الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

عودة

 

 

لجنة قبول غريبة

 

"أغلب الظن أن ابنك سيعزِف في جوقة موسيقية عندما يكبر" ، قالت المربيّة في روضة الأطفال في نتانيا لأمّي . "فهو في غاية الأهلية لذلك" .

سرّت عينا أمي من الثناء . لم يكن لأيّ من أفراد عائلتنا ميولاً موسيقية ، و تساءت أمي عمن أخذت هذا الحب للنقر على الدف الصغير و عزف النغمات على الثلاثي على مسمعٍ من أطفال الروضة . و في وقت لاحق ، عندما بدأت أعزف على الناي في المدرسة و أنفعل لذلك ، باتت تنظر إلى فكرة أن أتّخذ لنفسي مهنة موسيقيّة كأمر مسلّمٍ به .

كنا فقراء . فقد ولِدت في العشرين من شباط 1944 في نحلات يهودا ، في غرفة قديمة ذات مطبخٍ مشترك بيننا و بين الجيران . و عندما بلغت الثالثة من العمر انتقلنا إلى نتانيا . كنت ابنا وحيداً لأهلي . والدي ، أليعيزر بيرزونير ، كان يتسلّق السقالات ، و يحمل الحجارة و الطوب ليشيّد المباني . أما والدتي ، ملكا ، الأم الهشة و المريضة ، فكانت ربة بيت . كلاهما هاجرا إلى البلاد من بولندا . عم أمي ، ألتر درويانوف ، كان نشيطاً صهيونياً و كاتباً ، كتب أحد الكتب التي لاقت أعظم الرواج في حينه . "قصة النكتة و الشوكة" . و كانت عائلة درويانوف من العائلات الميسورة في تل أبيب ، و كان منزلها في شارع ملتشيت مقراً للكتّاب و الفنانين . و أذكر الأثاث العتيق و الثمين و الصور الرائعة على الجدران ، و اللباس الفاخر لأبناء العائلة . و كان الفنّانون المحليون يؤمّون منزل درويانوف ، و كنت أمتلىء فرحاً حين يلوح سبب ما لدى والدي للذهاب إليهم .

معلّم الموسيقى في المدرسة كان يونا إيلان . كان قبل قيام الدولة يعزِف في نوادي بيروت الليليّة . كان معلّماً رائعاً ، ربّى فيّ روح الحب للموسيقى . أخذت في البداية دروساً خصوصية في العزف على الناي ، و بعد زمنٍ غير بعيد انتقلت إلى آلة النفخ . و في مرحلة متقدّمة تعلّمت لدى عازفٍ يعزِف في فرقة موسيقية فلهارمونية . و لكني حافظت على علاقة وثيقة بمعلّمي الأول ، الذي أورثني بعد وفاته أعزّ ما كان يملك ، بوقه الخاص . و للحقيقة ، كان لديّ قبل ذلك بوق مفتخر . تهيلا ، شقيقة أمي ، التي كانت تسكن في الولايات المتحدة . كانت تبعث إلينا بطرود الغذاء مرة في الشهر ، و التي كانت تفيدنا جداً في الظروف الصعبة التي عشناها في عهد العيش على الكفاف . و عندما علمت أني أتوق للانتقال من العزف على الناي إلى البوق ، بعثت إليّ ببوقٍ من نوع "باخ - سترديفاريوس" ، و الذي كان يكلّف ثمناً باهظاً حتى في أمريكا .

كانت نتانيا في حينه جنة عدن للأطفال . الرمال الذهبية لشاطىء ساحر كانت تترامى على مساحات واسعة . و كان البحر نظيفاً و مغرياً . و كنا نجلس على الرمال لياليَ كثيرة ، عصبة كبيرة من الشباب و الصبايا ، حول بيني برمان ، الذي أصبح فيما بعد مغنّياً شعبياً ، و هو يعزِف على القيثار . و كنت أنضمّ إليه ببوقي .

