|
كيفية الحذر من التنويم
يوسف هرملين سعى في المحصلة
إلى العودة للبيت بسلام .. "كلّ ما أنشده .." قال لي في لحظة صراحة ، "هو قضاء وقتٍ
أطول مع أحفادي و مساعدتهم في إعداد دروسهم" . لم يتوقّع أو ينتظر هزّات كبيرة في
فترة ولايته القصيرة ، ناهيك بالطبع عن أن يضطر لمجابهة مع لجنة تحقيقٍ هي الأهم في
شؤون عمل "الشاباك" ، عدا عن لجنة شمغار التي شكّلت بعد قتل إسحاق رابين .
فاللجنة التي ترأسها القاضي
موشيه لنداو ، عُيّنت لتحقّق في أساليب التحقيق التي يمارسها جهاز "الشاباك" مع
معتقلين مشبوهين بنشاطات (تخريبية) معادية . و قد أتت هذه اللجنة بدرجة كبيرة في
أعقاب قضية نافسو . الملازم أول عزات نافسو ، المتحدر لعائلة شركسية من قرية "كفر
كما" في الجليل الأسفل ، خدم في وحدة الارتباط بجنوب لبنان . كان مسؤولاً عن نقل
إمدادات السلاح و الذخائر و المعدات الطبية لقوات الميجر سعد حداد ، و شارك في
دوريات هذه القوات ليقوم بجمع معلومات من قرى المنطقة ، عن منظمات (المخرّبين) . و
في نطاق مهامه هذه ، التقى مع عددٍ من (المخبرين) ، اللذين كان ولاءهم المزدوج
أمراً لا يرقى إليه الشك .. أحدهم كان مختار قرية "كفر شبا" يلقّب بـ "أبو قاسم" .
كان "أبو قاسم" يخضع لمراقبة
من جانب جهاز "الشاباك" ، و في النهاية اعتقل و اقتيد للتحقيق بتهمة التعاون مع
منظمات (المخرّبين) . أثناء التحقيق معه قال إن "نافسو" التقى في لبنان مع مسؤول في
منظمة التحرير الفلسطينية و تسلّم منه حقائب تحتوي على متفجّرات ليقوم بنقلها إلى
(إسرائيل) . و قال أيضاً إنه علِم أن "نافسو" تلقّى مبلغ 5000 ليرة لبنانية لقاء
كلّ عملية نقل و تسليم .
استناداً لهذه الإفادة اعتقل
نافسو في كانون الثاني 1980 و تمّ التحقيق معه على يد يوسي غينوسار ، ليقدّم بعد
ذلك للمحاكمة بتهمة التجسس و نقل وسائل قتالية للعدو . و قد أدانته محكمة عسكرية
بجميع الاتهامات المنسوبة إليه و حكمت عليه بالسجن لمدة ثمانية عشر عاماً ، و تخفيض
رتبته إلى جنديّ و بالطرد من صفوف الجيش (الإسرائيلي) ، على الرغم من أن "نافسو"
ادعى أن اعترافاته انتزِعت منه بأساليب تحقيقٍ غير قانونية . استأنف على حكمه أمام
هيئة قضائية عسكرية أعلى لكن استئنافه رفض .
بعد أكثر من سبع سنوات على
اعتقال نافسو ، كشفت في وسائل الأعلام للمرة الأولى ، عقب قضية الباص 300 ، شخصية
يوسي غينوسار ، الذي استقال من جهاز "الشاباك" و عيّن مديراً عاماً لمعهد التصدير .
نافسو ، الذي شاهد صورته في الصحف ، شخص غينوسار بصفته الرجل الذي تولى التحقيق معه
، و قدّم استئنافاً على إدانته إلى المحكمة العليا . و لحسن حظه ، كان قد أدخل في
العام 1986 تعديل على قانون القضاء العسكري ، مكّنه من أن يطلب من رئيس المحكمة
العليا إعادة النظر في ملفه . و قد استند الالتماس إلى التحقيق الذي أُجريَ مع
غينوسار في الشرطة بشأن عرقلة مجرى القضاء في قضية الباص 300 ، و الذي أقرّ فيه أن
الجهاز لجأ في الماضي أيضاً إلى استخدام أساليب تحقيقٍ مماثلة . نافسو قال إن حالته
هي واحدة من الحالات التي قصدها غينوسار ، و أن التحقيق معه تم بطرقٍ غير قانونية .
غينوسار ، هكذا قال نافسو ، نكّل به ، بصق في وجهه ، نعته بـ (المخرّب) ، و قال
إنه غير جديرٍ بأن يتحدّثوا معه باللغة العبرية ، و قام بتعريَته من ملابسه و طرحه
على الأرض و داس عليه برجله . كما تحدّث عن ضغوط نفسية مورست عليه .
