|
تضليل مفبرك بعناية
لقد تعاطى "الشاباك" بمنتهى
الاهتمام و الجدية مع استنتاجات لجنة لنداو ، و عندما تسلّمت مهام منصب كرئيسٍ
للجهاز في مطلع نيسان 1988 ، بذلت قصارى جهدي من أجل تطبيقها .. هذا التقرير ، و
تقارير أخرى جاءت في أعقابه في السنوات اللاحقة ، أسهمت في تنقية الجو العام ،
لكنها صعّبت بالطبع ، من جهة أخرى ، و بدرجةٍ غير قليلةٍ ، عمل الجهاز ، و بصورة
خاصة عمل المحقّقين .. و في ظلّ هذا الواقع الجديد ، ازداد ، بطبيعة الحال ، وزن
وسائل التحقيق المحكمة و المتطوّرة ، و أساليب الخداع و التحايل على اختلاف أنواعها
.. فالاستغلال الناجع لهذه الوسائل ، يشكّل دليلاً و برهاناً واضحاً على كفاءة
المحقّق .. و من البديهي أنني لا أستطيع هنا التعرّض بالتفصيل إلى جميع الخدع و
المكائد التي استخدمناها ، و لذا سأكتفي بالتطرق إلى عددٍ منها فقط .
في حالاتٍ كثيرة ، عندما كان
المعتقل الخاضع للتحقيق يصر على عدم فتح فمه ، كان المحقّقون يدخلونه إلى غرفة
اعتقال يكون فيها عددٌ من المتعاونين . كان هؤلاء ينتحلون صفة مسؤولين في إحدى
منظمات (المخرّبين) ، و كانوا في الغالب يتقنون تأدية الدور الملقى عليهم : حيث
شتموا المحقّقين ، و أشركوا المعتقل الجديد بأسرارٍ دفينة مزعومة لتنظيم
(المخرّبين) الذين ادعوا أنهم من قادته و مسؤوليه ، و حذّروه من زملائه بدعوى أنهم
متعاونون .
و في بعض الحالات كانت تمرّ
أسابيع إلى أن يتمكّن العملاء المدسوسين من كسب ثقة المعتقل الرّافض للاعتراف .. و
لكن بعد ما ينجحوا في الإيقاع به ، كانت ثقته بهم تبلغ حداً كبيراً في بعض الأحيان
لدرجة استعداده بأن يقدّم لهم خطياً كلّ ما يعرفه "حتى يقوموا بتهريب المعلومات من
السجن إلى قيادة التنظيم" .
إحدى المكائد المعقّدة و
المحكمة التي أذكرها نفّذت في تموز عام 1993 . غداة الليلة التي حدث فيها الأمر ،
كتبت في مفكّرتي :
"سعيد ، (مخرّب) قديم ، و صلب
كحبة جوزة الهند التي يصعب جداً كسرها .. المعلومات الاستخبارية المتوفّرة في
حوزتنا تنسب له ، من ضمن ما تنسب ، زرع عبوات ناسفة من صنع يدويّ في مقر الحكم
العسكري في بيت لحم ، أدّى انفجارها إلى مقتل جنديّ و جرح جنديين آخرين . لدينا
اشتباه مسنود أنه توجد في حوزته معلومات قيّمة عن استعدادات لغرض تنفيذ اعتداءات في
(إسرائيل) .. لذا كان من المهم إرغامه على التّكلم و الاعتراف قبل فوات الأوان ،
لكنه يصرّ على التزام الصمت . كلّ وسائل الضغط المسموح بها لم تجد نفعاً .. حاولنا
استدراجه بكسب وده ، بتقديم شتّى الوعود .. لكنه لم يتزحزح قيد أنملةٍ عن صمته .. و
في النهاية ، بعد أيام من التحقيقات المكثّفة ، لان و وافق على البوح لنا بكلّ ما
يعرِفه بشرط أن نتعهّد بمساعدته في اجتياز الحدود إلى الأردن . عندما نوصله إلى
مياه نهر الأردن ، هكذا قال ، سيقدّم لنا اعترافاً مفصلاً .. مثل هذا الاعتراف ،
كان بالضبط ما رغبنا به ، لكن تخوّفنا من أنه سيقودنا حتى النهر ، ثم "يختلق" قصة
لا أساس لها و يختفي إلى الأبد ، قبل أن نتمكّن من التأكّد من التفاصيل و الحيثّيات
.