و سرعان ما تتطوّرت مهنتي الموسيقية . فمع أنه لم يكن لدى أبويّ ما يكفي من المال لتمويل دراستي الموسيقية ، إلا أنني كنت على قدرٍ من الكفاءة أتاحت لي الحصول على منحةٍ دراسية من صندوق الثقافة الأمريكي – (الإسرائيلي) ، و هكذا حُلّت مشكلتي . و في سن الثالثة عشرة صرت عازف بوقٍ مطلوب في كل الحفلات الرسمية في نتانيا ، و قبِلت في فرقة "الجدناع" (كتيبة الشبيبة) و سافرت معها لتقديم عروض في هولندا . و لما كان بن غوريون قرر أن كلّ من يسافر في وفدٍ رسمي للدولة ملزم بعبرنة اسمه ، فقد تحوّلت من بريزونير إلى بيري . و كانت الرحلة إلى هولندا تجربة نفسية لا تنسى . فقد نلت الجائزة الأولى و قد سلّمتنا إياها الملكة الأم فلهلمينا باليد .

و في سن السادسة عشرة قبلت في الفرقة السمفونية في حيفا . و قد اشتريت لباساً موسيقياً مستعملاً من سوق الكرمل ، و كنت أسافر إلى حيفا للعزف كلّ يوم تقريباً . و كان الملحّن هو سرجيو كومسيونا و كان بين العازفين من اشتهروا جداً مع الزمن . و كان واضحاً لي في هذه المرحلة أني سأختار مهنة موسيقية كسبيلٍ للعيش . و قد وعدت العمة تهيلا بتمويل دراستي في مدرسة الموسيقى الشهيرة "جوليارد" ، في نيويورك ، و كنت أتطلّع إلى ذلك.

لم أكن أتصوّر بالطبع اأن يتغير سياق حياتي على نحوٍ مفاجىء ، في مسار غير متوقع بهذا القدر . و أذكر أنه عندما جلست بعد سنوات غير بعيدة في رواق طويل في الطابق العلوي في مبنى وزارة الدفاع في دار الحكومة (هكريا - الضاحية) و انتظرت بنفاد صبر لمقابلة لجنة القبول ، التي شقت لي الطريق إلى جهاز الأمن العام ، ضربت نفسي كي أتأكّد أنني موجود هناك بالفعل . فقد كان هذا آخر مكانٍ أفكر في أن أوجَد فيه .

لم أكن جندياً محوطاً بهالة . أردت أن أخدم في وحدة قتالية مختارة ، و لكن الطبيب الذي فحصني في مكتب التجنيد اكتشف خشخشة طفيفة في قلبي . فتلقّيت إعفاءً كاملاً من الخدمة العسكرية و غرقت في حالة من الاكتئاب . و كان كلّ أصدقائي قد خدموا في الجيش ، و الكثيرون منهم في وحدات قتالية ، أما أنا فصار يفترض بي أن ألزم البيت . و ما كان بوسعي أن أسلّم بذلك . جلست و كتبت رسالة لوزير الدفاع ، دافيد بن غوريون ، و طلبت تدخّله كي أتمكّن مع ذلك من الخدمة في وحدة مختارة . فتلقّيت رداً سريعاً من سكرتيره العسكري ، يفيد بأنه صدرت تعليمات بتجنيدي . و هذا ما حصل بالفعل . و قد قبلت في دورة الأنفار في سلاح المظليّين .

لم تكن هذه حياة عسكرية جديرة بالرواية بافتخار . فبعد وقت قصير من التجنيد كسرت ساقي أثناء التدريب . و أضيفَ الآن إلى ملفي العسكري ، إلى جانب التشخيص بشأن الـخشخشة ، ملاحظة حول كسرٍ في الساق . و أبلغني الأطباء أنه لن يسعني الخدمة في سلاح المظليّين بعد الآن ، حتى و لو عاد وزير الدفاع شخصياً ليتدخّل في صالحي . و قد أنهيت خدمتي العسكرية في الفرقة العسكرية .