خلال بحث الاستئناف وافق
الادعاء العسكري و محامو الدفاع على صفقة ادعاء ، ألغِيت بموجبها جميع الاتهامات
السابقة الموجّهة لنافسو ، و استبدلت ببند اتهامٍ بسيط و هو تجاوز الصلاحيات .
اعترف نافسو أنه أثناء زيارته
، في مهمة ، لمنزل "أبو قاسم" التقى بشخصٍ قدّم نفسه بصفة من له ارتباطٌ بمنظمات
(المخرّبين) و أنه يستطيع تزويد الجيش (الإسرائيلي) بمعلومات عن نشاطاتها .. و في
لقاءٍ ثانٍ ، تمّ بعد بضعة شهور روى نفس الشخص لنافسو بأنه مسؤولٌ كبير في حركة
"فتح" و أن اللقاء السابق بينهما صوّر سراً . و قد طلب من نافسو في المناسبة ذاتها
أن يتعاون ، وسط تهديده بأنه إن لم يفعل ذلك فسوف تُنقَل الصوّر إلى المخابرات
(الإسرائيلية) . رفض نافسو الطلب و غادر المكان ، لكنه لم يخبِر أحداً من مسؤوليه
عن اللقائين .
هيئة المحكمة العليا المكوّنة
من ثلاثة قضاة ، أقرّت بالإجماع صفقة الإدعاء . كذلك أخذ قضاة المحكمة بنظر
الاعتبار أن نافسو كان قد سجِن لمدة سبع سنوات و نصف ، في حين أن العقوبة القصوى
على التهمة التي اعترف بها كانت السجن لخمس سنوات فقط . و بناء عليه تقرّر أن يحكَم
عليه بالسجن لمدة سنتين من تاريخ عتقاله و تخفيض رتبته من ملازم أول إلى رقيب أول .
و بحكم ذلك أمر القضاة ، بطبيعة الحال ، بالإفراج الفوري عنه .
الضجة الإعلامية التي أثارتها
قضية نافسو ، تفاقمت بعد نشر تقريرٍ منظمة "بتسيلم" الذي جاء باتهامات خطيرة ضد
الشاباك بسبب أساليب التحقيق التي يتّبِعها الجهاز . و هكذا و بعد فترة غير طويلة
من ضجة الرأي العام التي قامت حول قضية الباص 300 ، وُجّهت الأنظار مجدّداً إلى ما
يحدث في غرف و أقسام التحقيق التابعة للجهاز . الآن أصبح واضحاً للجميع أن الموضوع
لن يهدأ بدون أن يُفحَص لى نهايته .. و على هذه الأرضية ، قرّرت الحكومة إقامة لجنة
تحقيقٍ "حول أساليب و قواعد التحقيق التي يتّبعها جهاز "الشاباك" في مواضيع
النشاطات (التخريبية) المعادية ، و تقديم شهادة في محكمة فيما يتعلّق بهذه
التحقيقات" . و قد ترأّس اللجنة كما هو معروف ، رئيس المحكمة العليا المتقاعد ،
موشيه لنداو ، فيما تألّفت عضويتها من مراقب الدولة ، يعقوب ميلتس ، و الجنرال
(احتياط) إسحاق حوفي ، رئيس جهاز الموساد السابق .
كان ذلك في تاريخ 31 أيّار
1987 ، بعد حوالي الشهر من تعييني نائباً لرئيس الجهاز . إحدى المهام الأولى التي
كلّفت بها هرملين في نطاق منصبي الجديد كانت بلورة موقف جهاز "الشاباك" تجاه هذه
المواضيع و جمع المواد الملائمة التي تدعم هذا الموقف . شريكي في هذا العبء كان
المحامي تسبي تيرلو ، كولونيل الاحتياط الذي أشغل قبل ذلك منصب مدير عام وزارة
العدل . كنّا كلانا متنبّهين لحقيقة أن تحقيقات جهاز "الشاباك" أضحت بمرور الزمن
موضوعاً حساساً و مغطّى إعلامياً بدرجة كبيرة . و كما هو معلوم فلغاية حرب الأيام
الستة ، كان جلّ عمل و نشاط جهاز الأمن منصبّ في مجالين : التصدّي لأنشطة التجسّس
القادم من أوروبا الشرقية ، و منع و إحباط التحرّكات و النشاطات القومية العادية في
صفوف عرب (إسرائيل) . و قد تكوّنت وحدة المحقّقين بأكملها في حينه من سبعة محقّقين
فقط ، أربعة منهم تولّوا معالجة المجال العربي . في العام 1966 ، في السنة الأولى
من خدمتي في صفوف جهاز "الشاباك" ، جرى التحقيق مع عددٍ لا يزيد عن 150 شخصاً من
مختلف قطاعات السكان . حرب الأيام الستة ، في العام 1967 ، أوجدت واقعاً جديداً ،
مختلفاً في الجوهر . فألقيت على عاتق جهاز "الشاباك" مهمة التصدّي لموجات (الإرهاب)
الفلسطيني المتصاعدة في المناطق (الضفة الغربية و قطاع غزة) و في داخل مناطق الدولة
(الإسرائيلية) و كذلك خارج حدودها . كانت التحقيقات واحدة من الوسائل الأكثر أهمية
لكشف النشاطات المعادية و لمنعها و إحباطها .
