الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

عودة

 

 

وجوهٌ متجمّدة .. عيون باردة

 

بعد مشاورات رفيعة المستوى قرّر المستشار القانوني للحكومة ، البروفيسور إسحاق زامير ، تعيين طاقم فحص إضافي ، ذو صلاحية قضائية ، ليحدّد من المتهم شخصياً في قتل (المخرّبين) .. و قد ترأس الطاقم مدّعي عام الدولة و بُرّئ كلياً .. كذلك قدّم بموجب ما أمرت اللجنة ، لمحاكمة انضباطية ، خمسة من أفراد الشاباك كانوا في مكان الحادث ، بتهمة ارتكاب تصرّف غير ملائم ، ليبرّأوا هم أيضاً .. و بعبارة مقيّدة ، يمكن لي أن أشير إلى أنه و بقدر ما أعرف لم يكن ثمة أساس للشائعات التي راجت حينئذٍ – و لا تزال تتردّد حتى اليوم - عن مؤامرة حيكت في جهاز "الشاباك" من أجل تجريم إسحاق مردخاي حتى يخرج أفراد الجهاز نقيين من القضية .. أبروم ، قال في حديثٍ شخصي إنه إذا اتهم إسحاق مردخاي بالقتل ، فإنه سيأخذ على عاتقه كامل المسؤولية .. في تلك الأيام تأثّرت غير مرة من قوة شكيمة و صلابة روح مردخاي .. فالمعاناة الشخصية القاسية التي مرّ بها لم تظهر تقريباً على ملامحه .. لقد عكس في تصرفاته و سلوكه "وضعاً اعتيادياً" و أشرك فقط قلائل من مقربيه في مشاعره ..

بعد تبرئة إسحاق مردخاي ، و عندما بدا أنه أسدلت بذلك الستارة على القضية ، سافر أبروم مع زوجته في إجازة لمدة شهر في الخارج .. و في غيابه خارج البلاد قام بأعماله روبين حزاك .. و في تقديري ، فقد تبلور خلال هذه الفترة لدى روبين القرار بالمطالبة باستقالة رئيس الجهاز .. و قد انضم إليه في هذه يونا بيلتمان ، فيما تألفت عضويته من ممثلين عن أجهزة الأمن و وزارة العدل .. و بانتهاء عمل الطاقم ، تقرّر تقديم الميجر جنرال إسحاق مردخاي ، الذي كان كما أسلف ، قائداً لعملية إنقاذ الرهائن ، إلى محاكمة انضباطية .. فبعد استجواب (المخرّبين) اللذين بقيا على قياد الحياة ، تخوّفاً من أن تكون قد تركت داخل الحافلة عبوات ناسفة مفخّخة ، و خلال ذلك ضرب (مردخاي) أحد (المخرّبين) في مؤخّرة رأسه .. و بعد انتهاء الاستجواب سلّم مردخاي (المخرّبين) الأسيرين إلى رجال جهاز "الشاباك" . لقد توصّل الطاقم بعد شهورٍ طويلة من الشهادات و "حروب الأطباء الشرعيين" إلى أن الفحص أظهر وجود أدلة و إثباتات قاطعة بشأن استخدام العنف ضد (المخرّبين) الأسيرين بواسطة ضربات بعقب مسدس على يد إسحاق مردخاي ، و بواسطة ضربات و ركلات على يد خمسة من أفراد جهاز "الشاباك" و ثلاثة من أفراد الشرطة .. و لاحقاً ، كشف مسلسل التغطية ، التنسيق و تلفيق الأدلة على يد أفراد جهاز "الشاباك" في طاقم الفحص ..