و عندما خرجت إلى الحياة المدنية ، بدأت أتابع مهنتي الموسيقية بلا مماطلة . و قد وصلتني استمارة التسجيل في مدرسة "جوليارد" في نيويورك مرفقة ببلاغٍ يقول إن التصنيف لديهم شديد و طويل جداً . فعرفت أنه ستمرّ أشهر عديدة إلى أن أتمكّن من البدء إذا ما تسنّى لي الحصول على القبول . و في هذه الأثناء كنت بحاجة ماسة للعمل . أردت وظيفة مثيرة للاهتمام ذات راتب جيد ، و عرض عليّ عمل في صحيفة "معاريف" . اعتقدت أن لدي كفاءة للكتابة و بدا لي العمل الصحافي مشوّقاً . قلت لنفسي إن هذه قد تكون تجربة هامة ، من قبيل المهلة المشوقة إلى أن أتلقّى القبول لمواصلة تعليمي الموسيقي في نيويورك .

وصلت إلى مكاتب الصحيفة مزوّداً ببطاقة توصية لشخص لم أكن أعرفه . و سرعان ما تبيّن لي أنهم لم يبحثوا عن صحافيّ بل عن موظف صغير في قسم الدعايات . فلم أيأس إذ اعتقدت لسذاجتي أنني لو عملت هناك فترة قصيرة ، فسأجد السبيل إلى هيئة التحرير . و لكن مسؤولي في قسم الإعلانات حطّم لي كلّ الأوهام إذ قال لي : "إعمل عندي بضع سنين و بعد ذلك فقط قد يكون بمقدورك أن تصبِح صحافياً" . و لم يكن بوسعي أن أرى نفسي أعمل لزمنٍ طويل في الإعلانات عن بيع سيارة أو البحث عن زوج . فاستقلت بعد فترة قصيرة و سجّلت للدراسة في الجامعة العبرية في القدس . لم أتردّد كثيراً في مسألة ماذا أتعلّم . فمع الوقت طورت في نفسي ، إضافة إلى الموسيقى ، حباً آخر. في الصف الخامس الابتدائي بدأنا نتعلم العربية ، و هكذا اكتشفت عالماً جديداً سحرني : الكتابة ، السفر ، الأدب ، الأمثال . و قد درجت على المجيء إلى منزل معلم العربية كي أتلقّى دروساً إضافية . و عندما وصلت إلى الجامعة ، اخترت بشكلٍ شبه طبيعي دراسات الاستشراق و الأدب العربي .

كانت القدس في ذاك الزمن مدينة يسكنها مائة و خمسون ألف نسمة قريبو الجوار "و في وسطها سور" . فمن الأسطح العالية و نقاط المراقبة الأخرى ، كان يظهر سور البلدة القديمة ، التي كانت خلف الحدود ، في المملكة الأردنية . و هنا و هناك ، في شرقي المدينة (الإسرائيلية) ، كانت شوارع المدينة تقطع بجدار أو بسياج معقّد ، كإشارة إلى الحدود . و لم تكن أي طائرة تظهر في السماء . فقد كان محظور على سلاح الجو الطيران فوق المدينة بسبب حدود اتفاق الهدنة . و كان السفر إلى تل أبيب ، عبر باب الواد و مفترق شمشون طويلاً . و لم يكن الكثيرون يسافرون إلى تل أبيب ذهاباً و إياباً في نفس اليوم بشكلٍ اعتيادي . و كاد كلّ من يعمل أو يتعلّم في القدس يسكن فيها . و كانت الجامعة العبرية إحدى البؤر الفاعلة للحياة في المدينة ، و ذلك سواء لأنها الجامعة الأقدم في البلاد و التي جذبت إليها أفضل الشباب ، أم لأنها كانت موزّعة بين العديد من الأماكن في المدينة ، من جفعات رام عبر تيراسانتا و حتى المسكوبية . و قد ظهر الطلاب و برزوا في كل مكان فمنحوا المدينة طابعاً ملوناً و متقِداً . كنت أتقاسم شقة مأجورة مع طالب يدرس الكيمياء الحيوية ، و الذي أصبح مع الزمن البروفيسور آفي فايسمان . و كانت الشقة تقع في عمارة جميلة ، محوطة بالأشجار في كريات موشيه . و كان صاحب العمارة يعتني بحديقتها كبؤبؤ عينه ، و غير مرة حين كنا نحاول قطف الخوخ من إحدى الأشجار ، كان يطلِق النار فوق رؤوسنا ببندقيته فيخيفنا حتى الموت .

