كان في مكان يوسي ، لكنني أجرؤ على القول إن تورّطه يكمن ،
جزئياً ، على الأقل ، في تمسّكه الصارم بالأهداف التي وضعها لنفسه . لقد بلغ مكانة
مرموقة في الجهاز و أشغل في تلك الفترة مناصب رفيعة .. يصعب الافتراض أنه كان بوسعه
رفض طلب رئيس الجهاز بانتدابه كممثّل "للشاباك" في اللجنة .. ميول يوسي الطبيعية
كانت دوماً نحو تقديم المشورة ، التنظيم ، و الوجود في بؤرة الأحداث و الأمور .. و
فوق ذلك ، فإن محنة الجهاز أشغلت باله ، حيث اعتقد بإيمان راسخ أن كفاءاته و خبرته
، و ولاءه لـ "أبروم" ، للجهاز و للهدف ، ستساعد في إخراج العربة من الوحل .
|