في مقر جهاز "الشاباك" ، يعمل
قسم تحقيقات ، غير أن الغالبية العظمى من المحقّقين موزّعون و منتشرون في منشآت و
مراكز التحقيق التابعة للجهاز في أنحاء البلاد ، و هم يخضعون من حيث المسؤوليات
القيادية و المهنية لرؤساء الأقسام . مراكز التحقيق كانت موجودة في كلّ مدينة
تقريباً في المناطق الفلسطينية لغاية خروج الجيش (الإسرائيلي) من هناك .. أحد أكبر
مراكز التحقيق هذه كان يقوم في غزة .. تأهيل المحقّقين و شروط خدمتهم مماثلين
تقريباً لتلك الخاصة بمركزي العمل الميداني .. فمسار التأهّل المهني لهم يشتمل على
دراسات في معاهد لتعليم اللغة الغربية ، و مشاركة في دورات للاستخبارات و فترة
تخصّص . و الفارق الوحيد يتمثّل في أن المركزين يجرون تحقيقات في أحيانٍ متباعدة
فقط ، ضمن ظروفٍ عاجلة في الميدان ، بينما المحقّقون ينشغلون في ذلك طيلة الوقت و
بشكلٍ مكثف ..
طيلة ثمانية و عشرين عاماً منذ
حرب الأيام الستة و لغاية انتهاء ولايتي كرئيسٍ للجهاز تمّ التحقيق مع عشرات الألوف
من (المخرّبين) و المشبوهين بهذه التهمة . طواقم المحقّقين التي قامت بالمهمة ضمّت
في مجموعها بضع عشرات من الأشخاص العاملين في الجهاز ، لكن في أعقاب تحقيقاتهم ،
تمّ الكشف ، وفق تقديراتنا ، عن ما لا يقل عن 70 في المائة من التنظيمات و الخلايا
المعادية و (المخرّبين) الأفراد و عن نصف الوسائل القتالية تقريباً .. تنامي قوة
(إرهاب) حركة "حماس" و تنظيمات إسلامية أصولية أخرى ، وجد بدوره أيضاً انعكاساً و
تعبيراً عنه في إحصائية التحقيقات : في العام 1991 ، على سبيل المثال ، كان هناك 21
في المائة فقط من مجموع الذين حُقّق معهم ، أعضاء في تنظيمات إسلامية دينية .. بعد
سنتين وصلت نسبة هؤلاء إلى 54 في المائة .
و للاعترافات بتنفيذ اعتداءات
و نشاطات (تخريبية) أخرى ، تعزى كما هو معروف ، أهمية بالغة .. لكن الحصول على
معلوماتٍ تمنع و تحبط عمليات (إرهابية) في المستقبل أمر له أهمية أكبر من ذلك ، و
في هذا المضمار أثمرت التحقيقات عن نتائج قيّمة و مفيدة للغاية .
التحقيق مع المعتقلين العرب في
مراكز جهاز "الشاباك" ، كان شاقاً و مضنياً . فمنذ لحظة اعتقالهم كان يخيّم على
الخاضعين للتحقيق شبح منظمات (الإرهاب) التي لم تتوانَ - حتى داخل السجون - عن قتل
مشبوهين بالتعاون مع السلطات (الإسرائيلية) . كان الجميع يعرفون أنه لا أسرار داخل
الجدران .. الشخص المحقّق معه الذي يفتح فمه و يسلّم (مخرّبين) آخرين كان عرضة لخطر
الموت .. الشائعة بأن المعتقل الفلاني باح لمحقّقي جهاز "الشاباك" بكلّ ما أرادوا
معرفته ، كانت تنتقل بسرعة بواسطة طرقات على الجدران و نداءات صوتية تنتقل من
زنزانة إلى أخرى .. و حتى إن لم يكن السر قد تسرّب في هذه المرحلة ، فإنه سيتكشّف
غالباً في وقتٍ لاحقٍ داخل قاعة المحكمة .. ليس هذا و حسب ، فالاكتظاظ الشديد في
مراكز التحقيق و في داخل السجون أضرّ جداً بشرط عزل الخاضعين للتحقيق و مكّن رفاقهم
من الضغط عليهم حتى لا يتعاونوا مع محقّقيهم .
