الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

عودة

 

 

الثمن : أزمة شخصيّة

 

ليس سهلاً أن يكون المرء من رجال "الشاباك" . لقد تعلّمنا ذلك على لحمنا و جلدنا ، لكننا لم نكن دوماً واثقين من أن المرشّحين الجدد يدركون ذلك ، خاصة إذا عبّر المرشح عن شكوكٍ او قلة ثقة . لذلك ، و منذ مراحل التصنيف و الاختبار لمرشحين للعمل في "الشاباك" ، اقترحنا عليهم أن يفكّروا مجدّداً في الأمر ، أن يتشاوروا مع أشخاصٍ قريبين منهم قبل أن يقرّروا ما إذا كان هذا هو المسار الملائم لهم بالفعل . "تحدّث مع زوجتك أو صديقتك" اعتدنا القول لهم "إشرح لها أن العمل الذي ستأخذه على عاتقك ، مرهق و مستنزف ، و أن التغيبات عن البيت كثيرة و طويلة" .

حذّرنا المرشحين بأن عليهم أن يكونوا مهيّئين لأن يضطروا مراراً ، بعدما يتواعدوا مع رفيقتهم على الذهاب للسينما أو إلى مطعم ، إلى إلغاء مشوار المتعة في اللحظة الأخيرة . في أحيان متقاربة ، أوضحنا لهم ، بأنهم لن يروا أبناءهم ينهضون في الصباح و يذهبون للنوم في المساء .

و بالفعل ، كان هناك مرشّحون عادوا إلينا و قالوا : "فكّرت بالأمر و تشاورت مع زوجتي . إنها لا توافق" . بشكلٍ عام ، كنا نتخلّى عن مرشح من هذا النوع . لكن عندما كان لنا اهتمام خاص بمرشّح معين ، لم نكن نرغب بالتخلّي عن ذلك بسرعة . في حالات كهذه ، تجشّمنا مقابلة زوجة أو صديقة المرشح لنشرع لها كم هو الرجل حيوي و ضروري لنا ، و كم هي مهمة الرسالة الوطنية التي أبدى استعداده لأخذها على عاتقه ، حتى تتمكّن عائلته و كلّ شعب (إسرائيل) من العيش بهدوء و اطمئنان .

و لكن حتى عندما كنا نحصل في نهاية المطاف على موافقة الزوجة ، في ظلّ معرفتها لما سيحدث في المستقبل ، حصل غير مرة أن الواقع جاء أصعب و أقسى مما صوّرته لنفسها . التقيت مع زوجات عددٍ كبير من موظفي الجهاز ، اللواتي واجهن صعوبة في التعايش مع التغيّبات المستمرة و الطويلة للزوج و مع القلق و الخوف من أن يلحق به مكروه ، و بذلت قصارى جهدي كي أطمئنهن . هذه المقابلات و اللقاءات كانت تتم في الغالب من دون أن يعرف الموظف ذاته عن ذلك سلفاً.

لم أرَ في هذه الأحاديث شيئاً لافتاً للنظر . فالشاباك ، على اختلاف مستوياته ، هبّ لمعالجة المشكلات التي ظهرت داخل البيت ، حتى يتوفّر للعاملين الهدوء النفسي اللازم لتنفيذ المهام الملقاة على كاهلهم . ليس القادة و المسؤولون و حسب ، بل موظّفون عاديون كذلك حاولوا و جاهدوا لمساعدة زملائهم الذين واجهوا محنة على أرضية شخصية . أكثر من مرة كنت شاهداً على صداقة حقيقية في هذا السياق . هذا ما حصل ، مثلاً ، أثناء خدمتي في محافظة نابلس . الرجال لم يذهبوا تقريباً إلى بيوتهم ، فأضحت الحياة الزوجية لعددٍ منهم مهدّدة بالخطر . زملاؤهم أجبروهم على أخذ إجازات طويلة ليتمكّنوا من إصلاح علاقاتهم مع نسائهم . و ليكون ذلك متاحاً ، كان على "المجبِرين" - بكسر الباء - أن يتطوّعوا للقيام بأعمال و مهام الخارجين في إجازة ، إضافة إلى مهامهم . كان ذلك عبئاً ثقيلاً ، لكنهم أخذوه على عاتقهم طوعاً ، بل حتى بسرور .

