الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

عودة

 

 

استبدال العميل الروسي في برلين

         

رأت مخابرات الاتحاد السوفييتي و دول الظّل التابعة لها بـ (إسرائيل) هدفاً استخبارياً هاماً ، و لم يكن السبب الجغرافي - السياسي الحافز الوحيد ، إذ يضاف إلى ذلك تطلّع الاتحاد السوفييتي إلى لعب دورٍ هامٍ في الشرق الأوسط ، و إبدائه اهتماماً كبيراً بالإنجازات التكنولوجية للدولة و يقينه بالتأثير الكبير لليهود على جميع التطوّرات السياسية الدولية . كما استخدمت (إسرائيل) محطة مرور ناجعة للعملاء الذين يسعون للعمل في دول غربية أخرى ، إذ وضعوا نصب أعينهم السّماح لهم بالتأقلم في البلاد و الحصول على الجنسية (الإسرائيلية) و ذلك قبل انتقالهم لهدفهم النهائيّ ، حيث إن كونهم (إسرائيليين) سابقين يوفّر لهم العمل بسهولة أكبر من كونهم سوفييت سابقين .

استخدمت موجات الهجرة من دول أوروبا الشرقية لـ (إسرائيل) منذ عام 1948 كوسيلة ناجعة لتسلّل العملاء ، و تمكّنت المخابرات السوفييتية من تطوير شبكةٍ ناجعةٍ جمعت معلومات عن جميع مواطني أوروبا الشرقية ، خصوصاً أبناء الأقلّيات العرقية ، و حدّدوا من خلال القوائم المفصّلة يهوداً تمّ تجنيدهم كعملاء و كلّفوهم بجمع معلومات عن أي تجاوزات أمنية أو اقتصادية أو فكرية في المحيط الذي يعيشون فيه ، و جنّدت المخابرات السوفييتية أفضلهم للقيام بمهام تجسّس في (إسرائيل) و أرسلتهم إلى هنا ، و كان معظمهم يدخلون (إسرائيل) تحت ستار مهاجرين جدد ، لجمع معلوماتٍ في المجالات العسكرية و السياسية و الصناعات الأمنية و الاستخبارية ، كما جرت محاولات لتجنيد عملاء من أوساط المواطنين (الإسرائيليين) القدماء - علماء و رجال أعمال و ممثلون رسميون للدولة - الذين سافروا للخارج و يجرون اتصالات بمناسبات مختلفة مهنية و اجتماعية مع ممثلين سوفييت ، و فشلت المحاولات في هذه المجالات تقريباً بصورةٍ تامة ، إذ كان ممثلو (إسرائيل) في الخارج عادةً ذوو وعيٍ أمنيٍّ عالٍ و إضافة لذلك طالب "الشاباك" كلّ ممثلٍ (إسرائيلي) يسافر إلى الخارج بتقديم تقرير عن جميع الاتصالات مهما كانت بريئة مع أي مصدر من أوروبا الشرقية ، و شكّل هذا عنصراً رادعاً .

وجِد مخزونٌ محتملٌ للعملاء في أوساط المواطنين (الإسرائيليين) خصوصاً المهاجرين الذين رسّخوا وجودهم بصورةٍ محدودةٍ في (إسرائيل) و سافروا لزيارة عائلاتهم في أوروبا الشرقية ، و كانت اللقاءات تعقد و في معظم الأحوال في الدول التابعة للاتحاد السوفييتي مثل تشيكوسلوفاكيا و بلغاريا و هنغاريا و رومانيا و بولندا . كان من الأسهل على (الإسرائيليين) الدخول إلى هذه الدول من الدخول إلى الاتحاد السوفييتي ، و كان أفرادُ عائلاتهم يتوجّهون بسهولةٍ من الاتحاد السوفييتي إلى هذه الدول ، و كانت مخابرات هذه الدول تأتمر بأوامر المخابرات السوفييتية ، و تعمل على تجنيد العملاء في أوساط الزائرين الأبرياء ، و لم يكن النجاح كبيراً ، لكنه و في الوقت نفسه لم يكن منعدماً .