إسحاق مردخاي قدّم لمحاكمة عسكرية أمام قاضٍ واحدٍ و الذي طالب مسؤولين كبيرين آخرين ، و هما بيلغ رداي ، رئيس قسم الأجانب ، و رافي مالكه ، رئيس قسم الإدارة . لقد اعتبر هؤلاء الثلاثة ، أن "شالوم" ، بعدما ورد إسحاق مردخاي ، و زوّر أدّلة و كذب على سلطات قضائية ، فقَدَ بذلك الصلاحية و الأهلية الأخلاقية و القيادية في الوقوف على رأس الجهاز .. غداة عودته إلى البلاد مثُل عنده روبين حزاك و طلب منه تقديم استقالته .. لم يجادله حزاك مطلقاً حول الأمر بقتل (المخرّبين) في حد ذاته .. بل اكتفى بالقول إن إصدار الأمر بينما كان صحافيون و مصوّرون و أناسٌ عاديون يتجوّلون في مسرح الحادث ، كشف جهاز "الشاباك" في موطن ضعف ، و على رئيس الجهاز أن يدفع الثمن . أصغى له أبروم ، و ردّ بما ردّ ، لكنه رفض الاستقالة . طلب حزاك الإذن بمقابلة رئيس الحكومة ، شمعون بيرس ، فوعده أبروم بمتابعة الأمر .. و بالفعل ، بعد مرور نحو أسبوعين دُعيَ حزاك لمقابلة بيرس . أصغى رئيس الحكومة لحجج حزاك دون أن يقبلها ..

مرّت على أبروم فترة صعبة . لقد كان إنساناً صلباً ، مؤهلاً و موهوباً جداً ، رجل تنفيذي من الدرجة الأولى ، حقّق إنجازات هامة في ميدان الاستخبارات أسهمت كثيراً في خدمة أمن الدولة .. و استناداً إلى تجربتي المهنية و معرفتي به ، أقدر أنه أعتقد في قرارة نفسه أن قتل (المخرّبين) في مسرح الحادث سيشكّل عامل ردع . و بحسب ادعائه ، فقد تصرّف بـ "إذن و تفويض" و بموافقة رئيس الحكومة في حينه ، إسحاق شامير . أسِفت لرؤيته في معاناته ، لكنني تألّمت أكثر لمحنة جهاز "الشاباك" . قلت له إنني شخصياً أزمع الذهاب إلى رئيس الوزراء ، شمعون بيرس ، بغية التحدث معه حول مستقبل الجهاز . و بحواسه المرهفة ، فهم أن هذا اللقاء قد يسهم في إنهاء ولايته . "بماذا سيساعد ذلك ؟" سألني في محاولة لثنيي عن نيّتي .. أصريت على طلبي ، فأعطى موافقته على اللقاء .

استقبلني بيرس في مكتبه . اقترحت عليه أن يمثل أمام كبار المسؤولين في الشاباك و أن يعدُهم بدعمه و مساندته . إنهم يحتاجون لتشجيع ، قلت له ، و من مثله مؤهلٌ و قادر على إعطائه لهم . عبّرت كذلك عن رأيي أنه سيكون من صالح الجهاز و صالح أبروم نفسه ، لو فكّر رئيس الوزراء باستبداله . أبلغته بأنني شخصياً ملتزم بالبقاء في "الشاباك" لمدة سنة على الأقل ، بعد تعيين رئيسٍ جديد للجهاز ، من أجل مساعدته .. أصغى بيرس بصمت و بعدما أنهيت كلامي قال : "شكراً يعقوب . سآتي للتحدّث مع هيئة قيادة الجهاز" . لكنه لم يأتِ .. كما أنه تجنّب التعليق على أقوالي بشأن استبدال رئيس الجهاز . الأيام التالية بيّنت لي أن رئيس الحكومة قبل ادعاء أبروم أن حزاك و زملائه يحاولون إقصاءه ليحلّوا مكانه . لذلك قرّر كما يبدو تقديم الدعم لرئيس الجهاز .