عندما تزوّجت من "ياعيل" ، لم يخطر ببالي أن حياتنا الزوجية أيضاً سوف تتعثّر بسبب متطلبات الوظيفة . فكلّما ارتقيت في سلّم المناصب ، اضطررت تبعاً لذلك للتغيّب أكثر فأكثر عن البيت ، و هكذا أخذ العبء النفسي يزداد و يكبر شيئاً فشيئاً . و بمرور السنين ، أخذنا ، ياعيل و أنا ، نشعر أكثر بأكثر ، بأننا غريبان الواحد عن الآخر . حتى و إن لم نتكلّم عن ذلك صراحة ، كان واضحاً لكلينا بأنه إن لم أبادر من جانبي لاتخاذ خطوات على الفور ، فإن زواجنا قد يصل إلى نهايته .

و من نواحي معينة ، كانت مهامي في الشاباك ، وصفة شبه مضمونة لتقويض حياتي الزوجية . و قد حدث ذلك ، بالطبع ، مع آخرين ممن أمضوا و وصلوا الليل بالنهار في العمل الأمني الشاق ، بعيداً عن البيت و الأسرة . أكثر من مرة بادرت لمساعدة أصدقاء اكتشفوا فجأة أن الصلة مع زوجاتهم و أبناء أسرهم مهتزة أو واهنة . منذ البدء ، كان واضحاً لي و لياعيل أن الخدمة في الجهاز ستحتاج و تسلب مني طاقات هائلة ، و عرفنا أن العمل بوتيرة عالية سيكون على حساب البيت . لكننا انطلقنا نحو حياتنا المشتركة من قناعة بأنه لن يكون بمقدور أي شيء أن يعكّر صفوها أو يخلّ بها ، حتى و لا انقطاعي عن البيت لفترات طويلة . لقد أخطأنا كلانا . كانت هناك أوقات احتاجتني فيها ياعيل أكثر من أي شيء آخر . على سبيل المثال ، أثناء فترة الحمل قبل مولد "أمير" ابننا البكر . كان عليّ أن أكون إلى جانبها ، لأشجّعها ، لأخفّف عنها بكل وسيلة ممكنة . لكنني كنت في تلك الأيام منشغلاً في ملاحقة و مطاردة (مخرّبين) في أزقة حي القصبة بمدينة نابلس ، و في تجنيد عملاء ، و في البحث عن مخابىء للمتفجّرات التي أُعدّت لشنّ هجمات في (إسرائيل) ، و بالتالي ، لم يكن بمقدوري ، بطبيعة الحال ، أن أكون في البيت .