بدأ بالوصول إلى (إسرائيل) آلافٌ من السّيّاح سنوياً قبل انهيار الاتحاد السوفييتي ، حضر بعضهم لحضور مؤتمرات دولية ، و لأهدافٍ تجاريةٍ و لإجراء اتصالاتٍ رسميةٍ ، لكن أكثر من مرة كانت لهذه الزيارات أهداف أخرى . عرفنا أن المخابرات الروسية تُدخِل و تحت هذا الستار مراسلين و رجال اتصال مهمتهم عقد لقاءات مع عملاء محلّيّين ، و بذلت المخابرات السوفييتية ، و بعد ذلك حليفتها المخابرات الروسية ، مجهوداتٍ كبيرةٍ من أجلِ تجنيدِ أجانبَ للقيام بمهام تجسّس في (إسرائيل) ، و افترضوا و بحقّ أن "الشاباك" يراقب بدرجة أقلّ تحرّكات السيّاح و ممثّلين رسميين من دول غربية ، كان الكشف عن هؤلاء العملاء و المشرفين عليهم على رأس سلّم أولويات قسم الأجانب في "الشاباك" الذي كان مسؤولاً أيضاً عن محاربة التجسّس الأوروبي الشرقي .

كان ليفي ليفي أحد العملاء الأوائل للمخابرات الأوروبية الشرقية في (إسرائيل) . ولد ليفي في رادوم ببولندا لوالدين يهوديين طبيبين ، و كان ناشطاً في حركة الشبيبة الصهيونية غوردونيه شرب أكثر من اللازم في حفلٍ جرى في نادي الطلاب اليهودي عام 1947 و أثارت تصرّفاته و هو في طريقه مترنّحاً إلى منزله قرب موقعٍ أمني شكوك حارس الموقع . أطلق عليه الحارس النار و أصابه بساقه ، و نقل ليفي الجريح لغرفة حراسة الموقع ، و لم يكن يتذكّر شيئاً عن ظروف إصابته و أعيد إلى منزله بعد استيقاظه .

قرّرت المخابرات البولندية استغلال الحادث من أجل ممارسة ضغوطٍ على ليفي للعمل لصالحها ، و ادعى المحقّقون أنه كان يحمل سلاحاً بصورةٍ غير قانونية و أطلق النار بنفسه على ساقه ، و كان ليفي يدرك بالطبع أن هذه تهمة كاذبة ، لكن عندما وُضِعَ أمامه خياران : تقديمه للمحاكمة أو السفر كعميلٍ إلى دولة (إسرائيل) التي أقيمت حديثاً ، أخذ بالخيار الثاني ، و من المرجّح أن تكون الأيديولوجيا الشيوعية التي ترعرع عليها قد ساهمت بقراره هذا . و بعد تدريبه و توجيهه و تزويده بالأموال بدأ بالعمل كمخبرٍ في الشارع اليهودي و أُدخل بعد ذلك إلى معسكرٍ لتأهيل يهود بولنديين استعداداً لهجرتهم إلى (إسرائيل) .

هاجر ليفي إلى (إسرائيل) بتاريخ 9 آب عام 1948 و تمّ نقله إلى معسكرٍ للمهاجرين قرب ناتانيا و جنّد للجيش (الإسرائيلي) . لعب الحظُّ لصالحه بصورةٍ غير متوقعةٍ ، إذ فور تسريحه من الجيش اختاره "الشاباك" للعمل في صفوفه دون أن يعتريه أي شكوك ، و استجاب للطلب برغبةٍ كبيرةٍ و خدم في وحدة العمليات بالجهاز مدة سبع سنوات من نيسان 1950 و حتى إلقاء القبض عليه في منتصف عام 1957 . و لم يحلم مستخدموه الذين وجّهوا له و منذ البداية تعليماتٍ بالانخراط في جهازٍ هامٍّ بنجاحه بالانخراط في صفوف "الشاباك" .

