|
رسالة شكوى لرئيس الحكومة
كانون الأول 1990 - كانون
الثاني 1991
منصب رئيس جهاز الأمن العام
العالي لا يقف فقط عند تنصيبه حاكماً وحيداً يقف على رأس تنظيم معقّد و متشابك و
إنما يحوّله أيضاً إلى متحمّل مباشر للمسؤوليّة عن كل ما يحدث فيه . "الشاباك" هو
جسمٌ صغيرٌ نسبياً ، عاطفيٌّ بدرجةٍ كبيرةٍ يتوجّب عليه أن يكون على أُهبة
الإستعداد بلا كللٍ أو مللٍ و أن يبدي الحساسيّة كلَّ الوقت ، و يكفي أن يقدّم أحد
عناصر "الشاباك" على خطوةٍ خاطئةٍ دون أن يكون ذو رتبةٍ عاليةٍ حتى لخلق تعقيدٍ
سياسي حقيقي و أن يضع رئيس "الشاباك" على خطِّ نار الانتقادات الأوّل .
هذا الأمر صحيحٌ بدرجةٍ
مضاعفةٍ عندما يتعلّق بما يأمر رئيس "الشاباك" نفسه بالقيام به . كلٌّ العيون بما
فيها عيون أولئك الذين يغارون من نجاحه تتابع بلا كللٍ كلّّ عملٍ من هذا القبيل و
تحلّله إلى عناصر متفرّقة عندما يثور خوفٌ ما بأن شيئاً ما ليس كما يرام .
في السادس و العشرين من كانون
الأول 1990 قُدِّمت للقائي الأسبوعي مع رئيس الحكومة إسحاق شامير . الأمر الأول
الذي اصطادته عيناي مع دخولي إلى ديوانه كان ورقة رسائل صفراء وضعت في وسط مكتبه .
هذا المنظر كان أمراً غير عادي لأن مكتب شامير الخشبي كان على الدوام فارغاً من
الأوراق و الملفات . الأمر الثاني الذي أثار اهتمامي هو تعابير وجه رئيس الحكومة
التي كانت متجهِّمة أكثر من العادة .
منذ قضية الخط 300 اعتاد رئيس
الحكومة إجراء محادثاته مع رئيس جهاز الأمن العام بوجود شخصين - سكرتيره العسكري
عزريئيل نافو و موظفة الاختزال المخضرمة للمسائل الأمنية الحسّاسة ميتكا يافا التي
سجّلت و كتبت الأمور . في هذه المرة فاجأني جداً و هو يطلب منهما الخروج من الغرفة
، و عندما أصبحنا لوحدنا توجّه إليّ و قال :
"إسمع يا يعقوب ، لقد وصلتني
رسالة من أوساطٍ مقرّبة منك . و هي رسالة ليست لطيفة حيث تتضمّن شكاوى ضدّك حول
تصرّف غير لائق . في "الشاباك" يتحدّثون الآن عن هذه الأمور و يوجد لذلك تأثير غير
بسيط على الناس" .
شامير صمت لبرهة من الزمن
متفحّصاً وجهيَ المذهول ، و واصل "يدّعون أن لك أصدقاء عرب ، و أنك تتبع نهج حياة
استخفافي لا يليق برئيس "الشاباك" و غير ذلك من الأمور" . أنا بدوري سألت شامير من
الذي كتب الرسالة و ما هي الادِّعاءات المطروحة بها بالضبط . شامير رفض ذِكر اسم
الكاتب ، إلا أنه تطرّق للادعاءات التي كانت في أغلبيّتها تدور حول صغائر الأمور
مثل نفقات ضيافة المكتب ، إعادة دهان سيارتي و غيره .
أنا أردُّ على الأمور المطروحة
بالنفي - لست أعرف بالضبط من الذي كتب الرسالة و لكن لا شكّ لديّ بالنسبة لضلوع
مراقب "الشاباك" حاييم حوفي الذي كان يحرّك على الأقل اثنين من رؤساء الفروع الذين
يبغون بتر عنقي .
لتجسيد سخافة هذه الشكاوى
سأذكر مثلاً تلك التي تعلّقت بدهان سيارتي . إيهود ياتوم ترأّس في ذلك الحين فرع
الإدارة الذي يتوجّب عليه أن يغيّر سيارة رئيس "الشاباك" مرةً كلّ عدة سنوات .
عندما حان موعد استبدال سيارة البيجو (405) الخاصّة بي حصلت على سيارةٍ جديدةٍ
مدهونةٍ بلونٍ بنفسجيٍّ مرعبٍ و فاقعٍ . أنا بدوري طلبت أن يستبدلوها بسيارةٍ
بيضاءَ لا تكون بارزةٍ إلى هذه الدّرجة على الأرض .