خلال العاصفة المتجدّدة التي اجتاحت صفوف "الشاباك" أعلن "حزاك" و "رداي" عن استقالتهما فيما أقصيً مالكه عن منصبه . أصداء العاصفة وصلت إلى مسامع المستشار القانوني ، البروفيسور إسحاق زامير ، بعدما أثار الثلاثة ادعاءاتهم أمام مسؤولين كبار في النيابة العامة للدولة . و قد التقى زامير بهم و حصل منهم على معلومات و وثائق عن قتل (المخرّبين) و عن محاولات التستر و التغطية . و باقتناعه بصدقية أقوالهم ، توجّه إلى رئيس الحكومة مطالباً بالاستقالة الفورية لرئيس الجهاز . رفض بيرس الاستجابة لطلبه .. إحدى الشائعات القوية قالت إن زامير تعهّد ، قبل ذلك بوقتٍ طويل ، عندما  أافتضحت القضية ، أنه إذا أعلن أبرهام شالوم عن استقالته فسوف ينتهي الموضوع بذلك من ناحيته ..

في 14 آيار 1986 ، بعد أن أعاده رئيس الحكومة خالي الوفاض ، قدّم زامير لمفوّض عام الشرطة شكوى جنائية ضد رئيس "الشاباك" . في هذا الوقت ، كانت قد انقضت مدة تزيد عن سنتين منذ وقوع الحادث في دير البلح . في المقابل التمس رافي مالكه للمحكمة العليا ضد رئيس الحكومة و ضد رئيس "الشاباك" ، داعياً إلى مطالبتهما بالمثول لإيضاح أسباب إقصائه  و لماذا لا يُقال رئيس الجهاز على الفور .

في نفس الشهر اندلعت دوامة هزّت جهاز "الشاباك" بقوة شديدة . التلفزيون (الإسرائيلي) أعلن أنه تم فتح تحقيقٍ ضد "موظف رفيع في أجهزة الأمن" بسبب قضية غامضة ، فيما كشفت محطة الـ "بي.بي.سي" عن أن الأمر يتعلّق بـ "أبرهام شالوم" .

في هذه الأثناء دعا رئيس "الشاباك" هيئة قيادة الجهاز إلى الاجتماع . و كالعادة لم تشِ ملامح وجهه و تصرّفاته بما يعتمل و يدور في دخيلة نفسه . لقد ظلّت متجمّدة فيما بدت عيونه هادئة باردة . استعرض تسلسل الأحداث في مسرحها ، و قال إنه أعطى أمراً بقتل (المخرّبين) ، لكنه لم يسهب في الحديث حول هذه النقطة .. طلب منا نقل فحوى حديثه إلى مرؤسينا . تولّد شعورٌ غير مريح من حيث إن رؤساء الأقسام ، و أنا بضمنهم مدعوون بذلك ليس إلا ، إلى تلاوة مراجعات على مسامع المرؤوسين ، كتبت على يدِ رئيس الجهاز ، دون أن تتوفّر لهم قدرة الطعن أو الاعتراض على ما كتب فيها .

و بمقدار ما كان أبروم يكثر فيه من عرض تقارير على هذا النمط و المنوال ، بمقدار ما تعزّزت لديّ الشكوك التي أشغلتني منذ وقوع حادثة  القتل ، ذلك لأنهم يطرحون أمامنا الصورة بكاملها ، و إنما فقط ما يريدون لنا معرفته ، يكشِفون مقداراً و يخفون مقدارين .. كنت حينئذٍ قائداً للواء القدس و منطقة الضفة الغربية . و كانت تلك فترة صعبة وقعت فيها موجة اعتداءات ، جرت خلالها تحقيقات كثيرة و كشفت بؤر و شبكات (تخريبية) .. هيئة أركان الجهاز اجتمعت مراراً ، لكن المعلومات التي زوّدت لنا في هذا الإطار كانت شحيحة ، و أقلّ دقة من تلك التي تناقلتها وسائل الإعلام . شعرت بالقلق و التخوّف على معنويات العاملين الذين طرحوا عليّ أسئلة كثيرة ، واجهت صعوبة في الردّ على معظمها .. و عوضاً عن ذلك أخبرتهم صراحة بما يعتريني من شكوك . قلت لهم إنني غير قادر على التعاطف تماماً مع الإيضاحات و التبريرات المقدمة إليّ ، و أنني أرغب في أن يعرفوا ذلك . النتائج لم تتأخّر في الوصول : فقد وضعوني في مزيدٍ من العزلة ، و لم يشركوني في المداولات و القرارات و التقارير المتعلّقة بالتطوّرات .