وقع و من سوء حظّه "نصف انقلاب" في بولندا في تشرين الأول عام 1956 و انتخب فلديسلب غومولكه سكرتيراً للحزب الشيوعي البولندي – و من الناحية العمليّة زعيماً لبلاده – و سمح ليهود بولندا بالخروج منها و حتى بالهجرة إلى (إسرائيل) . و بدأت جراء ذلك "هجرة غومولكه" و التي هاجر في إطارها إلى (إسرائيل) الشخص الذي أشرف على عمل ليفي في بداية تدريبه بالمخابرات السرّية ببلولندا . و في إطار تحقيقٍ روتيني أجراه "الشاباك" كعادته مع كلّ المهاجرين الذين كانوا على علاقات بنشاطاتٍ استخباريةٍ قبل وصولهم إلى البلاد ، تحدّث عن "لوتك" الذي عمل تحت إمرته و وصل حسب ما تناهى إليه إلى جهازٍ أمنيٍّ (إسرائيلي) . أشعلت هذه الأقوال ضوءً أحمراً - "لوتك" كان لقباً معروفاً لليفي ليفي . و بعد فترة تعرّف المهاجر من بولندا على ليفي ليفي كـ "لوتك" الذي كان يعمل تحت إمرته ، و استدعِيَ ليفي ليفي بسرعة لإجراء حديثٍ أوليٍّ معه ، و ردّ بغضبٍ جامحٍ يتناقض كلياً مع طابعه الهادىء جداً و المعروف لزملائه ، الأمر الذي ضاعف الشّبهات حوله . و قال إن الجهاز يحاول التنكيل به لأنه يعرف أكثر من اللازم ، خصوصاً عن أعمالٍ غير سليمةٍ في الساحة السياسية الداخلية ، و عندما اعتقل توجّه إلى محامٍ مقرّبٍ من السفارة البولندية - ضاعف ذلك بدرجة كبيرة من الشكوك ضدّه – و أرسل زوجته إلى مكتب المحامي شموئيل تامير (الذي اصطدم قبل ذلك مع المؤسسات الرسمية في عدة قضايا) و قالت المرأة لتامير و مساعده المحامي آريه مرينسكي إن زوجها أرسل لمتابعة تحرّكاتهما و اعتقل بسبب ذلك .

اتصل تامير و مرينسكي بعاموس منور رئيس "الشاباك" في حينه الذي أكّد لهما بأن ليفي جاسوس و أبلغ الإثنان منور بأنهما سيحاربان لإثبات براءة ليفي طالما لم يحصلا على إثباتات جازمة تؤكّد تورّطه بالتجسّس ، و قالا ذلك أيضاً لليفي نفسه و أضافا تعهداً : "إذا اتضح لهما بأنه جاسوس سيعملان على دق المسمار الأخير في نعشه" .

استمرت المحاكمة التي أجريت بأبوابٍ مغلقةٍ فترةً طويلةً و نفى ليفي طوال الوقت التهم الموجّهة إليه . لا سيما و أن الإثباتات ضدّه كانت ظرفية فقط ، لكن بسبب تراكم ثقل هذه الإثباتات أدانه قاضي المحكمة المركزية في تل أبيب بتهمة التجسّس و أصدر عليه حكماً  بالسجن لمدة عشر سنوات . و قدّم تامير و مرينسكي استئنافاً للمحكمة العليا ، و قدّم عاموس منور قبيل انتهاء مداولات الاستئناف مواد استخبارية وصلت من فرنسا في أعقاب مقتل عميلٍ بولندي فيها و تضمّنت هذه المواد إثباتات جازمة لاتهام ليفي بالتجسّس . و اعترف ليفي في حديثٍ أجراه مع محامييه و قدّم تقريراً بكامل أعماله إلى "الشاباك" ، و بالطبع ألغيَ الاستئناف ، و بعد قضاء ليفي ليفي لعقوبته في السجن سافر إلى أستراليا و توفّي هناك بعد عدة سنوات .

كان ليفي من ذاك النوع من العملاء الذين يتخوّف منهم أيّ جهازٍ استخباريٍّ : عميلٌُ كبيرٌ تمكّن من التسلل إلى قلب جهازٍ استخباريٍّ أجنبيٍّ و التمتع بالثّقة الكاملة و الاطّلاع على أسرارٍ كبيرةٍ . كانت الأضرار التي ألحقها كبيرةً جداً ، و بذلت مجهودات جبارة من أجل التقليل من تأثيرها .