ياتوم أوضح لي أنه لا توجد في
احتياطي الجهاز مثل هذه السيارة و اقترح عليّ دهنها باللون الأبيض . فقبلت اقتراحه
، و بذلك اتهمت بإهدار أموال الشعب .
عدت إثر تلك المقابلة مع رئيس
الحكومة إلى مكتبي غاضباً ، و استعدت بيني و بين نفسي الشكاوى الشيطانيّة التي
أوصلوها إلى أسماع رئيس الحكومة . متأملاً ما يحتاج للتفحّص و جالساً لكتابة كلّ ما
دار بقلبي في حينه .
"منذ عُرِضت أمامي سلسلةً من
الاتهامات التي تدور حول تصرّفات غير لائقةٍ" ، كما بدأت رسالتي "ترافقني مشاعرُ
قاسيةٌ جداً من الإهانة و التحقير لأنني أجد نفسي مضطراً للانشغال – و مضطراً
للتطرّق أيضاً - باتهاماتٍ فارغةٍ و فرية نكراء . ما يقلقني بشكلٍ خاص حقيقة وجود
عاملين داخل الجهاز - الذي بذلت جهوداً كبيرةً لإعادة بنائه و بلورة شخصيته
الداخلية و الخارجية و تطوير و رعاية قدراته الميدانية على وجه الخصوص - واضعاً نصب
أعينهما و لأسباب أجهلها هدف تلطيخ سمعتي و تسويد وجهي بواسطة إلصاق التهم بي" .
"نسبوا لي علاقات غير معقولة
مع العرب . عشرون سنة من سنّي خدمتي في داخل جهاز الأمن العام عملت في الوسط العربي
. من بين آلاف أبناء الأقليات الذين كنت أُفعلهم و الذين التقيت معهم و من بين
عشرات آلاف العرب الذين عالجت شؤونهم بقيت لديّ علاقات ضعيفة مع ثلاثة أشخاصٍ فقط و
ليست لديّ علاقات قويةٍ مع أي واحدٍ منهم .
"في أحيانٍ متباعدةٍ يتصلون
للاطمئنان على أحوالي و أحياناً يطلبون هذه المساعدة أو تلك كما جرت العادة في
العالم العربي . كنت أساعدهم فقط إن كان الأمر متاحاً من الناحية القانونية و بشكلٍ
يتوافق مع أنظمة الجهاز ، و لم أخدم أبداً أيّة مصلحة لهم" .
بعد أن قمت بالرّدِّ على كلّ
جملة من الادعاءات الموجّهة إليّ تطرقت بعدة كلمات لتهمة أتباعي "أسلوب حياة
استخفافي لا يليق برئيس الشاباك" إذ أن هذه التهمة تبعث في نفسي شعوراً خاصاً
بالسقم : "منذ عامين قمت بتقليص انشغالاتي الاجتماعية كلياً . من المسموح لي أن
أقول إنني لم أعِشْ أبداً حياةً استخفافيةً رغم أنني لا أخجل من انفتاحي و من
علاقاتي الاجتماعية المتنوعة" .
قمت باختتام رسالتي بلهجةٍ
شخصيةٍ لا تخلو من الأسف : "كرئيسٍ للشاباك أقوم بما يتوجّب عليّ و أتحمّل
المسؤولية الجسيمة التي ألقيت على كاهلي عن إيمانٍ و عقيدةٍ و نزاهةٍ من خلال
التجربة المخلصة - التي أعطت مع كلّ التواضع ثمارها التي لا يستهان بها - لإنجاح
القضايا الملقاة على كاهل الجهاز و العاملين فيه" .
"يؤسفني أن "الأوساط المقرّبة"
التي تخضع لأمرتي تحاول إلحاق ضررٍ شخصيٍّ فادحٍ بي دون أساسٍ أو مبررٍ من خلال
دوافعَ لا أفهمها ، و بهذه الصورة يُلحقون الضّرر "بالشاباك" و بالعاملين المخلصين
فيه" .
شامير أخّر جوابه فترةً من
الزمن للتشاور مع عددٍ من رجال القانون . ثم قام بدعوتي إليه أخيراً و قال لي إنه
يصدِّقني تماماً ، و لكن من الأفضل أن يتحدّث معي حول هذه القضية شخصٌ محايدٌ حتى
يظهر الحق . بكلماتٍ أخرى حتى لا يظهر شخصٌ ما و يدعي أننا "أنهينا المسألة فيما
بيننا نحن الإثنين".
