الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

عودة

 

 

جاسوس و اسمه "لام"

         

اتضح عندما فتحت أبواب الاتحاد السوفييتي بأن اليهود سيهاجرون بجماهيرهم الغفيرة إلى (إسرائيل) ، و لم يحاوِل عرب كثيرون إخفاء مخاوفهم من أن تؤدّي الهجرة الكثيفة إلى تغيير الميزان الديمغرافي لصالح (إسرائيل) ، كما أن الطاقة البشرية النوعية ، كانت بنظرهم هائلة جداً و تخوّف العرب في (إسرائيل) من احتمالات مصادرة الحكومة جزءاً من اراضيهم بهدف إسكان المهاجرين عليها . قاد الشيخ رائد صلاح رئيس بلدية أم الفحم الاحتجاج ضدّ موجات الهجرة المتوقّعة ، و أطلقت المنظمات (التخريبية) تهديدات واضحة : إذا أحضرتم المهاجرين إلى البلاد سنضربهم و هم في طريقهم إليها ، سنفجّر و نقتل حتى يتوقّفوا عن الحضور .

استوجبت قضية حراسة قوافل المهاجرين الكبيرة الذين تدفّقوا عبر رومانيا و هنغاريا و بولندا العثور على حلولٍ ملائمة ، و كان من الطبيعي إلقاء الحكومة بهذه المهمة كاملة - حراسة المهاجرين و أمتعتهم و معسكرات المرور و القطارات و الطائرات و السفن - على كاهل المخابرات العامة .

استقبل رجالنا المهاجرين في محطات القطارات و المعابر الحدودية و الموانىء البحرية و الجوية ، و أعلن عنهم منذ تلك اللحظات و حتى وصولهم إلى (إسرائيل) كأهدافٍ يجب حمايتها . توجّهت في بداية الموجة الأولى إلى هنغاريا و رومانيا بهدف متابعة ما يجري ميدانياً عن كثب . وقفت في محطة القطار في هنغاريا و شاهدت المهاجرين ينزلون بصمت من المقطورات و أمتعتهم بأيديهم و يصعدون في سيارات لنقلهم إلى معسكرات العبور ، و كانوا هنا و هناك يؤدّون صلاة يهودية ، و انتقلت عدوى الانفعال منهم لي و شاهد الرجال و للمرة الاولى الدموع في عيون رئيس "الشاباك" .

تلاشت و في نهاية المطاف المخاوف الكبيرة من وقوع عمليات ، و استمرت موجة الهجرة الكبيرة حوالي عام و نصف ، و وقعت خلالها محاولة (تخريبية) واحدة : انفجرت عبوة ناسفة على بعد مسافة من حافلة تنقل مهاجرين ، كانت تسير على رأس قافلة ذات حراسة في بودابست و لم تقع إصابات .

كانت الحراسة تشكّل بعداً واحداً فقط من أعمال "الشاباك" في مجال الهجرة ، و لم تكن مهمة الكشف عن جواسيس تسلّلوا إلى البلاد تحت ستار مهاجرين جدد تقلّ أهمية عن ذلك ، لم يؤدِّ انهيار الاتحاد السوفييتي إلى تخفيض مدى اهتمام المخابرات الروسية بـ (إسرائيل) ، و شكّلت موجة الهجرة الأولى في مطلع الثمانينيات و موجة الهجرة الثانية في مطلع التسعينيات ما يطلق عليه بلغة المخابرات "بؤرة" نموذجية - أي أرضاً خصبة لمحاولات إدخال عملاء ، أضيف إلى القدماء منذ العهد الشيوعي ، عملاء جدد جندوا عشية هجرتهم إلى (إسرائيل) . و بذل قسم مكافحة التجسس الأوروبي الشرقي مجهودات كبيرة من أجل كشفهم قبل تمكّنهم من غرس جذورهم في البلاد . خصّصت لنا غرفتان دائمتان في مطار بن غوريون و انتقلت شائعة بسرعة في أوساط المهاجرين الجدد تؤكّد وجود "الشاباك" هناك و عرفوا حتى رقمي الغرفتين 11 و 12 و المهام التي يقوم بها الموظفون هناك و الأسئلة الدقيقة التي ستعرَض عليهم . توقّعنا حدوث ذلك و لم تفاجئنا معرفتهم ، بل على العكس من ذلك رغبنا بمعرفة العملاء أننا بانتظارهم ، و أردنا و بصورة رئيسية معرفتهم بأننا على استعداد لتوفير الفرصة لهم للاعتراف دون تعريضهم لأي عقوبات .