لقد قتل (المخرّبون) آلافاً من
أبناء شعبهم الذين اتهموا بالتعاون معنا .. في حالات كثيرة لم يكن هناك أساس لهذه
الاتهامات لكنه في جوهر الأمر نجح (المخرّبون) في زرع الخوف بين السكان ، و في جعل
كثيرين من الخاضعين للتحقيق لا يسارعون إلى البوح بما في حوزتهم من معلومات .. و
بالمناسبة فإن من صمَد في التحقيق كان يحظى بمكانة مرموقة بين زملائه .. عدا عن ذلك
، كثيرون من الذين خضعوا للتحقيق ، التحقوا بمنظمات (المخرّبين) من منطلق دوافع
أيديولوجية ، اسهمت في حدّ ذاتها في زيادة و تعزيز قدرة الصمود لديهم .. لقد
تعلّموا التمسّك بالهدف ، و إظهار الولاء و الإخلاص لرفاقهم ، و عرفوا أيضاً أن
هناك جزاء على سلوكهم هذا .. فطالما أن اسمهم لم يلطخ أو يوصم ، كان مؤمناً لهم بأن
اعتقالهم لن يضر بالوضع الاقتصادي لعائلاتهم ، و أن أياً من أفراد أسرهم لن يعاني
مرارة الجوع .. أجهزة الدعم التي أقامتها منظمات (الإرهاب) لمساندة عائلات
المعتقلين كانت ناجعة و سخية .. و الاتفاقات التي تمّت بين فترة و أخرى مع منظمات
(الإرهاب) حول إطلاق سراح معتقلين كان لها تأثيرها هي الأخرى . معظم المعتقلين
وصلوا إلى مراكز التحقيق معبّئين بقناعة مؤدّاها أنه إذا التزموا الصمت و عوقبوا
على ذلك بمواصلة اعتقالهم ، فإن (إسرائيل) ستضطر إلى إخلاء سبيلهم في أعقاب صفقة من
هذا النوع أو ذاك .
و لتصعب علينا مهمتنا أكثر ،
وزّعت منظمات (المخرّبين) نشرات مختلفة ، تتضمّن قواعد لتحسين و زيادة قدرة
المعتقلين على الصمود في تحقيقات جهاز "الشاباك" .. غالبية المعتقلين حفظوا هذه
القواعد و الإرشادات عن ظهر قلبٍ تقريباً .. احتفظت بإحدى هذه النشرات كتذكار .. و
هي تحتوي ، أولاً ، على تقديم مسهب ، يدعو (المخرّبين) إلى عدم الرضوخ في التحقيق و
إلى الصمود في وجه أي ضغط جسدي أو معنوي – نفسي . "من المهم أن نتذكّر بأن الشخص
الخاضع للتحقيق يستطيع التحكّم بأقواله و أعماله" أوضح معدّو النشرة ، "إنه يستطيع
الجلوس إذا أمره المحقّق بالوقوف .. يستطيع التكلّم إذا أمروه أن يصمِت .. و ضربات
يتلقّاها الجسد لا تحرّك اللسان .. إسماع أقوالٍ و عبارات مهينة ، و زجّ الخاضعين
للتحقيق في زنزانة و استخدام معتقلين آخرين انهاروا في التحقيق بغية التأثير على
الخاضع للتحقيق ، كلّ هذا و سواه لا يبرز الاعتراف" .
بعد ذلك تعرِض النشرة لقائمة
طويلة من أساليب التحقيق ، وفقما أبلغ عنها معتقلون محرّرون . المبالغات و
الاختلاقات تستخدم هنا في مزيجٍ عشوائي .. و فيما يلي عدداً من النماذج المميزة :
"أسلوب المحقّق الطيّب و
المحقّق الشرير : هذا الأسلوب يمارَس على نطاقٍ واسع في المخابرات (الإسرائيلية) .
فمعظم مراحل التحقيق تتم بواسطة شخصين – محقّقين . الأول يظهر بصورة مجرمٍ عديم
الرحمة ، فيما الثاني يكون رقيقاً ، صبوراً و يحاول دوماً وقف التعذيب و يقدّم نفسه
كمن يسعى لحماية المعتقل . فعندما يقوم الأول بضرب و إهانة المحقّق معه ، تجد
المحقّق الجيّد يقول له : "كف عن سلوكك الوحشي ، و عامل المعتقل كإنسان.." . ثم
تجده بعدئذ ينصح المحقّق معه بالتكلّم ليجنّب نفسه المتاعب . عندما يدخل المحقّق
الطيب ، يشعر المعتقل بالارتياح ، و عندما يدخل المحقّق الشرير ، فإنه يشعر بالخوف
. باستطاعة كلّ معتقلٍ أن يقاوِم هذا الأسلوب . فكلمة واحدة من فمه يمكن أن تقلِب
المحقّق الطيّب إلى محقّق سيّئ ، و في النهاية سيفشلوا في استعمال هذا الأسلوب ضده"
.