و خارج إطار التعليم عرضت علينا القدس ما لا يحصى من إمكانيات العمل و الترفيه . فقد قبِلت في فرقة صوت (إسرائيل) الموسيقية ، كما و عزفت في الأعراس و انضممت إلى فرقة الرقص في اتحاد الطلاب . و كانت هذه إحدى أجمل الفترات في حياتي . و كانت فرقة الطلاب التي كانت تضمّ رفكا ميخائيلي و إهود منور و دان بيرون ، كالأسرة المتراصة . كل أعضائها موسيقيون و راقصون مهرة . و قضينا لياليَ عديدة في نادي "بخحوس" المتقد الذي كان اسماً لامعاً في ذاك الوقت . و كان يملك "بخحوس" ثلاثة ، الأول لم يكن له يد و الثاني لم تكن له قدم أما الثالث فكان يدعى داني شليم (أي كامل - الترجمة) . و هناك أيضاً رافقت بالعزف رفكا ميخائيلي و جبري بناي . و استمديت متعة عظمى من ذلك ، و إن كان المردود المالي بعيد عن إثارة الحماسة .

سافرت مع فرقة الطلاب لتقديم العروض في أرجاء العالم . فما كاد ثمة احتفالٍ للرقص لم نشارك فيه . و تنقّلنا في كلّ أوروبا من عرضٍ إلى عرض بالقطار ، و في الغالب في ظروف الزهد و الكفاف . و لكني لم أندم على ذلك حتى و لو للحظة واحدة . و كانت إحدى التجارب العظمى التي مررت بها و حفرت في ذاكرتي هي الجولة في جامعات إيران . كان ذلك في إحدى الفصول المضطربة في عهد حكم الشاه . ففي بداية الستينيات شرع الشاه بإجراء إصلاحات شاملة على المجتمع و الاقتصاد . و في العام 1963 أقرّ بالاستفتاء الشعبي مشروعه "للثورة البيضاء" . و قد نفّذت في حينه ضمن أمورٍ أخرى تأميمات واسعة و أنشىء "سلاح التعليم" و منحت النساء حقّ الاقتراع . و قد نشبت على هذه الخلفية اضطرابات بادر إليها أصحاب المزارع الكبرى و زعماء الدين . و في ذات السنة ، في العام 1965 نشبت اضطرابات دموية ، وصلت لدرجة اغتيال رئيس الوزراء و محاولة اغتيال الشاه نفسه . كما دخلت الاضطرابات إلى دوائر الطلاب ، و حاول الشاه تهدئتهم ، و ذلك ضمن أمورٍ أخرى من خلال النشاط الثقافي المدعوم حكومياً في الحرم الجامعي . و قد هرعت وزارة الخارجية لنجدته - حيث أخذت العلاقات بين (إسرائيل) و إيران تتوثّق منذ العام 1960 - فبعث بنا إلى هناك . و أحرزت الجولة نجاحاً عظيماً ، كما أن الحظ ابتسم لنا . ففي أثناء الطيران من طهران إلى عبدان اضطرت طائرة "فيكاونت" التابعة لشركة الطيران الإيرانية إلى الهبوط في الصحراء بسبب خلل وقع فيها . و قد أصيب عدد من المسافرين ، أما نحن فنجونا .

و عندما عدت إلى القدس ، عرضت عليّ وظيفة مغرية : عازف في الفرقة التي شكّلها غيورا غوديك لعرض المسرحية الغنائية "سيدتي الجميلة" ، و بفخر عظيم في مسرح "هبيما" في تل أبيب . و كان أغلب أعضاء الفرقة عازفين أجانب نالوا خبرتهم في المسرحيات الغنائية . و من القدس الصغيرة ، و حياة الطالب الذي يعتاش من الأعمال البسيطة ، وصلت مباشرة إلى علية القوم في تل أبيب ، إلى أضواء مسرحية غنائية ناجحة ، إلى عملٍ في حضرة النجوم أمثال شايكه أوفير و بومبا تسور و رفكا راز . و فضلاً عن ذلك فقد منحت فرصة كسب مالٍ أكثر مما رأيت في أحلامي . و فجأة ، صار بوسعي أن أسمح لنفسي بكلّ ما تاقت إليه ، فسافرت في السيارات العمومية من القدس إلى تل أبيب و بالعكس ، و أكلت في المطاعم الفاخرة و بذّرت المال بلا حساب . و لكني بدأت أملّ الروتين . فقد شعرت بالفراغ في صحبة زملائي في الفرقة ، و الذين كان الكثيرون منهم مطلّقين و درجوا على الشرب حتى الثمالة . نفرت من حياتهم العابثة . كنت طالباً في الثانية و العشرين من عمري و كنت أبحث عن تحدّيات جديدة ، مثيرة و غير عادية .

