|
ثقافة و تفكير إبداعي
رغم تردّي صورة "الشاباك" في
أعقاب قضية الباص 300 اكتشفت لدى تسلّمي رئاسة الجهاز بأن عدد الذين يطالبون
بالانضمام إلينا لم يتضاءل بل ظلّ كما كان . كان الطلب على الالتحاق "بالشاباك"
كبيراً طوال السنين . ينجذب شبان كثيرون جداً للالتحاق بأحد أذرع المخابرات ، و
توجّه عددٌ كبير منهم لي . لم تكن الظروف المادية هي التي تخفزهم على ذلك رغم أن
الأجور في "الشاباك" أعلى منها في سلّم الوظائف الحكومية الموازي ، و رغم وجود
امتيازات كثيرة ، منها السيارة و الإجازات الكثيرة جداً ، كما كان بإمكان العاملين
في "الشاباك" الحصول على منحٍ دراسية أكثر من تلك التي بالإمكان الحصول عليها في
القطاع المدني . إذاً ما الذي كان يجتذبهم للخدمة ؟ أولاً و قبل كلّ شيء الهالة
الكبيرة للعمل في "الشاباك" و الغموض الذي يكتنف العمل السري و الوصول إلى مجالات
حساسة جداً . و كان هناك و بصورة دائمة من يتوجّهون للخدمة مثل هؤلاء الذين نصِفهم
بـ "مرضى المخابرات" و أقصد بذلك الأشخاص الذين يحلمون منذ ولادتهم بالعمل
الاستخباري ، و خيالهم يتجاوز حدود الواقع و هم قادرون على رواية قصص ملفقة و كأنها
ذروة الحقيقة . و كنا في كلّ مرة نعثر فيها على شخصٍ كهذا أثناء عمليات التصنيف ،
نرفضه على الفور .
يتوجّه شبان كثيرون إلى
"الشاباك" من أجل عالم مغامراتهم ، و كان بعضهم قريبون من عمل "الشاباك" خلال
خدمتهم العسكرية في المناطق ، و أعجبهم مثل هذا العمل ، كما كان هناك من يرون
بالالتحاق "بالشاباك" مهمة وطنية ، باعتبارها المكان الصحيح للمساهمة بقدراتهم و
بإمكانياتهم . ازداد عدد الذين يضعون القبعات الدينية المنسوجة الذين طالبوا
الالتحاق بالخدمة مع اقتراب إنهائي لخدمتي . و بنظر "الشاباك" لا فرق بين موظّف يضع
قبعة دينية و بين آخر لا يضع قبعة ، إذ إن الكفاءات هي التي تحسم ، و مع ذلك يوجّه
سؤال للمرشّح الذي يضع قبعة دينية حول كيفية تصرّفه إذا أجبر على العمل أيام السبت
، لأن الجهاز يعمل دون توقّف ، طوال أيام الأسبوع و أربعة و عشرين ساعة يومياً .
كما يوجّه إليه سؤال حول آرائه الشخصية - مثل أيّ مرشح آخر – و ذلك فقط لهدف واحد :
منع قبول متطرّفين مهما كان طابع تطرّفهم .
تستمر إجراءات التصنيف مدة
طويلة ، تصل أحياناً لستة أشهر ، و في نهاية المطاف يتم استيعاب قلائل فقط . يقبل
من حوالي مائة مرشح ثلاثة أو أربعة فقط . الطلب الأول من المرشّح هو المستوى
الثقافي العالي ، و مرّت فترات كنا نحدّد فيها مستوى أكاديمياً لتجنيد مرشّحين
لمهام محقّقين و جامعي معلومات ميدانيين ، لكن مع مرور الزمن توصّلنا إلى نتيجة
مفادها أن الشهادة الأكاديمية لا تشكّل بالضرورة ضمانة للثقافة العالية و لهذا
ألغينا هذا الشرط .