"أسلوب المعلومة المكتملة" :
يسعى المحقّق إلى التقليل من أهمية الاعتراف ، بزعم أنه لا فرق إذا اعترف المحقّق
معه أم لم يعترف ، لأن المحققين .. يعرفون ، أصلاً ، كلّ شيئ ، و هم يريدون فقط ..
معرفة دوافع المحقَّق معه .. و إذا سيطر المعتقل على نفسه ، سيتخلّى المحقّق عن
استخدام هذا الأسلوب" .
"أسلوب إثارة العواطف" : و
المقصود بهذا الأسلوب محاولة التأثير على معنويات المعتقل عن طريق إثارة مشاعر الحب
أو الكره لديه ، أو جعله يعيش في جزع و خوف على حياته أو على أعضاء جسمه أو قدرته
الجنسية ، أو تهديده باغتصابه أو اغتصاب أمه أو قريباتٍ له ، أو أنهم يضغطون عليه
بالضرب و التعذيب و جعله يظنّ أنه سيبقى في هذا الوضع لوقتٍ طويل .. أسلوب إثارة و
تحريك العواطف هذا ينطوي على أهمية خاصة ، لأن المحقّق يستخدم فيه إلمامه بالقيم
الاجتماعية للمحقَّق معه . معتقلون رهن التحقيق ، يتصفون بالبساطة و السذاجة ، و
غير واعين بأمور و جوانب التحقيق ، سيكونون مستعدين لكلّ شيئ عندما يشاهدوا شقيقتهم
تتعرّض للضرب أو معرّاة من ملابسها ، أو يهدّدون باغتصابها و هتك عذريّتها .. سيكون
المعتقل عندئذٍ مستعداً للتضحية بنفسه في سبيل منع استمرار مسلسل الإذلال هذا .
"أسلوب الأزمة الفجائية" :
عندما يكون المعتقل قابعاً تحت الضغط و التعذيب ، يقوم المحقّق بإدخال عميلٍ يتظاهر
كمن يعذّبونه ، إلى زنزانته ، أو حجرته . و في كلّ يوم ، عندما يعود العميل المدسوس
إلى الغرفة من التحقيق المزعوم ، تجده يشكو بأنهم ضربوه على خصيتيه . و أنهم أحضروا
إليه ابنته و هي عارية ، أو أنهم حقنوه بمادة تسبّبت بفقدان الوعي .. كلّ ذلك بهدف
خلق أزمة لدى المحقَّق معه لدفعه إلى الاعتراف .
"أسلوب تشتيت التفكير" :
مجموعة محقّقين تقف قبالة المناضل . كلّ واحدٍ منهم يسأله في موضوع مختلف ، محاولين
بلبلته و إرباكه لكي يرهقوه و يدفعوه للانهيار . مجموعات المحقّقين تتبدّل مرة كلّ
بضع ساعات بغية التأثير على الوضع النفسي و الجسدي للمحقَّق معه . يجب على الأخير
أن يصمت أثناء التحقيق و أن يحافظ على رباطة جأشه . فمثل هذا التحقيق لن يستمر
بطبيعة الحال إلى ما لا نهاية .. إنه سينتهي إلى إحدى نتيجتين : إما أن يقتنِعوا
ببراءة المعتقل ، أو أن يوصلهم إلى استنتاجٍ بأنه لا يمكن انتزاع اعتراف منه .
"أسلوب الضرب" : إذا أظهر
المعتقل الخاضع للتحقيق على سبيل المثال خوفه من أن يؤدّي الضرب على أذنه إلى
إصابته بالطرش ، أو أنه يتخوّف من إصابته بضعفٍ جنسيّ بعد تلقّيه ضرباتٍ على خصيتيه
، أو إذا جاء ردّ فعله على الضرب بالصراخ و التأوّه من الألم ، أو بتوسّل الشفقة و
الرأفة به ، فسيواصل المحقّق ضربه إلى أن يدلي باعتراف . أما إذا تحلّى المعتقل
بالصمود و الثبات ، فإن المحقّق سيتعب و يملّ . فبين وجبة ضربٍ و أخرى ، هناك
استراحات ، يستغلها المحقّق لتبديد و إزالة تعبه و إرهاقه و ليسأل المعتقل الخاضع
للتحقيق إذا كان قرّر الاعتراف .. على المعتقل أن يستغل هذه الوقفات بأخذ قسطٍ من
الراحة لنفسه .