سألنا و بصورة مباشرة كلّ مهاجر يتراوح عمره بين 18 - 65 عاماً إذا عمِل أو يعمل لصالح مخابرات البلاد التي هاجر منها ، و في نفس الوقت أكّدنا له بأنه لن تتخذ ضده أي إجراءات إذا اعترف بذلك ، و حقّق هذا الأسلوب الذي أصبح الجميع يتحدّثون عنه ، نجاحاً كبيراً ، إذ سارع عملاء غير قلائل برواية الحقيقة لنا قبل تمكّن المحقّقين من استكمال عرض سؤال واحد عليهم . و قال بعضهم إن لم يكن جميعهم بأن مهمة التجسس التي كلّفوا بها أو التي ابتزّوا من أجل تنفيذها ، أقلقت ضمائرهم و أنهم بحثوا عن الفرصة المناسبة لإزالة هذه الأعباء عن كاهلهم . كنّا أوفياء لوعودنا و لم نفعل شيئاً لأي منهم ، و فقط كتبنا لدينا العنوان المؤقّت للعملاء المعترفين و أسماء أقربائهم في (إسرائيل) و تفاصيل روتينية أخرى تمكّنا من متابعة ناجحة لتحرّكاتهم في الفترة الأولى لوجودهم في (إسرائيل) و حقّقنا معهم في فترات لاحقة بصورة جذرية لكننا لم نعتقلهم .

سُئِل كلّ مهاجر جديد إذا عرف عملاء في "كي.جي.بي" بمنطقة سكناه أو عمله أو في الوسط الاجتماعي الذي كان يعيش فيه . و تمكّنا من خلال المعلومات الكثيرة التي جمعناها بهذا الأسلوب إضافة للمعلومات الاستخبارية التي تراكمت لدينا عبر السنين من رسم صورة دقيقة للعميل الذي ترغب به المخابرات السوفييتية و الروسية . وجدنا بأن هناك أفضليات لأصحاب مهنٍ تكنولوجية محترمة ، و لفترة عمر معينة و لوضعٍ عائلي معيّن و لأشخاص يعانون من مشاكل نفسية و عائلية و اجتماعية معينة ، و تثبت القضية التالية و إلى درجة كبيرة الاستخدام الناجع للصورة التي رسمناها .

اتصل بي شبتاي شبيط رئيس الموساد صباح 27 تموز 1990 و طلب مني لقاءه على عجل ، و بعد فترة وجيزة دخل غرفتي في قيادة "الشاباك" و أغلق الباب وراءه و جلس مقابلي و وجهه أحمر و بدأ حديثه قائلاً : "أردت معرفتك بأن شيئاً غير سار حدث" . قال لي إن الموساد عرف الآن أنه و قبل عدة سنوات ، توجّه (إسرائيليّ) مقرّب من المخابرات إلى القنصلية السوفييتية في بانكوك و عرض خدماته على "كي.جي.بي" .