تجد الثقافة العالية تعبيرها
بطابع عمل رجل المخابرات بظروف مختلفة - منها قدرته على القراءة بين السطور وعرض
الأسئلة الصحيحة و تمييز الغثّ عن السمين و إيجاد حلولٍ لأوضاع غير متوقعة و عدم
التعامل مع الأمور بسطحية . كما أن الذاكرة الجيدة تشكّل أحد المضامين الضرورية
لموظّف الجهاز ، إذ لدى تلقّيه تقريراً من عميلٍ في الميدان يجب أن تتوفّر لديه
القدرة على تذكّر التفاصيل الدقيقة للتقارير السابقة ، بهدف إجراء مقارنة و تحديد
التناقضات أو عدم الدقة على الفور و مواجهة العميل بها . و يطلب منه نضجٌ نفسي و
شخصية قوية ، متّزنة ، لاعفوية أكثر من اللازم . عرضت أكثر من مرة للمداولات مسألة
إذا كنا نستوعب مرشّحين صغاراً بدرجة كافية . حاولنا تحديد سنّ الحد الأدنى الملائم
، لكننا لم نتمكّن من اتخاذ قرار ، و أكّدت تجاربنا بأن السن وحده غير كافٍ لتحديد
مدى نضج المرشّح . التقيت خلال خدمتي في "الشاباك" شباناً في سنوات العشرين من
أعمارهم ، لم تكن ملاءمتهم لمهامهم تقلّ عن زملائهم الأكبر سناً ، و لهذا فإن
الطاقة الكامنة بالمرشّح هي و في نهاية المطاف العنصر الحاسم . جنّدنا في حالات
كثيرة شباناً صغاراً ، و كان من الواضح لدينا مسبَقاً أنهم بحاجة إلى "فترة تسخين"
تدوم عامين أو ثلاثة أعوام في مناصب بسيطة قبل أن يتمكّنوا من القيام بمهام أكثر
حيوية .
تعتبر الاستقامة الشخصية و
الأمانة العالية مضامين ذات أهميّة قصوى ، إذ تقلّص التخوّف من "تعديل" الموظّف
لتقارير ناقصة تصل إليه أو تقاريره هو نفسه . و من الجدير بالذكر أنني واجهت حالات
قليلة من هذا النوع طوال سنوات خدمتي . موظّف "الشاباك" الجيّد يختبَر بقدرته على
الصمود في ظروف الضغط ، و على سبيل المثال بعد عملية و في ظلّ أجواءٍ عامة هستيرية
و فقدان البصيرة . يجب على محقّق "الشاباك" الحفاظ على برودة أعصابه و توجّهه لما
هو جوهري و نبذه جميع ردود الفعل الانفعالية .
التفكير الإبداعي ثروة ثمينة
جداً . عندما يقول عميلٌ إنه لا توجد في جعبته معلومات جديدة ، يجد جامع المعلومات
الذي يتمتّع بهذه المضامين سبلاً لتشغيله بنجاعة أكبر بكثير ، و على سبيل المثال :
يسألُه كيف يتوجّه إلى عمله و كيف يعود إلى منزله ، و لنفترض بأن العميل قال إنه
يسافر إلى عمله و يعود منه إلى منزله بسيارة جاره ، جامع المعلومات المبدِع يطلب
منه السفر في المستقبل بحافلات و التوجّه و هو عائد إلى منزله إلى المقهى الذي يغصّ
بالناس و الاستماع للمعلومات التي يتمّ تبادلها في هذه الأماكن . مثال آخر : عميلٌ
يرسَل لإجراء حديثٍ مع شخصٍ ما ، توجد لدى "الشاباك" قناعة بأن لديه معلومات هامة ،
و إذا عاد العميل إلى مستخدمه و قال له إنه لم ينجح بإيجاد اتصال معه ، فإن
المستخدم المبدِع لا يكتفي بهذا الرد ، و يسأل إذا كان للعميل و للذي لديه
المعلومات أي اتصالٍ في هذا المجال أو ذاك - ربما تكون أراضيهم متجاورة و ربما
يتوجّهان إلى عصر الزيتون في نفس المعصرة ، و قد تؤدّي ردود العميل إلى العثور على
طرف خيطٍ جيّد ..