"أسلوب الشراء" : عندما يفشل
المحقّق بالحصول على معلومات من المعتقل الخاضع للتحقيق بالأساليب المختلفة ، فإنه
سيحاول استدراج و دفع المعتقل ، بكلمات معسولة ناعمة ، للتفكير بمصلحته الشخصية ..
و سيعرِض عليه ، على سبيل المثال ، مساعدته في الدراسة ، أو العودة إلى عمله ، و
يعِده بأن لا يتمّ نسف بيته ، كلّ ذلك بشرط أن يدلي باعتراف .
"أسلوب التنويم المغناطيسي" :
هذا الأسلوب يهدِف إلى كسر ردود الفعل الإرادية . و من المفترض أن يتجاوب المعتقل
الخاضع للتحقيق ، بمقتضى ما يطلب منه خبير التنويم . من المهم أن نعرِف أنه لا يمكن
بأيّ حالٍ إجراء عملية تنويم من دون تنسيق و تعاون بين المنوِّم و المنوَّم ، و
لذلك فإن هذا الأسلوب لن يكون مجدياً إذا رأى المعتقل الخاضع للتحقيق بالمنوّم
عدواً . و يمكن إفشال التعاون عن طريق عدم الاستجابة لما يطلبه المنوِّم . فإذا
طُلِب من المعتقل أن يحدق في اتجاه معين ، عليه أن يحدّق باتجاه آخر . و إذا طُلِب
منه أن يجلس بدون حراك ، عليه أن يتحرّك بدون توقّف ، و أن يفكّر في أشياء أخرى و
يصرِف انتباهه عن أقوال الخبير و حركاته" .
و تشتمل القائمة الطويلة كذلك
على أساليب تحقيقٍ تعتمد على فحوصات جهاز كشف الكذب ، و على استخدام عقاقير و أدوية
ترمي إلى إنهاء المعتقل الخاضع للتحقيق ، و على افتعال و تلفيق أوضاعٍ و ظروف
غايتها إقناع المعتقل بأنه لم تعد ثمة جدوى في إصراره و صموده . معظم الأشياء
المكتوبة في النشرة لا أساس لها .. إنها اختلاقات تهدف إلى تهيئة المعتقل الذي يخضع
للتحقيق إلى أسوأ الاحتمالات .
مركز التحقيق ، هو بوجهٍ عام ،
مبنى ملاصق للسجن أو قسم داخل السجن . و هو يحتوي على غرفة انتظار ، غرف للتحقيقات
و زنازين اعتقال للمحقّق معهم ، و غرفة لقائد أو مسؤول المركز ، و غرف للطاقم . غرف
التحقيقات تخلو من أي مظاهر زينة ، و لا يوجد صور على جدرانها . مكوّنات الأثاث
الوحيدة فيها عبارة عن طاولة و كراسي لاستعمال المحقّقين و المعتقلين الخاضعين
للتحقيق . جزءٌ من هذه الغرف مزوّدة بوسائل مراقبة . في غرفة الانتظار ، التي لا
تكون مقاعدها مريحة بشكلٍ خاص للجلوس ، ينتظر المعتقلون دورهم للتحقيق .. و هم في
الغالب معزولون عن بعضهم البعض بواسطة أكياس ، فيها ثقوب صغيرة للتهوية ، يتم
إلباسها لرؤوس المعتقلين .
عوض حمدان ، كان معتقلاً توفيّ
في العام 1987 بينما كان الكيس على رأسه ، و قد ثارت شبهات بأن وفاته نتجت عن
انعدام الأوكسجين داخل الكيس . في أعقاب الحادث قدّم عددٌ من المحقّقين إلى محاكمة
انضباطية . سبب الموت لم يثبت بشكلٍ قاطع . و قد أثيرت من ضمن ذلك إمكانية تعرّض
المعتقل للدغة أفعى سامة .. و على أي حال ، فمنذ هذا الحادث ، جرى تغيير جزء من
التعليمات ، فيما اضطر رئيس شعبة في قسم التحقيقات ، هو شخصٌ توقّعت له مستقبلاً
باهراً في الجهاز ، إلى الاستقالة .
بدأنا ، أنا و تسبي تيرلو
بتحضير و إعداد المواد للجنة لنداو ، التي كان من المقرّر لها أن تركز في نطاق
مهمتها على تقصّي أساليب التحقيق التي يمارسها جهاز "الشاباك" .. كان الجهاز في
حينه واقعاً في ضائقة ، مثخَناً من قضية الباص 300 ، و يلعق جروح قضية نافسو ..