وأضاف شبيط : "استجاب ممثّل الـ كي.جي.بي في القنصلية ، بالطبع ، و بسرور لهذا الاقتراح ، و بعد ثلاثة أشهر استكملت إجراءات تجنيد العميل (الإسرائيلي) على أيدي مسؤولٍ كبيرٍ في كي.جي.بي ، رئيس قسم أفريقيا و الشرق الأوسط و الشرق الأقصى ، الذي وصل خصيصاً لهذا الهدف من موسكو . هوية (الإسرائيلي) غير معروفة ، لكن يعرف فقط بأن مستخدميه و من أجل التمويه أطلقوا عليه اسم (مارك) و أن الحرف الأول من اسم عائلته هو و كما يبدو (لام) . و قال رئيس الموساد أيضاً إن رجل الـ كي.جي.بي الكبير حصل على مديحٍ بعد تجنيده العميل (الإسرائيلي) .

كانت هذه و حسب كافة التقديرات لقضية غير عادية ، إذ منذ كشف النقاب عن ليفي ليفي في نهاية سنوات الخمسينيات لم نواجه خيانة خطيرة إلى هذه الدرجة في صفوف المخابرات (الإسرائيلية) ، و كان العثور السريع على العميل المجهول على جانبٍ كبيرٍ من الأهمية بسبب الأضرار التي قد يلحقها بأمن الدولة .

تقع مكافحة التجسّس في إطار عمل و مسؤولية المخابرات العامة و لهذا نقَل لنا رئيس الموساد هذه القضية لمتابعتها ، و قرّرنا الإطلاق على هذه العملية اسم "آشل أبراهام" و شكّلنا دون تبذير أي وقتٍ طاقماً مقلّصاً لبحث المعلومات ، و قمنا بعمليات تدقيق مختلفة و معقّدة ، و في الوقت نفسه حاول الطاقم الوصول إلى (مارك) من اتجاهٍ آخر ، من خلال مستخدميه الروس . جمعت معلومات كثيرة عن رجال كي.جي.بي الذين أقاموا اتصالاتٍ معنا و ذلك على أمل العثور على حلقة جديدة تربط بيننا و بينهم ، نستطيع من خلالها تحديده .

جمعوا في قسم أوروبا الشرقية شذرات المعلومات و عملوا طوال أربعٍ و عشرين ساعة يومياً في تحليل كافة التفاصيل ، و بعد حوالي أسبوعين حضر إليّ رئيس القسم و بشّرني بانفعال : "وجدناه ، عثرنا على متهم مناسب" .

كان اسم المتهم شمعون ليفائي و كان اسمه السابق لفينسون و توافقت فترات سفره إلى بانكوك مع مواعيد اللقاءات التي عقدها (مارك) مع رجال المخابرات السوفييتية ، هذا إضافة إلى أن الحرف الأإول من اسمه - الأصلي و العبري - كان (لام) . وضع على الفور على رأس قائمة المشبوهين ، رغم عدم وجود أيّ تأكيدات حتى هذه المرحلة بأنه هو فعلاً الشخص المطلوب و بدأنا بجمع معلومات عنه من كلّ مصدرٍ ممكن . ازداد الإحساس بالصعقة مع تراكم أوراق المعلومات .

ولد شمعون ليفائي عام 1933 لعائلة معروفة و محترمة ، من العلائلات القديمة في بيتاح تكفا و تسلّم والده مناصب رفيعة في الهاجانا و شارك جدّه لأمه في محاولات استئناف الاستيطان اليهودي في مدينة نابلس ، و كانت عائلته تقطن في القدس ، تعلّم شمعون في مدارس دينية ، و كان عضواً في حركة بني عكيفا و عمل خلال حرب التحرير ، مثل شبان كثيرين آخرين في مجال تحصين المدينة .