شامير سألني عن رأيي في
الالتقاء باللواء (إحتياط) رفائيل فاردي قائد منطقة يهودا و السامرة سابقاً . أنا
أعرفه جيداً و أعرف أنه إنسانٌ نزيهٌ جدّاً و لذلك كان جوابي بالإيجاب . بعد عدة
أيام دعاني فاردي إليه في مكتبه في مقر وزارة الدفاع في تل أبيب .
فاردي كان جالساً قبالته كومة
ملفات ذات صلة بالادعاءات الموجّهة إليّ و بدأ يحقّق معي بشكلٍ منظّم حول تسلسل
الأمور في كلّ قضيةٍ يوماً بيومٍ و ساعةً بساعةٍ .
و أخذ يطرح عليّ أسئلةً كانت
مثابة إهانةٍ : مثلاً لماذا اشتريت لرئيس جهاز الأمن البلجيكي هدية بقيمة 320 شيكل
و لم أكتفِ بهديةٍ أرخص ثمناً ؟ ، و لماذا أرسلت زهوراً بمبلغ مائة شيكل لمراقبة
الدولة و زهوراً بـ 120 شيكل للقاضي لنداو عندما حاز على جائزة (إسرائيل) ؟ . و
لماذا توجّب إنفاق 1250 شيكل على الضّيافة في استقبال وفد السي.آي.إيه و ألف شيكل
في استقبال مديرة بارزة في جهاز أمن أوروبي كانت في زيارة للبلاد ؟ .
عندها قرّرت : كفى إلى هنا .
عدت إلى البيت غاضباً و أعلمت عيدنه أنني قرّرت الاستقالة ، فحاولت تهدئتي و دفعي
للتراجع عن قراري . صديقي المحامي أوري سالونيم سعى هو أيضاً لإقناعي بأن لا أتخذ
مثل هذه الخطوة الخطيرة و اقترح عليّ أن أتحدث مع رئيس الحكومة أولاً .
أنا بدوري التقيت مع شامير و
أنا حانقٌ و محبطٌ و قلت له إنه لا توجد هنا تسمية أخرى لما ارتكب بحقّي إلا
التنكيل الخالص و أنني لست على استعداد لتحمّل ذلك أكثر .
طريقة معالجة رئيس الحكومة
للقضية أهانتني و لديَّ شعورٌ واضحٌ بأن الأمر لا يقلقه كما كنت قد توقّعت . و لم
يثِر انطباعي إدراكه بالضرر الكبير الذي ستلحقه الشكاوى الواهية ضدّي "بالشاباك"
الذي عانى من صدمات صعبة . إلى جانب ذلك لم ألمس عند رئيس الحكومة اكتراثه لإمكانية
إلحاق الضرر بي أو بتشويه سمعتي و اسمي .
(في وقتٍ لاحق علمت بأمر ضلوع
وزير العدل دان مريدور العميق في هذه القضية . و كان قد بادر في سياق ذلك إلى دعوة
قاضي المحكمة العليا السابق موشيه لنداو للتداول بشأني مع رئيس الحكومة ، بل و نصح
شامير باستبدالي) .
أنا قمت بطرح جملة الشكاوى
الموجّهة ضدّي في جلسة قيادة "الشاباك" بشكلٍ واضحٍ جداً ذلك لأن الأمر يتعلّق
بأشخاصٍ و أنظمةٍ خاصةٍ بالجهاز . الأجواء كانت متعكّرة ، الأمر الذي زاد من مشاعري
بالسقم و القرف .
عندما قدّم فاردي في آخر
المطاف استنتاجاته لرئيس الحكومة أحجم هذا الأخير عن إطلاعي على الملف . و دعاني
إليه ليقول لي و هو مبتهج القسمات : "يسعدني أن أزفّ إليك البشرى بأن كلّ شيءٍ على
ما يرام" ، هذا كلّ شيء .
قضية التحقيق لم تختفِ عن
أنظار وسائل الإعلام طبعاً . صحيفة "دافار" كتبت : "بأمر من شامير تم التحقيق مع
رئيس "الشاباك" للاشتباه بارتكاب مخالفات سوء إدارة و نزاهة" . عدد "معاريف" الذي
صدر في نفس اليوم أبرز العنوان : "فاردي أعطى انطباعه الإيجابي لشامير" .
قمت بمهاتفة والدتي و بدت
غاضبةً و شاعرة بالمرارة . "أترك الشاباك" قالت لي ، "قم و انصرف من هناك في أقرب
وقتٍ ممكنٍ . خسارة على صحتك".