فبينه و بين نيابة الدولة ، سادت أجواء من انعدام الثقة . كما أن ما فسّر كمحاولة
لإلقاء التهمة على إسحاق مردخاي في قضية قتل (المخرّبين) في دير البلح ، عكّر صفو
العلاقات مع الجيش (الإسرائيلي) .. و من مختلف النواحي ، كان مرغوباً أن تقوم لجنة
تحقيق رسميّة في نهاية المطاف ، بتحديد قواعد عمل واضحة لجهاز "الشاباك" ، و تخرِجه
من منطقة الظلمة التي كان يقبع فيها .. و لحسن حظّنا ، فقد تواءمت رغبة جهاز
"الشاباك" في هذه الحالة مع نوايا المستوى السياسي .
أمضينا شهوراً عدة في إعداد و
تحضير المواد للجنة . تسبي تيرلو ، رجلٌ غير معافى ، دخّن بدون توقّف و احتاج إلى
علاجات و أدوية ، لكنه ظهر كحصان عمل لا يكلّ . و قد وضعت تحت تصرّفنا غرفة في مقرّ
قيادة لواء القدس ، حيث عملنا فيها مراراً بشكلٍ متواصل حتى ساعات الصباح الباكر .
جمعنا موادّ كثيرة عن أساليب التحقيق التي نتّبعها و عن النظريات التي استندت إليها
و قدّمناها في الموعد إلى اللجنة . و لأجل تفادي أي وصولٍ أو اقترابٍ لأفراد جهاز
الشاباك إلى المواد ، كلّفت بحراسته وحدة الحراسة التابعة لوزارة العدل ، و ليست
التابعة للجهاز .
لجنة لنداو ، عقدت جلساتها في
مدرسة التمريض المرفقة بمستشفى "شعاري تسيدق" ، في طابقٍ كاملٍ تمّ استئجاره لهذا
الغرض . تسبي تيرلو كان يرافق اللجنة في عملها كمراقبٍ من طرف الجهاز و ساعد
أعضاءها في تحديد و انتقاء وثائق من بين المواد الكثيرة التي زوّدناها لهم .. و
بدوري فقد عدت لمزاولة مهامي و أعمالي المعتادة في مقرّ قيادة الجهاز ، و ظهرت مرة
واحدة فقط أمام اللجنة من أجل تقديم إفادة .. و رغم أنني كنت أشغل حينئذٍ نائباً
لرئيس الجهاز ، إلا أن إفادتي تعلّقت في شكلٍ أساسي بمنصبي السابق كمسؤولٍ عن لواء
القدس و منطقة الضفة الغربية .. استعرضت طرق عمل المحقّقين و شرحت الاعتبارات التي
مثلت أمامنا في إدارة التحقيقات .
قدّمت اللجنة استنتاجاتها إلى
رئيس الحكومة ، إسحاق شامير ، في 30 تشرين الأول 1987 ، بعد ما عقدت 43 جلسة ، و
استمعت إلى 41 شاهداً ، بينهم رؤساء حكومة في السابق و في الحاضر ، و رجال جهاز
القضاء المدني و العسكري ، و خبراء في مهنٍ مختلفة و كذلك أشخاص حقّق معهم على يدِ
جهاز "الشاباك" .. أعضاء اللجنة تجوّلوا أيضاً في مراكز التحقيق التابعة للجهاز .
التقرير المطوّل الذي قدّم إلى
رئيس الحكومة ، إسحاق شامير ، كان مؤلّفاً من جزئين ، أحدهما علنيّ و الآخر سرّي ..
في الجزء العلني ، قرّرت اللجنة أن هناك حالات توجد فيها ضرورة ، لا يطعن بها ،
لاستخدام و ممارسة الضغط الجسدي بهذا القدر أو ذاك في التحقيقات مع مشبوهين بنشاطات
(تخريبية) . كذلك أكّد التقرير على وجوب عدم محاكمة أيّ من محقّقي "الشاباك" الذين
قدّموا إفادات كاذبة ، على الرغم من الخطورة البالغة الكامنة في أعمالهم ، و ذلك
تفادياً لما قد يترتّب على مثل هذه الخطوة من ضررٍ و تعطيلٍ محتملٍ لعمل وحدة
المحقّقين في جهاز "الشاباك" .