إحدى الأخطار التي تتربّص
بجامع المعلومات الميداني تطلّعه الطبيعي للدفاع عن عملائه ، إذا اتضح بأن أجزاءً
من تقاريرهم غير صحيحة أو كانت جميعها غير صحيحة . يجب الإدراك بأن كثرة اللقاءات
تؤدّي أحياناً إلى وجود صداقة بينهما . تبدأ اللقاءات و في معظم الأحوال بنمطٍ شرقي
بحديث ذو طابع شخصيّ - عن العائلة و عن الصحة و عن المعيشة – و هكذا يتعلّم الطرفان
مع مرور الزمن معرفة كلّ منهما للآخر . و إذا وجّهت لجامع المعلومات بشائر غير سارة
تؤكّد خداع العميل "للشاباك" ، قد يشعر بأن من الطبيعي تستّره عليه ، لأن التسليم
بالحقيقة العارية يعني الاعتراف بالفشل و الاعتراف أيضاً بأن جميع مظاهر الصداقة
التي أبداها العميل لم تكن إلا خداعاً .
الأعضاء الميدانيون و كما
أكّدت في فصولٍ سابقة هم مثابة "ذئاب وحيدون" و مع ذلك عليهم تطوير قدراتٍ على
الاتصالات البشرية الجيّدة ، و العمل في إطار طواقم ، لأنهم يساعدون في حالات كثيرة
بعضهم البعض كما يقيمون علاقات دائمة مع المستويات المشرِفة على تقاريرهم . و إضافة
إلى ذلك و بسبب البنية الداخلية المنغلقة "للشاباك" ، أدركت الأهمية القصوى لتنمية
العلاقات الشخصية بين الموظّفين . تعتبر روحية العمل الجماعي و الإخلاص و المساعدة
المتبادلة عناصر على درجة كبيرة من الأهمية ، في ظروف العمل الخاصة بالجهاز .
اعتادوا في "الشاباك" و بهدف بلورة هذه القدرات و قدرات أخرى على عقد ورشات تقييم ،
و يعمل طاقم خبراء في هذا الإطار من أجل تطوير العلاقات البشرية بين جامعي
المعلومات الميدانيين و المحقّقين و تخفيض مستوى الاندفاع الطائش و رفع مستوى
التسامح و تطوير قدرات الإقناع وإبراز القدرات الخاصة بالثقة بالنفس . رجل
المخابرات الميداني الذي يطرأ تدنّي على ثقته بنفسه يفقد و لدرجة كبيرة قدراته
القيادية ، و يتدنّى تقدير العميل له و سيجبر على بذل مجهودات كبيرة من أجل ارضائه
، بكل ما يحمله ذلك من معنى و ربما يمارس عليه العميل ضغوطاً من أجل تقديم امتيازات
غير عادية له .
توجد مطالب أخرى من رجال
العمليات ، ناجمة و بصورة طبيعية عن الطابع الخاص لعملهم ، منها القدرة على التأقلم
أيضاً في محيطٍ غريب و القدرة الفنية المتطوّرة بهدف استخدام معدات متطوّرة و
القدرة على تشخيصٍ سهل لأهداف في الميدان ، و بعد نظر في إطار المخطّطات التنفيذية
– و كل هذا مجرد قائمة جزئية فقط . تستوجب أعمالهم الاندماج في أحيانٍ متقاربة
بالجمهور ، دون إثارة أي انتباه ، و بناء على ذلك فإن المظهر الخارجي غير المألوف
يعتبر مرفوضاً ، و أقصد الأشخاص الطوال أو القصار جداً أو ذوو اللحى أو ذوو الشعر
الطويل أو البيض أو السود جداً .
ازداد عدد النساء بصورة ملحوظة
في الجهاز خلال العقدين الأخيرين ، و بالإمكان العثور اليوم على نساء و إن لم يكن
كثيرات في قسم العمليات ، و يوجد لهن هناك دور فعال مثل زملائهن الرجال ، إذ
يشاركهن بمهام مختلفة تلقى على كاهل "الشاباك" ، لكن مثلما هو متبع في الجيش و في
الأذرع الأمنية الأخرى تقوم النساء بدورٍ ناجح جداً بالمهام الإدارية و المهنية ،
التي لا تتطلب الخروج للميدان ، بعضهن مجنّدات في القوات الإلزامية يخدمن في ألوية
الجهاز بالمناطق و يساهمن بالقيام بأعمالٍ هامة جداً في مواقع عملهن . و يطلب غير
قليلٍ منهن الالتحاق "بالشاباك" كموظّفات رسميات بعد إنهائهن الخدمة الإلزامية .