في هذه الأثناء ، أثيرت مطالبة بإقامة لجنة تحقيق رسمية لتقصي القضية .. و في محاولة لتهدئة الخواطر ، قرّر وزير العدل ، إسحاق موداعي - بموافقة رئيس الحكومة شمعون بيرس ، و القائم بأعماله إسحاق شامير - قبول طلبٍ سابق للمستشار القانوني للحكومة ، إسحاق زامير ، بإنهاء مهام منصبه .. و في الأول من حزيران 1986 عيّن القاضي اللوائي ، يوسف حريش ، خلفاً لزامير في المنصب . في محافل عديدة تردّد ادعاءٌ مفاده أن الاستبدال المتسرّع لزامير استهدف إخراجه من الصورة ، و إحلال مستشار قانوني مريحٍ أكثر للحكومة في مكانه . في المشاورات التي جرت لدى رئيس الوزراء ، بمشاركة المستشار القانوني الجديد للحكومة ، اهتُدِيَ إلى سبيلٍ لوضع حدّ للقضية بكلّ ما يتفرّع عنها : أبرهام شالوم يعلن عن استقالته و يطلب في نفس الوقت من رئيس الدولة ، حاييم هرتصوغ ، العفو عنه سلفاً ، قبل أن تقدّم لائحة اتهام بحقّه ، فيما يتعلّق بكافة المخالفات المنسوبة إليه في القضية .. في 25 حزيران 1986 ، قدّم أبروم استقالته لرئيس الحكومة . رئيس الجهاز المستقيل و ثلاثة من مساعديه قدّموا طلبات استرحام و عفواً قبل أن يُدانوا ، و استجيب لطلباتهم بعدما وجد رئيس الدولة، بمساعدة عددٍ من القانونيين ، أن القانون يتيح له ذلك .. هذا العفو ، في حدّ ذاته ، أفضى تلقائياً إلى إبطال الشكوى الجنائية التي قدّمها زامير . أبروم قال في طلب العفو ، مثلما أسلفت ، إنه أعطى الأمر بقتل (المخرّبين) "بإذن و تفويض" ، أي بموافقة رئيس الحكومة في حينه ، إسحاق شامير .. شامير ادعى في المقابل بإصرارٍ أن تصفية (المخرّبين) تمت دون علمه و بالتالي بدون إذنه .. هذا فيما أصدر رئيس الدولة في وقتٍ لاحق ، عفواً عن متورّطين آخرين من أفراد جهاز "الشاباك" . و في المحصلة بلغ عدد الحاصلين على عفوٍ أحد عشر مسؤولاً ..

في تموز 1986 ، عيّنت لجنة ثلاثية برئاسة الجنرال (احتياط) أهارون ياريف ، لتحديد أنظمة عمل جهاز "الشاباك" .. توصيات اللجنة لم تنشَر على الملأ . في كانون الأول من العام نفسه قرّرت لجنة قضائية برئاسة المستشار القانوني للحكومة يوسف حريش أن شامير بريء من جميع التهم التي وجّهها إليه أبراهام شالوم .. كذلك أوصت اللجنة بعدم محاكمة أيّ من أفراد جهاز "الشاباك" ، الأحد عشر ، الذين عفى عنهم رئيس الدولة من دون أن يُدانوا . في أعقاب صدور قرارات العفو ، قدّمت ستة التماسات إلى المحكمة العليا و رفضت كلّها بأغلبية أصوات قضاة المحكمة . رئيس المحكمة العليا ، مائير شمغار ، توصّل إلى نتيجة بأن لرئيس الدولة صلاحية بالعفو قبل الإدانة ، و انضمت لهذا الرأي نائبة رئيس المحكمة ، مريم بن فورات . القاضي أهارون باراك ، توصّل إلى نتيجة معاكسة .