يعتبر إدخال عميلٍ إلى جهاز مخابرات منافس و بصورة طبيعية الهدف المفضّل لدى أي مؤسسة استخبارية ، و اعتبر نجاح ليفي بالتسلّل إلى المخابرات (الإسرائيلية) ، إنجازاً كبيراً بنظر المسؤولين عنه . كانت (إسرائيل) دولةً شابة عندما بدأ عمله في "الشاباك" . و من المشكوك فيه أن تكون مخابرات أوروبا الشرقية على دراية كاملة بالمعلومات التي كانت تريدها في تلك الفترة . و لهذا فإن زرع ليفي كان مثابة "وفّر قرشك الأبيض ليومك الأسود" . و لا ريب في أن زرع عميلٍ لمجرد زراعته يتطلّب معنويات عالية ، و كان ليفي يتبنّى النظرية الشيوعية و خدم أسياده بأمانةٍ ، و لم يكتفِ بالقيام بالمهام التي أوكلوه بها بل و عمِل أيضاً بمبادرته الخاصة لتوفير أكبر قدرٍ ممكن من المعلومات لمستخدميه .

شكّل الكشف عن ليفي مجرّد فصلٍ واحدٍ في المعركة المستمرة التي يشنّها "الشاباك" ضد التجسس الأوروبي الشرقي في البلاد . كانت جميع أجهزة الأمن الشيوعية تتعاون فيما بينها و تتبادل المعلومات بصورة مستمرة ، و لهذا لم يكن هناك فرق كبير إذا كان العميل الذي وصل إلى (إسرائيل) بولندياً أم رومانياً ، إذ كانت المعلومات تصل كاملة إلى الاتحاد السوفييتي و إلى جميع أجهزة المخابرات الأوروبية الشرقية .

اقتحم رجال وحدة العمليات في "الشاباك" بتاريخ 22 آذار 1965 منزلاً في حيفا و اعتقلوا أفرايم صموئيل المهاجر من رومانيا و زوجته . كان صموئيل عميلاً للمخابرات الرومانية و كانت زوجته تبثّ عبر الاتصالات اللاسلكية المعلومات للمسؤولين عنهما . كانت رومانيا الدولة الوحيدة في أوروبا الشرقية التي سمحت لليهود بالهجرة بجموعهم الغفيرة إلى (إسرائيل) ، الأمر الذي وفّر لمخابراتها إمكانية إدخال عملاءٍ لها . كانت مهمتهم الأولى التأقلم في (إسرائيل) و العثور على مصدر رزق و البدء بعد ذلك بنشاطاتهم في المجالات المحدّدة لهم : في الحزب الحاكم و في المكاتب الحكومية و في الأجهزة السرّية و في الصناعات العسكرية و ما شابه .

وصلت سفينة مهاجرين إلى ميناء حيفا بتاريخ 27 نيسان 1958 و كان فيها أفرايم و زوجته و ابناه ، و استجابوا لاقتراح موظّفي الوكالة اليهودية و هم ما زالوا على ظهر السفينة و استقرّوا في كيبوتس مشمروت . عمل صموئيل في الكيبوتس في مجال الكهرباء و قام بعمله بأمانةٍ و تفاني يقوم به العملاء عادة بهدف إيجاد أجواءٍ متعاطفةٍ معهم . و انتقلت عائلة صموئيل بعد عامين للسكن في حيفا ، حيث عمِل الأب في مهنٍ مختلفة ، و في نهاية المطاف تمّت الموافقة على تسليمه منصب مسؤول الصيانة في مغسلة كبيرة ، و لم يدرك المسؤولون عنه بأن هذا الشخص الرمادي الشعر المخلص جداً في عمله يمتاز بإخلاصٍ أكبر في مجال التجسّس على الدولة ، و بالطبع لم يشكّ جيرانهما بأن غرف نوم صموئيل و زوجته عبارة عن محطّة بث سرية .

كان بإمكان صموئيل الاستمرار بعمله دون إزعاجٍ لولا وصول معلومات إلى السفارة (الإسرائيلية) في بوخارست حول المهام الرفيعة التي تسلّمها في الحزب الشيوعي قبل هجرته إلى (إسرائيل) ، و نقلت المعلومات "للشاباك" و استدعيَ صموئيل للتحقيق و اعترف بأنه كان و بالفعل عضواً في الحزب الشيوعي و ادعى بأنه طرِد من الحزب بعد إلصاق وصمة عارٍ على جبينه ، و رغم روايته المنطقية تقرّر مراقبة تحركاته بسبب معلومات أخرى وصلت من مصدرٍ آخر .