كانت هناك أربع نساء يتسلّمن
رئاسة وحدات في الجهاز لدى استقالتي ، و رفعت رتبة موظّفة قديمة قبيل إنهائي خدمتي
لمنصب رئيس قسم ، و عضو في مجلس الجهاز و هي أعلى رتبة تصلها امرأة في "الشاباك" .
و للأسف تسلّمت هذا المنصب فترة قصيرة فقط و استقالت لأسباب مهنيّة .
تشكّل التطلعات معياراً
مرغوباً به لدى كلّ موظفٍ في "الشاباك" و خلال فترة خدمتي في مهام و مناصب مختلفة
قابلت آلاف الموظفين و لمست لديهم بدون صعوبة تطلّعهم للتقدّم و لمواجهة المعضلات و
الوصول إلى مناصب عالية ، و حقّق معظم هؤلاء أهدافهم ، أما الآخرون الذين لم تتوافق
كفاءاتهم مع المناصب القيادية ، أو الإدارية ، لكنهم كشَفوا عن تصميم و إخلاص فقد
انتقلوا إلى مساراتٍ أخرى . كان منهم من أحرز تقدّماً في مجالات عملهم ، و منهم من
توجّهوا للقيام بمهام حراسة خارج البلاد ، و منهم من نقِلوا لاستكمال دراساتهم
الأكاديمية بهدف تأهيلهم لعملٍ قيادي كفؤ .
يجب على كلّ موظّف في
"الشاباك" ، و قبل كلّ شيء ، التميّز بطابع واحد : أن يكون صهيونياً . و بالتأكيد
سيستغرب كثيرون و سيقولون ضيّقوا الأفق بأن الصهيونية مجرّد مفهوم عام ، "كلاشيه"
عفا عليه الزمن . لم توضع الصهيونية في أيّ مرحلة من المراحل بين أقواس داخل الجهاز
، و ليس بالإمكان أن تكون صهيونياً إذا لم تتعامل مع الدولة كثروة شبه شخصية ، كنز
حساس يجب الحفاظ عليه ، و منع أي ضررٍ قد يلحق به ، و بالفعل هذه هي مشاعر كلّ
عاملٍ في "الشاباك" ، و ليس بالإمكان القيام بالمهام الملقاة على عاتق الجهاز إذا
لم تتوفّر هذه المشاعر لدى الموظف .
كان "الشاباك" و لدى تسلّمي
رئاسته ما زال يعاني حتى أعماقه من قضية الباص رقم 300 ، و وعدت نفسي ببذل قصارى
جهدي من أجل إخراجه من هذه الأزمة القاسية ، و أيقنت بأن أول ما يجب عليّ عمله هو
القيام بخطوات ترفع من المعنويات المترديّة ، و تحسين الثقة القائمة بين الموظّفين
و قادتهم و تحسين العلاقات مع الهيئة القضائية .
اتبعت و منذ اليوم الأول
لتسلمي رئاسة الجهاز سياسة الباب المفتوح التي رافقتني طوال مهامي السابقة ، إذ كان
يحق لكلّ موظّف التوجّه إليّ و بعلم المسؤول عنه لبحث قضية عاجلة . استأجرنا ملعباً
في قيساريا و عقدنا فيه و بعد توقّفٍ دام سنين طويلة مؤتمراً قطرياً للجهاز حضره
رؤساء الدولة ، و ساهم هذا الاحتفال الذي تكلّل بنجاحٍ كبير بإعادة إحساس العاملين
بالفخار ، و إلقاء النور على الإنجازات الكثيرة التي حقّقها طوال السنين الماضية ،
مع التأكيد على العنصر البشري ، و وصلت الأمسية الحافلة لذروة الانفعال عندما صعد
جميع أعضاء القيادة إلى المنصة و أنشدوا برفقة يهورام غادن على أنغام الفرقة
الموسيقية العسكرية .