بعد مرور عشر سنوات ، اعترف إيهود ياتوم ، في مقابلة مع صحيفة "يديعوت أحرونوت" أنه قتل بيديه (المخرّبين) بناء على تعليمات من رئيس جهاز "الشاباك" .

لغاية قضية الباص 300 ، أُدير جهاز "الشاباك" كدفيئة غطّت جنباتها بستائر محكمة الإغلاق .. كثيرون منا لم يفكّروا بإمكانية إزاحة الستارة من حين لآخر ، للنظر إلى ما يدور في الخارج ، لتفحّص حالة الجو السياسي ، و مدى قوة و تأثير وسائل الإعلام و الرأي العام . كان كلّ شيء مقفلاً و محصوراً داخل غرف معتمة ، قمنا بعملنا في السر ، بعيداً عن الأضواء ، دون أي خوفٍ تقريباً من تدخل أو انتقاد من وسائل الإعلام . هذا الواقع كان مريحاً لنا ، لكنه عمل أيضاً في صالح الشعب (الإسرائيلي) ، لأننا استطعنا بهذه الطريقة توجيه كلّ طاقاتنا لإحباط (الإرهاب) و تأمين سلامة السكان . قضية الباص 300 انفجرت داخل البيت ، من دون أن نكون مستعدّين لأخذ مواقع احتماءٍ من الشظايا التي مزّقت الجدران و جرحتنا كلنا .. وسائل الإعلام بدأت تنشغل بنا و تلاحقنا يومياً ، كما لو كانت تجلس بيننا ، لترسل تقاريرها و تبلغ من هناك عما يدور لدينا . أعمِلنا اعتباراتنا ، طرق عملنا التي حافظنا على سرّيتها بتشدّد و صرامة متناهين ، غدت كلّها مكشوفة ، لأعين الجميع ؟ . بيد أن ذلك لم يكن أهم ما في الأمر .. ففجأة ، تعلّمنا على جلدنا ما سبق لآخرين أن تعلّموه قبلنا بوقتٍ طويل : في نظام ديمقراطي كالذي يقوم عندنا لا توجد في متناول اليد تغطية و حماية سياسية مطلقة .. فعندما يفهم السياسيون أن كراسيهم في خطر ، تجدهم يسرعون للتنصل من كلّ ما يُشتَمّ من النار . أبروم لم يحسن إدراك ذلك . و كحال كثيرين منا ، فقد سار سنوات طويلة فوق جبل رفيع في المنطقة المظلمة من القانون ، ذلك لأن الظروف أملت ذلك . عندما حصل الفشل الكبير ، كان عليه أن يدرِك أنه سيبقى منذ هذه اللحظة بمفرده ، كهدفٍ وحيد لطابور الرماة . لقد كان واضحاً منذ البدء أنه عندما تقرّر إجراء تحقيق ، كان عليه الذهاب إلى رئيس الحكومة و إلى المستشار القضائي ، ليضع مفاتيح مكتبه على الطاولة و ليقول "سادتي ، أنا مسافر للدراسة في هارفرد أو في كيمبريدج ، و سلام عليكم" . لكنه لم يفعل ذلك ، فعانت الدولة سوياً مع جهاز "الشاباك" من صدمة صعبة ، و بدرجة كبيرة غير مبرّرة .. في نهاية المطاف اضطر أبروم للاستقالة ، فيما ترك نخبة من كبار المسؤولين - روبين حزاك ، رافي مالكه ، بيلغ رداي و آخرين - الجهاز كأشخاصٍ موصومين مغلوب على أمرهم .. صحيح أنهم تدبّروا أمورهم في الخارج من ناحية اقتصادية ، لكنهم ظلّوا في أعماقهم كما لو أن شيئاً ما قد خبا و انطفأ بداخلهم .