عمل في الجيش (الإسرائيلي) في البداية موظفاً ، و بعد ذلك مساعداً لرئيس لجنة الهدنة مع الأردن و كانت له علاقة وطيدة مع رجال "الشاباك" في إطار مهامه هذه ، و كان ناشطاً جداً و شارك أكثر من مرة في مباحثاتٍ أُجريت مع الأردنيين و أكّد المسؤولون عنه مدى استقامته و نشاطه و تحمّله للمسؤولية و طابعه الهادىء ، و حاول قبيل إنهائه خدمته العسكرية الالتحاق "بالشاباك" . و اتضح لدى فحص أوراق دخوله بأنه كان ملائماً بصورة رئيسية لأعمال مكتبية لا لأعمال تنفيذية ، و تمّ التأكيد في التقرير النهائي بأن قدراته العقلية تفوق المتوسط ، أما مستواه الثقافي فعّال و أنه إنسان منغلق يقمع تطلّعاته و يتحفّظ مع الآخرين و يتخوّف من ابتعاد الناس عنه ، و لهذا لا يقترب أكثر من اللازم منهم ، و بناء على ذلك أكّد التقرير بأنه ملائم للقيام بمهام عقليّة و ملائم بدرجة أقلّ للمهام التي تتطلب مرونة كبيرة و إيجاد علاقات مع الناس ، و توقّفت إجراءات قبوله في "الشاباك" بعد مطالبة الجيش استمراره بالعمل لديه .

عمِل ليفائي في آب 1953 في وزارة الدفاع و نقِل إلى مكتب الملحق العسكري في أنقرة للعمل هناك سكرتيراً ، مكث هناك أربعة أشهر فقط و أعيد إلى البلاد بناء على طلب الملحق العسكري ، الذي قال إن السكرتير الجديد فشل بتأدية مهامه . و حسب أقوال الملحق اقترب ليفائي أكثر من اللازم من الممثّلين الأردنيين في تركيا و قدّم ليفائي فور عودته إلى (إسرائيل) شكوى عن الأجواء السيئة السائدة في جميع مستويات السفارة و قال إنه طُرِد من هناك بسبب خلافات برزت بينه و بين الملحق العسكري .

رفعت رتبته عام 1957 بصورة رمزية إلى رائد ، و تحوّل إلى شخصية مركزية في لجنة الهدنة بالقدس . و قدّم في هذا الإطار مساعدة كبيرة في الاتصالات السرية التي بدأت عام 1958 بين ممثلي الاستخبارات العسكرية (الإسرائيلية) و ممثّلي الاستخبارات العسكرية الأردنية . و من الأعمال التي قام بها عقد لقاء سري بين العميد حاييم هيرتسوغ رئيس الاستخبارات العسكرية و بين العميد الأردني أميل جميان السكرتير العسكري للملك حسين .

شارك ليفائي في نهاية الستينيات بالفصل الدراسي الرسمي للمخابرات ، لكنه قطع دراسته بعد طلب العميد مئير عميت منه العمل ضابط اتصال مع الأمم المتحدة لشؤون جبل سكوبس . و قام بهذه المهمة لفترة زمنية ، و بعد استقالته حاول الحصول على عملٍ دائمٍ في المجال المدني ، و بعد فشله توجّه إلى يهودا أربيل قائد منطقة القدس في "الشاباك" طالباً مساعدته و عيّنه رئيس طاقم اختبارات أمنية في المنطقة ، لكنه لم يحبّ عمله و شعر باستياء كبير و استجاب بسرور عندما طلب منه العمل في الموساد ، و قام بسلسلة من المهام بعضها في الخارج .

فور عودته من مهمة في أريتريا شعر خلالها بالاستياء مرة أخرى لأن الموساد لم يعرِض عليه منصباً ملائماً و التحق ليفائي بالخدمة في القوات الدائمة ، و عيّن ضابط أركان اتصال مع الأمم المتحدة برتبة عقيد و شارك في المباحثات التي أجراها وفد (إسرائيلي) في جنيف عام 1975 مع مصر حول التسويات المرحلية في سيناء . كما عمل ضابط ارتباط لدى تشكيل قوات الامم المتحدة في جنوب لبنان (يونيفيل) و أقام علاقات وطيدة مع ضباطٍ كبار يعملون في قوات الأمم المتحدة مثل الجنرال سيلاسفاو و الجنرال أرسكين .