وضعت التطوّرات الخارجية عقبات
غير قليلة أمام مهمة إصلاح الأوضاع الداخلية "للشاباك" ، إذ تصاعدت قوة حماس و
الجهاد الإسلامي بسرعة كبيرة ، و طرأ تصعيد على العمليات و بدأ جواسيس بالوصول مع
موجات الهجرة من الاتحاد السوفييتي ، و تطلّبت معالجة كلّ هذه القضايا تخصيص مصادر
هائلة و استوجبت مشاركتي فيها دون توقّفٍ معظم ساعات اليوم .
واجهت معضلةً فورَ تسلّمي لهذا
المنصب : هل يجب تعيين نائبٍ لرئيس الجهاز أم من الأفضل الانتظار لموعدٍ لاحق ؟ .
لم يكن لديّ أدنى شكٍ بأن الشخص الصحيح في هذا المنصب يمكن أن يأخذ عني جزءاً
كبيراً من الأعباء الثقيلة الملقاة على كاهلي ، لكنني تخوّفت من أن يؤدّي تعيينٌ
كهذا في ظلّ الأوضاع الشائكة الحالية إلى إثارة عدم هدوء في الجهاز و إلى إفشال
محاولات الإصلاح الداخلية الضرورية جداً ، و بعد تردّد غير بسيط أخذت بالخيار
الثاني ، لكنني تأسّفت على ذلك فيما بعد ، إذ لم تساهم بتحسين الأجواء في الجهاز
الضغوط التي مارسها كبار المسؤولين و الذين رأوا بأنفسهم مرشّحين طبيعيين لهذا
المنصب و ما رافق ذلك من دسائس و مكائد وضعت عقبات أمام قيامي بمهامي بصورة صحيحة
.
استوجب الحلّ أيضاً مشكلة
الأشخاص الذي صدر عنهم عفو في قضية الباص رقم 300 و ظلّوا في الخدمة ، يشعرون
بالاستياء و المرارة ، و أدركت بأنه سيكون من الصعب عليهم الانخراط بالحياة المدنية
إذا أجبروا على الاستقالة من "الشاباك" قبل زوال أصداء هذه القضية ، و كشخصٍ ترعرع
على قيم الصداقة و الوفاء ، اعتقدت بأن واجب "الشاباك" هو حماية العاملين
المتضرّرين خلال عملهم في الجهاز سواء كانوا على حقّ أم لا ، طالما استمروا بالعمل
في الجهاز . و قرّرت استمرارهم بالعمل في "الشاباك" و السماح لهم بالتقدّم في
الخدمة . و هكذا تعاملت أيضاً مع عددٍ من العاملين القدماء الذين لم ينظروا بعين
الرضا لتعييني رئيساً للجهاز و لم يتوانوا عن القيام بدسائس ضدي ، و ندمت أيضاً على
هذا القرار في المستقبل ، إذ أذاقني هؤلاء و هؤلاء المرّ لفترة طويلة . كان أحدهم ،
إيهود ياتوم ، رئيس قسم العمليات إبان أحداث قضية الباص رقم 300 ، و أصدِر عفوٌ عنه
بعد ذلك . كانت جرأته الكبيرة ميزته الكبرى ، و عندما تسلّمت رئاسة الجهاز كان يرأس
قسم الإدارة ، و ازدادت حدّة العلاقة بيننا مع مرور السنين ، خصوصاً بعد رفضي طلبه
تعيينه نائباً لرئيس الجهاز ، لأنني لم أجده مناسباً لهذا المنصب . اقترحت عليه
الخروج للدراسة و الاستقالة بعد ذلك ، لكنه رفض بشدة ، أبقيته في الجهاز لكنّه ظلّ
يكِنّ حقداً لي و ما زلت على قناعة حتى يومنا هذا بأنه لو وافق على اقتراحي لاندرج
و بنجاح في شبكة التعليم المدنية مثلاً ، دون وقوعه بإحباطٍ و يأس و استياء ما زال
يعاني منها حتى يومنا هذا .