درسنا جيّدا كلّ الإمكانيات و
قرّرنا القيام بعملية تضليل منقطعة النظير ، تجعل (المخرّب) يروي الحقيقة .. أشركنا
في هذه العملية عشرات الأشخاص ، من موظفي الجهاز و جنود الجيش .. اخترنا موقعاً
معيناً يشرِف على وادي ، بعيداً عن نهر الأردن ، و وضعنا على طول الطريق المؤدّي
للمكان لافتات "إحذر ، الحدود أمامك" كتبت باللغات العبرية و الإنجليزية و العربية
. و في ساعات متأخّرة من الليل قمنا بإخراج (المخرّب) من السجن ، و وضعناه في سيارة
تابعة لجهاز "الشاباك" ، و انطلقنا في طريقنا .. في الطريق صادفنا من حينٍ لآخر
حاجز تفتيش مفبرَك ، ليدسّ عنده شخصٌ ما برأسه إلى داخل السيارة ، متفحّصاً بضوء
مصباحٍ الركّاب ، ثم يتظاهر كما لو أنه تلقّى أمراً بتركنا نمرّ في طريقنا .. أحد
حرّاس الحواجز يخبِرنا أيضاً بأن الجنود ، المفترض أن يساعدوا (المخرّب) في عبور
النهر ، مستعدّون بانتظارنا في مكان الملتقى المتفق عليه . (المخرّب) الذي يفهم
العبرية ، يتابع بترقّب و قلق ما يحدث ..
واصلنا السفر في طريقِنا ، و
خلال ذلك قدّمنا للعربي رزمة أوراق نقدٍ أردنية كـ "ترتيبات أولية" . انتهى السفر
قرب موقعٍ للجيش (الإسرائيلي) ، و هو موقعٌ حقيقيّ ، أرشد قائده جيّداً . هذا
القائد ، لفت انتباهنا إلى بقعة مياه غير بعيدة عن هناك و قال إنها نهر الأردن ..
بعد ذلك بسط أمامنا خريطة طوبوغرافية ظهر فيها مقطعٌ من النهر ، و أشّر على نقطة
معيّنة كمكانٍ ينصح بعبور النهر منه .
"حسنا" يقول (المخرّب)" ،
"الآن سأخبِركم بكلّ شيء" . و مثلما تخوّفنا ، فقد بدأ بالفعل باعترافٍ عارٍ عن
الصحة ، نسجه بكامله من خياله .. لكننا لم نقمْ بإبداء أي ملاحظة على حديثه ، و
تظاهرنا بأننا نصدّق كلّ كلمة قالها . و في النهاية ، قلنا له طالما أنك التزمت
بالاتفاق فإننا بدورنا سنحترمه ، ليقوم جنود الجيش (الإسرائيلي) بعد ذلك بتأمين
حراسته حتى مكان العبور في الجانب (الإسرائيلي) من النهر .
أرسلناه في طريقه ، لتفتح في
نفس اللّحظة بالضبط النار من الطرف الآخر للوادي ، الذي يفترض أن يكون نهر الأردن ،
و لتضيء قنابل إضاءة السماء و المنطقة بأكملها .. (المخرّب) يرتعد خوفاً ، و يسأل
بقلقٍ "ما هذا ؟" . لم يتبادر إلى ذهنه حتى هذه اللّحظة ، أن رجالنا هم الذين
أطلقوا النار بالضبط حسب الخطة .. قلنا إن الجنود الأردنيين لاحظوا كما يبدو حركة
مريبة و باشروا بإطلاق النار .. تجمّد العربي في مكانه ، و قال : "أنا خائف .. سوف
يقتلونني" . إنه يريد العودة إلى السجن و بسرعة ، لكننا لا نوافق . قلت له بدوري :
"طلبت أن نساعدك في اجتياز النهر ، أتعبنا الجيش (الإسرائيلي) حتى يمكِنك من القيام
بذلك ، الآن فات أوان التراجع . مع السلامة و بدون إلى اللقاء !" .
استمر إطلاق العيارات النارية
طيلة الوقت ، و هو يتوسّل أن نعيده إلى غرفة سجنه .. في هذه الأثناء قلنا له "أنت
لا تستطيع أن تلعب بعقولنا .. نحن نعرِف أنك قدّمت لنا إفادة كاذبة .. لا نريد أن
نراك بعد الآن . إنهض و انصرف من هنا !" . رفض ، و طلب ألا نرسله ليموت ، ليدلي بعد
ذلك بإفادة كاملة و مفصّلة ، تماماً مثلما توقّعناها" ..
كرئيسٍ لجهاز الأمن العام ،
فإنني لم أقم بنفسي بالتحقيق مع مشبوهين ، باستثناء حالات مميزة ذات أهمية خاصة .
لكنني ساعدت مراراً المحقّقين في ترك انطباعٍ لدى المحقّق معه عن إحضار شخصية رفيعة
المستوى إلى غرفة التحقيقات . و قد اعتادوا على تقديمي بصفة "جنرال" يزور بالصدفة
مركز التحقيق كضيفٍ على جهاز "الشاباك" . في تلك الحالات بادرت بحديثٍ مع المحقَّق
معهم ، و حاولت خلاله إقناعهم بأسلوبٍ وديٍ رقيق بالتعاون و التجاوب مع محقّقيهم .