وضع تعيين رفائيل إيتان رئيساً لقسم العمليات في هيئة الأركان حداً للحياة العسكرية لليفائي . حاول إيتان خلال تسلّمه منصب القائد العسكري للمنطقة الشمالية فرض قيودٍ على رجال الأمم المتحدة في الجنوب اللبناني و قدّم ليفائي شكوى ضده إلى رئيس قسم العمليات في حينه ، و طلب إيتان فور تسلّمه رئاسة قسم العمليات من عيزر وايزمن وزير الدفاع توجيه تعليمات بإنهاء خدمة ليفائي . و كلّف وايزمن بهذه المهمة غير السارة موتي غور رئيس هيئة الأركان ، و استدعى الأخير ليفائي و عرض عليه شروط استقالة مغرية . وافق ليفائي على الاستقالة ، لكن لم يعثر على عمل ملائم في القطاع المدني . و توجّه في أزمته هذه إلى صديقه الجنرال أنسيو سيلاسفاو العامل في قوات الأمم المتحدة و نجح الأخير بإقناع المسؤولين عنه بعرض عملٍ على ليفائي في إطار المنظمة الدولية ، رغم عدم رغبة الأمم المتحدة بتشغيل (إسرائيليين) خوفاً من إيجادهم صعوبات بالحفاظ على حيادهم .

اقترحت الأمم المتحدة على ليفائي التوجّه إلى بانكوك كممثلٍ لصندوق الأمم المتحدة لمكافحة المخدرات و استجاب بسرور . و التقاه فور وصوله إلى هناك ضابط الأمن في السفارة (الإسرائيلية) ، و أطلعه على وجوب الحذر ، كرجل مخابرات سابق ، بكافة الاتصالات التي يجريها مع أوساط دولية . و قال ليفائي إنه سيهتم بهذا الموضوع ، و بالفعل أبلغ الضابط بعد فترة وجيزة أن مواطناً سوفييتياً يعمل في المبنى الذي تقع فيه مكاتب الأمم المتحدة يحاول دون توقّف إيجاد علاقة معه ، و قدّم ضابط الأمن تقريراً للمسؤولين عنه في "الشاباك" و اتضح بعد التحقيق بأن المواطن السوفييتي الذي يبدو بريئاً هو رجل مخابرات . و أرسلت في أعقاب ذلك تعليمات إلى ضابط الأمن في السفارة ببانكوك لمطالبة ليفائي بالإبلاغ عن كلّ محاولة تقارب أخرى يقوم بها نفس الشخص و تعهّد ليفائي بالتعاون و عاد بعد عدة أشهر و قال لضابط الأمن إن هذا الشخص لم يستأنف الاتصال .

سافر ليفائي جواً إلى موسكو في أيار 1983 و حسب التقرير الذي قدّمه للسفارة (الإسرائيلية) كان السفر في إطار عمله بصندوق الأمم المتحدة لمكافحة المخدرات . و قدّم فور عودته إلى بانكوك تقريراً مفصلاً جداً عن سفره إلى موسكو كتب فيه بأنه توجّه إلى القنصلية السوفييتية في بانكوك من أجل الحصول على تأشيرة دخول إلى الاتحاد السوفييتي و ذكر اسم الشخص الذي استقبله في مطار موسكو و أكّد أنه و خلال وجوده في روسيا لم يقم رجال المخابرات السوفييت بأي محاولة للاتصال به .