إلى ذلك ، خلص التقرير إيضاً
إلى وجوب عدم تقديم محقّقي "الشاباك" المتورّطين في ممارسة أساليب الضغط الجسدي أو
النفسي ، للمحاكمة ، باعتبار أنهم تصرّفوا بموجب أوامر و تعليمات المسؤولين عنهم ،
بغية انتزاع معلومات حيوية عن منظمات الإرهاب .. لكن اللجنة دانت ، مع ذلك ، تحويل
شهادات الكذب و الزور في جهاز "الشاباك" ، إلى قاعدة مألوفة .. و على الرغم من أن
هذه الطريقة لم تتّبع من جانب رؤساء و قادة "الشاباك" ، إلا أن هؤلاء وجَدوا أنهم
يتحمّلون المسؤولية عن كون هذه الطريقة - الوسيلة تحوّلت إلى عرفٍ استمر و عمّر
طويلاً .. كذلك قرّرت اللجنة أن من الجدير تعيين مراقبٍ داخليّ و مستشار قانوني
رفيعٍ لجهاز "الشاباك" ، و أوصت بأن يتولّى مراقب الدولة مراقبة "الشاباك" أيضاً في
مواضيع و مجالات تنفيذية .
منذ حرب الأيام الستة دأبت
جهات سياسية و منظمات تعنى بقضايا حقوق الإنسان على انتقاد و مهاجمة أساليب التحقيق
التي يتبعها جهاز "الشاباك" ، و من هنا فقد أوليت أهمية كبيرة لاستنتاجات لجنة
لنداو .. لقد كانت هذه المرة الأولى التي يعطي فيها مستوى رفيع - لجنة تحقيق رسمية
- شرعية لضرورة التمييز بين تحقيقٍ بوليسي يتم لغرض جمع أدلة و بين تحقيق مخابراتي
هدفه منع أعمال (إرهابية) .. هذا البعد أو الجانب وجد تعبيراً له في لائحة توجيهات
مفصّلة في الملحق السرّي من تقرير اللجنة .. و قد تضمّنت اللائحة قواعد سلوك عامة
في التحقيقات ، و حدّدت مجموعة من المحاذير ، كما عيّنت صلاحيات المستويات و الرتب
المختلفة في الجهاز المخوّلة بإباحة أساليب و وسائل تحقيق مختلفة ، أطلق عليها "ضغط
جسديّ معتدل" ، من قبيل منع النوم ، العزل ، التكبيل بالقيود ، الهزّ ، تغطية الرأس
و غيرها من أساليب ، إضافة إلى الفترات الزمنية القصوى لاستخدام هذه الأساليب .. و
جاء بضمنِ ما أتت عليه تحديدات اللائحة ، أيضاً ، أن توجيه صفعة إلى معتقلٍ وقحٍ
قيد التحقيق ، يحتاج إلى إذنٍ مسبق من مستوى عالٍ في الجهاز .. كذلك أوصت اللجنة
بتشكيل لجنة وزارية خاصة لتتولّى بحث حالات استثنائية و متابعة تنفيذ التوجيهات
التي أدرجت في الملحق السري .
و قد تبنّت الحكومة توصيات
اللجنة بأكملها .. مهمة جهاز "الشاباك" لم تصبح أكثر سهولة نتيجة لذلك ، لكنه تمّ
ربط و إرساء خطٍ واضح بين الماضي غير المنظّم و بين واقعٍ جديد ، ممؤسّس و خاضع
لقواعد ملزمة . توجيهات اللجنة أتاحت لنا تشكيل و إعداد لائحة صلاحيات و أذون
داخلية ، تلزم بصورة واضحة جميع المحقّقين في كلّ المستويات . و منذ ذلك الحين قدّم
عددٌ لا يحصى من الالتماسات إلى المحكمة (الإسرائيلية) العليا ، سعى من خلالها
خاضعون للتحقيق و منظمات تقف وراءهم إلى تقويض شرعية لائحة التوجيهات التي أعدّتها
لجنة لنداو . الغالبية الساحقة من هذه الالتماسات ، رُفضت ، لكن حتى اليوم لم يجرَ
بحثٌ قضائي معمّق لهذه المسألة ، حيث ظلّت آراء رجال القانون منقسمة و مختلفة
تجاهها .
و أعتقد أن استنتاجات اللجنة
هي بمثابة تحديدات و قرارات جريئة ، و أنها كانت بطبيعة الحال أيضاً حتمية لا مفرّ
منها ، إذ لم يكن هناك خيار آخر .. و في دولة لا تزال غارقة في حرب ضد (الإرهاب) ،
من المناسب أن يتمّ تبنّي أجزاء كبيرة من هذا التقرير لتتخذ تعبيراً دستورياً -
قانونياً لها .. لقد تبنّيت هذا الرأي أيضاً عندما عملت في إعداد قانون جهاز
"الشاباك" .. و لأسفي ، فقد قرّرت وزارة العدل في نهاية المطاف عدم إدراج تفصيلٍ
لموضوع التحقيقات في مشروع القانون الذي قدّم إلى الكنيست .
|