كانت ياعيل ، زوجة رائعة ، حكيمة و متفهمة . لم أسمع في أي مرة على لسانها تذمّراً أو شكوى من عبء العمل الذي كان ملقى على كاهلي . لم تماهك في أيّ مرة ، و لم ينشب بيننا في أيّ وقتٍ خصام على هذه الخلفية . لقد سرّت بتقدّمي في الجهاز ، و كانت فخورة بالعمل الذي أقوم به . لكنها هي الأخرى ، رغم كل ما تحلّت به من صبرٍ و تفهّم ، واجهت مثلي صعوبة في التأقلم مع نشوء و وجود تصدّعات في حياتنا الزوجية لهذه الأسباب و العوامل بالذات . ابتعدنا عن بعضنا . كنت أذهب إلى البيت في أوقات متباعدة ، و كثيراً في حالة ضغط و عصبية . بدأت أقترب من أبنائي فقط بعدما كبروا و بلغوا سن الرشد . في السنوات الأولى ، التي يكثر فيها الآباء من المكوث بمعية أبنائهم ، ليضحكوا و ينفعلوا لكلّ نادرة جديدة تصدر عنهم ، لم أكن أنا هناك . الشرخ أخذ يتّسع بوتيرة أشدّ عندما انتقلت لتولي قيادة لواء القدس . قرّرت ياعيل البقاء في ناتانيا ، لأن تنقّلاتنا و ترحالنا الناجمين عن تبدّل مهامي و مناصبي كانا أكثر من اللازم . كان لدينا حينئذٍ ثلاثة أبناء . أصغرهم سناً "طال" و لدت قبل ثمانية شهور من ذلك فقط ، في أكتوبر 1980 . في كلّ مرة جرجرنا الأولاد إلى المكان الجديد ، و وضعناهم المرة تلو الأخرى أمام الحاجة للتأقلم و التكيّف . ياعيل قرّرت أن تضع حداً لذلك . من ناحيتها و كذلك الأولاد كانت ناتانيا دفيئة لطيفة ، قريبة من الجد و الجدة . بالنسبة لي كانت بعيدة جداً . شعرت بمرور كلّ يوم أن الصلة بيني و بين أسرتي تضعف . كنت حزيناً لذلك . رغبت في أن أعطي لياعيل ، و لنفسي و للأولاد فرصة أخرى لإصلاح أمور العائلة .

قرّرت التوجّه لصديقي روبين حزاك ، الذي أشغل حينذاك منصب نائب رئيس الجهاز ، حتى يساعدني . الصداقة بيننا كانت قد توطّدت منذ المراحل الأولى من عملنا في الشاباك . كانت تلك صداقة نبيلة و متينة ، شملت عائلتينا أيضاً . روبين و زوجته ، نيرا ، أقاما في حينه في "تسهلا" ، و ياعيل و أنا في ناتانيا . المسافة بين المنزلين لم تكن بعيدة ، فأمضينا كثيراً من الوقت سوياً . عندما كان عملنا يسمح بذلك ، كنا نعدّ وجبات عشاء مشتركة في أمسيات السبت ، و نخرج سوياً في نزهات بأنحاء البلاد . النساء وجدن لغة مشتركة ، و الأولاد كبروا معاً . توجّهت إلى روبين عندما علِمت أن رافي مالكة يوشِك على إنهاء منصبه كرئيسٍ لجهاز الحراسة في أوروبا . قلت له إن تعييني في هذا المنصب قد يفيدني في إعادة اللحمة لعائلتي . أملت بأنني سأتمكّن بهذه الطريقة من تكريس وقتٍ أطول لأبناء عائلتي ، و أن يتمكّنوا هم من الاتصال بي أكثر . و على الرغم من أن الحراسة لم تكن المجال المهني الذي خطّطت للتقدّم فيه ، كنت مستعداً لقبول الوظيفة ، فقط على أن أعرف و أتأكد بأنني قمت بالخطوة الصحيحة في اللحظة المناسبة حتى أوحّد و أجمع العائلة .

قلت لروبين إنني أستطيع ، بطبيعة الحال ، التوجّه مباشرة إلى رئيس الجهاز ، أبرهام شالوم ، بطلب التعيين . لكن ، في رأيي ، سيكون من الأسلم و الأجدى إن قام هو ، النائب لرئيس الجهاز ، بالتوصية على إسناد المنصب إليّ . اعتقدت أنه سمع أبروم الأمور على لسان روبين ، الذي سيشرح له أيضاً الخلفية الشخصية ، فإنه قد يوافق . حاول روبين ، في البداية أن يقنعني بمحاولة إصلاح حياتي العائلية في البلاد ، لكنه إبدى في نهاية المطاف استعداده لأن يقترح على أبروم بأن يعينني في المنصب الذي أصبح شاغراً في أوروبا .