ساعدني جداً بعرض اقتراحات
جيّدة و بتفكيرٍ منطقي ، نحمان رئيس القسم العربي الذي تسلّم مع مرور السنين قيادة
منطقة الجنوب و منصب ممثّل "الشاباك" في مباحثات واشنطن مع وفود الدول العربية و مع
ممثلي الفلسطينيين ، إنه شخص طيب القلب و لطيف و معتدل و ذو تجربة غنية بالقطاع
العربي و بالعمل الاستخباري ، و كان من بين الذين أصدر عنهم عفو في قضية الباص رقم
300 ، التي تسبّبت بمعانيات كثيرة له ، لكنه عرف كيف يتغلّب على كلّ ذلك و قبل في
نهاية المطاف بالحكم الصادر ضده ، و شعرت بالأسف الشديد لعدم تمكّني و لأسباب
مختلفة من تعيينه نائباً لرئيس "الشاباك" لفترة محدّدة و تعيينه بعد ذلك مراقباً
داخلياً للجهاز .
أبديت اهتماماً كبيراً بتطوير
شبكة التوجيه في الجهاز و بادرت بإقامة إطارٍ دراسيّ موازي كدورة قيادة أركان في
الجيش (الإسرائيلي) . و ذلك بهدف تهيئة مرشّحين لمستويات قيادية رفيعة . سعينا بعد
فترة غير طويلة من تسلّمي رئاسة الجهاز لإعداد الأسس لمشروع قانون "الشاباك" ، الذي
كنت أشعر بحاجتنا له منذ فترة طويلة ، و استأجرنا خدمات القاضي السابق في المحكمة
المركزية موشيه شلجي الذي عمل عدة سنوات من أجل إعداد المسوّدة . كنت أقصد تحديد
إطار قانوني لعمل "الشاباك" ، كما هو موجود في جميع الدول الغربية و أيضاً شؤون
وإجراءات الرقابة الحكومية و البرلمانية للجهاز ، و شاركت بحيوية في مداولات كثيرة
سريعة لإعداد مشروع القانون ، و عندما وصل مرحلة صياغته النهائية ، بالتعاون مع
وزارة العدل ، كنت تركت الخدمة ، لكنني تابعت عن كثب مسار الأمور و شعرت بالرضا
التام عندما قدّم مشروع القانون النهائي للكنيست للمصادقة عليه .
هيئتان يجب أن تشرفا على تطبيق
المراقبة هذه ، الأولى - اللجنة الوزارية المقلّصة لشؤون "الشاباك" التي تتركّز
مهامها بمعالجة قضية التحقيقات ، أما الثانية فهي اللجنة البرلمانية الفرعية لشؤون
الأجهزة السرية ، التي تراقب جميع عمل الجهاز . كان هدفنا إعداد إطارٍ قانوني و
تنظيمي و أيضاً أعراف توفّر للجهاز المرونة المطلوبة له في عمله العام ، و توفّر له
بالتدريج ضمانات للحفاظ على سلطة القانون و إيجاد كوابح ملائمة لكلّ ما له علاقة
بحقوق الفرد . لا يعدّ القانون و كما نعتقد للمس بصلاحيات "الشاباك" الواردة في
قوانين أخرى مثل قانون التنصّت السرّي و قانون الدفاع عن الخصوصيات و قانون ترتيبات
الحكم الجنائي و ما شابه ، استهدف القانون إعداد إطارٍ تشريعي لسلسلة قضايا هامة
جوهرها ارتباط الجهاز بالحكومة و بالوزير المسؤول عنه (أي رئيس الحكومة) و بأهداف
الجهاز و صلاحياته . حدّدت و للمرة الأولى في مشروع القانون مجالات صلاحيات
"الشاباك" و مهامه و مهام رئيس الجهاز بما في ذلك سبل تعيينه و واجب تقديمه تقارير
و فترة خدمته و ارتباطه بالأوساط الحكومية و البرلمانية ، و طالب الجهاز تضمين
القانون الأسس القضائية للتحقيقات في نشاطات (إرهابية) معادية . عارضت وزارة العدل
ذلك و حدّدت فقط إطاراً عاماً - لجنة وزارية - لشؤون التحقيقات تبلور أعرافاً و
تراقبها .