راقب "الشاباك" لمدة ثلاثة أعوام الزوجين صموئيل و البث الذي ينطلق من منزلهما . نقل الإثنان إلى رومانيا بصورة رئيسية معلومات علنية جمعاها من صحفٍ أو سمعاها في أحاديث صدفةَ مع أشخاصٍ مختلفين . و كانت الزوجة تبث معلومات عبر أجهزة اللاسلكي في الوقت الذي اقتحم فيه أفراد وحدة العمليات غرفة نوم الزوجين ، و صرخت فور مشاهدتها الرجال الغرباء في غرفتها بالرومانية "لصوص" و حاولت إحراق ورقة سجّلت عليها المعلومات التي كانت تبثّها في ذاك الوقت ، و كانت الشيفرة التي يستخدمانها مدفونة تحت الخزانة .

أدّى التحقيق مع الزوجين صموئيل إلى كشف النقاب عن رجال اتصالهما و هم دبلوماسيون في السّفارة الرومانية في تل أبيب ، و أعلن عن هؤلاء كأشخاصٍ غير مرغوبٍ فيهم و غادروا البلاد . أدين صموئيل و حوكم بالسجن لمدة ستة أعوام ، لكن بعد قضائه ستة أشهر في السجن أبعد إلى رومانيا مع عائلته و أطلق سراحه في أعقاب مفاوضات مع الحكومة الرومانية حول سماحها بهجرة يهود .

لم يكن أبناؤهما يعرفان أي شيء عن نشاطاتهما و ذلك لحين اعتقالهما ، و عندما روى رئيس قسم التحقيق للابن البكر القصّة انفجر ببكاءٍ مريرٍ ، تمّ استيعاب الأبناء في (إسرائيل) بصورةٍ جيدةٍ جداً و عندما فرض عليهم السّفر منها كان الانفصال عنها صعباً جداً .

بالإمكان تصنيف العملاء الشيوعيّين الذين تسلّلوا إلى (إسرائيل) إلى ثلاثة أصنافٍ رئيسيةٍ : كانت المجموعة الأولى عملاء عملوا لأسباب أيديولوجية ، و هم شيوعيون قدماء ، رغم ابتعادهم عن اليهودية كانوا على استعدادٍ للتوجه للبلاد لتنفيذ رغبات حزبهم . و أكثر من مرة شعر بعضهم بالندم بعد وصوله إلى (إسرائيل) في أعقاب تعزّز ارتباطهم الواهن باليهودية ، و كشفوا لنا عن الحقيقة . أما المجموعة الثانية فهؤلاء الذين انضموا للحزب حديثاً لاعتبارات متعلّقة بالجدوى المالية مثل الحصول على سكنٍ ملائمٍ أو تقدّمهم بالعمل أو الحيلولة دون التحاق أبنائهم بالجيش ، و لم يكن بإمكانهم رفض توجّههم إلى (إسرائيل) لدى مطالبتهم بذلك . أما المجموعة الثالثة فتتكوّن من هؤلاء الذين أُجبروا على العمل كعملاء ، و هم يهود تطلّعوا فعلاً للهجرة إلى (إسرائيل) و قدّموا عدداً لا متناهياً من الطلبات للسلطات و انتظروا الحصول على ردّ إيجابيٍّ سنواتٍ طويلةٍ و استجابوا لطلب السّلطات التي اشترطت عليهم العمل معها مقابل الحصول على تصاريح بالخروج ، و كان معظمهم يأملون بنجاحهم في التخلّص من المشرفين عنهم بعد وصولهم إلى البلاد .

نشر "الشاباك" شبكةً متراصّةً من الوسائل التي تستهدف التعرّف على العملاء الذين تمكّنت المخابرات السوفييتية من غرسهم ، و أطلق على أحد الأساليب الذي اعتبر مضمون النجاح اسم "المشط" و ارتكز هذا الأسلوب على متابعة أفرادٍ من سفارات أوروبا الشرقية يشتبه بتورّطهم بالإشراف على العملاء . و كان الجاسوس الأكثر شهرةً الذي ألقيَ القبض عليه بعد اتباع هذا الأسلوب الدكتور "إسرائيل بار" . ادعى بار دراسته في الأكاديمية العسكرية النمساوية و مشاركته في الانتفاضة الاشتراكية في فيينا عام 1934 و مشاركته في الحرب الأهلية الإسبانية ، و جرّاء خبرته هذه انضم للجهاز الدائم في قوات الهاجانا و عمِل أيضاً في مجال التحليلات العسكرية . حمِل رتبة عقيد في حرب الاستقلال ، و كان أحد المساعدين الكبار ليغئال يدين في قسم العملّيات بهيئة الأركان و انضم عام 1950 إلى حزب مبام و كتب تعليقات عسكرية في صحيفة الحزب "عل همشمار" ، و انتقل بعد ثلاثة أعوام من ذلك إلى حزب مباي و عمل مؤرّخاً رسمياً للجيش (الإسرائيلي) ، و كان مكتبه في مكتب وزير الدفاع بتل أبيب .