بعدما مرّت عدة أسابيع دون أن أسمع شيئاً ، سألت روبين عما يحدث . "ذهبت لأبرهام" أجاب قائلاً : "لكن يستحسن أن تعلم : لم أوصي عليك . و أكثر من ذلك ، قلت له إنه لا يجوز ، في رأيي ، إرسالك إلى أوروبا .." . ذهلت مما سمعته من روبين و سألته لماذا قال ذلك . جوابه كان مقتضباً : "أنت المسؤول الأرفع و الأكثر إلماماً في المجال العربي . سيرتكب الجهاز خطأ مهنياًُ فادحاً إن تخلّى عنك في هذه الفترة بالذات" ..

"و ماذا بالنسبة لحياتي الزوجية" سألت بغيظٍ مكتوم "لقد اعتقدت أننا أصدقاء ، و أنك أنت أكثر من أيّ شخص آخر ، ستتفهم دوافعي الشخصية" . قال : "في مثل هذه الأمور ، مصلحة الجهاز تقف فوق كلّ شيء آخر" . حتى ذاك الوقت ، كان لديّ ثقة راسخة بروبين . أحسست بأنه ربما يكون الشخص الوحيد الذي أستطيع اللجوء إليه في وقت محنة أو ضائقة . كلّ ذلك انهار و هوى كغمضة عين . اجتاحتني خيبة أمل شديدة ، و أخبرته بالضبط بما يتنابني .

منذ ذلك الحين أخذت العلاقات فيما بيننا بالفتور . عندما كلّف روبين بتولّي مسؤولية التحقيق في كشف التنظيم (الإرهابي) اليهودي ، كان يأتي للجلوس في مقر قيادة لواء القدس . أنا كقائدٍ للواء ، جلست في الطابق الأول ، بينما نزل هو في الطابق الثالث ، لتنشأ بيننا توترات غير قليلة ، نبعت من تحديد صلاحيات غير واضحة بشأن التحقيق في قضية التنظيم السري اليهودي .

عندما طرح تعييني لرئاسة الجهاز ، كان روبين حزاك قد أصبح خارج الشاباك . فقد استقال ، كما هو معلوم ، في أعقاب قضية الباص 300 ، لكن مقرّبيه – و خاصة بيلغ رداي الذي استقال هو الآخر في نفس الظروف - قاموا بكلّ أمر ممكن تقريباً من أجل إفشال و عرقلة التعيين . لقد تحدّثوا عن علاقات وثيقة أكثر من اللازم أقمتها كما زعموا مع شخصيات عربية و هاجموني لوقوفي على الحياد عندما ثارت قضية الباص 300 . كانت تلك تهمة سخيفة . ففي تلك الأيام طلبت مرات عديدة أن أسمع من فم روبين حول ما يحدث ، لكنه امتنع عن الحديث . عندما استقال من الجهاز سألته لماذا لم يشِرني في حينه بالتحرّك ضد أبروم (أبرهام شالوم) فأجابني : "أردت أن تكون خارج كلّ هذا ، لأنني نويت تعيينك لتكون نائبي عندما أعيّن رئيساً للشاباك" .

لم أنتقم و لم أحقد ، لكنني غضبت على ما تسبّبوا به للجهاز و لي شخصياً .. رأيت في ذلك قلة استقامة ، إن لم يكن أسوأ من ذلك ، و انقطعت العلاقات فيما بيننا تقريباً .

ذات يومٍ كشف لي صديق ، أن روبين حزاك ، بيلغ رداي و رافي مالكه ، يتنافسون في مناقصة لتسلّم الحراسة في مطار كيندي بنيويروك ، و أن الـ "أف.بي.آي" يبحث عمن يمكن أن يوصي عليهم . "الأمريكيون سيتوجّهون بالتأكيد إليك أيضاً" قال الرجل ، و أضاف : "ستكون هذه فرصتك لتنتقم منهم" . فأجبت "دعك من ذلك .. إذاً توجّهوا لي ، فسوف أعطي أفضل توصية مهنية .. أنا أعرف أن هؤلاء الأشخاص محترفون من الطراز الأول . أنا أدرك أيضاً حجم ما قدّموه للشاباك . إنهم يستحقون كلّ مساعدة ممكنة" .