و قد تأثّروا جداً في غير مرة ، من كون "جنرال" يتوجّه إليهم و يخاطبهم ، و وافقوا
على مساعدة المحقّقين .
من أجل التثبّت من صحة إفادة
محقّق معه وحيد ، من الضروري مطابقتها مع معلومات تتعلّق بنفس الموضوع ، تم الحصول
عليها من جهات أخرى مرتبطة بالشخص أو بأعماله .. إحدى الوسائل التي طوّرناها لهذا
الغرض ، كانت جمع المعتقل المحقَّق معه في مواجهة مراقبة - عفوية ظاهرياً - مع أحد
الأشخاص الذين يشكّوا في إفادته . هنالك طرق مختلفة لذلك . مثلاً : يخرج المحقّق من
الغرفة بهذه الذريعة أو تلك ، و في غيابه يدخلون إلى الغرفة المشبوه الآخر . ردة
فعل المحقَّق معه ، و التي تشاهد بالسرّ ، تساعد بدرجةٍ كبيرةٍ في معرفة ما إذا كان
قد أعطى إفادةً صحيحةً بالفعل .
إحدى القواعد الأساسية التي
توجّه و ترشِد محقَّقي "الشاباك" ، تتمثّل في ضرورة أن تتضمّن إفادة المعتقل
المحقَق معه ما يدْعى بلغة المهنة "وقائع ضمنية" . و أقصد تلك الوقائع أو القرائن
التي لم ترد ، على سبيل المثال ، في تقارير وسائل الإعلام عن الحادث أو الاعتداء
الذي اعتقل الشخص في أعقابه .. فتلك التفاصيل "الضمنية" التي تكون معروفة فقط لنا و
للمحقّق معه ، تمكّن من التأكّد من صحة إفادة المعتقل الخاضع للتحقيق .
في حالاتٍ قليلة ، اعترف
محقَّق معهم ، في ظلّ خضوعهم للضغط ، بأعمال لم يكن لهم ضلع فيها . عندما كان الأمر
يتكشّف ، كنّا نطلق سراحهم بدون تأخير . و هنا تجدر الإشارة بأن الجهاز حرص دائماً
على بثّ الوعي لدى المحقّقين بمسألة أن تحصيل إفادة كاذبة و اعتمادها باعتبارها
حقيقيةً يمثّل فشلاً مهنياً خطيراً .
الانتقادات لطرق و أساليب
تحقيق "الشاباك" ، وجّهها بالأساس أشخاص لم يعيشوا أو يمرّوا في حياتهم في وضع
محقّق ، يعرف أن المحقّق معه يخفي معلومات عن اعتداءٍ وشيك الوقوع ، لكن يده أقصر
من أن ترغم الشخص - المعتقل - على التّكلم و الاعتراف بما يخفيه .. حرمان المعتقل
من النوم ، يعدّ وسيلة مقبولة و مجازة في ظروف معيّنة ، حدّدتها لجنة لنداو .
فعندما لا ينام المحقَّّق معه قدراً كافياً من الوقت ، تجده يغدو عصبياً ، منهكاً و
فاقداً القدرة التركيز . في ظلّ مثل هذا الوضع سيكون من الصعب عليه البقاء محصّناً
من احتمال تداعي و تحطّم الحواجز التي أحاط بها نفسه . و مع ذلك ، ثمة مخاوف من أن
انعدام و قلّة النوم قد يخطىء الهدف في حالات متطرّفة : فمعتقلٌ يحقّق معه ، يعاني
من إرهاقٍ زائدٍ قد يلجأ إلى تقديم معلوماتٍ كاذبةٍ ، فقط من أجل أن يتركوه لينام .
منذ أن تسلّمت منصب رئيس الجهاز وضع حاسوبٌ في كلّ غرفة تحقيقات مؤهلة لهذا الغرض ،
حيث يتعيّن على المحقّق أن يدوِّن الساعة المحدّدة التي بدأ فيها التحقيق من دون
نوم .
و عند انتهاء السقف الزمني
الأقصى الذي سمحت به لجنة لنداو ، يطلق الحاسوب صفيراً ، يضطر المحقّق بعد سماعه
لإتاحة المجال أمام المعتقل الخاضع للتحقيق كي يأخذ قسطاً من النوم . ترتيب مشابه
ينطبق أيضاً على بقية أساليب التحقيق ، بشكلٍ غدا فيه الحاسوب بمثابة وسيلة إشرافٍ
و رقابةٍ فعالةٍ طوال الوقت . و يشار إلى أن الإشراف و الرقابة على أساليب و طرق
التحقيق يعدّان من الأكثر تقدّماً و تشدّداً بين المتّبعة لدى كلّ أجهزة الأمن في
العالم . في الماضي حوّلت شكاوى المحقّق معهم لمعالجة مراقب الجهاز . و لأجل تشديد
الإشراف منع وضعٌ يفحص فيه "الشاباك" بنفسه الشكاوى ضده ، قرّرت - بالتشاور مع وزير
العدل و نيابة الدولة - إخراج مجال النشاط هذا من أيدي الجهاز . معالجة هذه الشكاوى
أودعت في يد شعبة التحقيق مع أفراد الشرطة (ماحش) التابعة لوزارة العدل .