اندلع صراعٌ بينه و بين المسؤول عنه في الأمم المتحدة بعد عامين من وصوله إلى بانكوك ، و كان السبب مخصّصات مالية ، نقلها ليفائي لجنرالٍ محلي ، يعمَل رئيساً للوكالة التايلاندية لمحاربة المخدّرات ، كانت تربطه به علاقات وثيقة ، أنهى عمله و عاد إلى البلاد لكن علاقاته مع تايلاند لم تتوقّف ، بل على العكس من ذلك طلب منه صديقه الجنرال الانضمام كشريكٍ له في شركة تحقيقاتٍ تعمل في حماية منتوجات ذات شهرة من تقليدها في تايلاند و استجاب ليفائي لهذا العرض بتلهّف لكن لدى وصوله إلى بانكوك اتضح له بأن الجنرال توقّف عن خوض صراعٍ مع شركائه و ظلّت الشركة التي كان من المفروض إقامتها مجرّد حبرٍ على ورق .

عاد ليفائي إلى (إسرائيل) و طلب من صديقه أبراهام تامير مدير عام ديوان رئيس الحكومة مساعدته بالعثور على عمل ، و هبّ تامير لمساعدته و أبلغ "الشاباك" بأنه عرض اسم ليفائي كمرشّحٍ للعضوية في مجلس الأمن القومي ولأنه لم يشكّل بعد هذا المجلس اقترح قبول ليفائي للعمل كضابط أمنٍ في ديوان رئيس الحكومة . و تضمّنت قائمة الذين يوصون بتعيين المرشّح الجديد أسماء معروفة و محترمة منهم شمعون بيرس و العميد (احتياط) شلومو غازيت و موظّفون سابقون كبار في "الشاباك" منهم رؤوبين حزاق و بيلغ رادي ، و صادق "الشاباك" على التعيين و اتفق فقط على مطالبة ليفائي فور تسلّمه هذا المنصب بضرورة الحفاظ على السريّة و واجبٌ تقديم تقريرٍ عن كلّ اتصالٍ يجريه مع طرف أجنبي .

بدأ عمله في ديوان رئيس الحكومة بتاريخ 23 نيسان 1985 و اطلع هناك و دون أدنى شكّ على معلومات أمنية حسّاسة . كنت أعمل حينذاك قائد منطقة القدس في "الشاباك" و كان ديوان رئيس الحكومة في مجال مسؤولياتي و لهذا التقيت ليفائي عدة مرات و أجريت معه أحاديث حول شؤون الأمن و قضايا حسّاسة مختلفة ، و لم أتمكّن من العثور على أيّ شيء خاص في شخصيته يثير فضولي ، لكنه أثار لديّ و لسببٍ ما إحساساً غير مريح .

أبلغوني بتاريخ 6 شباط 1989 بأن ليفائي مرشّحٌ للعمل كممثّلٍ لمكتب مراقب الدولة في الجهاز . اقترح عليّ محدّثي إجراء فحصٍ أمني جديدٍ لليفائي بسبب علاقاته الكثيرة مع أجانب و زياراته المتعاقبة للخارج . وافقت على الاقتراح و أضفت إليه طلبي بإجراء فحوصٍ له بواسطة جهاز الكشف عن الحقيقة بخصوص اتصالاته مع أوساطٍ أجنبية . و كان استخدام جهاز الكشف عن الحقيقة في التحقيق مع موظّفين كبار أمر نادر . اجتاز ليفائي و في نهاية المطاف فحوصاً أمنية شاملة خلال السنوات السابقة و وجد بأنه جديرٌ بتسلّم مناصب حسّاسة جداً ، لكن لأن ممثّل مراقب الدولة يستطيع الوصول إلى جميع المواد المتوفّرة لدى المخابرات بما في ذلك وثائق سرية جداً رغبت بالتأكّد من عدم وجود أي شائبة لدى الشخص الذي سيقوم بهذه المهام ، كما كان لديّ إحساس بأنه من الأفضل بقاء ليفائي خارج الجهاز و أيّدت تحفظاتي هذه أمام المسؤولين عن مراقبة الأمن في مكتب مراقب الدولة . لم تتوفّر لديّ حقائق أستطيع الارتكاز عليها لكنهم وافقوا على تحفّظاتي بدون استئناف عليها – و قيل لي : "إذا لم يعجِبكم هذا الشخص فلن يعمل معكم" . و هكذا أغلقت الطريق أمام إجراء تحقيقٍ مع ليفائي بواسطة جهاز الكشف عن الحقيقة و لن يستطيع أحدٌ معرفة إذا كان الجهاز سيكشِف عن شبهات قد تؤدّي إلى الكشف عن عمل ليفائي جاسوساً .