كخطوة أولى قرّرت الانتقال إلى تل أبيب و سجّلت هناك لمواصلة تعليمي في الجامعة . و كان ينشر على لوحة الإعلانات في الحرم الجامعي عشرات عروض العمل للطلاب ، معظمها في وظائف مؤقتة . و اصطادت عيني إعلاناً قاتماً عادياً يحمل عنوان "عمل مع تحدّي" . و كان هذا عرض العمل في مجال الأمن للشباب الذين أنهوا خدمتهم العسكرية . و باستثناء العنوان و ساعات استقبال المراجعين لم يكن في الإعلان أي تفاصيل . لم تكن شؤون الأمن على رأس اهتماماتي - هذا في أدنى تعبير – و لكنني كنت في غاية الفضول . و لكن يبدو أن "غسيل الدماغ" الذي درج والدي على ترداده لي في أن أجد لنفسي عملاً يدرّ راتباً ثابتاً ، قد فعل فعله . سجلت التفاصيل : "قسم التسليح في وزارة الدفاع في دار الحكومة ، بين الثالثة و الرابعة بعد الظهر ، و الرجاء إحضار بطاقة الهوية" . ذهبت إلى هناك .

و في أحد الفصول الأولى لمذكراتي الشخصية كتبت :

"...لست واثقاً من أني أبدو كمرشّح مثاليّ لأي منصب في المؤسسة الحاكمة . فلي شعر طويل ، و ألبس بإهمال عابث ، أنتعل صندل أصبع و تتدلى من رقبتي سلسلة معدنية ملونة . دخلت وزارة الدفاع بينما على وجهي تنمو شعرات لم أحلقها منذ يومين . نظر الحراس إليّ باشتباه و تفحّصوا بطاقة هويتي بسبع عيون . و في النهاية سمحوا لي بالدخول . فخطوت في الأروقة الطويلة إلى أن وصلت إلى بابٍ مغلق . و إلى جانبه ، على مقعد خشبي كان يجلس بضعة شبان ينتظرون بصمت . مرّ وقت طويل من الانتظار المضنيّ . و فجأة مر بنا رجل في منتصف العمر يلبس بدلة رمادية . فأمسكت بطرف سترته قائلاً : "قل لي ، هلا اعتنيت لي بأمر الحصول على كوبٍ من الشاي ؟" فنظر إليّ بدهشة . كانت لديه عينان زائغتان و وجه شاحب ، كمن لم يتعرّض لنور الشمس مدة طويلة . فسحب طرف سترته من يدي بحركة سريعة ، و فتح الباب و دخل دون أن يعقّب . "أأنت مجنون؟" قال لي شخص ما إلى جانبي ، "هذا رئيس لجنة القبول" . فيما بعد تبيّن لي أن اسمه كلمن توكر ، و هو متزوّج من شقيقة من كان رئيس الأجهزة الأمنية ، إيسار هرئيل” .

جاء دوري للدخول . حول طاولة بسيطة ، في غرفة شبه عارية من الأثاث ، كان يجلس ثلاثة رجال يلبسون البدلات . و كان توكر أحدهم . فتفحّصوني من أخمص قدمي حتى رأسي ، و لكنهم لم يقولوا شيئاً عن مظهري الخارجيّ الشاذ . كما أنهم لم يكلّفوا أنفسهم عناء تقديم أنفسهم .

طولبت بالحديث عن حياتي ، عرضوا عليّ بضع أسئلة عن عائلتي و عن خدمتي في الجيش . ثم سئِلت إذا كنت مستعدّاً للانقطاع لوقتٍ طويل عن البيت و إذا كان لديّ أقارب في الاتحاد السوفييتي . بدا كلّ شيء غريباً ، غامضاً و غير مفهوم . طلبت أن يشرَحوا لي شيئاً ما عن الوظيفة المطروحة ، و لكنهم قالوا إنه من السابق لأوانه الحديث عن ذلك .