وصل عمل الدكتور بار لنهايته المأساوية ، عام 1961 ، و ذلك بعد متابعة تحرّكات أحد رجال السفارة السوفييتية ، بتل أبيب ، إذ كشف النقاب عن الاتصالات السرية التي يجريها المؤرّخ العسكري (الإسرائيلي) المشهور ، الأمر الذي أثار إحساساً كبيراً بالمفاجأة . اعتقل الدكتور بار و أدين بتهمة التجسّس لصالح الاتحاد السوفييتي و حوكم بالسجن لمدة عشر سنوات و رفعت المحكمة العليا الاستئناف على الحكم الصادر بحقّه و أضافت له خمس سنوات أخرى للحكم و توفّي بار عام 1996 في سجن شطة .

كشفت متابعتنا لدبلوماسين سوفييتين عام 1960 - أكّدت المعلومات التي وصلتنا عنه أنه ليس إلا رجل مخابرات يعمل تحت ستار دبلوماسي - عن اتصالات سرية كان يجريها مع أحد موظفي السفارة الكندية يدعى غويندون روي و أبلغنا السلطات الكندية بذلك و بادرت باستدعائه إلى وطنه و اعتقاله هناك .

و كان من بين المواطنين الأجانب الذين عمِلوا في صفوف المخابرات السوفييتية مواطن سويدي يدعى برلينغ ستيغ الذي خدم عام 1972 في صفوف قوات الأمم المتحدة في سيناء و لبنان و مصر و استقال من منصبه و بدأ بتهريب الذهب و الأموال بين أوروبا و الشرق الأوسط و اعتقله "الشاباك" عام 1979 .

قطعنا العلاقات الدبلوماسية مع جميع دول أوروبا الشرقية باستثناء رومانيا في أعقاب حرب الأيام الستة و لا ريب في أن هذه التطوّرات ألحقت أضراراً كبيرةً بالنشاطات الاستخبارية لهذه الدول في (إسرائيل) ، إذ كان معظم العملاء المحليّين تشرِف عليهم السفارات ، و أصبحوا الآن يجبرون على القيام بذلك عن بعد . و لم يكن هذا الوضع الجديد شائكاً فقط بالنسبة لأجهزة المخابرات الشيوعية ، بل و وضع صعوبات أمام عمل قسم الأجانب في "الشاباك" ، الذي أشرف أيضاً على معالجة التجسّس الأوروبي الشرقي ، و فقد "الشاباك" بعد إغلاق السفارات مصادر استخبارية ، ذات أهمية قصوى - دبلوماسيون و ذوو مناصب أخرى في السفارات الأجنبية ، عمِلوا لدينا كعملاء .

و مع ذلك لم يؤدِّ قطع العلاقات الدبلوماسية إلى حرق جميع جسور مخابرات المعسكر الشيوعي في (إسرائيل) ، و على سبيل المثال طلب البولنديون عدم إغلاق فرع بنك "أف.كي.أو" في تل أبيب و الاحتفاظ بممثل تجاري و طالب السوفييت إبقاء ممثل لوكالة الأنباء "ناس" ، و صادقت الحكومة و لأسباب سياسية على استمرار نشاطات هذه الممثليات في (إسرائيل) ، رغم الأخطار الأمنية الكامنة بذلك . انتقل مركز ثقل التجسّس السوفييتي في (إسرائيل) إلى الإرسالية الدينية الروسية ، التي كانت تتخذ من الكنيسة البروبوسلفية في المسكوبية بالقدس مقراً لها . بذل "الشاباك" مجهودات كبيرةٍ جداً و استخدم وسائل متطوّرة من الدرجة الأولى من أجل مراقبة نشاطات أعضاء الإرساليّة التي كان بعض عمّالها الفنيين ضبّاط مخابرات و متابعة للعملاء الذين يجرون اتصالات معهم .