أجريت مداولات في مكتبي في أيلول 1990 بعد أن اتضح لنا بأن ليفائي هو المشبوه الرئيس في قضية التجسّس السوفييتي ببانكوك و شارك في هذه المداولات عددٌ قليل جداً من الأشخاص بسبب السرية التي فرضناها على هذه القضية ، و قدّم خلال المداولات تقرير عن الوضع المالي لليفائي و اتضح تورّطه في ديونٍ كبيرة بسبب فيلا أقامها في مبسيرت تسيون ، و مما فعله اقتراضه مبلغ 100 ألف دولار من قريبٍ له و محاولته سداد هذا الدين بشيكات دون رصيد ، ممّا أدّى إلى سوء علاقة و نزاع بينه و بين زوجته . و بدأ بهدف إنقاذ نفسه من هذا الوضع الصعب ، بالبحث الجادّ عن إمكانيات المشاركة في أعمالٍ مربحة . و علمت في إطار تلك المداولات بأن ليفائي يكون في بانكوك و أنه من المفروض انضمام زوجته إليه ، و ظلّت بناته في المنزل في مبسيرت تسيون . و وجّهت تعليمات بالتنصّت على هاتفهن مفترضاً بأنه سيتّصل بهن من حين إلى آخر .

لم يسهّل ليفائي الأمور علينا إذ طالت فترة وجوده في بانكوك ، و لم يتحدّث خلال الاتصالات الهاتفية مع بناته عن موعد عودته المتوقّعة ، و درسنا أكثر من مرة العثور على ذرائع تؤدّي إلى عودته إلى البلاد ، لكننا قرّرنا في نهاية المطاف التحلّي بالصبر ، و عندما اتضح لنا بعد انتظار دام أكثر من ستة أشهر بأنه ينوي الوصول إلى البلاد في مطلع أيار 1991 بدأنا بالإعداد الدقيق لخطواتنا المتعلّقة باستقباله . كنا بحاجة و قبل كلّ شيء إلى قرار اعتقال ، و لهذا كان علينا استدعاء رئيس قسم التحقيقات في الشرطة المخوّل بذلك وفقاً للقانون ، و كان عوزي برغر هو الذي يتسلّم هذا المنصب في حينه ، و وضعناه في حالة استنفارٍ دون أن نكشِف له عن أي تفاصيل ، كما تسلّحنا بتوصية وزير الدفاع كما يستوجب القانون و حصلنا على قرار محكمة يسمح بإعاقة إبلاغ عائلته باعتقاله لمدة 48 ساعة . اتضح لنا أن ليفائي ينوي الوصول إلى مطار بن غوريون يوم الجمعة الموافق 10 أيار في رحلة لطائرة "سويس إير" من زيوريخ ، و قرّرنا تنفيذ الاعتقال بصورةٍ سرية ، دون أن يشاهد أحد ذلك ، و قمنا بألعوبة بسيطة من أجل الحيلولة دون حضور البنات لاستقبال والدهن في المطار ، إذ اتصل أحد رجالنا هاتفياً ببنات ليفائي ، قبيل تحليق طائرته ، و عرض نفسه كصديقٍ مقرّب لوالدهن و قال إن ليفائي أجبر على تأجيل عودته إلى البلاد بيومٍ واحد ، و اعتقدنا ان الفرق بين الموعدين سيمكّننا من إجراء تحقيقٍ أولي معه بدون تشويش .