المشتكون ليسوا المحقَّق معهم
فقط ، بل أيضاً أبناء عائلاتهم و المحامون الموكّلون من طرفهم . شكاوى كثيرة تصل
أيضاً إلى "ماحش" من الصليب الأحمر ، من جمعيات حقوق المواطن في البلاد و الخارج ،
من منظمة العفو الدولية (أمنستي) ، من أعضاء كنيست ، من شخصيات عامة و من جهات
عديدة أخرى .. مرسلوا الشكاوى يدركون جيداً كم هو حسّاس الرأي العام (الإسرائيلي)
في هذا الموضوع ، و هم يعتقدون أن كثرة الشكاوى ستدفع الحكومة نحو تقليص أو حتى
الوقف التام لاستخدام أساليب تحقيقٍ أثبتت نجاعتها في كبح (الإرهاب) . في الحالات
التي ظهر فيها تجاوز و خروج عن القواعد حرصت دوماً على اتخاذ الخطوات اللازمة ، من
إجراءات انضباطية و حتى تقديمٍ للمحاكمة في غير مرة . و من الجدير بالإشارة في هذا
السياق أن أغلب أساليب التحقيق التي يتّبعها جهاز "الشباك" ليست ثمرة اختراع
(إسرائيلي) . ففي دول متنوّرة في الغرب ، و التي لا تعتبر النشاطات (التخريبية)
منتشرة فيها ، يمارس المحقّقون وسائل و أساليب أكثر و أشد خطورة و تعسّفاً في
التحقيقات مع مشبوهين بأعمالٍ (إرهابية) .. لكن الانتقادات الشعبية الواسعة و الضجة
الكبيرة حول موضوع التحقيقات هي قدرنا .. لم يكن أمامنا خيارٌ و الحال سوى معالجة
ذلك .
يجب فهم أن القهر و الاستنزاف
الذي يتعرّض له محقّق في "الشاباك" ، كبير جداً . ففي المحصلة ، كم من الوقت يمكن
للإنسان أن يجلس في غرف تحقيقات ضيّقة و أن يتصارع و يتقابل فيها مع قتلة (مجرمين)
يبغضون (إسرائيل) ؟ كم من الوقت يستطيع الإنسان أن يحافظ على هدوئه بينما يجلس
مقابله (مخرّب) قتل جنوداً و مدنيين ، و يسخر منه بوقاحة ؟ و رغم هذه الظروف يتعيّن
على المحقّق أيضاً أن يطلب تصريحاً كي يمسك بأهداب ثياب المحقَّق معه و يهزّه ،
ناهيكم عن التحدّث عن صفعة لمرة واحدة ..
يبذل الجهاز قصارى ما يمكنه من
أجل الحدّ قدر المستطاع من الضرر المتراكم لدى المحقّقين جراء التوتر النفسي .
الوسائل لذلك عديدة و متنوعة : ملذّات و متع نهاية الأسبوع مع أفراد أسرهم ، إجازات
للانتعاش ، استكمالات و دورات مهنيّة . و كحال سائر العاملين في الجهاز الذين
يواجهون ضائقة شخصية ، يحقّ للمحقّقين أيضاً أن يطلبوا مساعدة طبيب نفساني من خارج
الجهاز، مع تحمّل الأخير بالطبع لكامل النفقات المترتبة على ذلك . تفاصيل و حيثيات
العلاج تحفظ و تحاط بسرية تامة . الطبيب النفسي يقوم فقط بإبلاغ الجهاز عن عددِ
الحالات التي وصلت لعلاجه ، دون ذكرٍ لأسماء المعالَجين . و يشار إلى أن عدد
المحتاجين للعلاج ، كان ضئيلاً جداً ، و بشكلٍ عام كانت تكفي ثلاث أو أربع لقاءات ،
لتتيح "التنفيس" عما يغلث على المعالجين و إزالة "الكبت" المتراكم في صدورهم .