لم تكتفِ "كي.جي.بي" بالتمسك بالنقاط القليلة ، التي كانت لديها في (إسرائيل) و كانت معنيّة بتوسيع نشاطاتها الاستخبارية ، لكن دون إثقال الأعباء على رجالها في المسكوبية ، و لهذا أرسلت ضبّاط مخابرات محترفين ذوو تجربة تحت ستار مهام مختلفة بهدف الإشراف على العملاء المحليّين ، و كان أحد هؤلاء فيودوروبتش - لينوف العقيد في "كي.جي.بي" الذي زار (إسرائيل) أربع مرات بجواز سفر نمساوي مزيّف باسم كارل براندت موتل و أطلقنا نحن عليه الاسم السري "مرتسلو" .

كان مرتسلو رجل المخابرات ذو الخبرة من مواليد موسكو و متزوّج و أب لثلاثة ، خريج كلية لغات و كان بالفعل يتقن لغات كثيرة ، فبالإضافة للغة الأم أتقن الألمانية و الإنجليزية و الأوكرانية و الأيديش و التشيكية و الصربية و الفرنسية و البولندية . أرسلته المخابرات السوفييتية في مهام مختلفة لحوالي إثني عشر دولة في أوروبا و الشرق الأوسط تحت ستار مهام مختلفة - ميكانيكي سيارات ، وكيل تأمين ، مستشار اقتصادي ، و وصل إلينا للمرة الأولى عام 1970 عندما كان عمره ثلاثة و ثلاثون عاماً . تجوّل في البلاد كسائحٍ عارضاً نفسه كنصف يهودي و عمل بصورةٍ رئيسيةٍ - مثلما فعل في الزيارات اللاحقة - بعقد لقاءات سرية مع عملاء ، و لم يشكّ بأننا عرفنا بالضبط هويته من معلومات تلقّيناها .

استأجر مرتسلو لدى وصوله إلى (إسرائيل) للمرة الرابعة في آذار 1973 غرفة في فندق "أكديه" بهرتسليا و كان تحت مراقبة "الشاباك" و كان أحد العملاء الذين التقاهم شلومو بن يهودا . سلّمه مرتسلو مالاً و تلقّى منه معلومات حول إنتاج أسلحةٍ في (إسرائيل) و عن قواعد الصواريخ و أسماء موظفين عسكريين و شخصيات سياسية (إسرائيلية) .

هاجر شلومو بن يهودا الذي كان يحمل اسم ميرسكي قبل ذلك إلى (إسرائيل) من الاتحاد السوفييتي عام 1942 و عمل بعد إقامة الدولة كموظفٍ في الشؤون الصحية و كمقاول تفجيرات في كريات شمونه و تزوّج و أنجب ثلاثة أطفال .

اختفى فجأةً عام 1954 و اتضح بعد فترة بأنه يحتجز لدى السوريّين ، و عندما أعيد إلى (إسرائيل) بعد حوالي عامين قال إن السوريّين خطفوه عندما كان يعمل في المنطقة الحدودية ، و أرسل إلى مستشفى الأمراض النفسية لتلقّي العلاج و قدّم للمحاكمة و حكِم عليه بالسجن لمدة ثلاثة أعوام بعد إدانته بتسليم معلومات للعدو ، و خفّض الحكم الصادر ضدّه بعد تقديمه استئنافاً للمحكمة العليا و عاد للعمل كموظّفٍ في الشؤون الصحية و أدّى عمله هذا إلى وصوله لقواعد عسكرية .

جنّدت المخابرات السوفييتية بن يهودا ، خلال زيارةٍ قامَ بها لأخته في روسيا عام 1966 و نقل خلال السنوات الخمس التالية معلومات للسوفييت المشرِفين عليه عن قواعد الجيش (الإسرائيلي) التي عمل فيها و تقارير من مصادر علنية عما يجري في المجال السياسي ، و لم يكتفِ بذلك و بهدف إرضاء مستخدميه بعث إليهم تقرير خيالية عن محاولة تطوير قنبلة ذرية في مناجم النحاس المهجورة في تمناع .