يوسي غينوسار أيضاً دفع ثمناً باهظاً عن تورّطه في القضية . لقد حصل على عفو و استقال من الجهاز بألمٍ و حزن . و في الواقع ، فقد عارض غينوسار موضوع قرار العفو ، لكنه قال إنه وافق على ذلك في النهاية لأنه قيل له إنه إذا رفض ، فإن الأمر قد يحرِم آخرين من الحصول على العفو الذي رغبوه . كذلك كان هناك تبريرٌ آخر هوّن عليه القرار ، و هو التعهّد الذي أُعطيَ له بأن العفو لن يلطخ اسمه و سمعته . فضلاً عن ذلك ، فإن قبوله هو السبيل الوحيد لتفادي فتح تحقيق ، كان من الممكن أن ينشأ عنه وضع يضطر فيه مسؤولون و موظفون لكشف أساليب عمل و قضايا سرية و حساسة بغية الدفاع عن أنفسهم .

كان غينوسار محبَطاً و مهموماً للغاية .. فآماله فيأ يعيّن ذات يومٍ رئيساً لجهاز الشاباك ، ضاعت و تبدّدت ، و كذلك تطلعاته في أن يجسّد داخل الجهاز المعرفة و الخبرة اللذين اكتسبهما في تشكيلة واسعة من الميادين . و بضمنها تلك المتصلة بنسيج العلاقات مع الفلسطينيين و تنظيماتهم .

آرئيل شارون ، الذي كان قائداً للمنطقة العسكرية الجنوبية حينما خدم غينوسار في لواء الجنوب "الشاباك" ، لم يتخلَّ عنه . فعندما أشغل شارون وزيراً للصناعة و التجارة ، اهتم بتعيين غينوسار مديراً لمعهد التصدير و ذلك على الرغم من معارضة مجلس الإدارة . غينوسار ، ظهر بعد ذلك كحليفٍ سياسي لشارون ، لكن و لسببٍ ما نشأ خلاف بين الإثنين .

في مطلع سنوات التسعينيات ، بدأ غينوسار بالنشاط في إطار حزب "العمل" ، و طلب أن يتمّ انتخابه من طرف الحزب للكنيست ، و عندئذٍ إنصب عليه غضب حاييم تسادوق ، وزير العدل السابق ، الذي دعا أعضاء الحزب إلى الامتناع عن انتخابه . بعد انتخابات الكنيست الـ 13 في العام 1992 ، طلب وزير البناء و الإسكان بنيامين أليعزار ، تعيينه مديراً عاماً لمكتبه ، لكن المحكمة العليا منَعت التعيين في أعقاب التماساتٍ قدّمت على خلفية قضية الباص 300 . لقد واجهْتُ صعوبةً حينئذٍ – و لا زِلت غير قادرٍ حتى اليوم أيضاً - على فهم كنه رأي المحكمة العليا في هذه المسألة .

أبرهام شالوم نأى بنفسه و انقطع بشكلٍ تامٍ تقريباً عن دولة (إسرائيل) . فهو يتنقل بين نيويورك و لندن ، و يأتي في زياراتٍ إلى (إسرائيل) مرة كلّ بضعة شهور .. و هكذا فإن من كان واحداً من الأشخاص الأكثر تدخّلاًً و تأثيراً في ما يحدث بالدولة ، أضحى اليوم يعرف أقلّ بكثيرٍ من المواطن العادي . في إحدى زياراته هنا ، سألني بشكلٍ فاجأني : "قل لي يا يعقوب ، من هو وزير المالية حالياً ؟!" .