و أذكر فقط حالة واحدة بادرنا
فيها نحن لإجراء علاجٍ نفسي . حدث ذلك في أحد مراكز التحقيق . فبعد شكاوى متكرّرة
من جانب جهات هيئات مختلفة ، بينها "أمنستي" و "جمعية حقوق المواطن" ، تبيّن لنا أن
أحد المحقّقين يعامل المعتقلين بقسوة مفرطة .. تحدّثت مع مسؤوله ، و استجوبت عدداً
من زملائه ، و بهذه الطريقة اكتشفت حيثية هامة أخفاها عند قبوله للعمل في الجهاز :
فقد كان في صباه ضحيّةً لعنفٍ في أسري . أقنعته بتلقّي علاجٍ نفسي ، و نقلناه إلى
وظيفة أخرى . كلّ ذلك تمّ بتكتّم من دون أن يتسرّب أيّ شيء .. الرجل لا يزال يخدم
في جهاز "الشاباك" و يقوم بدوره على نحوٍ مرض] تماماً للمسؤولين عنه .
خالد الشيخ علي ، كان
(مخرّباً) من غزة ، اشتبه بموجب معلومات استخبارية ، أنه نصب كميناً لدورية تابعة
للجيش (الإسرائيلي) في قطاع غزة ، و بفتح النار عليها من بندقية كلاشينكوف . في هذا
الاعتداء قتَل ضابطين .. و قد تم اعتقاله و نقله للتحقيق في مركز تحقيقات "الشاباك"
في غزة . التحقيق أُجري على يد طواقم محقّقين عملوا بالتناوب و جهدوا كثيراً
لاستدراجه كي يتكلّم . خالد علي ردّ عليهم بتحدّ و صلافة ، استفزهم و أخرجهم عن
طورهم . أحد المحقّقين سدّد قبضته و ضربه في بطنه . انحنى خالد و استلقى على
الأرضية يتلوّى من شدة الألم . استدعى المحقّقون ممرّضاً ، أوعز بنقله فوراً إلى
المستشفى ، هناك ، قضى "عليّ" نحبه .
لقد حدث ذلك بعدما قدّمت لجنة
لنداو استنتاجاتها ، لكن "الشاباك" ، كان لا يزال هدفاً لانتقادات الرأي العام .
موت خالد علي أثار ضجّة صاخبة فور ما نشر عن القضية . لقد انتظر الجميع لرؤية ما
إذا كان الجهاز يطبّق بالفعل توجيهات اللجنة بشأن القيود المتعلّقة بالتحقيقات . و
بإيعاز من المدعيّة العامة للدولة ، دوريت بينيش ، فتحت الشرطة تحقيقاً في ظروف
الوفاة ، و جمعت إفادات من محقّقي "خالد" و من المسؤولين عنهم في مركز التحقيق بغزة
، لكنها لم تتوصّل إلى نتائج . وسائل الإعلام استاءت ، و دوريت بينيش هاتفتني على
عجل . طلبت أن أتولّى شخصياً التحقيق . "أنت الشخص الوحيد المؤهل على القيام بذلك"
قالت لي . لم أستطع ردّ طلبها .. كان واضحاً أنه ارتكبت هنا مخالفة للقانون ، لكن
الشرطة لم تكشِف للمدنيّين . رفض طلب المدعية العامة للدولة ، كان من الممكن له ، و
بحقّ ، أن يذكي النار ، وأن يضرّ مرة أخرى بسمعة "الشاباك" . اضطررت عن غير طيب
خاطر ، للردّ بالإيجاب على الطلب .. لم يكن أمراً أو عملاً مألوفاً أن يقوم رئيس
الجهاز بالتحقيق مع رجاله .. و قد عرفت أنه إذا قيّض لي النجاح في كشف هوية الذي
ضرب (المخرّب) ، فلن يكون مناص من تقديمه لمحاكمة ، و أنه إذا أدين الرجل ، فلربما
يزجّ به في السجن أيضاً . اختليت بنفسي لساعات طويلة في مكتبٍ حتى أتأمل الأمر ..
مشاعر مختلفة تصارعت في داخلي . كان بمقدوري أن أضمن كم ستكون كبيرة خيبة أمل
محقّقي الجهاز عندما يتضح لهم أنني بدلاً من أحميمهم و أغطّي عليهم ، أقوم بـ
"تسليمهم" للشرطة . و مع ذلك فقد ردّدت بيني و بين نفسي مراراً و تكراراً ، بأن
عليّ أكثر من أي شيء آخر أن أحمي الجهاز و أن أحرص على نقاء و نظافة أكفأ العاملين
فيه ، و التيقن من أن مبدأ حفظ و صون القانون يشكّل هادياً و منارة تضيء طريقهم . و
على أي حال ، أيقنت أنني أقف أمام قرارٍ صعب للغاية .
في النهاية ، و في ساعة
متأخّرة من الليل ، بعدما خلا مقر قيادة "الشاباك" بصورة تامة تقريباً ، استدعيت
طاقم المحقّقين من مركز غزة ، و معهم مسؤولهم و رئيس قسم التحقيقات في الجهاز . كان
هناك حوالي نصف دزينة محقّقين شاركوا بالتناوب في التحقيق مع خالد الشيخ علي .