باعتباره رجل مخابرات ذو خبرة عمل مرتسلو بحذرٍ شديدٍ ، إذ اعتاد النظر من حين لآخر و في فترات متعاقبة من نافذة غرفته بالفندق و النظر من خلال عدسة الباب إذا كانت هناك تحرّكات غير عادية في الممر ، كما استخدم عدة أساليب استهدفت معرفة إذا كان شخص ما قد لمس أغراضه أثناء غيابه عن الغرفة و على سبيل المثال كان يبقي قطعة الحديد الصغيرة التي تغلق سحاب حقيبة وثائقه عمودية ، و تكفي أي حركة مهما كانت بسيطة للحقيبة إلى سقوطها الأمر الذي يؤكّد محاولة تفتيش الحقيبة .

عندما تقرّر اعتقاله أرسلت إلى غرفته موظّفة من الجهاز منتحلة هوية موظّفة خدمات في الفندق ، سألها مرتسلو عن مبتغاها دون فتحه الباب و ردّت بأنها تريد استبدال المناشف في غرفة الحمام ، و عندما نظر من عين الباب و شاهد أمامه موظّفة خدمات تحمل مناشف ، اقتنع و فتح الباب و فوجىء باقتحام أفراد وحدة العمليات في "الشاباك" للغرفة ، و لم يفقد عقلانيته و تمكّن من إتلافٍ سريعٍ لرسائل الشيفرة ، لكن لم يخرج رجال المخابرات بأيدي خاوية ، إذ تمكّنوا من العثور بحوزته على أغراضٍ لم يتمكّن من تسليمها لعملائه : حبر سري و جهاز راديو خاص لالتقاط تعليمات .

تحدّث مرتسلو في البداية مع محقّقيه باللغة الإنجليزية ، لكن خلال عدة دقائق انتقل للغته الأم و اعترف بأنه ضابط مخابرات سوفييتي . وفّر لنا اعتقاله فرصة للاطلاع و للمرة الأولى على شخصية رجل المخابرات السوفييتي و على مستواه المهني العالي . أبدى قدرة على الصمود بالتحقيق لتأكّده بأن حكومته ستبذل قصارى جهدها من أجل إطلاق سراحه بأقرب فرصة .

حكِم على مرتسلو بالسجن لمدة 18 عاماً و أراد السوفييت إطلاق سراحه ، لكنهم أيقنوا بأن (إسرائيل) ستشترط ذلك بدفعهم ثمناً ملائماً . بادروا بخطوة بدت و للوهلة الأولى بأنها بريئة تماماً ، لكننا أيقنا بأن المقصود مؤامرة . بعد فترة قصيرة من اعتقال مرتسلو - العقيد فيو دوروبتش - لينوب - قدّم يهوديّ اسمه شفتر للمحاكمة في بلغاريا و أدين بتهم أمنية رغم براءته ، و حكِم عليه بالإعدام شنقاً و جمّد السوفييت تنفيذ العقوبة و عرضوا إطلاق سراحه مقابل إطلاق سراح رجلهم ، و لم نكتفِ بذلك و طالبنا إضافة لإطلاق سراح شفتر السّماح بهجرة سلفيا زلمنسون من الاتحاد السوفييتي و هي واحدة من مجموعة يهود حكِم عليهم بالسجن في كانون الأول عام 1970 بعد إدانتهم بخطف طائرة من لينينغراد بهدف التوجّه إلى السويد .

أشرف المحامي آريه مرينسكي من تل أبيب على المفاوضات مع ممثلي "كي.جي.بي" في برلين ، و استمرت المداولات خمسة أسابيع ، و اتفق في نهاية المطاف بأن يتم استبدال مرتسلو بشفتر في برلين و يطلق سراح سلفيا زلمنسون من السجن و يسمح لها بمغادرة الاتحاد السوفييتي في أيّ موعدٍ تريد و تحسين الظروف الاعتقالية للسجناء في لينينغراد . قدّم أبراهام أحيطوف طلباً لوزير العدل للتوصية أمام رئيس الدولة بإصدار عفوٍ عن ضابط المخابرات السوفييتي ، أصدر العفو و التزم السوفييت بكافة تعهداتهم و أطلق سراح مرتسلو في تشرين الأول عام 1974 .