قرارات العفو عن كبار موظفي "الشاباك" ، أصدرها كما هو معلوم ، رئيس الدولة في حينه ، حاييم هرتصوغ . منذ أن عُيّنت قائداً للواء القدس و لغاية انتهاء ولايته ، التقينا بشكلٍ منتظم ، مرة في الشهر على الأقل ، لنتناول معاً طعام الغداء .. في الأيام التي سبقت إصدار العفو ، شعرت بأنه يفتّش عن اعتباراتٍ تدعم القرار الصعب الذي تعيّن عليه اتخاذه . و افترض أنه تحادث حول ذلك مع أشخاصٍ آخرين . العفو في حدّ ذاته كان حسب اعتقادي المتواضع ، ضرورة أملاها الواقع ، على الرغم من الانتقادات الشعبية القاسية التي وجّهت لهرتصوغ بسبب ذلك . فجهاز الشاباك برمته احتاجَ لهذه الخطوة بغية تنقية الأجواء .

عندما عُيّنت رئيساً للجهاز ، طلبت منح الرئيس هرتصوغ الشعور بأننا مدينون له بالشكر على تجنّده لمساعدة الجهاز في وقت محنته . أكثرت من دعوته لاجتماعاتنا كمتحدثٍ و خطيبٍ مركزي . لقد كان خطيباً مقتدراً و مؤثّراً ، لا سيما و أنه كرئيسٍ سابق لهيئة الاستخبارات العسكرية ، كان يتمتع بخلفية استخبارية لا يستهان بها . دعيته أيضاً لزيارة وحداتنا المختلفة للتحادث مع موظفي الجهاز ، كما و أشركناه في التصويت بقاعات و ساحات الرماية . و هناك تكشّف لنا بُعد مفاجيء في شخصيته . فالرجل الذي أحبّ شكليات و مظاهر المراسم ، الرسمي الصارم الذي كان قادراً على تنغيص حياتي بسبب ما بدا له كمظهرٍ خارجيّ غير أنيق لحارسٍ ما ، انتشى كصبيّ فرح عندما أصاب الهدف .

إحدى النتائج للهزّة الكبرى التي أصابت جهاز "الشاباك" تمثّلت في إحضار يوسف هرملين لفترة ولاية ثانية كرئيسٍ للجهاز خلفاً لأبرهام شالوم . لقد عاد إلينا من مكتب مراقب الدولة ، حيث تولّى هناك إدارة شعبة مراقبة أجهزة الأمن . و عند عودته إلى مكتب رئيس الجهاز في أيلول 1986 ، كان قد بلغ السادسة و الستين من عمره ، رجل مُجرّب ، متّزنٌ للغاية ، لكنه يتصعّب مواكبة وتيرة الأحداث الجنونية المتسارعة التي فرضت على جهاز "الشاباك" .

أحضر هرملين إلى الجهاز ليونة ، أكثر من أيّ شيء آخر ، بمثابة حبّة مهدىء بعد قضية الباص 300 . فقد أبطأ الوتيرة ، ليتسبّب بذلك بهبوطٍ ما في عزيمة الوحدة .. لكننا كنا نعلم أنه موجود هناك بصورة مؤقتة فقط ، إلى حين العثور على خلفٍ له . و بالفعل و بعد فترة وجيزة ، بدأ بمقابلة نخبة من كبار العاملين في الجهاز ، ليختار من بينهم الرجل الذي سيوصي عليه ليحلّ في مكانه . لم أكن قد عرفته عن قرب ، لكن منذ المقابلة الأولى التي استدعاني إليها ، دار بيننا حديثٌ مطوّل بروح طيبة .. في أيار 1987 ، بعد حوالي تسعة شهور من توليه للمنصب ، قام بتعييني نائباً لرئيس الجهاز ، لكنه حرص على أن يضيف لكتاب التعيين : "عليك أن لا ترى في ذلك تعهّداً بتعيينك رئيساً للجهاز" .