تحدّثت طوال ساعة عن أخلاق الجهاز ، ذكّرت بالحملات الشعبية التي وجّهت ضدنا في كلّ
مرة حدث فيها خروج و انحراف عن قواعد التحقيق و شددت على الضرر الذي لحق نتيجةً
لذلك بالجهاز . أوضحت أنه لا يجوز لنا أن نكنس و نخفي التجاوزات تحت البساط ، بل
واجبٌ علينا أن نعالجها .. لذا ، فإنني أتوقّع ، هكذا قلت ، أن يتقدّم الذي ضرب
(المخرّب) ، ليمثل أمامي و يعترف بفعلته . لم أتعهّد بألا يقدّم لمحاكمة ، لكنني
وعدت بأنني سأهتم شخصياً بأن ينال معاملة منصفة . الأجواء في الغرفة كانت صعبة .
المجتمِعون في مكتبي استمعوا لي بإصغاء شديد ، و بوجوهٍ مكفهّرة .
عندما أنهيت كلامي ، طلب
المحقّقون مغادرة المبنى ليتشاوروا فيما بينهم في الباحة . بقيت في غرفتي و انتظرت
. كانت الساعة قد بلغت الواحدة بعد منتصف الليل عندما سمعت طرقةً على الباب .
محقّقان شابّان دخلا إلى الغرفة ، و انفجرا بالبكاء معترفين بالحادث . و بعدما
هدَءا قليلاً ، قصّا عليّ تسلسل الأمور . قالا إن وقاحة و تبجّح (المخرّب) جعلاهما
يفقدان الصواب و السيطرة .
في الساعة الثالثة و النصف
فجراً ، أيقظت دوريت بينيش من نومها ، و أخبرتها بما حدث . حوّلتني إلى ضابط
التحقيقات اللوائي في الشرطة ، المقدّم "طال" ، فطلب بدوره أن يتوجّه المحقّقان
إليه في الحال .. تعقّبت من خلف زجاج نافذة غرفتي سيارة "الشاباك" التي أقلت
المحقّقين للتحقيق في الشرطة . كان ذلك مشهداً تمنّيت بيني و بين نفسي ألا أراه بعد
الآن إلى الأبد .
جمّد المحقّقان من عملهما إلى
حين انتهاء التحقيق بحقّهما .. و قد تلقّيا راتباً جزئياً فقط ، فأقام زملاؤهما
صندوقاً خاصاً من أجل مساعدتهما .. التقيت بهما من حين لآخر لأسأل و أطمئن عن
وضعهما .. أحد المحقّقين عمِل في السابق حارساً لشخصيات سياسية رفيعة . المحروسون
السابقون ، و خاصة آرئيل شارون ، اتصلوا بي و استفسروا عما إذا كانت هناك سبل
تمكّنهم من تقديم العون و المساعدة له . لم أستطع أن أفعل الكثير في هذا الشأن .
بعد فترة قصيرة من الوقت قدّمت
لائحة اتهام ضد الإثنين ، ليحاكما في المحكمة المركزية بالقدس بتهمة القتل غير
المتعمد نتيجة الإهمال . مثلت كشاهد دفاع في المحاكمة . تحدّثت عن المصاعب النفسية
و الجسدية التي يواجهها المحقّقون . شرحت كيف تجري التحقيقات . تحدّثت عن الإحباط
الذي يعتري المحقّقين و هم يحاولون انتزاع معلومات من (مخرّب) ، أيديه ملطّخة بالدم
، يمكن لها أن تنقذ أرواح و حياة الناس ، لكنهم يخفقون في مهمتهم . طلبت من المحكمة
أن تأخذ بنظر الاعتبار حقيقة أن المتهمين اعترفا بإرادتهما بالعمل الذي ارتكباه ..
أملت ألا يزجّ بهما في السجن . توقّعت أن تفرض عليهما عقوبة يمكن استبدالها بأعمال
خدمة للصالح العام ، لكن المحكمة حكمتهما بالسجن الفعلي لمدة ستة شهور . كثيرون من
موظّفي الجهاز زاروهما في السجن . و قد تابعت من جهتي بشكلٍ مستمر أخبارهما و
أوضاعهما ، و حاولت مساعدتهما بكلّ وسيلة ممكنة . بعدما أطلق سراحهما ، استقالا من
الجهاز و هما يحمِلان جروحاً نفسية لا تندمل بسرعة .