وجدت في إسحاق شامير رئيس
الحكومة شريكاً متفهّماً لعملنا ، لا سيما و أن ماضيه في الموساد وفّر له خلفية
استخبارية غير قليلة . كان يكِنّ احتراماً كبيراً لعملنا و أبدى حيالنا إحساساً
بالحبّ و الواجب ، لم تكن تتوافق و شخصيته الصلبة و السرية ، و لهذا السبب بالذات
شعرت بإساءة كبيرة جراء طابع معالجته لتقرير فاردي ، و أستطيع القول من خلال نظرة
للوراء إن تصرّفاته في هذه القضية كانت و بالتأكيد شاذة .
لم يتنازل شامير عن لقاءاتنا
الأسبوعية و لا حتى في ذروة الأزمات الحكومية و الحزبية ، و كنت أقدّم له في هذه
اللقاءات التي كنا نعقدها في مكتبه تقارير عن نشاطاتنا و أطلب موافقته على عمليات
مختلفة . اعتاد على الارتكاز للخلف و إغلاق عيونه و كأنه يغطّ في نومٍ عميق و ذلك
في الوقت الذي كنت أتحدّث فيه ، كنت أتجاهل ذلك و أستمر في عرض أقوالي حتى اللحظة
التي أشعر فيها بأنه لم يعد يستمع لي ، لكن كان يتضح لي دائماً خطأ تقديراتي ، و
عندما كنت أصمت كان يردّ بتحريك يده ، دون أن يفتح عيونه ، مشيراً إليّ باستمرار
الحديث ، و كان يبدي دراية بالمواضيع التي تناولناها و يعرض أسئلة كثيرة و يعلّق
على كلّ طلبٍ أعرضه ، و كان يتوقّع مني فهم ما يقصده بالضبط من حركة رأسه أو من نصف
عبارة يقولها . و كنت أفكّر مطوّلاً خلال عودتي إلى تل أبيب بعد عقدي لقاءاً معه
محاولاً تفسير حركات يديه و أنصاف الجمل التي استهدفت التعبير عما يقصده .
كان مكتبه خالياً دائماً من
الوثائق ، إذ اعتاد قراءتها في البيت ، و الغرق في كومة من التقارير و المذكرات ، و
لم أشاهده بتاتاً يسجّل لقاءاته و ملاحظاته في دفتر يوميّات أو في دفتر صغير ، و
كان لديه أسلوب آخر ، ربما اكتسبه من خلال فترات عمله السري . كانت في جيبه دائماً
ورقة صغيرة ، يخرِجها من حين لآخر بهدف تسجيل شيء ما أو لتذكيره بقضية ما . كان
يسحب الورقة المطلوبة لدى لقائي الأسبوعي معه و بعد أن يفتحها كان يمرّ بأصبعه على
الأسماء المسجّلة حتى يصل اسمي و يقرأ منها السؤال الذي يريد عرضه عليّ و يشطب
المكتوب و يعيد الورقة إلى جيبه .
لم يبدِ شامير مثل بيرس
اهتماماً بالحياة الشخصية لمحدّثه ، و عندما حدّثته عن الأزمة في حياتي الزوجية هزّ
كتفيه دون أن ينبس ببنت شفة ، أيقنت بأن القصة لا تثير أي اهتمامٍ لديه ، لكن عندما
كان يريد كان يترك انطباعاً بأنه إنسان حسّاس جداً ، و عندما قتِلَ اثنان من جامعي
المعلومات في لواء القدس على أيدي عملاء استخدموهم ، دعوته للحديث مع رجال
"الشاباك" بالقدس ، و أبدى في ذاك اللقاء مشاعر ودودة و شدّ من عضدهم . أحببته
كثيراً و أعتقد بأنه يحتفظ لي بزاوية وديّة في نفسه .
|