لم أخمّن ، بالطبع إن الحديث يدور حول جهاز الأمن العام ، فيكاد يكون كلّ ما أعرفه عن "الشباك" (المخابرات - جهاز الأمن العام) مستمد من مجلة "هعولام هزه" ، التي درجت على تسميته "بجهاز الظلام" . و أذكر أن بعض المقاطع الصحافية الغامضة كانت تفضي بي إلى الاستنتاج بأن هذا جهاز يتعامل أساساً مع الجواسيس السوفييت و المنظمات (المتطرّفة) في القرى العربية .

و في ساعة متأخّرة من عصر ذاك اليوم عدت إلى البيت و هاتفت عمي نفتالي ، الذي يعمل في وزارة الدفاع . و رويت له عن المقابلة الغريبة و سألته عمن تعاملت في واقع الحال . فقال لي إن هذا برأيه هو جهاز الأمن . فانفعلت ، و أيقظ التغيّر المقبل في حياتي خيالي . فكلّ اهتماماتي حتى الآن بدت لي على حين غرة أقلّ إثارة و أهمية مما أراه في خيالي إذ أفكّر بهذه الوظيفة .

قبل المقابلة التالية قمت بعمل شيء ليس من طبعي : قصصت شعري و لبست قميصاً بأزرار و نزعت العقد المعدني الملون و استبدلت صندلي بحذاء عادي . و باختصار ، بدوت لأول مرة في حياتي و منذ زمن طويل كإنسان عادي من الجماعة .

بعثوني لسلسلة طويلة من الفحوص الطبية و الاختبارات النفسية – العملية . سألوني فيما سألوني إذا كنت عضواً في أحد الأحزاب و ما هي آرائي في مواضيع راهنة مختلفة . و كانت لي أحاديث كثيرة مع لجانٍ غريبة . ولم يُعرّف أحد ممن تحدثت معهم بنفسه . أو يكشف عن وظيفته في جهاز الأمن .

في مرحلة معينة طلب إليّ أن أعبّىء استبياناً مفصلاً ، يكاد يكون في سمك كتاب ، عن حياتي ، لغرض البحث الأمني . و كلّفت بالحديث مفصلاً عن كلّ ما حصل لي منذ مولدي ، و كان يتعيّن عليّ أن أوفّر قائمة معرفين ، و أن أتذكّر من كانت معلّمتي في الصف الأول و معلّمتي في الصف الثاني ، و تسجيل أسماء كل الأشخاص الذين التقيتهم في المفترقات الهامة في حياتي ، و إعادة رسم مسار كلّ رحلة قمت بها في خارج البلاد ، و ذكر أسماء كلّ أصدقائي و معارفي ، و رسم كلّ تشعب شجرة الروابط العائلية ، و الإشارة إلى أحداث خاصة في حياتي ، و العضوية في حركات الشبيبة ، و الأمراض التي ألمّت بي في الماضي و الحاضر و العلل الجسدية . و كان البحث الأمني الذي أجريَ في أعقاب هذا "الكتاب" في غاية الشمول و النجاعة . فرجال "الشباك" (جهاز المخابرات) توجّهوا إلى المعارف و الأصدقاء و أبناء العائلة و طرحوا بحراً من الأسئلة . فحصوا بسبع عيون وضعي النفسي و استوضحوا إذا كنت قد اجتزت في أي يوم من الأيام علاجاً نفسياً أو عقلياً ، و إذا كانت لي ميول لوطيّة أو سادية – ماسوشية . و في هذا المقطع من الفحوص ، كما أفهموني ، فإن من المفروض بي ، بطبيعة الحال ، ان تكون النتيجة سلبية بالقطع . فحصوا إذا كان لديّ سجل جنائيّ ، فحصوا وضعي الصحي بعد أن تنازلت بتوقيعي عن السرية الطبية . ثم أجملوا كلّ النتائج و بات من صلاحية لجنة خاصة النظر إذا كنت أستجيب للمطالب و جديراً بالقبول في جهاز الأمن .