المعتقلون أكثروا دوماً ، كنمط
، في الشكوى عن محقّقين تجاوزوا قواعد التحقيق المتعارف عليها .. بعضهم فعلوا ذلك
حتى يبرّروا أمام زملائهم كونهم قدّموا اعترافاتٍ كاملة لمحقّقيهم . معظم الشكاوى
تعلّقت بمركز التحقيقات في غزة . في أغلب الحالات لم يكن هناك أساس حقيقيّ لهذه
الشكاوى ، لكن رغم ذلك شكّلت ، بإيعاز من المدعية العامة للدولة ، دوريت بينيش ، و
بموافقة جهاز "الشاباك" ، لجنة مشتركة لتقصّي أساليب التحقيق في المركز المذكور . و
قد ترأس اللجنة ، نائبة المدعية العامة ، راحيل سوكر ، بينما تألّفت عضويتها من
المراقب الداخلي للجهاز ، حاييم حوفي ، و رئيس القسم العربي في تلك الفترة . رئيسة
اللجنة ، تعهّدت سلفاً بأن المواد التي يتم جمعها خلال عملية الفحص و التقصّي ، لن
تستخدم لغرض محاكمة المراقبين .
طريقة عمل اللجنة تسبّب لي
بخيبة أمل شخصية عميقة و ذلك قبل أن تبلور استنتاجاتها . فاللجنة أقيمت ، كما أسلفت
، بموافقة مشتركة من النيابة العامة و الجهاز كي تتحرّى بموضوعية شكاوي المعتقلين و
لإصلاح ما يحتاج و يستدعي الإصلاح . لكن من خلال الأسئلة التي طرِحت علي ، و من
التقارير التي تلقّيتها من حين لآخر ، اتضح لي بسرعة الاتجاه الذي تهب الريح إليه .
علمت أن أعضاء اللجنة الثلاثة – و من المهم أن نذكر أن اثنين منهما كانا ممثّلان
"للشاباك" - يهاجمون الجهاز من دون أن يولوا الوزن المطلوب لعدد الاعتداءات الكبير
، و للظروف الصعبة في مركز التحقيقات ، و للوضع النفسي للمحقّقين ، و للعبء الجسيم
الملقى على عاتقهم و لاستنزافهم و تعبهم السريع . نبهت أعضاء اللجنة إلى ذلك مراراً
.. و أكّدت مع ذلك أنني لا أنشد أو أتوقع أن يزوروا أو يحرّفوا الواقع ، لكن من
الواجب و المنصف أن يأخذوا كلّ هذه العوامل بنظر الاعتبار بغية الحفاظ على التوازن
.
إيضاحاتي و ملاحظاتي كانت بلا
جدوى . فقد وجدت اللجنة أنه كانت هناك في مركز التحقيقات المذكور في غزة ، تجاوزات
أكثر مما أبلغ "الشاباك" . لقد ألحق تقرير اللجنة ، في رأيي ، ظلماً و إجحافاً
كبيراً بالجهاز و عكّر الأجواء في صفوفه . عضضت على نواجذي حنقاً و استياء ، لكنني
اضطررت لاستخلاص النتائج . عجّلت في استبدال قائد المركز ، الذي كان يوشك أصلاً على
إنهاء مهام منصبه هناك ، و بدأت حملة إعلام و توعية بين صفوف المحقّقين . طلبت منهم
بحزم أن يحرصوا أشدّ الحرص على مراعاة المسموح و الممنوع .
و لشديد الأسف فقد استخدمت
نتائج "لجنة سوكر" أساساً لتقرير مراقبة الدولة مريم بن فورات عن تحقيقات "الشاباك"
في الفترة الواقعة بين نهاية عام 1987 و صيف العام 1992 . الذي قام بالفحص و
التقصّي تصرّف كموظفٍ يعمل في إدارة و جرد حسابات . فقد تحرّى ، على سبيل المثال ،
كم من الهزّات المسموح بعملها في ثلاث ثوان و كم فعل المحقّقون ، أو كم عدد الصفعات
التي سمح بها و كم وجّه المحقّقون فعلياً . لم أستطِع التخلّص من الانطباع أن
الفاحص نسيَ ببساطة من هو الذي نحاربه و نتصارع معه ، و إلى أيّ درجة يمكن لكلّ
عملية تحقيقٍ أن تكون مصيرية ، و كيف نبدو نحن في نظر تلك الحيوانات الآدمية بينما
نضطر لتكريس الاهتمام لعدد الهزات بدلاً من أن نركّز على الغاية المهمة حقاً : كيف
نجعلهم يكشفوا تلك الأسرار المفزعة التي يرفضون كشفها .
بعدما تسلّمت المسودة الأولية
للتقرير ، استدعيت تسبي تيرلو كي يساعد الجهاز في الردّ عليه . قرأ المسودة و اشتعل
غضباً ، فمه أطلق بلا توقفٍ وابلاً من التعابير التي لا يحتملها الورق . استقر في
مكتبي خلال ساعات الليل و أجهد نفسه في كتابة الردّ لمراقبة الدولة . عندما كنت أصل
إلى مكتبي في الصباح ، بعد وقتٍ قصير من ذهاب تيرلو للنوم ، كنت أجد على طاولتي
أكواماً من صفائح المشروبات ، و بقايا خبز و أعقاب سجائر لا تحصى خلّفها وراءه .