ابنتي طال أيضاً ، ابنة العشرة
أعوام ، استاءت بشكلٍ شخصيّ مما نشر . "لماذا يفعلون لك هذا ؟" سألتني بألم ..
"لماذا يسيئون إليك ؟" . ابني أمير هاتفني و قال : "أنا أحبك يا أبي و كلنا معك" .
الدعم الذي قدّمه لي أبناء عائلتي خفّف من وطأة الألم بعض الشيء .
في الغد جرت جلسة اعتيادية
لقيادة "الشاباك" للتداول في سلسلة من القضايا الجارية . أنا بدأت الاجتماع بشكلٍ
يتوافق مع جدول الأعمال و قلت : "أريد أن أوجّه عدة ملاحظات حول موجة النشر
الإعلامي . أولئك الذين يوجَدون في داخلنا و الذين لم يشعروا بالرضى من نتائج الفحص
الإيجابية – و أنا أقصد الأشخاص الموجودين في قيادة "الشاباك" - قرّروا الصعود
لمرحلة أخرى غير نهائية على ما يبدو في مسعاهم القبيح و الزائف ضد الجهاز و ضدّي
على وجه الخصوص . و قد قاموا أيضاً بتسريب قضية التحقيق للصحافة . حتى نشر هذا
الأمر في وسائل الإعلام صمتٌ ليس من منطلق الضعف و إنما بدافع الرّغبة الصّادقة و
الحقيقية للحفاظ على معنويات "الشاباك" و على قوته و إنجازاته المهنية بناءً على
ذلك . في نظري ليس "الشاباك" في نظر من بادروا إلى عمليّة الفحص و النشر قيمة
مقدّسة و هامة ، و رئيس "الشاباك" هو "الشاباك" نفسه يشكّل في نظرهم كيس ملاكمةٍ
للكولسات و المؤامرات التي لم تنجح و لن تنجح . أريد أن أشجب بشدةٍ و أن أعبّر عن
احتقاري الشديد لهذه الظاهرة الشائنة المخزية و أن أشجب المس "بالشاباك" عموماً و
بشخصي على وجه الخصوص و كذلك استمرار عملية التسريب المبرمج الذي قد يمسّ بالجهاز
في آخر المطاف و بالعاملين فيه و بأمن دولة (إسرائيل) . في الأيام القريبة القادمة
سأدعو إلى عقد اجتماعٍ لحلقة رؤساء الأقسام و رؤساء الفروع و أُملي عليهم صيغة
بياني الموجّه للجميع حتى آخر موظّف و موظفة . إنني أحظر على الأشخاص الجالسين هنا
توضيح و إعطاء إجابات على أسئلة العاملين في هذه القضية . لست أنوي التصريح أو
التطرّق لتفاصيل خطواتي هنا . ما أريد قوله فقط هو أنني سأواصل و بعزيمة أكبر قيادة
"الشاباك" بنزاهةٍ و استقامةٍ و إخلاصٍ و بيٍد قويةٍ و حازمةٍ" .
سألت الحضور إن كانوا يريدون
طرح الأسئلة فلم يجب أحد . و خيّمت على الغرفة سحابة من الصمت العميق . من الصعب
عليّ أن أتذكر جلسة طاقمٍ صعبةٍ و متوترةٍ مثلما حدث في هذه الجلسة . حينئذ قلت
بجفاف : "لننتقل إلى جدول الأعمال" .
في ختام الجلسة طلب رئيس الفرع
العربي نحمان قول عدة كلمات . نحمان هو ابن عائلة قديمة من بيتاح تكفا و يعتبر "شيخ
الطاقم" و هو شخصٌ ضميريٌّ جداً و جذريّ و كان قد شغل مناصب مختلفةٍ في المجال
العربي ، و كان مثابة حائط المبكى الثابت بالنسبة للكثيرين من زملائه . و كان من
سوء حظّه أنه حلّ محل قائد لواء الجنوب الذي خرج في إجازةٍ إبّان حدوث قضية الباص
رقم 300 ، و بذلك شمل اسمه بلا ذنبٍ اقترفه في قائمة طالبي العفو من رئيس الدولة .
نحمان قام بتسجيل كلّ ما مرّ
عليه و على الجهاز منذ تلك الليلة الليلاء في دير البلح بنفسه و قال لنا في أكثر من
مرة : "ذات يوم سأنشر هذه الأمور في كتابٍ و سأضمّنه كلّ ما أريد قوله حول الأشخاص
في "الشاباك" ، عن أبروم الذي خيّب ظنّي و عن المستوى السّياسي و عن الوعود التي لم
تتحقّق . و سيكون اسم هذا الكتاب "أسف الصمت" .