لكنه قام بعملٍ رائع . بعد شهور عديدة من العمل الدؤوب قدّمنا ؟إجابات و ردوداً
حقيقية – و مقنعة في رأيي - على أكثر من تسعين في المائة من ادعاءات مراقبة الدولة
. قبل بضعة شهور من إنهائي لمهام منصبي كرئيسٍ للجهاز قدّم التقرير لرئيس الحكومة ،
إسحاق رابين ، و كذلك إلى رئيس لجنة رقابة الدولة و لرئيس لجنة الخارجية و الأمن
التابعة للكنيست . وثيقة مراقبة الدولة لم تنشر على الملأ . الجهات المخوّلة قبِلت
موقفنا الداعي إلى عدم نشر التقارير التي تكشف أساليب التحقيق .
بعد وقتٍ قصير من استقالتي من
الجهاز ناقشت اللجنة البرلمانية لشؤون رقابة الدولة التقرير ، و خلال النقاش نشب
جدال حادّ بين ممثلي "الشاباك" و بيني و بين مراقبة الدولة . رجالنا قالوا إن
التقرير يكشف قلّة دراية و فهم للاحتياجات المهنية - التنفيذية للجهاز و يبرز
تجاوزات هامشية . إضافة لذلك ، فإن كل ما حدث في الفترة الممتدة حتى مطلع سنوات
التسعينيات التي يغطيها التقرير ، لم يعد عملياً الآن . فالثغرات ، إن كانت قد وجدت
، أصلحت منذ وقت .
و بمرور الزمن ، تدهورت إلى
أسفل الدرك علاقاتي مع مراقبة الدولة ، مريم بن فورات . اعتقدت ، و لا أزال أعتقد ،
أنها لم تتصرّف كما يجب مع "الشاباك" ، و معي شخصياً ، في قسمٍ كبير من أجزاء
التقرير . كان ذلك نهاية شبكة علاقات بدأت بودّ و صداقة ، بارسال باقة ورد و تهاني
عندما منحت جائزة (إسرائيل) ، و هو عملٌ أثار ضدّي انتقاداً في تقرير الجنرال
(احتياط) رفائيل وردي ، الذي سأسهب في الحديث عنه لاحقاً . و يبدو ليس أن نقطة
التحوّل كانت عشيّة الانتخابات في العام 1992 . فقد نشرت المراقبة تقريراً عن
الليكود ، على الرغم من أن عدداً من وزراء و نواب هذا الحزب طلبوا منها تأجيل النشر
. بعد نشر التقرير توجّه إليّ باسمها موظّف كبير في مكتب مراقب الدولة ، و هو ضابط
كبير سابق في الجيش (الإسرائيلي) ، و قال لي إنها تخشى على حياتها .. سألت إن كانت
قد تلقّت تهديدات ، فأجاب بأنه ليس لديه فكرة أو معرفة عن الأمر .. قلت له إن
مراقبة الدولة ، حسب تقديري ، ليست في درجة خطر تستوجب ترتيبات حراسة شخصية . و رغم
ذلك ، أوعزت لقائد وحدة حراسة الشخصيات بإجراء سلسلة فحوصات ، تتم عادة بالنسبة
لشخصياتٍ ليست عرضة لخطر من الدرجة الأولى . و هكذا تمّ تفحّص ما إذا كان منزلها و
مكاتبها محميّان كما يجب ، و ما إذا كان سائقها مؤهل للتعامل مع حالات طوارئ . في
اأعقاب هذه الفحوصات اتخذت وسائل حماية عديدة .
بعد مرور عدة شهور أبلغني نفس
الموظف الكبير أن المراقبة تخشى على حياتها . قلت له إنني سأتحدّث معها في الأمر .
ذهبت إلى مكتبها في القدس ، و استقبلتني بحضور اثنين من معاونيها . قلت لها إنني
تلقّيت طلباً لحمايتها ، و لذلك أريد أن أستمع منها إذا كانت تلقّت تهديداً على
حياتها بأي شكلٍ كان - شفوياً ، عبر التليفون أو بالبريد . نظرت إليّ بعيونٍ باردة
، و قالت بلهجة جافة : "سيّد بيرس ، أنا لم أطلب حراسة ، لكن القرار لك سيّدي إن
كنت أستحق أو أحتاج لحراسة .." . حاولت كسر الجليد ، لكن لم أفلح . في نهاية الأمر
لم أجد ما يبرّر أو يستدعي الموافقة لها على حراسة شخصية . لغاية اليوم يلازمني
الشعور بأن رفضي الاستجابة لطلبها ساهم بهذا القدر أو ذاك في زيادة حدّة التطرّق
إليّ في تقرير مراقبة الدولة حول موضوع التحقيقات .
|