نحمان نهض في تلك الجلسة و قال
إنه لم يسمع أبداً مثل هذه الأقوال الصعبة من رئيس "الشاباك" عن أعضاء الهيئة
القياديّة ، و أن ما قيل يستوجب الاستيضاح و الردّ . فالمسّ برئيس "الشاباك" هو
مسٌّ بالجهاز نفسه حسب رأيه و اقترح بناءً على ذلك أن لا يردّ أعضاء القيادة على
أقوالي بالصمت .
بالفعل جرى على الفور نقاشٌ
قصير . كلّ المتحدثين طلبوا تقليص الأضرار التي لحقت بي و "بالشاباك" . رئيس قسم
التحقيقات حاييم بن عامي يقول إن ولاء قيادة "الشاباك" قد تضرّر جداً في هذه القضية
. و طالب بأن تقوم القيادة بنشر بيانٍ يعبّر عن الثقة بي . و بالفعل تم نشر هذا
البيان و توزيعه فوراً في أوساط العاملين في "الشاباك" .
لم أحصل على تقرير فاردي من
رئيس الحكومة ، و في وقتٍ لاحق و بعد أن تسلّم إسحاق رابين رئاسة الحكومة طلبت
تسليمي التقرير لدراسته ، و وجّه رابين تعليمات لسكرتير الحكومة للاهتمام بذلك ،
لكن بعد فترة ما ، قيل لي إنهم لم يعثروا على التقرير . كان عزريئيل نافو السكرتير
العسكري لشامير ، ملحقاً عسكرياً في حينه ببريطانيا ، و قال في حديثٍ هاتفي إن هناك
مجموعة من الأوراق محشوّة في زاويةِ الخزنة بغرفة السكرتير العسكري ، و عندما فتحت
الخزنة بناءً على طلبي عثِر فيها بين أوراقٍ قديمةٍ عديمة الجدوى على سبع صفحات
كتبت بخطّ يد رفائيل فاردي . لم أعثر في التقرير على تأكيدات جازمة ، بل ظهرت هنا و
هناك اتهامات مختلفة لم يكن فاردي قادراً على التأكيد بأن هناك أساساً من الصحة لها
. و كتب فاردي "لم يتبيّن من التحقيق أي نتائج جنائية" .
كان هذا بنظري نهاية المطاف ،
إذ طهّر التقرير اسمي من اتهامات الفساد و التجاوزات الإدارية الكبيرة . و بالطبع
بالإمكان خوض جدالٍ حول صيغ مختلفة لفاردي ، إذ لم تكن بنظري جازمة بما هو كافٍ و
بالإمكان الاختلاف معه حول تأكيداته المختلفة ، كما بالإمكان إيضاح أمورٍ متباينةٍ
، لكن الأهم بنظري كان و بالطبع عدم عثوره على أي ثغرة حقيقية بتصرفاتي ، و لعل
أفضل دليلٍ على ذلك حقيقة إصرار إسحاق شامير و من بعده إسحاق رابين على استمراري
بمهامي . لم يعقّب فاردي بصورةٍ علنيةٍ على تقريره . و فوجئت عندما توجّهت لرابين
في مرحلةٍ لاحقةٍ مطالباً بالاستقالة من منصبي و الانتقال للحياة المدنية ، بأن
فاردي هو نفسه الذي حضر إليّ و طالبني بالبقاء بمنصبي . لأنني و حسب أقواله أقوم
بعملٍ جيّد كرئيسٍ "للشاباك".
و مع ذلك آلمتني حقيقة عدم
إبداء الجميع استعداداً لتجاوز هذا الموضوع و استمر صحافيون معيّنون بالتمسك
بالشكاوى . و رغم نتائج تقرير فاردي استمروا بتوجيه الاتهامات لي دون توفّر أي
إمكانية لديّ للدفاع عن نفسي . ألّف الموظفون في "الشاباك" قصيدةٍ في حفل الوداع
الذي أقاموه على شرفي عشية استقالتي ما زلت أتذكّر الفقرة التالية منها :
"شاهدناك تتجوّل ليل نهار
بيننا في الميدان
تسير في المقدّمة و تقودنا
قدماً إلى الأمان
شاهدناك تتردّد بالحكم على
النفوس
في لحظات العاصفة و في الأوقات
العصيبة
شاهدناك تتخذ القرارات و تخاطر
بنفسك
لكن لن تكتب الصحف عن ذلك
البتة" .
|